موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مع الأسف يُحيط بعيد القدّيس فالنتينوس الدينيّ التقويّ قدْرٌ من سوء الفهم، وقد يصحبه أيضاً سوء استخدام يضرّ العيد ويُنزِله الى مستويات تجاريّة ودنيويّة أخرى. لذا ينبغي توضيح معنى هذا العيد الحقيقيّ وأصله الساميّ وهدفه الرفيع.
القديس فالنتينوس من مواليد روما، سيم كاهناً عام 200م، واشتهر بعلمه وتقواه وفضائله. وتحتفل الكنيسة الكاثوليكية بذكرى القديس الشهيد "فالنتينوس" في الرابع عشر من شباط من كلّ عام، إحياءً لذكرى إعدامه شهيدًا للإيمان ولقدسيّة الزواج.
وفقاً للسجلاّت التاريخيّة، أصدر الإمبراطور الروماني المشهور بشراسته كلاوديوس الثاني قانوناً يقضي بمنع الرجال في سن الشباب من الزواج، بهدف زيادة عدد أفراد جيشه، لأنه كان يعتقد أنّ الرجال المتزوّجين لا يمكن أن يكونوا جنودًا مخلصين فعّالين أكفاء.
ومع ذلك، كان القدّيس فالنتينوس، بصفته الكهنوتيّة الراعويّة، يقوم بإتمام مراسم الزواج للشباب، في الخفاء، ويساعدهم مادياً كي يتمكّنوا من الزواج. وعندما اكتشف كلاوديوس ما كان يقوم به فالنتينوس بشكل سرّي أمر بإلقاء القبض عليه وأودعه السجن؟
كان فالنتينوس يتلقّى باقات من الورود من أبنائه الروحانيين الشباب وسائر محبّيه ومؤيّديه. وفجر يوم تنفيذ حكم الإعدام المشؤوم، كتب رسالة شكر إلى الكلّ ذيّلها بهذه العبارة المؤثرة: "لكم كلّ الحب من فالنتينوس". وتمّ تنفيذ حكم الإعدام في 14 شباط عام 269.
أوّلاً لأنّه كان يساعد الشباب مادياً كي يتمكّنوا من الزواج، ويُجري مراسم الزواج بشكل سرّي. ثانياً لأن تنفيذ حكم الإعدام في 14 شباط، تزامن مع موسم الحب عند العصافير، حيث كان المحبّون يتراسلون في ذلك اليوم. ويبدو أنّ الأزهار تبدأ تتفتّح في ذلك الوقت من السنة.
إبّان تنفيذ عملية إعدام فالنتينوس، اندفع مئات الشبّان إلى كتابة اسمه في الطرقات والأزقّة وعلى جدران المعابد الرومانيّة الوثنيّة تخليداً لذكراه. وفي العصور الوسطى كان الناس يرتدون ثياباً تحمل اسم فالنتين. وطرأت تغيّرات تاريخيّة على الاحتفال: ففي عام 1600 انتشرت ظاهرة إهداء الأزهار والقصائد الرومانسيّة، وقام تشارلز الثاني ملك انجلترا بإهداء قصيدة الى جميع المحبّين في أوروبا بموجب مرسوم ملكي. وفي عام 1849 أصبح يوم القديس فالنتينوس عطلة قوميّة في بلاد كثيرة.
ثمّ أصبح اليوم التقليدي الذي يعبّر فيه المحبّون المتزوّجون والخطّاب عن حبهم بعضهم لبعض، عن طريق إرسال الهدايا أو بطاقات المعايدة أو إهداء الأزهار أو الحلوى. وتتضمّن رموز الاحتفال في العصر الحديث رسومات على شكل قلب أو كيوبيد (ملاك الحب ذي الجناحين) وغيره. وكان تبادل البطاقات في بريطانيا في القرن التاسع عشر إحدى الصيحات التي انتشرت آنذاك، حين تراجعت موضة الرسائل المكتوبة بخط اليد.
