موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تَعرَّف قوانين المحاكمات، بأنَّها مجموعة أنظمة أسستها الكنيسة لإدارة شؤون العدالة، ولحماية حقوق الأفراد والأشخاص العامين بغية الحفاظ على العدالة والسلام الاجتماعي وذلك بتطبيق الشرع الموضوعي، سواء في الحقل القضائيّ (المحاكمة بالمعنى الدقيق) أو في الحقل الغير القضائيّ (المحاكمات أو الإجراءات الإدارية). في الكنيسة تُعتبر هذه القوانين، أداة وضعت من المشرع لحماية حقوق الأشخاص في الكنيسة والدفاع عن القيم متضمنة في الشرع الكنسي. وتقدم المحاكمة نفسها كوسيلة لإعلان الأشياء كما هي وكما ينبغي أن تكون، أي كبحث منظم وموضوعي ومستقل عن الحقيقة، الحقيقة التي يجب الاعتراف بها لأن "الحقيقة هي أم العدالة".
والحقيقة أنَّ المحاكمة الكنسيّة تهدف، بصورة مباشرة، إلى استقرار النظام الاجتماعيّ والنظام الأخلاقيّ؛ ومن خلالها يتم تحقيق العدالة في العلاقات القانونيّة بين الأشخاص في الكنيسة. وهذا شرط ضروريّ لحماية الحقوق الحقيقيّة في الكنيسة. ولا ينبغي أن يُنظر إلى "تدخّل العدالة مع المحبة والرحمة" كنوع من "تطبيق تجميلي للشرع"، الذي قد يجعله نوعاً من "عاطفة أو شفقة مضّللة". فالعدالة لا تنشأ من النيّات الطيّبة، إنَّما من احترام الجميع للأنظمة، حسب المبادئ العامَّة وروح النّظام الكنسيّ. لذلك، يقفsalus animarum كمبدأ توجيهي وملهم لعدالة المحاكم الكنسية، حيث أن الهدف المباشر للقانون الكنسي هو صياغة قواعده ومؤسساته بطريقة تجعلها موجهة إلى الهدف الرعوي الأسمى وهو خلاص النفوس. لا يمكن للكنيسة إلا أن تأخذ بعين الاعتبار الرسالة الخلاصية، حتى لو كانت تشير الإشارة إلى مفاهيم كنسية خلاصية خاصة فهي لا تؤدي إلى إفراغ طبيعتها القانونية نفسها، بل تؤكد طابعها النموذجي. في الواقع، إن إقامة العدل في الكنيسة هو مظهر من مظاهر العناية بالنفوس، الأمر الذي يتطلب الاهتمام الرعوي ليكونوا خدامًا للحقيقة المخلصة والرحمة. تأخذ خدمة الحقيقة أهمية خاصة لدى الأساقفة، عندما يحكمون بشخصهم، خاصة في المحاكمات القصيرة، وكذلك عندما يمارسون مسؤوليتهم تجاه محاكمهم الخاصة، وبالتالي يظهرون أيضًا اهتمامهم الأبوي تجاه المؤمنين.
فإنَّ قانون المحاكمات هو عملُ الكنيسة، كأداة لتجاوز ولحل النزاعاتِ. لذلك، تنظر الكنيسة إلى قانون العقوبات بإيجابية، لأنَّ رؤية الكنيسة تتضمّن حماية حقوقَ المؤمنين كأشخاص، وأَيضًا حماية الخير العام كشرط لا غنى عنه من أجل التطورِ التكامليِ للشخصِ الإنساني والمسيحيِ.
"إنَّ الكلمات "الحقّ"، "الحكم" و"العدالة"، وبين النّقائصِ والصعوباتِ في أَي تنظيم إنساني، يُستذكر في الخبّرة الوجوديَّة للكنيسة، العدالة العليا، العدالة الإلهية، التي تًوضع كهدف ونهاية حتميَّة للمقارنة. هذا ما يَستلزمُ إلتزاماً رهيباً من قبل جميع الذين يمارسون العدالةَ". يؤّكد أيضاً البابا يوحنا بولس الثاني في خطابه أمام عميد محكمة الروتا رومانا 18 كانون الثاني سنة 1990 "لذلك، لم تنكّر الكنيسة رسالتها في المحبّة والسلام؛ لكن قد هيأت وسيلة مناسبة لإثبات الحقيقة التي هي شرط العدالة التي لاغنى عنها، محيية من المحبّة، وأيضاً لسلام حقيقيّ. لهذا ينبغي التخلي، إذا أمكن عن المحاكمات. مع ذلك، في حالات معيّنة، هذه المحاكمات مطالب بها من الشرع كطريقة أكثر ملائمة لحلّ مسائل كنسية خطيرة، قيام الزواج مثلاًَ. فالمحاكمة العادلة هو موضوع حق المؤمنين ويشكل في ذات الوقت مطلب الخير العام للكنيسة. والأنظمة القضائية الكنسية ينبغي أن تُحفظ من قبل جميع العاملين في المحكمة بحسب ظهورات أداة العدالة التي تقود إِلى العدالة الجوهرية".
