موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٤ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
المطران إياد الطوال: الأردن رسالة سلام في قلب شرق أوسط مضطرب

أبونا :

 

واحة سلام وسط رياح الحرب في الشرق الأوسط؛ بلد ذو غالبية مسلمة يعيش فيه المسيحيون باحترام ويشعرون بأنهم مواطنون كاملو الحقوق؛ وأرض مضيافة تستقبل 3.5 ملايين لاجئ من أصل 11 مليون نسمة، وتستعد للاحتفال عام 2030 بمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح. هكذا يصف المطران إياد الطوال، النائب البطريركي للاتين في الأردن، واقع المملكة.

 

ويتواجد المطران الطوال في روما للمشاركة في أعمال مجلس الأساقفة اللاتين في المناطق العربية. وفي حديثه إلى مع أندريا تورنيلي، مدير التحرير في دائرة الاتصالات في الفاتيكان، تناول أولًا تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وقال: «جغرافيًا، يقع الأردن في الوسط... ومع الحكومة والملك، سعينا إلى الحفاظ على الحياة اليومية بصورة طبيعية. لم نغلق المدارس ولا الجامعات... بل واصلنا حياتنا.

 

وأضاف: «صحيح أن الأسعار ارتفعت، لكن هذا الأمر لا يخصنا وحدنا. كما فقدنا إمكانية وجود حركة سياحية طبيعية، لأن السياحة عمومًا، بما فيها السياحة الدينية والحج، شهدت تراجعًا. لكن وجودنا في قلب المنطقة يساعدنا أيضًا على الحفاظ على علاقة معتدلة مع الجميع».

 

 

قريبون من الشعب الفلسطيني

 

وتحدث النائب البطريركي للاتين في الأردن عن الأوضاع في فلسطين، في ظل استمرار سقوط القنابل على غزة وأعمال العنف المتواصلة التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون بحق سكان الضفة الغربية، مؤكدًا أن المسيحيين يشعرون بأنهم جزء من هذا الشعب.

 

وقال: «نحن جزء من أبرشية الأرض المقدسة، ومن بطريركية القدس للاتين. إنهم إخوتنا وأخواتنا، ونعيش معهم الواقع القاسي لما يحدث. نصلي دائمًا من أجلهم، ونحاول مساعدتهم أيضًا في حياتهم اليومية. وفي مدارسنا سعينا دائمًا إلى استقبال إخوتنا الفلسطينيين الذين قدموا إلى الأردن، وهم كثيرون. لقد أصبح الأردن اليوم أشبه بواحة سلام؛ لدينا لاجئون سوريون وعراقيون، ولدينا أيضًا كثير من المصريين واللبنانيين».

 

وكشف المطران الطوال عن مبادرة تحققت «بفضل مساعدة كثيرين»، تمثلت في إحضار 12 طالبًا من غزة كانوا قد أنهوا دراستهم الثانوية في مدرسة البطريركية في غزة، وقال: «تمكّنا من إخراجهم من القطاع، وهم الآن في الأردن، في جامعتنا في مادبا». وأضاف: «قدّمنا أيضًا مساعدة مالية للجيش الأردني، الذي لديه ثلاثة مستشفيات ميدانية في غزة، ونأمل أن نتمكن، من خلال مهمة المساعدة الصحية هذه، من إحضار أطفال إلى الأردن».

 

وتابع: «مثل سائر دول الشرق الأوسط، نعرف جيدًا أنه إذا لم يتحقق العدل والسلام للشعب الفلسطيني، فسنبقى دائمًا نعيش في أزمات. لذلك نعمل ونصلي من أجل السلام والعدل للجميع. إنها أوقات صعبة، ونحن عشية انتخابات في الجانب الإسرائيلي وكذلك في الجانب الفلسطيني، ونأمل أن تحمل القيادات الجديدة شيئًا من الهواء الجديد والمنعش، ومن الرجاء».

 

 

الدين ليس المشكلة

 

وقال المطران الطوال: «يُنظَر إلى الدين في الأرض المقدسة أحيانًا على أنه سبب للعنف، بمعنى أنه ليس من الصعب العثور على متعصبين من جميع الأطراف. لكنني أؤمن حقًا بأن الدين يجب أن يكون الحل، لا المشكلة؛ فالإيمان بالله هو طريق للاقتراب من الآخر».

 

وأضاف النائب البطريركي: «الأرض المقدسة ليست مقدسة بحجارتها، بل هي مقدسة لأن البشر يعيشون القداسة. وهذا ما يجب أن نوصله إلى جميع إخوتنا المسيحيين والمسلمين واليهود: الإيمان بالله يعني القرب من الجميع».