في عام 1847، صمّمَت إستر هاولاند من أمريكا بطاقات مستوحاة من بطاقة أُرسِلَت إليها من انجلترا، ولاقت البطاقات رواجاً كبيراً في أمريكا، وتحوّلت هذه المناسبة إلى نشاط تجاري ضخم يدرّ أرباحاً طائلة.
نجحت العقليّة الأمريكية الماديّة في تحويل العيد الديني إلى مصلحة تجاريّة. في النصف الثاني من القرن العشرين، شملت المعايدة في أمريكا كلّ أنواع الهدايا، يقدّمها الرجال عادةً إلى النساء، وخاصةً الورود والشوكولاتة مغلّفة بالساتان الأحمر، داخل صندوق على هيئة قلب، ثمّ أصبح العيد مناسبة لإهداء الماس والمجوهرات. ولكن عند أتقياء القوم وسائر أهل النيّة السليمة والطويّة القويمة يبقى "عيد الحبّ" إعلاءً للزواج المقدّس ورمزًا للمحبّة الوجدانية التي من غيرها لا زواج ولا أسرة ولا مجتمع فاضل.
وهذا العيد يأتي في المرتبة الثانية من حيث كثرة عدد بطاقات المعايدة التي يتمّ إرسالها فيه بعد عيد الميلاد المجيد، إذ كانت البطاقات تزيد عن البليون بطاقة. في أيامنا ساهمت المواقع الإلكترونيّة في ظهور تقاليد جديدة منها بطاقات المعايدة الإلكترونيّة التي يستخدمها ملايين من الناس.
للعيد تقاليده الخاصّة في كلّ بلد. ففي السويد يُطلَق على هذا اليوم اسم "يوم كلّ القلوب" ليشمل جميع الناس. وبدأ الاحتفال به في الستينات من القرن الماضي، لكنّه ليس يوم عطلة رسمية، ولا يفوق حجم مبيعات الهدايا في هذا اليوم سوى حجم المبيعات في يوم عيد الأمّ. وفي البرتغال يُطلِقون على العيد اسم "يوم المحبّين" وفي فنلندا "يوم الصديق" أي تذكّر الإنسان لكلّ أصدقائه وليس فقط لمَن يرتبط معه بعلاقة حب.
قليلون يتذكّرون القدّيس فالنتينوس في هذا اليوم، ذاك الشهيد الذي ضحّى بحياته في سبيل إسعاد الآخرين، والدفاع عن الزواج المقدّس والمحبّة التي تجعل البيوت عامرة وآهلة بالنسل الصالح، كما كتب القديس بولس "ليكن الزواج مكرّماً عند الكلّ" (عبرانيين 4:13).
وفي هذه الأقوال الرسولية صدى لكلمات السيّد المسيح الخالدة: "يصير الرجل والمرأة جسداً واحداً" (متّى 5:19؛ تكوين 24:2). ويُمكن بسهولة أن نحسب عيد القديس فالنتينوس عيد "محبّة القريب" بشكل عام حسب الوصيّة الإلهيّة "أحبِب قريبك حبّك لنفسك" (لوقا 10: 25 وتابع). وبإمكاننا، بمناسبة هذا العيد ولدى كلّ عقد قران مقدّس في الكنيسة أن نذكر بتأثّر وصيّة القديس بولس إلى أهل وإلينا: "البسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء الرحمة واللطف والتواضع والوداعة والأناة" (قولسّي 3: 12).
ينبغي استخلاص العبَر من حياة القدّيس فالنتينوس الذي عاش محبّة الله والقريب ومات من أجلها، ولخّص بحياته واقواله ارتباط سرّ الكهنوت بالزواج في إطار المحبة الإلهيّة والإنسانية لشريك الحياة وللقريب، ولسان حاله قول القديس بولس الإناء المختار في الزواج: "إنّ هذا السّرّ لعظيم، وأعني بنسبته إلى محبّة المسيح للكنيسة" (أفسس 5: 21 وتابع).