موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
اتخذ الفاتيكان اليوم أشد إجراء في تاريخه ضد جماعة القديس بيوس العاشر، معلنًا حرمان أساقفتها وكهنتها واعتبارهم في حالة انشقاق، ومؤكدًا أن أي شخص علماني «ينضم» إلى هذه الجماعة المنشقّة سيكون أيضًا عرضة للحرمان الكنسي التلقائي.
وقد جاء هذا القرار، الذي أثارته سيامات أربعة أساقفة جدد للجماعة في إكون بسويسرا في 1 تموز، متجاوزًا حتى ما فعله البابا يوحنا بولس الثاني، الذي كان قد أعلن في عام 1988 حرمان الأساقفة المنخرطين في سيامات غير شرعية مماثلة.
وخلال العقود اللاحقة، بذل الفاتيكان محاولات متعددة لإعادة الجماعة إلى حظيرة الكنسية، بما في ذلك رفع الحرمان عن الأساقفة الذين رُسِموا عام 1988، وتوسيع إمكانية الاحتفال بالقداس اللاتيني التريدنتيني على نطاق أوسع، وهو ما كانت الجماعة قد طالبت به. لكن هذه الجهود لم تُثمر، وكانت أقرب لحظة اتفاق بين الطرفين في أيار 1988، قبيل أولى السيامات غير الشرعية، حين وقّع مؤسس الجماعة المطران مارسيل لوفيفر اتفاقًا كان من شأنه تسوية وضع الجماعة داخل الكنيسة الكاثوليكية، لكنه تراجع عن توقيعه في اليوم التالي، ومضى في السيامات في 1 تموز 1988.
في عام 1988، وكما حدث هذا الأسبوع، أكد الفاتيكان أن كلًا من الأساقفة الذين قاموا بالسيامة والمُسامين بها قد تعرضوا للحرمان الكنسي التلقائي. إلا أن هناك فروقات مهمة: فكما ذُكر، ذهب الفاتيكان هذه المرة أبعد من ذلك بإعلان حرمان أعضاء آخرين في الجماعة. كما أن القرار هذه المرة، وعلى عكس رسالة البابا يوحنا بولس الثاني الرسولية «Ecclesia Dei» التي أعلنت الحرمان السابق، قد وُقّع من قبل الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز، رئيس دائرة عقيدة الإيمان، وليس من قبل البابا لاون الرابع عشر. في الواقع، لم يذكر المرسوم الصادر عن الدائرة ولا المذكرة المصاحبة له اسم البابا الحالي على الإطلاق.
ماذا تكشف هذه القرارات عن البابا لاون الرابع عشر وفهمه لجماعة القديس بيوس العاشر ولمفهوم وحدة الكنيسة الذي يشكل محور حبريته؟
أول ما تكشفه هو أن لاون يدرك أن التوتر بين الفاتيكان والجماعة لم يكن يومًا مرتبطًا بالليتورجيا فقط. فحتى بعد أن سمح البابا بندكتس السادس عشر عام 2007 بالاحتفال الواسع بالقداس ما قبل المجمع الفاتيكاني الثاني، ورفع الحرمان عن أساقفة الجماعة عام 2009، بقي وضعها غير مُنظّم داخل الكنيسة، لأن قيادتها رفضت عام 2012 توقيع «ديباجة عقائدية» تعترف بالمجمع الفاتيكاني الثاني كجزء شرعي من تقليد وتعليم الكنيسة.
وقد عكست هذه «الديباجة» محاولات سابقة للمصالحة، والتي كانت دائمًا تتضمن عرضًا من الفاتيكان لتسوية وضع الجماعة مقابل الاعتراف بشرعية المجمع الفاتيكاني الثاني. وقد قدّم الكاردينال فرنانديز عرضًا مشابهًا هذا العام، ردًا على تهديدات الجماعة بالقيام بسيامات جديدة غير شرعية، حيث اقترح حوارًا لاهوتيًا منظمًا حول «الحد الأدنى من المتطلبات اللازمة للشركة الكاملة مع الكنيسة الكاثوليكية»، بما في ذلك «درجات الالتزام المختلفة المطلوبة تجاه نصوص المجمع الفاتيكاني الثاني وتفسيرها». وفي المقابل، كان من الممكن منح جماعة القديس بيوس العاشر وضعًا قانونيًا رسميًا داخل الكنيسة، إلا أنها رفضت هذا العرض أيضًا.
وقد أقرّ البابا لاون بأن رفض الجماعة قبول تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني، وليس فقط الإصلاحات الليتورجية اللاحقة، هو ما يمنع عودتها إلى الكنيسة الكاثوليكية. وقال للصحفيين خارج كاستل غاندولفو مؤخرًا: «إنهم يرفضون قبول بعض العناصر الأساسية في الكنيسة، بدءًا من عدد من نقاط المجمع الفاتيكاني الثاني. وإذا كان هذا خيارهم، فأنا آسف، لكن علينا أن نمضي قدمًا».
إن قرار اليوم بـ«المضي قدمًا» من خلال إعلان الحرمان الكنسي لبعض أعضاء جماعة القديس بيوس العاشر، بمن فيهم الأساقفة، يكشف عن حدود الآراء التي يشملها مفهوم «الوحدة في التنوع» الذي يبشّر به لاون، والذي أكد عليه حتى 29 حزيران.
البابا لاون، وهو أول بابا يتلقى كامل تنشئته الإكليريكية في مرحلة ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، أكد بوضوح أنه يعتبر هذا المجمع أمرًا محسومًا، وأن قبوله ضروري لوحدة الكنيسة.
وبينما قدّم البابوات السابقون، ولا سيما بندكتس السادس عشر، عروضًا متكررة لإعادة الجماعة إلى الكنيسة الكاثوليكية حفاظًا على وحدتها وحرصًا على المؤمنين الذين قد تصبح الأسرار المقدسة التي يتلقونها غير قانونية إذا ما أُعلن انشقاق كهنتهم، اتخذ الفاتيكان في عهد البابا لاون نبرة مختلفة، إذ ناشد شخصيًا الأعضاء العلمانيين في الجماعة إلى «الثبات في الشركة» مع روما وعدم حضور احتفالات الجماعة أو أنشطتها، بالتزامن مع إعلان حرمان أساقفتها وكهنتها. وفي الثاني من تموز، قدّم الفاتيكان أيضًا إجراءاتٍ تنظيمية لكلٍّ من الكهنة والعلمانيين المنتسبين إلى جماعة القديس بيوس العاشر للعودة إلى الشركة الكاثوليكية.
وبعد هذا القرار، يبقى سؤالان أساسيان: الأول: هل سيستمر أي شكل من أشكال الحوار بين الجماعة والفاتيكان، كما عبّر عن رغبته الكاردينال بييترو بارولين في الأول من تموز بعد السيامات؟ والثاني: هل سيخفف البابا لاون القيود التي فرضها البابا فرنسيس على القداس اللاتيني التريدنتيني، في محاولة لاستعادة المزيد من أعضاء الجماعة إلى روما؟
لقد أنهى البابا بندكتس السادس عشر احتكار الجماعة شبه الكامل للقداس اللاتيني عبر السماح لأي كاهن بطلب الاحتفال به، لكن البابا فرنسيس شدد القيود عليه لاحقًا، معتبرًا أنه يسبب الانقسام ويمثل رفضًا غير مباشر للمجمع الفاتيكاني الثاني في بعض الأوساط التقليدية. أما كيف سيتعامل البابا لاون مع هذا الملف، وكيف سينسجم ذلك مع رؤيته للوحدة، فلا يزال ذلك غير محسوم.