موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ٢ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٦
تشرين الثاني: شهر الرجاء والصلاة من أجل راحة نفوس الراقدين (1 - 5)

الأب بشير بدر :

 

يأتي شهر تشرين الثاني من كل عام ليوقظ في قلوبنا ذكرى الأحباء الذين سبقونا إلى الحياة الأبدية. ورغم ما تحمله هذه الذكرى من مشاعر إنسانية نبيلة تمزج بين الحزن والرجاء، إلا أن غاية الكنيسة أسمى من مجرد استثارة الحنين إلى أشخاص وأزمنة وأماكن لن تعود، أو تجديد مشاعر الحداد؛ إذ تريد الكنيسة أن تذكّرنا بحقيقة لاهوتية عميقة -قد تكون غائبة عن كثيرين- وهي أن مسيرة بعض إخوتنا وأخواتنا الراقدين نحو وجهتهم النهائية لم تكتمل بعد. من هنا، تعلن الكنيسة إيمانها الحي بأن الرجاء المسيحي لا ينكسر أمام القبر، وتذكّرنا بمسؤوليتنا تجاه خلاصهم، فتدعونا لرفع الصلوات وتقديم القداديس من أجل راحة نفوسهم، انطلاقاً من إيماننا بـ 'شركة القديسين'، ورجائنا برحمة الرب اللامتناهية، وتأكيداً على أن المحبة التي تجمع أبناء الله أقوى من الموت ولا تنتهي عند عتبته.

 

في الفصل السادس من الإرشاد الرسولي "فرح الحب"، تحدّث البابا فرنسيس عن بعض الإمكانات الرعوية لمرافقة العائلات في مختلف ظروف حياتها، ومنها حالات الحزن والموت الذي ينشب مخالبه في جسد العائلات. لا يتناول الإرشادُ الموتَ كموضوع لاهوتي مجرّد أو منفصل عن الواقع، بل كجرح ملموس يؤثر بعمق في الحياة الأسرية. لذلك، أمام سر الموت الذي مسّ ويمسّ عائلاتنا في الصميم، أود من خلال هذه السلسلة من المقالات والتأملات في هذا الشهر، أن أضيء على هذه الخبرة الإنسانية المؤلمة بنور إيماننا انطلاقاً من تعليم البابا في "فرح الحب".

 

 

قرب الكنيسة

 

عندما يحل الموت بأحد الأحباء، تُدعى الكنيسة إلى تقديم نور الإيمان، ولا يجوز لها أن تتخلى عن الأسرة المكلومة؛ فالتخلي عنها يُعد إخفاقاً في ممارسة الرحمة وتفويتاً لفرصة رعوية هامة. يقول البابا: "أحياناً تتأثّر الحياة العائلية بوفاة شخص عزيز. لا يمكننا أن نتهاون في تقديم نور الإيمان لمرافقة العائلات التي تعاني في هذه اللحظات". (فرح الحب، رقم 253).

 

إن أجمل ما يقدّمه لنا الإيمان المسيحي في مواجهة الموت هو شخص يسوع المسيح نفسه. فنحن لا نؤمن بإله بعيد عن آلام البشر، ولا بإله يراقب دموعنا من علوّ السماء ولا من خلف الغيوم دون أن يقترب من جراحنا، بل نؤمن بإله صار إنسانًا، وعاش بيننا شبيهاً بنا في كل شيء - ما عدا الخطيئة – وقد اختبر هو نفسه الحزن والألم والموت. ويذكر الإرشاد الرسولي أنّ أعمق مشهد يكشف قرب قلب يسوع الرحوم هو مشهد بكائه عند قبر صديقه لعازر. "إن يسوع نفسه قد تأثّر وبكى في مأتم صديقه لعازر" (فرح الحب، 254).