إنطلاقاً من غاية التنظيم الكنسي المرتبط بالطبيعة الكنيسة، ومن حقيقة أنَّ المحاكمة الكنسية هي أداة خلاص، تتجلّى بعض التوازنات النموذجيَّة التي تُنظّم حسن تطبيق العدالة ومبدأ الخير العام وخلاص النفوس. من بين هذه النّماذج:
1- التوازن بين العدالة والحقيقة: بما أنَّ الشَّرع الإلهيّ في القانون الكنسي، هو القاعدة الأساسية، فإن العدالة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحقيقة التي تصبح في الإيمان الكاثوليكي قيمة تحدّد نفسها في شخص السيّد المسيح. ولذلك لا يمكن فهم معنى العدالة إلا بعلاقتها بالحقيقة، وبالتالي بالقانون الإلهي. هناك علاقة خاصة جدًا بين الحقيقة والعدالة: العدالة هي المشاركة في الحقيقة؛ العدالة هي الحقيقة والحقيقة هي العدالة. وبعبارة أخرى، لا تتحقق العدالة إلا عندما يطبق الحق، وبالتالي الحق الإلهي. في الواقع، النظام القانوني مبني على الحقيقة المتجسدة، على المسيح "الطريق والحق والحياة (يو 14، 6). أكَّد البابا يوحنا بولس الثاني أنَّ جميع أعمال القاضي الكنسي القضائية هي ممارسة ministerium veritatis في خدمة الحقيقة، لأَنَّه "بإتصاله بالحقيقة، فهو يبحث ويتحقق بإلالتزام وبالتواضع وبالمحبة" في المحاكمة الكنسية التي من جهتها هي منظمة في خدمة الحقيقة. وأنَّ الكنيسة أهتمت بإجراء قضائي، بهدف التحقيق عن الحقيقة الموضوعيَّة، ومن جهة أخرى تُؤكد على أقصى ضمان للشخص لكي يدعم أسبابه الخاصة، ومن جهة أخرى، تحترم الوصية الإلهية "َQuod Deus coniunxit, homo non separet" (مرقس 10، 3). ومن هنا ينشأ واجب القاضي نحو الشرع وهي الأمانة، أَي الأمانة للشرع الإلهي، والطبيعي والايجابي، والكنسي والقضائي.
البابا يوحنا بولس الثَّاني في خطابه أمام عميد محكمة الروتا رومانا 26 كانون الثاني 1984:"إنَّ مهمة خدمة العدالة التي أتُمنت إِلى القاضي هي مسؤوليَّة خاصة في جعل صورة الكنيسة أكثر شفافيَّة "speculum iustitiae" تسجد دائماً لمبدأ العدالة. خدمتكم هي في قول الحق (dicere ius) التي تضعكم بشكل تأسيسيّ في علاقة عميقة مع الشرع، الذي منه تأخذون إلهام مَطَابُقة أحكامكم معه. أنتم خدام القانون"(رقم 3).
يؤكّد البابا يوحنا بولس الثاني في الرسالة العامّة "تألّق الحقيقة"، لا سيّما بالنسبة إلى إمكانية تطبيق لمحتويات السلطة التعليمية في المجال القانون الكنسيّ على أهمية العلاقة بين تألق الحقيقة والعدالة، مما يضع في المركز "موضوعيّة ما هو حقيقيّ وعدم فصله عن ما يتعلّق بما هو خير وما هو حرّ". تُفهم الحقيقة، المبدأ الأساسي لهذه الوثيقة، بشكل عامّ على أنّها الحقيقة العمليّة، الحقيقة الأنطولوجيّة، والتوافق الموضوعيّ مع الواقع. في إطار القانون المحاكمات الكنسيّ، الحقيقة القانونيّة وبشكل أعمّ الحقيقة الإجرائية يمكن اعتبارها متميّزة عن الحقيقة الموضوعيّة لأن العدالة عهدت إلى المخلوقات الذين يمكن أن يخطئوا كالقضاة. إلا أنّ المشاركة الواقعيّة للإنسان في البحث عن الحقيقة مما يؤدي إلى جعل هذا التناقض بين حقيقة الله وحقيقة الإنسان، كون الخير يدرك حدوده في صعوبة معرفة ما هو ملموس في الحياة البشرية، مدفوعة نحو البحث الدقيق عن الحقيقة في حدّ ذاتها، بمحاولة تحقيق اكتساب كامل للواقعية ومن ثم الوصول إلى النطق العادل.
