موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١١ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
المطران وليم شوملي: نحن قطيع صغير وأمامنا خيار بندكتس

أبونا :

 

يواجه المسيحيون في الشرق الأوسط اليوم تحديات كبرى. وفي ظل هذا الواقع المليء بالألم، طرحنا على المطران وليم شوملي، النائب البطريركي للاتين في القدس وفلسطين، عددًا من الأسئلة في ختام أعمال مجلس الأساقفة اللاتين في المناطق العربية CELRA.

 

إن الإصغاء إلى مسيحيي الشرق الأوسط يدفع إلى التفكير في مفهوم «خيار بندكتس» الذي طرحه الكاتب رود دريهر قبل عدة سنوات. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة طُرحت في الأصل كتحدٍّ لمسيحيي الغرب ودعوة إلى إعادة اكتشاف إيمان متجذّر، قائم على الجماعة ويسير عكس تيار العلمنة، فإنها قد تساعدنا أيضًا على فهم حياة مسيحيي الشرق الأوسط.

 

فهنا لا يتعلق الأمر بخيار استراتيجي للانسحاب الطوعي من المجتمع، بقدر ما يتعلق بضرورة البقاء الروحي والثقافي. فالجماعات المسيحية في الشرق الأوسط، التي تقلّصت لتصبح «قطعانًا صغيرة» في أراضٍ تمزقها الصراعات، مدعوة اليوم إلى الحفاظ على شعلة التقليد والتضامن الداخلي، وقبل كل شيء التربية المسيحية، لتصبح بمثابة «مواقع متقدمة للرجاء»، على غرار دير مونتي كاسينو في خبرة القديس بندكتس. وفي هذه المواقع لا يُفرض الإيمان، بل يُصان ويُنقل، قبل كل شيء، بقوة الروابط الجماعية والعائلية والكنسية، في مواجهة خطر الذوبان أو الرحيل النهائي.

 

 

ما رسالة الرجاء الأساسية التي تريد CELRA توجيهها إلى الجماعات المسيحية التي ترعونها، في ظل معاناة وعدم استقرار غير مسبوقين؟

 

نعم، نحن نعيش وضعًا من المعاناة غير المسبوقة. وما يجمع جميع بلدان CELRA، إلى جانب وجودنا في بيئات عربية وعيشنا إلى جانب أغلبية مسلمة، وفي إسرائيل إلى جانب أغلبية يهودية، هو خبرة الصراعات الممتدة من غزة إلى جنوب لبنان، ومن اليمن إلى إيران ودول الخليج. إن عدم الاستقرار وانعدام الأمن يشكلان قاسمًا مشتركًا.

 

مؤمنونا بحاجة إلى الرجاء. ولكن حتى لا نوهمهم، يجب أن نؤسس رجاءنا على الرب الذي لا يخيّب، وعلى العون الآتي منه. وهذا العون نطلبه بالصلاة والصوم. وكل أسقف يجد، بحسب واقعه الخاص، طرقًا مختلفة لتغذية هذا الرجاء. ومن أكثر الطرق واقعية التضامن داخل الجماعات ودعم بعضنا بعضًا في أوقات الصعوبة. فالصليب عندما نحمله معًا يصبح أخف وأسهل احتمالًا.

 

 

خلال أعمال هذه الأيام ناقشتم أبرز القضايا الملحّة في منطقتكم. ما الأولويات الرعوية الأكثر إلحاحًا اليوم للكنيسة اللاتينية في العالم العربي؟ وكيف يمكن مواجهة إغراء الهجرة لدى الشباب؟

 

نشهد اليوم حركتين تسيران في اتجاهين متعاكسين: فمن جهة هناك شباب يغادرون بلدانهم، كما يحدث في لبنان وسورية وفلسطين وإسرائيل والأردن ومصر والعراق، ومن جهة أخرى هناك بلدان تستقبل المهاجرين، كما هي الحال في دول الخليج.

 

وبينما يجب علينا تشجيع الشباب على البقاء، قدر الإمكان، حتى لا نزيد من إضعاف الحضور المسيحي في أراضيهم، فإننا ملتزمون أيضًا باستقبال العمال المهاجرين الذين يصلون إلى دول الخليج، لكي يتمكنوا من ممارسة إيمانهم بحرية.

