موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٨ أغسطس / آب ٢٠٢٥

الأحد الثاني عشر بعد العنصرة 2025

بقلم :
الأب بطرس جنحو - الأردن
الأحد الثاني عشر بعد العنصرة

الأحد الثاني عشر بعد العنصرة

 

الرِّسالَة

 

رتِّلوا لإلهنا رتّلوا

 يا جميعَ الأممِ صفِقّوا بالأيادي

 

فصل من رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس (1 كو 15: 1- 11)

 

يا إخوةُ، أعرِّفُكم بالإنجيلِ الذي بشرَّتُكم بهِ وقَبِلتُموهُ وأنتمُ قائمون فيهِ، وبهِ أيضاً تَخلُصون إن حافظتم على الكلام الذي بشَّرتُكم بهِ، إلّا أن تكونوا قد آمنتم باطلاً. فإنّي قد سلَّمتُ إليكم أوّلاً ما تَسلّمته، وهو أنَّ المسيحَ ماتَ من أجلِ خطايانا على ما في الكتب، وأنَّه قُبِرَ وأنَّهُ قامَ في اليومِ الثالثِ على ما في الكُتب، وأنَّهُ تراءَى لصَفا ثمَّ للاِثنَي عَشَر، ثمَّ تراءَى لأكثرَ من خمسمِائة أخٍ دفعَةً واحِدةً أكثَرُهم باقٍ إلى الآن وبعضُهم قد رقدوا. ثمَّ تَراءى ليعقوبَ ثمَّ لجميع الرسل، وآخِرَ الكُلِ تَراءى لي أنا أيضاً كأنَّهُ للسِّقط، لأنّي أنا أصغَرُ الرسُلِ ولستُ أهلاً لأنْ أُسمَّى رسولاً لأنّي اضطهدتُ كنيسةَ الله، لكنّي بنعمةِ الله أنا ما أنا. ونعمتُهُ المعطاةُ لي لم تكن باطِلةً، بل تعبتُ أكثرَ من جميعهم، ولكن لا أنا بل نعمةُ اللهِ التي معي. فسَواءٌ أَكنتُ أنا أم أولئكَ، هكذا نكرِزُ وهكذا آمنتُم. 

 

 

الإنجيل

 

 فصل من بشارة القديس متى (متّى 19: 16-26)

 

في ذلك الزمان دنا إلى يسوعَ شابٌّ وجثا له قائلاً: أيُّها المعلّمُ الصالحُ ماذا أعملُ مِنَ الصلاح لتكونَ لي الحياةُ الأبديَّة؟ فقال لهُ: لماذا تدعوني صالحاً وما صالحٌ إلَّا واحدٌ وهُوَ الله. ولكِنْ إنْ كنت تريد أن تدخُلَ الحياة فاحْفَظِ الوصايا. فقال لهُ: أي‍َّةَ وصايا. قال يسوع: لا تقتُلْ، لا تزنِ، لا تسرِقْ، لا تشَهدْ بالزور، أكرِمْ أباك وأمَّك، أحبِب قريبَك كنفسِك. قال لهُ الشابُّ: كلُّ هذا قد حفِظتُهُ منذ صبائي، فماذا يَنقُصُني بعدُ؟ قال لهُ يسوعُ: إنْ كنتَ تريد أنْ تكونَ كامِلاً فاذْهَبْ وبِعْ كلَّ شيءٍ لك وأعْطِهِ للمساكين فيكونَ لك كنزٌ في السماءِ وتعالَ اتبعني. فلَّما سمع الشابُّ هذا الكلامَ مضى حزيناً لأنَّه كان ذا مالٍ كثير. فقال يسوع لتلاميذهِ: الحقَّ أقول لكم إنَّهُ يعسُرُ على الغنيِّ دخولُ ملكوتِ السماوات. وأيضاً أقول لكم إنَّ مُرورَ الجَمَلِ من ثَقْبِ الإبرةِ لأسْهلُ من دخولِ غنيٍّ ملكوتَ السماوات. فلَّما سمع تلاميذهُ بُهتوا جدًّا وقالوا: مَن يستطيع إذَنْ أن يخلُصَ؟ فنظر يسوعُ إليهم وقال لهم: أمَّا عندَ الناسِ فلا يُستطاعُ هذا، وأمَّا عند اللهِ فكلُّ شيءٍ مُستطاعٌ.

 

 

بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين.

 

من الحقائق المذهلة أن شابًا يقترب من المسيح ويسعى إلى الحياة الأبدية. لا يسع المرء إلا أن يحب هذا الشاب الذي عانى كثيرًا ليخلص وينال الحياة الأبدية.

 

نلاحظ هذه الحقيقة لأن الشباب، الذين يرون الحياة تنفتح أمامهم، لا يرون إلا الحاضر والمستقبل القريب، ويسعون إلى التمتع بكل ما يقدمه العالم لهم، ويسعون إلى إشباع كل ملذات الحياة. بالطبع هذا ليس مطلقًا فهناك أيضًا شباب يبحثون عن حلول لمشاكلهم الداخلية.