 

وشدد على أهمية الحضور المسيحي في المنطقة، قائلًا: «الحضور المسيحي مهم جدًا في منطقتنا؛ إنه رسالتنا ودعوتنا. وقد قال لنا قداسة البابا إن أعدادنا ليست هي المهمة، بل المهم أمانتنا لله وشهادتنا وسط هذا الواقع الغني بالتنوع. أن نكون مسيحيين عربًا في الشرق الأوسط هو جزء من هويتنا، وهذه الهوية تبقى حتى عندما يهاجر الإنسان إلى أوروبا أو الولايات المتحدة».

 

 

ألفا عام على معمودية السيد المسيح

 

ويستعد الأردن بأكمله للاحتفال عام 2030 بمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، في الموقع الذي حدده علماء الآثار في المغطس، المعروف أيضًا باسم «بيت عنيا عبر الأردن».

 

وقال المطران الطوال: «هذه الذكرى حدث تاريخي، ونحن جميعًا في الأردن منخرطون في الاستعداد لها. وقد أنشأ الملك لجنة وطنية برئاسة رئيس الوزراء، ويجري استثمار ما يقارب 120 مليون دولار لإنشاء قرية إلى جانب موقع معمودية السيد المسيح، حيث توجد الكنائس».

 

وأضاف: «بالنسبة إلينا ككنيسة، من المهم التشديد على الخبرة الروحية؛ فجميع المسيحيين في العالم مدعوون إلى تجديد وعود المعمودية. ونحن نستعد لذلك، وقد أعلنا قبل أيام افتتاح مكتب للحجاج، لخدمة جميع إخوتنا وأخواتنا الذين يأتون لزيارتنا وزيارة الأردن، وليكون نقطة مرجعية ومساعدة في إعداد برنامج الرحلة وزيارة أهم المواقع».

 

وأوضح أن المكتب سيساعد كذلك على ربط الحجاج بالرعايا المحلية «لتعزيز التبادل الروحي بين الحجاج والكنيسة المحلية»، مضيفًا: «إنها بالنسبة إلينا نعمة تاريخية. هناك تاريخ الخلاص، وهناك جغرافية الخلاص، كما يقول دائمًا بطريركنا الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا. ونحن نعيش هذين البعدين: التاريخ والجغرافيا، بفرح كبير وإيمان كبير».

 

وكشف المطران الطوال عن التفكير في إطلاق مسار كتابي سنوي من الآن وحتى عام 2030، يتمحور حول الشخصيات الكتابية الكبرى المرتبطة بالأردن: موسى وإيليا ويوحنا المعمدان. وأضاف: «وبعد عام 2030، نتطلع إلى عام 2033، إلى اليوبيل الكبير للفداء، بمناسبة مرور ألفي عام على آلام يسوع وموته وقيامته».

 

 

الأردن.. رسالة

 

وأكد المطران الطوال أن الأردن يمثل اليوم في حد ذاته رسالة في التعايش السلمي بين المؤمنين من مختلف الأديان. وقال: «هذا صحيح، ولسنا نتظاهر بذلك، بل إنها الحياة اليومية التي نعيشها: الطمأنينة والسلام والانفتاح والاعتدال. بالطبع، تحدث لدينا من وقت إلى آخر بعض المشكلات، وهذا أمر طبيعي، فهي موجودة في كل مكان، حتى في أوروبا. لكن الأردن مثال، ولا ينبغي أن يكون ذلك أمرًا غريبًا، بل هكذا يجب أن يكون الشرق الأوسط كله».

 

وأضاف: «إن الغنى الذي نمتلكه، من أديان وثقافات وتنوع في الشرق الأوسط، هو غنى للبشرية جمعاء. وعلى العالم كله أن يساعدنا على النظر إلى الاختلافات بوصفها مصدرًا للغنى والإنسانية والخير العام». وتابع: «نعم، الأردن هو بالفعل رسالة، ونأمل أن نستمر هكذا وأن نمضي قدمًا».

 

واختتم المطران الطوال حديثه بالإشارة إلى الصليب الذي يحمله على صدره، قائلًا: «الصليب الذي أحمله هو نسخة عن صليب عُثر عليه في وادي فينان، وهو وادٍ في جنوب الأردن كانت توجد فيه جماعة مسيحية منذ القرن الثاني. ولذلك، بصفتي أسقفًا في عمّان اليوم، أفتخر بأن أقول إنني راعٍ لكنيسة تعود جذورها إلى القرن الثاني. إن تاريخًا بهذا الغنى يمثل عنصرًا أساسيًا في هويتنا في الشرق الأوسط».