وضّح البابا يوحنا بولس الثاني هذا الموضوع بقوله: "تسعى السلطة الكنسية إلى تكييف عملها، حتى في معالجة القضايا المتعلقة بصحة الرباط الزوجيّ، وفقًا لمبادئ العدالة والرحمة. ولذلك، فإنَّها تدرك، من جهة، الصعوبات الكبيرة التي تواجه الأشخاص والعائلات المتورطة في حالات العيش الزوجي البائس، وتعترف بحقهم في أن تكون موضوع اهتمام رعوي خاص. ومع ذلك، فإنَّها لا تنسى، من ناحية أخرى، حقّ الأشخاص أيضًا في عدم أن يتم خداعهم بحكم بالبطلان يتعارض مع وجود زواج حقيقي. فإنَّ الإعلان الظالم ببطلان الرباط الزوجي لا يمكن أن يجد أي دعم شرعي في اللجوء إلى المحبة أو الرحمة. فهتان الأخيرتان لا يمكن أن تتجاهلا متطلبات الحقيقة. فالزواج الصحيح، حتى لو كان مصابًا بصعوبات جسيمة، لا يمكن أن يعتبر باطلاً، إلا إذا تم بذلك انتهاك للحقيقة وتقويض الأساس الوحيد القوي الذي يمكن أن تقوم عليه الحياة الشخصية والزوجية والاجتماعية. لذلك، يجب على القاضي دائمًا أن يحترس من خطر التعاطف المسيس الذي قد يتحول إلى مجرد عاطفية ظاهرية رعوية. فالطرق التي تبتعد عن العدالة والحقيقة تنتهي بالمساهمة في بعد الناس عن الله، محققة النتيجة المعاكسة لما كان يُسعى إليه بحسن النيَّة".
نستطيع التحدّث عن "الحقيقة" المرتبطة بحقيقة المحاكمة والتي تظهر في القرار الحكم؛ والحقيقة في المحاكمة الجزائية بمعناها الواسع، وهي حقيقة تقوم على اساس الأعمال والبيّنات، وحقيقة الشهادات التي على أساسها ينطق القاضي بالحكم النهائيّ. فإذا العدالة لم تكن حاضرة، أو على الأقل لا تبدو متأصلة في حكم هيئة قضائيّة، فإنّ الشرع الكنسيّ يستخدم وسائل مختلفة تهدف إلى تكامل الحكم؛ أو حتى تعديل الوضع الذي أنشأه الحكم وهو في حد ذاته منتظم، ولكن في جوهره غير العادل. في الواقع، كتب لنا إنجيل يوحنا هذه الكلمات الواضحة من الربّ: "لا تحكموا وفقاً للمظاهر، بل احكموا بالعدل!" (يو 7، 24). وفي السياق نفسه، يخبرنا يوحنا عن اختيار نيقوديموس لطريقة إجراء يتابعها زملاؤه: "أتحكم شريعتنا على أحد قبل أن يستمع إليه ويعرف ما فعل؟ (يو7: 50-51). وعلينا ألا ننسى أنّ إدانة يسوع ستكون بسبب خير العام، دون أن تكون عادلة: "أنتم لا تدركون شيئاً، ولا تفطنون أنه خير لكم أن يموت رجل واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة بأسرها" (يوحنا 11: 49-50). لذلك، لا يمكن فهم معنى العدالة إلا بعلاقتها بالحقيقة، وبالتالي بالشرع الإلهيّ. بين الحقيقة والعدالة، هناك علاقة خاصة جدا: العدالة هي المشاركة في الحقيقة. وبعبارة أخرى، لا تطبَّق العدالة إلا عندما تطبَّق الحقيقة، وبالتالي تطبَّق الشرع الإلهيّ.
2-التوازن بين العدالة والمحبّة: تُعبّر السلطة الكنسية بمفهومها اللاهوتي، وليس القانوني، عن العلاقة الأنطولوجيَّة مع الله، والتي تُفهم من خلال البعدين: الشخصي، والسريّ، فلا يكفي أن تكون الأنظمة القانونية الكنسية بعلاقتها الظاهريَّة بين أعضاء الكنيسة بأن تُطبق بشكل بسيط ومانعه لسواه من أنظمة العدالة، لكن يجب أن تكون منظمة على أساس المحبة التي تظهر من خلالها العدالة الإلهية السماوية. لذلك نرى أن التشريع الكنسي قائم على تحقيق وصية المحبة نحو الله ونحو القريب، من خلال عمل السلطة الكنسية المختصة في مجال إختصاصها لكي تضمن تنظيم الحياة في الكنيسة. إنَّ هذه النظرة عن الكنيسة توضّح كيف أَنَّها بكمالها وبوحدتها، هي غير قابلة للتجزئة، وإنّ تمتّعت بدرجات مختلفة في الخدمة.
