موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١ مايو / أيار ٢٠٢٦

دعوة من كنيسة القدس في الوقت الحاضر

دعوة من كنيسة القدس في الوقت الحاضر

دعوة من كنيسة القدس في الوقت الحاضر

الأب د. رفعت بدر :

 

أصدر الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، رسالة راعوية في 27 نيسان 2026، في محطة مهمّة تُصادف مرور عقد على حضوره في خدمة القدس. وتستمدّ الرسالة عمقها وتجذّرها في المدينة المقدسة من المسيرة الشخصية للكاردينال نفسه. إذ وصل نيافته إلى القدس قبل ثلاثين عامًا، وخدم فيها مدبّرًا رسوليًّا قبل أن يُعيَّن بطريركًا للاتين، ثم كاردينالًا في الكنيسة الكاثوليكية. وفي خضم الأزمات، يواصل حضوره النبيل في دعم الفقراء والشباب، إلى جانب زياراته المتكرّرة إلى غزة خلال الحرب وبعدها.

 

تحمل الرسالة عنوان: «رجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم»، وتأتي بعنوان فرعي: «مقترح حول أسلوب عيش دعوة الكنيسة في الأرض المقدسة». وقد وُجّهت الرسالة إلى بطريركية القدس للاتين، وهي تجمع بين الطابع العملي والروحي، وتعيد وضع دعوة الكنيسة في الأرض المقدسة في صدارة الأولويات، والتي تتمثّل في: البقاء، والحضور، والشفاء، والانفتاح.

 

وتشمل بطريركية القدس اللاتينية مناطق جغرافية عدّة، من بينها الأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص.

 

 

قراءة الواقع

 

في القسم الأول من الرسالة، المعنون «قراءة الواقع»، يبدأ البطريرك بيتسابالا بقراءة صادقة للواقع الراهن في الأرض المقدسة، معترفًا بالتحديات الناتجة عن الحروب المتكرّرة، والتفكّك الاجتماعي، وموجات الهجرة القسرية، والفقر، والمعاناة اليومية التي يفرضها واقع الاحتلال.

 

يسعى البطريرك إلى فهم أعمق للأحداث بدل إصدار أحكام سريعة تجاهها. ويشدّد على أن ما يحدث ليس مرحلة عابرة، بل واقع قد يتحوّل إلى جزء من ثقافة الأرض المقدسة إذا لم تتمّ معالجته. لذلك، فإن قراءة الواقع ليست دعوة إلى التشاؤم، بل بناء أساس لتفكير راعوي عملي.

 

ويضع بطريرك القدس «أورشليم» كنموذج مرجعي، باعتبارها «المدينة السماوية النازلة من عند الله»، ما يدعو إلى بناء جماعة متجذّرة في العلاقة مع الله، وتجسّد كرامة الإنسان. فالحضور الإلهي المستمر لهذه المدينة يجعل الكنيسة مساحة لقاء لا حصنًا للإقصاء، ويفتح أبوابها أمام الجميع، ويجعل «شفاء ذاكرتنا الجماعية» نقطة انطلاق تُفضّل المصالحة على أدوات الصراع.

 

وفي النسخة العربية من الرسالة، أضاف المترجم ملاحظة مهمّة أوضح فيها أن كلمة «أورَشليم» (بفتح الراء) لا تحمل أي دلالات سياسية، ولا تشير إلى المدينة بصورتها الحالية، بل إلى الاسم الكتابي القديم للقدس كما يرد في الكتاب المقدس، وتحديدًا في سفر الرؤيا. أما عند الحديث عن المدينة بمعناها الراهن، يشير المترجم إلى استهدام اسم «القدس».

 

وترى الرسالة أن العبادة مرتبطة بالحياة اليومية، فالليتورجيا والصلاة ليستا وسيلة لغاية أخرى، بل هما جوهر الحياة الكنسية ومصدر التجدد الذي يمكّن الكنيسة من ملامسة الواقع بنور المحبة.

 

 

توجيهات عملية

 

ومن هذا المنطلق، تبرز تطبيقات رعوية واضحة، مثل تعزيز الصلاة العامة والخاصة، ودعم العائلات باعتبارها «كنائس بيتية»، وتشجيع المدارس التي تزرع الانفتاح، والحفاظ على المؤسسات الصحية والاجتماعية كأماكن للحوار والشفاء.

 

ويستعير بطريرك اللاتين لغة سفر الرؤيا، إذ يرى أن «ورق الشجرة لشفاء الأمم» يتجسّد في الخدمات التي تقدّمها المستشفيات والعيادات وكاريتاس ودور الرعاية، باعتبارها تجسيدًا حقيقيًا لدعوة القدس إلى الشفاء الجماعي من دون تمييز ديني أو عرقي. ويعتبر البطريرك بيتسابالا أن هذه الخدمة الهادئة هي التي تصنع أرضية مشتركة للقاء بين الشعوب والأديان.

 

كما تتناول الرسالة القضايا الأخلاقية الكبرى، مثل رفض العنف كقيمة غير قابلة للتفاوض، وإعادة قراءة الذاكرة التاريخية كعمل روحي ضروري كتحرير الذاكرة من سمومها، إضافة إلى التأكيد على قيمة الحوار بين الأديان، لا كرفاهية بل ضرورة وجودية في أرض متعددة الهويات. كذلك، تدعو الرسالة إلى الشجاعة والصبر، إذ يشجّع البطريرك بيتسابالا على بناء «حوار الحياة» بدل «حوار النخب»، والالتزام بممارسات يومية تعلّم اللقاء والانفتاح بدل العزلة والانغلاق.

 

 

مقاومة منطق الحرب

 

وتجرؤ مواقف البطريرك على مقاومة منطق الحرب. ففي المدينة المقدسة، اختبر بطريرك القدس منعه من الاحتفال بأحد الشعانين في كنيسة القيامة، ما أضفى على الرسالة صدقية وإلحاحًا نابعين من اختباره الشخصي للخدمة وسط العنف.

 

وبينما نقرأ رسالة البطريرك بيتسابالا الراعوية، لا بدّ من استذكار الرسالة الراعوية المؤثرة التي كتبها البطريرك اللاتيني الفخري ميشيل صبّاح عام 1997 بعنوان «قراءة الكتاب المقدس اليوم في أرض الكتاب المقدس». فقد ذكّرت رسالة صبّاح بأن النص المقدس يُفهَم بصورة مختلفة عندما يُقرأ في سياق الأرض نفسها. واليوم، يُكمل بيتسابالا هذه المسيرة بخطوة راعوية جديدة: من قراءة النص إلى عيش الإنجيل الحي، بحيث يتحوّل الإرث الكتابي إلى برنامج حياة ورعاية ومرافقة.

 

 

خارطة طريق راعوية

 

تكمن أهمية هذه الرسالة الراعوية ودعوتها العملية في مزج الكاردينال بيتسابالا بين التأمل الشخصي والروحانية الإنجيلية، مقدّمًا خارطة طريق ملموسة لحماية الحضور المسيحي في الأرض المقدسة، والعناية بالفقراء والمهمّشين، وتربية الأجيال الجديدة على الانفتاح، وصناعة ثقافة شفاء وحوار.

 

إنها دعوة إلى العودة إلى أورشليم، لا كعودة جغرافية فحسب، بل كإعادة خلق لقلب المدينة وذاكرتها والتزامها المسيحي؛ مدينة أبوابها مفتوحة، تنيرها أنوار عيد القيامة المجيدة، حيث يزرع أهلها بذور السلام التي تشفي الأمم والشعوب.