 

أعتقد أنه على الرغم من المشاكل المتنوعة التي يواجهها شبابنا اليوم، إلا أنهم أكثر صدقًا من كبار السن، وهم مستعدون للاعتراف بأخطائهم وتقبّل آراء من يخاطبهم، ولديهم حساسية أكبر من غيرهم من الأعمار. لهذا السبب أشعر بفرح أكبر عندما أتحدث إلى الشباب، لأنهم لم يتنازلوا بعد.

 

أرشد المسيح ذلك الشاب إلى طريق الكمال. هناك درجتان من الكمال. الأول هو التحضير، وهو حفظ وصايا المسيح، والثاني هو المحبة الكاملة لله والناس. أول ما قاله المسيح للشاب كان: "احفظ الوصايا" (متى ١٩: ١٧). وصايا الله كالأدوية التي يصفها الأطباء، فكما تشفي الأدوية المادية الجسد، كذلك تشفي الوصايا روح الإنسان. وكما أن الطبيب عندما يحرم طعامًا، يفعل ذلك بدافع المحبة لحفظ الصحة أو استعادتها، كذلك يُصدر المسيح وصايا لحفظ صحة النفس، وغالبًا صحة الجسد، أو استعادتها.

 

كان السؤال الأول: "أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لأحظى بالحياة الأبدية؟" (متى ١٩: ١٦). يتضمن هذا السؤال نقطتين مهمتين. الأولى هي هدف هذا الشاب، وهو نيل الحياة الأبدية، والثانية هي الوسيلة التي سيكتسبها بها. كان هدف الشاب، في المقام الأول، هو معرفة كيفية دخوله الحياة الأبدية، أي الفردوس. وهذا أمر طبيعي، لأن الأولوية في كل علم هي لكيفية الوصول إلى النتيجة المرجوة. في هذا السؤال، أشار المسيح إلى ضرورة اتباع وصايا الله لنيل الحياة الأبدية.

 

ثانيًا، قال المسيح للشاب: "اذهب، بع ما تملك وأعطِ الفقراء... وتعالَ اتبعني" (متى ١٩: ٢١). أي أنه حثّه على التخلي عن تعلقه بالماديات، ومشاركتها مع الآخرين، واتباع المسيح متحررًا منها. جميع القديسين والأنبياء والرسل والشهداء يندرجون تحت هذه الفئة، إذ قدّم كلٌّ منهم تضحيةً عظيمةً في حياته وقدّم نفسه لله.

 

لذا، لنيل الحياة الأبدية، علينا أن نتبع هاتين المرحلتين المحددتين: حفظ الوصايا التي تُطهّر القلب، وإنكار الذات تمامًا. علينا أن نبدأ هذا المسار، وشيئًا فشيئًا سنكون مستعدين لتقديم المزيد للمسيح. كثير من المسيحيين يبدأون بدايةً جيدة، فيكتسبون بعض الفضائل ثم يتوقفون. لكن طريق الكمال مستمر. قد يبدو هذا صعبًا، لكن المسيح قال إن ما يستحيل على البشر مُمكنٌ على الله. من الجدير أن نفعل كل شيء لنتذوق الحياة الأبدية. كل شيء آخر باطلٌ وزائل.

 

إن حوار الناس مع المسيح كاشفٌ دائمًا، لأن طاقته تتغلغل في كيانهم، وتكشف أعماق عالمهم الداخلي، وتُثير فيهم دهشةً عظيمة. في الواقع يدخل المسيح بمحبةٍ وحنانٍ قلب الإنسان، ويثير فيه الدهشة والتساؤلات. وهكذا يُحفظ الحب والحرية.

 

وهذا ما حدث أيضًا مع الشاب في قراءة الإنجيل، الذي طرح سؤالين متتاليين على المسيح، ثم تابع تلاميذ المسيح بسؤالٍ ثالث.

 

السؤال الثالث طرحه تلاميذ المسيح، حين رأوا عجز الشاب عن التخلي عن متع الحياة واتباع المسيح. كان سؤال التلاميذ: "فمن يستطيع أن يخلص؟" (متى ١٩: ٢٥). أي، إذا كان الأغنياء، الذين يركزون اهتمامهم على الغنى، عاجزين عن الخلاص، فمن يستطيع الخلاص إذًا؟ يرتبط هذا السؤال بالرأي السائد بين اليهود آنذاك، القائل بأن المتع المادية بركات من الله للناس، وأن الأغنياء يتمتعون بنعمته الخاصة. هذا، بالطبع، لا ينطبق اليوم. إلا أن الإنسان في كفاحه لنيل الأبدية، ونيل الخلاص، يشعر بالضعف والعجز. هذا الطريق طويل ووعر ومحفوف بالمخاطر، لما فيه من صعوبات كثيرة. لذلك، يحتاج إلى عون، ولذلك أجاب المسيح بأن هذا مستحيل على الناس، أما عند الله فكل شيء ممكن. هذا يعني أننا نكافح بنعمة الله، وأن طريق الخلاص ليس إنجازًا منا، بل هو هبة من الله لمن يكافح.

