موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
وعادت الحياة الدراسية إلى إيقاعها السنوي، وعاد أكثر من مليونين ومئتي ألف طالب وطالبة إلى مقاعد الدراسة في مختلف مدارس أردننا الغالي. مشهدٌ يتكرّر كل عام، لكنّه يحمل في كلّ مرّة بدايةً جديدة وحلمًا جديدًا وخطوةً أخرى على طريق بناء الإنسان والمستقبل.
من الطلبة من يدخل المدرسة للمرة الأولى في رياض الأطفال، ويبدأ خطواته التعليمية الأولى، ومنهم من يدخل عامه الأخير في الثانوية العامة، حيث يبدأ "الهم الكبير" والإستعداد لمرحلة مفصلية في حياته. وهناك من يدرس المناهج الأجنبية والدولية، فيما غادر آخرون مقاعد المدارس هذا العام وينتظرون قبولاتهم الجامعية ليبدأوا مرحلة جديدة.
وكم هي جميلة هذه المسيرة التي تعزّز كرامة الإنسان: أن يتعلم المرء خطوة بعد خطوة، وسنة بعد سنة، وصفًا دراسيًا بعد آخر. فالتعليم ليس مجرد شهادات وامتحانات، بل بناء للشخصية والعقل والوجدان، وإعداد للإنسان ليكون فاعلًا في مجتمعه ووطنه.
أما الأهالي – أولياء الأمور الأعزاء، فيفخرون بأبنائهم وبناتهم، لكنّ الفرحة لا تخلو من الهموم، وفي مقدّمتها الأقساط المدرسية، ولا سيّما في المدارس الخاصة. فهناك مدارس ترتفع رسومها بشكل كبير، وفي المقابل هناك المدارس التي نسميها "الرعوية" التي تحمل رسالة تربوية وإنسانية، وتُعنى بالطالب، وبخاصة المحتاج والفقير، وتسعى إلى إبقاء رسومها ضمن حدود معقولة.
وما يميّز هذه السنة ازدياد حضور التطوّر التقني والذكاء الاصطناعي، الذي يضع بين يدي الطالب كمًّا هائلاً من المعلومات ووسائل جديدة للتعلم. وهي فرصة مهمّة، لكنّها تتطلب الوعي والحذر؛ فالذكاء الإصطناعي لا يلغي المدرسة، والشاشة لا تحلّ محل المعلم، والمعلومة السريعة ليست بديلاً عن المعرفة المتينة المعروفة المصادر والمراجع الموثقة. وهنا تبرز أهمية المعلم والمنهاج المدرسي، وبخاصة منهاجنا الوطني، في ترسيخ المعرفة والروح الوطنية والشخصية الإنسانية النبيلة.
وتحية كبيرة للمعلمين والمعلمات العائدين إلى مدارسهم، فالمعلم لا يحمل كتابًا فقط، بل رسالة وأمانة، رغم الهموم المعيشية التي تُثقل كاهله. والتحية كذلك للأهالي والإدارات والموظفين والعاملين في المدارس، ولسائقي الحافلات الذين يحملون مسؤولية المحافظة على سلامة أبنائنا وبناتنا.
إن طلاب اليوم هم أمل الغد ومستقبل وطننا. ونريد لهم أن يكبروا وتكبر معهم أحلامهم ومعارفهم وقيمهم. وبصفتي كاهنًا تربويًا وإعلاميًا يدعو بإستمرار إلى تعميق الحوار والمودة بين جميع المواطنين على إختلاف أديانهم ومكوّناتهم، أتمنّى أن تبقى المدرسة مساحة حقيقية لبناء ثقافة اللقاء، وأن تُعلّم، بالقدوة قبل الكلام، قيم التقبّل والتسامح والإحترام المتبادل، وأن ترسّخ في الأجيال أن الإختلاف لا يعني الخصومة، وأن التنوّع مصدر غنى، وأنّ المواطنة الصالحة تجمعنا أسرة واحدة تحت راية وطنٍ واحد، وقيادةٍ هاشميةٍ حكيمةٍ واحدة.
سنة دراسية مباركة ومثمرة للجميع، وحفظ الله أبناءنا ومعلميهم وأهاليهم، وحفظ الله الأردن قيادةً وشعبًا.