 

"فَبَكَى يَسُوعُ" (يوحنا 11: 35). أقصر آية في الإنجيل، لكنها تحمل كمّا لا يوصف من الحنان الإلهي ومن قرب يسوع من العائلة. فابن الله الذي كان يعلم أنه سيقيم لعازر من الموت لم يمنع نفسه من البكاء أمام وجع أحبّائه. وهذا يعني أن الإيمان بالقيامة لا يُفقدنا إنسانيتنا ولا يطلب منا أن نكون بلا دموع، وأن الرجاء المسيحي لا يحوّل قلوبنا إلى حجارة، بل يعلّمنا أن نبكي ونحن نؤمن، وأن نحزن ونحن نرجو، وأن نشتاق ونحن نثق بأن الله لا يتخلّى عن الذين أحبّهم.

 

 

تفهّم الألم

 

يقر البابا بالألم الممزِّق للقلب الذي يعانيه من يفقدون شريك حياتهم أو فرداً من أفراد أسرتهم ممن تقاسموا معهم مسيرة الحياة. جاء في الإرشاد الرسولي: "إنني أتفهم معاناة فقدان شخص محبوب جداً، كشريك تقاسم معه الكثير من الأمور... إن الترمّل هو اختبار صعب للغاية ... وكيف يمكننا عدم فهم نحيب من فقد ابناً؟" (فرح الحب، 254).

 

إننا حين نودّع أحبّاءنا، قد نرى التراب يواري أجسادهم، ونشعر بأن البيت قد فقد جزءاً منه، وأن الأماكن قد أصبحت أكثر صمتًا، وأن بعض الذكريات صارت مؤلمة لأنها لم تعد تجد أصحابها إلى جانبنا. لكن الإيمان يدعونا إلى أن نرفع أبصارنا من القبر إلى الوعد، ومن الغياب الذي نختبره إلى الرجاء الذي نؤمن به. فالمسيح لم يقل إن بيوت الأرض ستبقى عامرة إلى الأبد، بل وعدنا ببيت الآب. ولم يعدنا بأن الذين نحبهم لن يموتوا جسديًا، بل أعلن أن الحياة فيه لا تنتهي بالموت.

 

من الملفت أن أعظم إعلانات السيد المسيح عن ذاته جاءت أمام القبر والموت: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَإِنْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ يَحْيَا وَيُؤْمِنُ بِي لَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ". (يوحنا 11: 25-26). في هذه الكلمات لا يَعِدُ الإنسانَ بأن ينجو من ألم الموت الجسدي، بل يعلن أن الموت لا يستطيع أن ينتزع الإنسان من وعد الله بالحياة. إن يسوع لا يلغي دموعنا، بل يمنحها معنى؛ ولا ينكر حقيقة الفراق، بل يفتح أمامه أفق القيامة؛ ولا يترك الإنسان أسير الخوف من النهاية، بل يدعوه إلى الثقة به، حتى عندما تتوقف كل الأصوات ولا يبقى أمامنا سوى الصمت.

 

 

المرافقة في الحزن

 

يُعاش الفقد كـ"شتاء" يحل على الأسرة؛ وهي فترة تتسم بضعف شديد، ينبغي فيها على الجماعة المسيحية الاقتراب بحسٍ مرهف، وتقديم العزاء الإنساني والروحي، بعيداً عن الكلمات الجوفاء أو الأحكام المسبقة.

 