 

لقد ناقشنا معًا تحديات التعليم المسيحي لمختلف الفئات العمرية، والكتب الليتورجية الجديدة، وموضوع السينودسية، والوضع المسكوني والحوار بين الأديان. وكان من المثير للاهتمام بشكل خاص الاستماع إلى كل أسقف وهو يعرض الوضع الرعوي والسياسي في أبرشيته أو نيابته. فخبرة كل واحد تُغني خبرات الآخرين. وكان حاضرًا أيضًا أسقف إيران المطران دومينيك ماتيو، الذي عرض واقع المسيحيين في جمهورية إيران الإسلامية والتحديات العديدة التي يواجهونها.

 

وخلال أعمالنا أتيحت لنا فرصة لقاء الكاردينال بارولين والكاردينال غوجيروتي، وأجرينا معهما تبادلًا مثمرًا للأفكار. وفي اليوم الأخير استقبلنا قداسة البابا. أصغينا إلى توجيهاته، وفي الوقت نفسه أصغى هو إلى تحدياتنا وهواجسنا. وكان جميلًا أن نبدأ اللقاء بصلاة إلى مريم العذراء. إن شفاعتها الأمومية ثمينة. وتتمثل تحدياتنا الكبرى في: العدالة والسلام، والحوار مع الإسلام واليهودية، والحوار المسكوني، واستمرار الحضور المسيحي في الأرض المقدسة.

 

 

لطالما كانت المدارس الكاثوليكية في المناطق العربية مختبرات للتعايش السلمي، إذ تستقبل طلابًا من ديانات مختلفة. كيف تواصل هذه المؤسسات تعزيز الحوار بين الأديان وثقافة السلام؟

 

صحيح أن المدارس الكاثوليكية في الشرق الأوسط تحظى بتقدير كبير لجودة التعليم والتنشئة التي تقدمها. ففيها معلمون وطلاب مسيحيون ينتمون إلى كنائس مختلفة، وكذلك مسلمون. ولدينا أيضًا العديد من الجامعات الكاثوليكية في لبنان والأردن وفلسطين.

 

إن التعايش واحترام الآخر هما الكلمتان الأساسيتان اللتان تميزان هذه المؤسسات التعليمية. ومن خلال الحياة اليومية نتعلم أن نتعرف إلى بعضنا بعضًا، وأن نتحاور، وأن ننظر إلى الاختلافات بوصفها مصدر غنى.

 

لكن العديد من المدارس الكاثوليكية تواجه اليوم أزمة اقتصادية خطيرة. فكثير من الأهالي لم يعودوا قادرين على دفع الأقساط المدرسية، وهذه المدارس عمومًا لا تحصل على دعم مالي من الدولة. ولذلك تضطر إلى البحث عن أشكال أخرى من التمويل حتى تتمكن من مواصلة رسالتها التربوية.

 

 

إلى جانب العمل الرعوي الداخلي، كثيرًا ما تعبّر CELRA عن آلام وتطلعات شعوب بأكملها. ما النداء الذي توجهه إلى الدبلوماسية الدولية وإلى المسيحيين في العالم من أجل استقرار المنطقة؟

 

شعوبنا تريد السلام والاستقرار. السلام ممكن، لكنه يتطلب ثلاثة عناصر أساسية: العدالة والغفران والمصالحة. قد تبدو هذه الكلمات اليوم صعبة النطق، لكننا ككنيسة نملك الواجب والشجاعة لقولها. السلام هو ثمرة العدالة. لكن العدالة وحدها لا تكفي: فمن دون الغفران ومن دون مصالحة صادقة مع من يُعتبر اليوم عدوًا، لا يمكن أن يكون هناك سلام دائم. والبديل هو دوامة العنف والدمار والموت.

 

نطلب من مسؤولي المجتمع الدولي ومن الأمم المتحدة ألا ينسوا غزة ولبنان وجميع المناطق التي تعاني الألم وعدم الاستقرار. ونطلب من المسيحيين في جميع أنحاء العالم أن يرافقونا بالصلاة والتضامن والقرب الأخوي، لكي تتمكن جماعاتنا من مواصلة كونها علامات رجاء في الأراضي التي وُلدت فيها المسيحية ولا تزال حيّة فيها.