 

ومع ذلك، فإن حوار الإنسان مع المسيح حوارٌ خلاقٌ وفعالٌ وخلاصي. لذلك، ينبغي أن نطلب من المسيح بالصلاة، وأن نتواصل معه. ولأن هذا صعبٌ لأسبابٍ مختلفة، ينبغي أن نتحاور مع أصدقاء المسيح، وهم القديسون ورجال الدين الذين تربطهم به علاقةٌ وتواصلٌ، ويقرأون الكتاب المقدس وأعمال آباء الكنيسة. للأسف، يفتقر الناس اليوم وخاصةً الشباب، إلى هذا البحث الروحي، ولا يهتمون بتقدمهم العقلي والروحي، ولا يتحاورون مع المسيح وأصدقائه. والأسوأ من ذلك أن حوارات الناس اليوم تدور حول أمورٍ تافهة، حول تفاصيل حياتنا، حول أمورٍ ثانوية. يجب أن نبدأ الحوار مع المسيح وأصدقائه حول مستقبلنا الأبدي، لأن الإجابات التي سنتلقاها ستملأ عالمنا الداخلي بالسلام والحياة.

 

بقراءة هذا النص بعناية، يلاحظ المرء أن الحياة الأبدية وثيقة الصلة بالسماء وملكوت الله. فالحياة الأبدية ليست مجرد نهاية للحياة البيولوجية وحياة العالم المخلوق، والسماء ليست الغلاف الجوي المحيط بالأرض أو الفضاء، وملكوت الله ليس واقعًا مخلوقًا، بل حياة مع الله، رؤية نور الله والمشاركة فيه. أن ملكوت الله هو مجد الله ونوره، وهذا النور يُسمى سماء. والمشاركة في هذا النور تُسمى حياة أبدية، لأنه لا نهاية لها. يكتب الرسول بولس إلى مسيحيي كورنثوس أنه إذا هُدم بيتنا الأرضي، أي جسدنا، فسيكون لنا بناء من الله، بيت أبدي في السماء، غير مصنوع بأيدٍ (2 كورنثوس 5: 1). البيت الأبدي في السماء ليس مصنوعًا بأيدٍ، أي أنه ليس مبنيًا بأيدي بشرية، بل هو مجد الله. ويتجلى هذا المعنى الروحي في فقرة أخرى من رسالة الرسول بولس إلى تيموثاوس، حيث يكتب أنه يصبر على كل شيء من أجل مختاري الله "لكي ينالوا هم أيضًا الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجد أبدي" (2 تيموثاوس 2: 10). في هذه الفقرة، يرتبط الخلاص الذي يتم في المسيح ارتباطًا وثيقًا بالمجد الأبدي. ويعلّم الرسول بطرس، رئيس الرسل الآخر، الأمر نفسه.

 

وهكذا، فإن الحياة الأبدية، والسماء، وملكوت الله، والمجد الأبدي مفاهيم متطابقة، وفوق كل شيء، حقائق متطابقة. طلب ​​الشاب الغني من المسيح أن يدله على طريق دخول هذه الحياة. لكنه، للأسف، لم يستطع التحرر من قيود الغنى، ومن جاذبية هذه الحياة الدنيا بجاذبيتها وتحدياتها. فرفض طاعة المسيح وقبول طريق وراثة الخيرات الأبدية.

 

 

الطروباريات

 

طروبارية القيامة باللحن الثالث

لتفرح السماويّات، ولتبتهج الأرضيّات، لأنّ الربّ صنع عزّاً بساعده، ووطيء الموت بالموت، وصار بكر الأموات، وأنقذنا من جوف الجحيم، ومنح العالم الرحمة العظمى.

 

طروبارية عيد رقاد والدة الإله باللحن الأول

في ميلادِك حفظتِ البتوليّة وصنتِها، وفي رقادِكِ ما أهملتِ العالمَ وتركتِه يا والدة الإله، لأنّك انتقلتِ إلى الحياة بما أنّك أمّ الحياة، فبشفاعاتِك أنقذي من الموتِ نفوسَنا.

 

قنداق رقاد العذراء باللّحن السادس

إنّ والدةَ الإلهِ التي لا تغفَلُ في الشَّفاعات، والرّجاءَ غيرَ المردودِ في النجدات، لم يضبطُها قبرٌ ولا موتٌ، لكن، بما أنّها أمُّ الحياة، نقلها إلى الحياة الذي حلَّ في مستودعِها الدائم البتوليّة.