موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الصليب ... وحياتنا
أكيد كلنا نعلم أن الصليب كان أداةُ عارٍ ونجساً لدى اليهود لكونه وسيلة العقاب على جريمة، وكل مَنْ لَمَسَ جسم الإنسان الذي عُلِّق ومات عليه. فالكتاب يقول:"مَلْعونٌ مَن عُلِّقَ على الخَشَبَة" (غلا 13:3).
فكانوا يدفنون الصلبان، ويرمون عليها التراب لكي يواروها عن أعين الناس. فكان صليب المسيح مثل بقية الصلبان، ومثل صليبَيْ اللصَّين واللذين لقيا نفس المصير.
وهناك تقليد قديم يُنسِب اكتشاف الصليب المقدس إلى القديسة "هيلانة" أُمّ الملك "قسطنطين الأول الكبير"، ويقال أنه كان سنة (326)، بعد التقصّي والاستفسار عن موضع الصلب في موقع الجلجلة الذي كان الإمبراطور "ادريانوس" قد دنّسه، إذ أقام فوقه معبداً للآلهة "فينوس"، آلهة الجمال والحب (أفروديت عند اليونان، وعشتروت عند الفينيقيين).
ويقال أن التقليد يذكر بعض الأعاجيب عند اكتشاف الصليب، وكيف أدّى إلى انتصار الملك "قسطنطين" الكبير على أعدائه أو منافسيه على الحكم، ثم إلى اهتداءه إلى المسيحية.
كما يقال أن القديسة "هيلانة" أخذت جزءاً من عود الصليب إلى القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الجديدة، وتركت القسم الآخر في أورشليم.
كما يقال أن الملك "قسطنطين" قد شيّد كنيسة فخمة في موضع الجلجلة وأنجزها سنة (335)، ووضع فيها ما بقي من خشب الصليب باحتفالٍ مَهيب. وظلّ عود الصليب موضوع إكرام المؤمنين.
في مطلع القرن السابع تفاقم الخلاف بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية، فشنَّ "كسرى الثاني" "أبرويز" حرباً عشواء على منطقة الروم وتمكّن من اجتياحها وغزوها، فدخل إلى مدينة القدس، وسبى العديد من سكانها، وحَمَلَ الفرس إلى بلادهم غنائم كثيرة مع ألوف من الأسرى، وأخذوا أيضاً ذخيرة عود الصليب إلى عاصمتهم "المدائن" سنة (614).
لما استولى على العرش البيزنطي ملك جديد يُدعى "هِرَقْل"، شَرَعَ في محاربة الفرس، ممّا اضطرّهم على التراجع والتخلّي عن المناطق الغربية والعودة إلى بلادهم. فلاحقهم الملك "هِرَقْل" بجيوشه، وتوغّل في بلادهم، وبلغ العاصمة الساسانية، وعلى أثر ذلك قامت مؤامرة في البلاط الفارسي برئاسة أحد أبناء "كسرى" وأطاحت بالملك، فَخَلَفَه ابنه الثائر "شيرويه"، وتمّ الصُلْح بين الإمبراطوريَّتَيْن. حينها أعاد الفرس ذخيرة الصليب، فاستقبلها المسيحيون في المنطقة الغربية باحتفالٍ كبير وبهجةٍ عارمة، ووضعوها في كنيسة القيامة. واحتُفل بهذا العيد في (14 أيلول)، وكانوا قبلاً يحتفلون بعيد اكتشاف الصليب في (13 أيلول). فأخذ المسيحيون إكراماً للصليب المقدس يزورون الأماكن المقدسة، ويتهافتون على نيل جزء ولو صغير من هذه الذخيرة حيث يضعونها داخل صلبان ثمينة من ذهب أو فضة، ويعلّقونها بفخر واعتزاز على صدورهم.
ودارت أحداث كثيرة، وتوالت سلطات مختلفة، وأصبحت أورشليم نفسها عرضةً للسلب والنهب والتخريب. وقد نقل الصليبيون ما تبقّى من هذه الذخيرة إلى ديارهم مع ذخائر نفيسة من هذه البلاد.
ولكن مهما يكن من أمر، فقد انتهى الجزء الأكبر من عود الصليب إلى روما عاصمة المسيحية آنذاك، وهناك شيّدوا كنيسة كبيرة، ووضعوا فيها القطع الباقية مع ذخائر أخرى، واحتفظوا بغيرها في أماكن أخرى خاصة. وكل م!َن يزور روما يستطيع أن يشاهد بعضاً من هذه القطع في كنيسة الصليب المقدس.
ويَذكر "أوسابيوس القيصري" (+340) بأن الإمبراطور الروماني "قسطنطين الأول الكبير" رأى في السماء نوراً بهيئة صليب مع كتابة تقول "بهذه العلامة تغلب". فاتّخذ الصليب علامةً لجيشه، فدخل روما منتصراً، وكَسَرَ أصنامها، وأبطل عبادتها، وبنى في أورشليم (3) كنائس في مكان الجلجلة والقبر المقدس كُرِّسَت سنة (335).
وأقدم شهادة عن وجود خشبة الصليب في أورشليم أتت في خطبة "قورلّس الأورشليمي" حيث ذكر سنة (347م) بأنّ ذخائر خشبة الصليب المقدس وجدت الآن في العالم كله. فيُستَنتَج أن خشبة الصليب اِكتُشِفَت بين سنتي (335-347).
وفي أخبار رحلاتها إلى فلسطين، تُخبرنا إيجيرية الراهبة الافرنجية بأنّ تذكار اكتشاف الصليب تعلَّق بعيد التكريس الذي كان يدوم لمدة (7) أيام يجري خلالها تقديم الصليب المقدس للسجود. فيُعرض الصليب الكبير، ويُرفع من فوق موضع مرتفع "البيم" في الكنيسة. لذلك سُمّي هذا العيد بـ "عيد ارتفاع الصليب".
وفي التقليد الكنسي، عُيّن تاريخ هذا العيد منذ القرن السادس في 14 أيلول. كما أن الطقس السرياني يحتفل بذكرى اكتشاف الصليب في 7 أيار، وهو عيد يَرِد منذ القرن السادس...
وإلى الحلقة الثالثة.