الأمر يتعلّق بكون الشرع نظام مكتوب، وهو الذي ينظم سلوك جميع المشتركين في المحاكمة، والمحبّة، قيمة خاصة بالله التي أعطيت للكنيسة كهبة وواجب (نور الأمم رقم 42) وكما يعلم المجمع الفاتيكاني الثاني، هي الشرع الأساسي لكمالية الإنسانيَّة (فرح ورجاء رقم 38). ونظرًا لوجود وحدة الخير وتنوع الفضائل، فإنَّ سائق العجلة الفاضلة، والحكمة، ضروريان للتصرف بشكل صحيح من وجهة نظر أخلاقية، وممارسة جميع الفضائل. إن الحكمة هي فضيلة تتمثل أساسًا في اتخاذ قرار، بعد الحكم، بشأن الخير الحقيقي الذي يجب القيام به. وتتمثل فضيلة العدالة على وجه التحديد في إعطاء كل فرد حقه، وفقًا لتعريف أولبيان الشهير، الذي تم جمعه من التقليد المسيحي. وبالتالي فإن ius هو iustum، ما يجب أن يُعطى للجميع على وجه التحديد لأن له واجب العدالة، وبالتالي فإن الحق هو موضوع العدالة. وفي حين أن الرحمة هي مظهر من مظاهر المحبة المجانية تجاه الآخرين، فإن العدالة تقتصر على إعطاء الآخر ما كان له بالفعل. في الواقع، باسم المحبة، لا يمكن إلغاء الضرورة إلى العدالة، لأنه إذا أردنا الإشارة بالعناية الرعوية إلى حقيقة أن كل نشاط يجب أن يهدف إلى خير النفوس، فإن التناقض بين العدالة والمحبة عقيم لأن العلاقة بينهما عي علاقة استمرارية كاملة، لأن ما يمس كرامة الإنسان لا يمكن أن يؤدي بالتأكيد إلى الخلاص.
والمحبَّة كرفيق يجب أن تسير مع العدالة لأنَّ وحدها يمكن أن تصبح بسهولة إرشادًا أعمى يقود، بحسب الكلمة الإنجيلية، إلى طريق ضيق. وبما أن العدالة هي بداية كل طريق في العلاقات بين الأشخاص، فليس من المستغرب أن تهتم الكنيسة أوَّلاً بطريق العدالة، على وجه التحديد لأنها تشير إلى المحبة باعتبارها الهدف الأمثل الذي تهدف إليه، وتعلن أنه قبل أن يكون النظام القانوني مجموعة من القوانين الإنسانية الإيجابية، فإن مصدره هو أمر إلهي يجب احترامه دائمًا، حيث يجب أن تتأسس القوانين الوضعية إذا أرادت تبرير مطالبتها بمراعاتها.
يقول البابا بنديكتوس في الرسالة العامَّة "المحبَّة في الحقيقة (29 حزيران 2009) رقم 6: "تتخطى المحبَّة العدالة، لأن المحبَّة هي إعطاء،و تقديم ما هو "لي" إلى الآخر؛ لكنّها ليست أبدا دون العدالة، التي تدفعنا إلى إعطاء الآخر ما هو"له"، ما هو يستحقه بسبب وجوده أو عمله. لا أستطيع أن "اعطي" الأخر ما هو لي دون اعطائه أولا ما يخص له حسب العدالة. من يحب بمحبَّة الآخرين هو أولا عادل تجاههم. ليس فقط العدالة غير غريبة عن المحبَّة، أو أنّها مسار بديل أو مواز للمحبَّة: العدالة هي "جزء لا يتجزأ من المحبَّة"، وفي داخلها". يتابع البابا قائلا: "من ناحية أخرى، تسمو المحبَّة على العدالة وتكملها في منطق العطاء والتسامح. "مدينة الإنسان" ليست ناجحة فقط من خلال العلاقات في الحقوق والواجبات، ولكن إلى حد أكبر أيضاً من خلال العلاقات المجانية والرَّحمة والشَّركة. تُظهر المحبَّة دائماً في العلاقات الإنسانيّة محبَّة الله، وتعطي قيمة لاهوتية وخلاصية لأي إلتزام من أجل العدالة في العالم".
3- التوازن بين العدالة والرحمة: بعد أن وصلنا إلى هذه النقطة، من الضروري أن نسأل أنفسنا عن طبيعة العلاقة بين الرحمة والعدالة. الإشارة الكلاسيكية إلى أن "العدالة" بدون رحمة هي قسوة والرحمة بدون عدالة تؤدي إلى الفجور. عند الفحص الدقيق، فإنَّ القسوة هي في الواقع ظالمة، والرحمة بدون عدالة تسبب ضررًا ظالمًا لشخص ما، وأحيانًا للمتلقي نفسه، وبالتالي تسبب ضررًا أكبر من الخير الذي تدعي تحقيقه. القول إن الرحمة، مثل العدالة، يجب أن تمارس في الحق. "ومن ضرورة عدم فصل الرحمة عن الحقيقة. في الواقع، "إن الرحمة هي ملء العدالة والإظهار الساطع لحقيقة الله".
