موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لا تزال دبلوماسية الكرسي الرسولي ثابتة في نهجها، إذ يقوم مبدأها الأساسي على الساحة الدولية على بناء العلاقات لا قطعها. وفي سياق تُعدّ فيه الولايات المتحدة «محاورًا أساسيًا» نظرًا لنفوذها الدولي، يستعد الفاتيكان «للاستماع» إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي سيستقبله البابا لاون الرابع عشر اليوم عند الساعة 11:30 صباحًا، قبل أن يلتقي لاحقًا بأمين سرّ دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين.
وقد رسم الكاردينال بارولين إطار هذا اللقاء الذي سيجري في ظل تصعيد هجمات دونالد ترامب. ففي ليلة الاثنين إلى الثلاثاء، وخلال مقابلة مع موقع «سالِم نيوز»، اتهم رئيس البيت الأبيض مجددًا البابا بأنه يؤيد امتلاك إيران لسلاح نووي. وقد كرّر هذا الموقف مساء أمس قائلاً: «سواء أسعد ذلك البابا أم لا، لا يمكن لطهران أن تمتلك سلاحًا نوويًا. هذه هي رسالتي الوحيدة عشية مهمة روبيو».
هي تصريحات اعتبرها الفاتيكان بلا أساس، كما أكّد البابا نفسه يوم الثلاثاء. وأعاد أمين سر دولة الفاتيكان التأكيد على ذلك أمس، واصفًا التصريحات الجديدة للرئيس السابق بأنها «غريبة بعض الشيء». وأكد الكرسي الرسولي أنه يرفض حتى امتلاك الأسلحة النووية، وليس فقط استخدامها، وكان من أوائل الدول الموقعة عام 2017 على معاهدة الأمم المتحدة لحظرها.
لذلك فإن موقف الكرسي الرسولي «واضح جدًا» في هذا الشأن، وكذلك دعمه الصريح للحلول التفاوضية في تسوية النزاعات. وفي هذا السياق، أعلن الفاتيكان استعداده للاستماع إلى روبيو، موضحًا أن «المبادرة جاءت من جانبهم»، بحسب ما قال الكاردينال بارولين، رغم وجود «بعض الصعوبات». وأقرّ بأن هذه الصعوبات «لا بد أن تُطرح خلال المحادثات». وخلص إلى أن «البابا لن يتردد في لقاء ترامب إذا اقتضت الحاجة».
سيكون جوهر لقاء اليوم مخصصًا للسياسة الدولية، وتحديدًا قضايا الشرق الأوسط، من إيران إلى لبنان. وكذلك، وبشكل خاص، ملف كوبا، نظرًا للدور الحاسم الذي تلعبه الكرسي الرسولي في العلاقة بين البلدين الخصمين. وقد ألمح الدبلوماسي الأميركي نفسه إلى التعاون مع الكنيسة في ما يتعلق بالمساعدات الإنسانية للبلاد، التي تعاني من انقطاع في الطاقة بعد توقف إمدادات النفط الذي قررته الإدارة الأميركية. وهو ما يُوصف بأنه «حصار داخل حصار»، رغم أن واشنطن تنفي ذلك.
هذا الملف شديد التوتر، ووزير الخارجية ماركو روبيو يُعد عنصرًا حاسمًا في مسار تطوره. روبيو، المولود في ميامي لعائلة مهاجرة من كوبا قبل الثورة، جعل من التشدد تجاه الحكومة الكوبية محورًا أساسيًا في مسيرته السياسية، وأصبح ممثلًا للتيار الأكثر صرامة داخل صفوف المنفى الكوبي. وليس من قبيل الصدفة أن الرئيس ترامب قد «مازح» حول فكرة إرساله لقيادة الدولة الكاريبية.
قبل يومين فقط، التُقطت له صورة إلى جانب قائد القيادة الجنوبية فرانك دونوفان، وخلفهما خريطة كوبا. وقد اعتبرها البعض رسالة تهديد مبطنة، رغم أن روبيو نفى ذلك جزئيًا واعتبرها صورة عفوية. وبالطريقة نفسها، خفّف من حدة التوتر مع الكرسي الرسولي، واصفًا إياه بأنه مجرد «أحداث متفرقة»، مؤكدًا: «هناك الكثير لنتحدث عنه مع الفاتيكان»، وبنبرة هادئة.
لكن من الواضح أن الهجمات المزدوجة من ترامب خلال يومين قد وضعت وزير الخارجية في موقف حساس، ليس فقط من الناحية السياسية، بل أيضًا على المستوى الشخصي نظرًا لكونه كاثوليكيًا. كما أن وزير الخارجية الأميركي لا يخفي طموحه في قيادة الحزب الجمهوري بحلول عام 2028، ما يجعله مضطرًا إلى بناء علاقة ودّية، على الأقل من حيث الشكل، مع الفاتيكان.
ويرى بعض المراقبين أن هجمات ترامب قد تهدف تحديدًا إلى عرقلة هذا المسار، أو أنها تعيد تفعيل أسلوب «العصا والجزرة» المعتاد. لكن تأثير ذلك يبدو محدودًا على الكرسي الرسولي، الذي يبقى ثابتًا على نهجه: «البناء لا القطيعة».