وهنا لا بدّ من كلمة روحية رعوية توجيهية مهمة. ففي الوقت الحاضر، بتنا نلاحظ في إعلانات النعي أو في كلمات التعزية تطويباً وتقديساً سريعاً للراقدين. فعند موت أحد الأحباء نسارع إلى الزعم بأن المتوفى صار في حضن أو بيت الآب، وبأنه في مكان وحال أفضل وأنه مع المسيح. هذا في الحقيقة ما نرجوه. ولكن هذا ليس ما يقوله الكتاب المقدس. يكتب القديس بولس: "لأَنَّه لابُدَّ لَنا جَميعًا مِن أَن يُكشَفَ أَمرُنا أَمامَ مَحْكَمةِ المسيح لِيَنالَ كُلُّ واحِدٍ جَزاءَ ما عَمِلَ و هو في الجَسَد، أَخيرًا كانَ أَم شَرًّا." (2كور 5: 10). ولكن هناك أيضاً حالات نسمع فيها أحكاماً بالدينونة والهلاك على آخرين انطلاقاً من خبرة شخصية أو معرفة منقوصة لحدث أو قصة ما. في الحالتين ليس هذا دورنا. فلا أحد ولا موقف يمنحنا الحق في إصدار الأحكام على مصير الموتى، ولا في افتراض أن كل إنسان معمّد يكون مع المسيح مباشرة. فكم من إنسان رحل وترك وراءه أسئلة كثيرة، وكم من حياة بدت لنا ناقصة أو مثقلة بالأخطاء، وكم من قلب لم نعرف حقيقة صراعه أو توبته أو رجائه! لذلك لا يحق لنا أن نجعل أحكامنا البشرية كلمة الفصل في مصير إنسان، بل نُسلّم الراقدين إلى رحمة الله وعدالته، ونصلّي من أجلهم بمحبة وتواضع. فنحن لا نملك مفاتيح القلوب، أما الله فاحص القلوب والكلى والذي يعرف كل إنسان وكل الإنسان معرفة كاملة، فحكمه وحده الحكم الحق.

 

يصف لنا الإرشاد الرسولي هذا الواقع بكلمات محددة وواضحة: "إنها لتعزية لنا أن نعرف بأنه ليس ثمة تدمير كامل لأولئك الذين يموتون، ويؤكد لنا الإيمان أن القائم من بين الأموات لن يتخلى عنّا أبدًا. بهذه الطريقة يمكننا أن نمنع الموت "من تسميم حياتنا، ومن أن يفسد محبتنا، وأن يسقطنا في فراغ حالك وقاتم". يتحدث الكتاب المقدس عن الله الذي خلقنا من أجل الحب، وصنعنا بطريقة عجيبة بحيث أن حياتنا لا تنتهي مع الموت" (فرح الحب، 256).

 

 

الرجاء المسيحي

 

يظل الأفق الأسمى متمثلاً في وعد الإيمان؛ بأن الله سيمسح كل دمعة، ولن يكون هناك بعد الآن موتٌ ولا حزنٌ ولا صراخٌ ولا ألمٌ (رؤيا 21: 4)، مما يعيد بناء شعورٍ بالشركة يتجاوز حدود الانفصال الأرضي. لذلك سبق يسوع وأعلن لرسله المحزونين لغيابه: "لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي أَيْضًا. فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ". (يوحنا 14: 1-2). إن هذه الكلمات هي عزاء لكل قلب فقد إنسانًا عزيزًا. فالمسيح لا يترك تلاميذه أمام المجهول، بل يكشف لهم عن غاية الطريق: بيت الآب. وهناك، في قلب الله، لا تكون الحياة استمرارًا لأوجاع الأرض، ولا تكرارًا لخساراتها، بل دخولًا إلى ملء الشركة معه.

 

يتحدث الإرشاد الرسولي عن صلوات قداديس الموتى التي تعبّر عن هذا الرجاء بشكل رائع: "إن كنا نشعر بالحزن بسبب اليقين بوجود الموت، يعزينا الوعد بالخلود المستقبلي. لم يتم سلب الحياة من شعبك، أيها الرب، إنما تم تحويلها" في الواقع، "لم يختفِ أحباؤنا في ظلمة العدم: يؤكد لنا الرجاء أنهم بين يدي الله الأمينة والقوية" ... فمع المسيح ينتظرنا بعد الموت ما أعدّه الرب للذين يحبّونه (1 كور 2، 9)". (فرح الحب، 256).

 

فما أعمق عزاء الإيمان وسر الرجاء حين نكتشف أن آخر عنوان نضعه مع أسماء أحبّائنا الراقدين ليس عنوان المقبرة، بل بيت الآب الذي نرجو أن يجمعنا فيه الله يومًا في ملء محبته!

 

(يتبع)