موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعا أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان، الكاردينال بيترو بارولين، المجتمع الدولي إلى استعادة الثقة وتعزيز الحوار والعمل المشترك، محذّرًا من تصاعد النزاعات المسلحة وتراجع احترام القانون الدولي. وأكد ضرورة حماية الحضور المسيحي في الشرق الأوسط، وإنهاء معاناة المدنيين في مناطق النزاع، والعمل على تحقيق سلام عادل ودائم.
جاء ذلك في الكلمة التي ألقاها باسم الكرسي الرسولي، السبت 26 أيلول 2026، خلال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث نقل تحيات البابا لاون الرابع عشر إلى ممثلي الدول، مؤكدًا أن استعادة الثقة أصبحت ضرورة أخلاقية وسياسية ملحّة في عالم يشهد حروبًا متجددة وانقسامات دولية وتحولات تكنولوجية متسارعة.
وشدّد الكاردينال بارولين على أن الحضور المسيحي في لبنان وسائر أنحاء الشرق الأوسط لا ينبغي الاكتفاء بحمايته بوصفه امتدادًا تاريخيًا مشروعًا، بل يجب أن يحظى أيضًا بتشجيع المجتمع الدولي، لأن المسيحيين يتطلعون إلى أن يكونوا قوة فاعلة في تعزيز السلام والروحانية والثقافة، ضمن التنوع الذي تتميز به شعوب المشرق، مهد الإيمان المسيحي.
وحذّر من استمرار التمييز والعنف والاضطهاد الذي يتعرض له المسيحيون في مناطق مختلفة من العالم بسبب إيمانهم، بما يشمل الاعتداء على الكنائس وتهجير الجماعات المسيحية وقتل المؤمنين أو سجنهم. وأكد أن دفاع الكرسي الرسولي عن المسيحيين يأتي في إطار دفاعه عن الحرية الدينية للجميع، باعتبارها حقًا أساسيًا متجذرًا في كرامة الإنسان.
وفي تناوله الأوضاع في الأرض المقدسة، جدّد الكرسي الرسولي دعوته إلى إنهاء العنف المستمر ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية، معربًا عن قلقه إزاء تصاعد الأعمال العدائية وهدم المنازل والقيود المفروضة على التنقل، وما ينتج عنها من تهجير للتجمعات الفلسطينية.
كما أعرب عن قلقه إزاء الأزمة الإنسانية الخطيرة في غزة، والدمار الواسع والنزوح الجماعي والنقص الحاد والمستمر في الاحتياجات الأساسية، داعيًا المجتمع الدولي إلى العمل على المضي قدمًا في حل الدولتين، وصولًا إلى سلام عادل ودائم.
وفي الشأن اللبناني، رحّب الكرسي الرسولي بتوقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، الهادف إلى تحقيق الاستقرار على الحدود الجنوبية للبنان وإرساء سلام عادل ودائم. لكنه أعرب عن قلقه إزاء الصعوبات التي تعترض تنفيذه، مطالبًا الأطراف المعنية بالالتزام الكامل ببنوده وترجمتها إلى خطوات عملية، مع احترام السيادة والحدود.
وتوقف بارولين عند رؤية البابا لاون الرابع عشر للعمل الدبلوماسي، مشيرًا إلى ثلاث كلمات أساسية ينبغي أن توجه العلاقات الدولية، هي السلام والعدالة والحقيقة. وحذّر من العودة إلى دبلوماسية القوة، داعيًا إلى استعادة دور المؤسسات الدولية وتعزيز الحوار، حتى مع الأطراف التي يصعب التفاوض معها.
واستشهد بالرسالة العامة الأولى للبابا، «الإنسانية الرائعة»، التي تؤكد الحاجة الملحّة إلى الانتقال من «ثقافة القوة» إلى «ثقافة التفاوض»، بحيث يصبح الحوار والدبلوماسية الوسيلتين الأساسيتين لحل النزاعات وإعادة بناء الثقة.
وأكد أن السلام لا يعني مجرد غياب الحرب، بل يتطلب إقامة علاقات عادلة بين الشعوب، ومعالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، واحترام حقوق الإنسان. كما دعا إلى وقف فوري وشامل للأعمال العدائية، مشددًا على ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
وتناول أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان التحديات الأخلاقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ولا سيما استخدامه في تطوير الأسلحة ذاتية التشغيل، مؤكدًا ضرورة إبقاء القرارات المتعلقة باستخدام القوة المميتة تحت السيطرة البشرية الفعلية والمسؤولة.
وأوضح أن التقدم التكنولوجي ينبغي أن يكون في خدمة الإنسان، لا أن يتحول إلى أداة للهيمنة والإقصاء، داعيًا إلى وضع أطر دولية مشتركة تضمن المساءلة وتحمي المدنيين من المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا العسكرية.
وتطرّق بارولين إلى النزاعات والأزمات الإنسانية في أوكرانيا والسودان وجنوب السودان والصومال والكونغو الديمقراطية ومناطق أخرى، داعيًا إلى وقف العنف وإفساح المجال أمام الحلول الدبلوماسية، وحماية الفئات الأكثر ضعفًا، ولا سيما الأطفال والنساء والنازحين.
وفي ختام كلمته، شدّد على ضرورة إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز قدرتها على الاستجابة للتحديات الراهنة، مؤكدًا التزام الكرسي الرسولي بمواصلة العمل من أجل بناء جسور الحوار والتفاهم بين الشعوب. ودعا المجتمع الدولي إلى التحلّي بالشجاعة لاستعادة الثقة، والحكمة في إدارة التحولات العالمية، والمثابرة في بناء السلام، مشددًا على أن الحرب لا تجلب سوى الموت والدمار، بينما يفتح السلام الطريق أمام التنمية والازدهار.