ومع ذلك، يذكّرنا البابا بوضوح لا لبس فيه بطبيعة هذه العلاقة: "هذا لا يعني تقليل قيمة العدالة أو جعلها غير ضرورية، بل على العكس تمامًا، من يخطئ يجب أن يتحمل العقوبة. لكن هذا ليس الهدف، بل هو بداية التوبة، لأن الإنسان يختبر حنان المغفرة. الله لا يرفض العدالة. الأب الأقدس يعتبر العدالة والرحمة مرحلتين من عملية الاهتداء الوحدوي والعضوي،الرحمة ليست مجرد عنصر إضافي يهدف إلى إضعاف الشعور بالحق وبالتالي الحقيقة) الذي يسكن في قلب الإنسان، بل هي التطور الضروري والإيجابي له، لأنها تحقق الهدف العميق له: فهي ليست مجرد حاجة لـ "تسوية الحسابات” بل تتوافق مع الحاجة لرؤية البؤس الشخصي مُحتضنًا في وعي الخطأ. إذا كانت العدالة تفتح الباب، فإن الرحمة تكمل مسيرة التوبة.
4- التوازن بين العدالة واليقين: في القانون الكنسي اليقين يخضع للعدالة التي لا يجوز التهرب منها أو المساس بها باستخدام وسائل مصطنعة ذات طبيعة تقنية. ويبدو في الواقع أنه يمكن التمييز في مفهوم اليقين بين معنيين مختلفين؛ اعتمادًا على ما إذا كان اليقين يُفهم على أنه مانع لأي تحقق إضافي من الحقيقة أم أنه يعتبر بدلاً من ذلك شرطًا للعدالة نفسها. فإننا نعتبر الثاني متوافقا تماما مع هذا الاتجاه. في الواقع، لا يمكن للمرء أن يتجنب ملاحظة أنه إذا كان هناك من ناحية تباين بين العدالة و"اليقين” فإن اليقين يقدم نفسه، من ناحية أخرى باعتباره امتيازًا لا مفر منه للعدالة. حتى في نظام مثل النظام الكنسي، لا يبدو من الدقة القول دون قيد أو شرط أنه يتم التضحية باليقين تكريمًا للعدالة؛ ولكن يجب الأخذ في الاعتبار أن اليقين يمكن، إن حدث، أن "يخضع مؤقتًا لهدف السماح بمزيد من نشر الوسائل الرامية إلى تحقيق عدالة لا تشوبها شائبة حقًا”. ولذلك، فإن القواعد الإجرائية ليست التزامات عديمة الفائدة تعيق العدالة أو تؤخرها، بل هي تعبير مباشر عن تلك العدالة التي لها دور فعال في تحقيق اليقين الأخلاقي الموضوعي في القضية الملموسة.
بدون شكّ، اليقين الأدبي يجب أن يُشير سواء إلى الشرع المادي، المطلوب تطبيقه، أم لحقيقة الوقائع التي يجب أن تُبرهن. لذلك، في النطق القضائي، تنسب الحقيقة لتلائم بين تقييم القاضي والواقعة الخاضعة للتقييم، التي نتجت عن بيّنات ناجمة في المخاصمة. فالانسجام بين تأكيدات الحكم وحقيقة الوقائع ليست مطلقة، بقدر ما أَنَّها مشروطة بالطبيعة العقليَّة. يُصبح الانسجام بين الحكم وحقيقة الواقعة في قضايا بطلان الزَّواج أمراً إلزامياً، لأنَّ الوقائع، موضوع البيّنات، تخصّ الأبعاد الكامنة في المجال الذاتي للزوجين: الافكار، قناعات، حالات عاطفية، خبرات شخصيَّة. ولكي ينطق القاضي بقرار صحيح، يجب أنَّ يتمتّع بحريَّة، سواء الخاصّة بالإجراءات المحاكمة، لضمان مسيرة إدارة العدالة، أم الخاصّة بالأشياء المحدّدة في الحكم وأن تكون الحقيقة هي الأساس والهدف. هذا هو السبب لمطلب الشرع القانوني اليقين الأدبي ليُعْلِن حُكما صحيحا. فلكي يُقييم القاضي القضيَّة يجب أن يتشكلّ لديه اليقين الأدبي من الأعمال والبيّنات، اي يجب أن يرتكز على أسُس تقييم موضوعي، ناجم عن أدلة بيّنة شرعيَّة، فلا يُمكنه إتخاذ مواقف ذاتيَّة. يوضّح القانون 1608 البند 1 المبدأ القائل بأن القاضي يستطيع النطق بحكم فقط إذا وصل إلى اليقين الأدبي حول موضوع النزاع. اليقين الذي يستند على الأعمال والبيّنات.
فالموضوعيَّة أمر جوهري للوصول إلى اليقين الأدبي. وللقاضي السّلطة الكاملة والمستقلّة في تقييم البيّنات، فهي نهائيَّة لأَنَّها منبثقة من ضمير القاضي. أوضّح البابا بيوس الثَّاني عشر: "أَنَّه يجب على القاضي أن يقرّر حسب علمه وضميره –بدونٍ أحكام مسبقة للقرارت القضائيَّة- إن كانت البيّنات كافيَّة أم لا لليقين الآدبي الضروري حول حقيقة واقعيَّة الحالة المقدَّمة للمحاكمة". لكن لا يُمكن لليقين الأدبي أن يحتوي على الحقيقة المطلقة، على سبيل المثال، الشَّرع الكنسي لا يُطالب بأن تقرّر المحكمة وجود انطولوجي لسرّ من الأسّرار الكنيسة. بمعنْى أخر، لا يُطَلَب منْ المحكمة أن تنطق إذا كان العهد الزوجي قد احتفل أو لم يُحتفل به أمام الله. فهَذا يَعود لسلطة الله فقط. وعندما لا يتوصّل القاضي إلى اليقين الأدبي بسبب نقص في الأدلة والإثباتات، عليه أن ينطق بعدم اتضاح حقّ المدّعي ويصرف المدّعى عليه مبرّءاً (ق. 1291). ما ينتج عن هذا، أنه غير جائز الاحتفال بزواج أخر قبل أن يتضح شرعاً ويقيناً عدم صحّة الزَّواج السابق أو انحلاله (ق. 802 البند2).
تناول البند 4 من القانون 1291 حالة القاضي الَّذي لم يستطع الوصول إلى اليقين الأدبي لعدة أسباب منها: 1-إذا كانت عريضة المدَّعي بدونٍ أساس ومن ثمَّ رفضت. فالحكم في هذه الحالة يحرر الطّرف المدَّعي عليه منْ الطلب؛ 2-إذا طالب المدّعى بتحقّيق سلبي لحقّ الطّرف المدَّعي عليه، حُكم رفض ينفي عدم وجوده، يعنْي إثبات وجود إرادة الشَّرع الّذي يضمنْ خيراً لطرف المدَّعي عليه. ينصّ القانون 1291- البند 4- القاضي الّذي لم يستطع التوصّل إلى هَذا اليقين، عليه أن ينطق بَعْدَم اتضاح حقّ المدَّعي ويصرف المدَّعي عليه مبرءاُ، ما لم يتعلّق الأمر بقضيَّة تتمتّع بحماية الشّرع، ففي هَذه الحال يَجٍبُ أن ينطق في صالحها. فاليقين لا يُمكن أن يحتوي على الحقيقة المطلقة ليقين فيزيولوجي أو فائق الطّبيعي. على سبيل المثال، الشرع الكنسي لا يطلب من القاضي أن ينطق إذا كان العهد الزوجي قد احتفل أو لم يُحتفل به أمام الله. فهذا يعود لسلطة الله فقط. وعندما يعتبر الشرع الزواج باطلاً، يتوجب على القاضي أن يعلن بعدم اتضاح البطلان " non constare de nullitate". وكما قال البابا يوحنا بولس الثَّاني في خطابه أمام أعضاء محكمة روتا رومانا سَنَة 1980 (رقم 5): "أَنَّه يُفترض أن تَكوْن الأعمال أصل الحقّيقة... فالقاضي لا يستطيع إعطاء ثقة للإثباتات فقط؛ بل يجب الأخذ بعين الاعتبار أنَّ أثناء التحقّيق، الحقّيقة الموضوعيَّة قد تكون غامضة لأسباب مختلفة، كالنسيان لبعض الوقائع، وتفسيراتها الذاتيَّة، الغش والخداع. فمن الضروري أن يتصرف القاضي بحس نقدي، فقد تكون الأخطاء كثيرة ولكن الحقيقة هي واحدة. فينبغي البحث إذن في الأعمال عن البيّنات من وقائع مؤّكدة، وإجراء نقد لكلّ من هذه البيّنات ومقارنتها مع الأُخرى بطريقة يتمُّ تحقّيق كلّمْة القديس غريغوريوس الكبير "ne temere indiscussa iudicentur". لكن الأعمال ليست كافيَّة بسبب الغموض الَّتي قد تحتويها؛ فهنا يظهر دور ضمير القاضي لتقييم فاعليَّة البيّنات، إلاّ إذا كانت في بَعضَ القضايا هَذه الفاعليَّة قرّرت بالشَّرع كَما يحدث للقرائن القضائيَّة. البيّنات ex probatis النّاجمة في المحاكمة والواقعة في الأعمال "quod non est in actis, non est in mundo". من الأسباب التي تقتضي من خلالها طلب البينات تلك التي تنتج اليقين الأدبي لدى القاضي بشكل مباشر او غير مباشر. بما أنَّ التفكير الذي ينتج اليقين لدى القاضي حول الوقائع هو عمل تفكيره؛ فيمكن القول أنَّ البيّنة هو التآثير الناجم عن قرائن في القاضي. بدونٍ شكّ، اليقين الأدبي يجٍب أن يُشير إلى الشرع الماديّ، المطلوب تطبيقه، وإلى حقيقة الوقائع التي يجٍب أن تبرهن (ق.ش 1294 رقم 3). ففي النطق القضائي، تنسب الحقيقة لتلائم بين تقييم القاضي والواقعة الخاضعة للتقييم، التي نتجت عن بينات ناجمة في المخاصمة. فالانسجام بين تأكيدات الحكم وحقيقة الوقائع ليست مطلقة، بقدر ما أَنَّها مشروطة بالطبيعة العقليَّة وليس التجريبيَّة لتأكيد البينة. في قضايا بطلان الزواج، الإنسجام بين الحكم وحقيقة الواقعة هو إلزامي، لأنَّ الوقائع، موضوع البيّنات، تخصّ أبعاد كامنة في المجال الذاتي للزوجين: الافكار، قناعات، حالات عاطفي، خبرات شخصيَّة.
القاضي وتطبيق العدالة
إنَّ الأداة التي يؤكد القانون من خلالها نفسه كعدالة هي الحكم، الذي يقدم نفسه كنتيجة إجرائية، أي تلك المجموعة من الأفعال الشكلية اللاحقة، المرتبطة منطقيًا معًا والتي تعطي الحياة لعملية، مقدر لها أن تنتهي بقرار.
القاضي الكنسي هو الشرع ذاته الذي يتكلم magistratum legem esse loquentem. هو الذي ينطق بالحقّ ويقوله بإسم الشعب وبإسم الكنيسة. فهو لا يعمل باسمه الشخصي فهو خادم القانون. مهمّته تقتضي أساساً في تطبيق الشرع لحماية حقوق المؤمنين. ولكي يطبّق الشرع، يجب أن يتأكّد من وجود وقائع ملموسة وعليها تبنى الحقوق المحدّدة في الشرع. أي التأكد من وجود حقيقة موضوعيَّة في مسألة الواقعة quaestio facti، تترجم في مسألة القانون quaestio iuris بأمانة. فالموضوعيَّة تشكل الطّابع الجوهري لليقين. فإذا نطق القاضي الكنسي بالحكم وفقاً لقناعة ضميره، فهذه القناعة يجب أن تكون نتيجة فحص كامل للأساسيّات الموضوعيَّة لموضوع النزاع. يقول البابا بيوس الثاني عشر: "أَنَّه على القاضي أن يقرّر حَسَب علمه وضميره –بدونٍ أحكام مسبقة للقرارت القضائيَّة- إن كانت البيّنات كافيَّة أم لا لليقين الآدبي الضروري حول الحقيقة وواقعيَّة الحالة المقدَّمة للمحاكمة".
من بين واجبات القاضي في المحاكمة الزواجية هو تحقيق العدالة، والذي يُعتبر جزء من مهمته الرعوية. وهذا ما أشار إليه البابا بيوس الثاني عشر في قوله: "أنَّ شؤون العدالة في الكنيسة هي مهمة العناية بالنفوس، فصدور تلك السلطة والعناية الرعوية، التي كماليتها وشموليتها هي قائمة ومتضمنة في تسليم المفاتيح لبطرس الاول". لذلك البابا بولس السادس أشار في خطابه الموجّه للمحكمة روتا رومانا 29 كانون الثاني 1970 بأن "القاضي كما يعلم الجميع، "هو المفسّر للحق ius الموضوعي، أَي القانون، من خلال استخدام الحقّ الشخصيّ –أي تلك السلطة والحرية التي يجب أن يكون لديه في أقصى درجة- ؛ مما نستنتج أَنَّه يجب أن يتمتّع بموضوعيَّة كبيرة في المحاكمة، والانصاف لكي يستطيع تقييم كل العناصر التي اكتسبها بصبر وبثبات، ولكي يحكم بهدوء، بحيادة وبتساو... الانحياز ضرورة تفترض صدقاً عميقاً وثابتاً. ضرورة التَّنزه عن المصلحة الخاصة، بسبب وجود خطر حول المحاكم من تأثير المصالح الخارجية على الحكم، القابليَّة للرشوة، السّياسة، محسوبيَّة، إلخ.؛ إنَّه من الضروري الاهتمام، كونه يأخذ بجديَّة قضية العدالة، بوعي وبأَنَّها خدمة عليا لمن هو رؤوف رحيم (مز 111، 4)، الديّان العادل (2 طيمو 4، 8)، أمين بارّ (1 يو 1، 9).
فشؤون العدالة الكنسية تتوجّه نحو هدف الكنيسة الخاص، أَي خلاص النفوس، واضعة نفسها في خدمتهم. كما أثبت البابا بولس السادس الطابع الرَّعويّ للوظيفة القضائية، موضّحاً "أنَّ خدمة القاضي الكنسي، الذي يُساند أعضاء شعب الله الذين هم في صعوبة، بطريقة أَنَّه متمسك بواجب تحقيق العدالة، يُصبح الراعي الصالح الذي يُعزّي من أصيب، يقود من أخطأ، يعترف بحقوق من تم إساءته، أو الذي إفترى عليه أو أُهين بشكل غير عادل".
إنَّ شؤون العدالة الممنوحة للقاضي هي خدمة نحو الحقيقة، وفي ذات الوقت، ممارسة للمهمة التي تنتمي إِلى النظام العام. في الحقيقة، مُنح الشرع للقاضي لتطبيقه العقلاني والطبيعي. بعد تحديد الحق القانوني والتحقيق والوقائع، تقتضي مهمة القاضي التعقل المنطقي للإجابة على مسألة إذا كانت المفاعيل المذكورة في الشرع يجب أن تطبق في حالة معينة. يقول Pinto: "القاضي الكنسي شخص عامّ، مُحصَّن بإختصاص قضائي لمعرفة ولتحديد بطريقة قضائية وحسب الأنظمة القانونية، الدعاوي الحقوقية، أو الإدارية والعقوبات، التي تقع تحت إختصاص الكنيسة. فمهمة القاضي الأساسية، تطبيق القانون على الوقائع، وهو بمثابة المنفذّ والمفسر، وبموجب القانون 1498 أن التفسير المعَطى في صيغة حكم قضائي أو فعل إداري في أمر خاص، فليس له قوّة القانون...وحكمه يلزم الأشخاص الذي يُعطى من أجلهم فقط. في الواقع، قد يكون لدينا حالات يكون فيها التفسير للشَّرع الإلهيّ عقلانياً من قبل عمل المشَّرع، وقد يصطدم تطبيقه على حالة معيّنة بالعدالة، لأنه في الوقائع الخاضعة لقرار القاضي قد تتوضّح بعض الظروف التي لم تكن متوقعة من السُّلطة التشريعيّة، مما يجعل من غير العدل تطبيق النّظام كما تمّ صياغته. يقول البابا بولس السادس: "سيأخذ القاضي بنظر الاعتبار، بفضل الانصاف القانوني، كل ما توحي به المحبَّة وتسمح به لتجنب صرامة القانون، وصرامة تعبيره التقني؛ سيتجنب أن تُقتل الحرفية بغية تنشيط تدخلاته بالمحبَّة التي هي عطيّة من الروح الَّذي يحرّر ويحييّ؛ سيأخذ بعين الاعتبار احتياجات الشَّخص الإنسانيّ، إذا كانت تفرض أحيانًا على القاضي واجب تطبيق القانون بشكل أشد، فإنها تقود عادة إلى ممارسة الحق بطريقة أكثر إنسانية، وأكثر شموليّاً: ينبغي أن تكون هناك اليقظة ليست فقط لحماية النظام القانوني، بل أيضًا للشفاء والتعليم، مُظهرًا دليلاً على المحبَّة الحقيقيَّة. إنَّ ممارسة السلطة القضائية الرعوية هي بالأحرى وقائيَّة وليست لكونها انتقامية؛ إذا كانت هناك عقوبات، فلا ينبغي أبدًا أن تظهر كنوع من الانتقام، ولكن وفقًا لفكر القديس أوغسطين، كتوبة مرغوبة فيها".
يلجأ الشَّرع اللاتيني إلى الإنصاف كمعيار أساسيّ، وبشكل خاصّ الوظيفة القضائيّة. وعلى افتراض أن في مجال ما نفتقد إلى شرع ما، سواء جامعي أو خاصّ، يتطلب القانون 19 من القاضي بأن يحافظ على المبادئ العامَّة للشَّرع الذي ينبغي أن يطبّق بإنصاف كنسيّ. ويشير إلى أن المبادئ التي تطالب بتطبيق الإنصاف الكنسيّ هي ذات الشَّرع الإلهيّ.
يلاحظ التعليم القانونيّ والاجتهادات القضائيّة أنّ "المشرّع الكنسيّ، بمناداته الإنصاف الكنسيّ، إلى جانب مبادي القانون العامَّة، أراد أن يمنح الإنصاف المعنى والقيمة كمصدر شكليّ للشَّرع". فلجوء القاضي إلى الإنصاف ليس بهدف تطبيق عادل لنظام ما، إنَّما للتعويض عن نقص - suppletio legis deficientis-مستنبط من الشَّرع الإلهيّ، من خلال تفسيره، نظام يجب تطبيقه في حالة ملموسة. وبموجب القانون اللاتيني 19 نرى أنّ القاضي يقف موقف الوسط بين الشَّرع الإلهيّ والواقعة الملموسة. إنّ مهمّة الإنصاف في الشَّرع الكنسيّ هي في ضمان أن يكون الشَّرع تعبيراً رعوياً على الدوام.