موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الثلاثاء، ٢٣ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
المسيحيون في الشرق الأوسط: هل أصبح البقاء هو التحدي الأكبر؟

الدكتورة أمل حزين - روما :

 

لم يكن الوجود المسيحي في الشرق الأوسط يومًا مجرد ظاهرة ديموغرافية أو واقعًا دينيًا عابرًا، بل شكّل على مدى ألفي عام جزءًا أصيلًا من هوية المنطقة وتاريخها وثقافتها، ومنها انطلقت المسيحية إلى العالم حاملةً رسالة المحبة والسلام. وقد حافظ هذا الوجود على استمراريته رغم ما شهدته المنطقة عبر القرون من تحولات سياسية واجتماعية وحضارية. غير أن العقود الأخيرة حملت تحديات غير مسبوقة نتيجة النزاعات المسلحة، وحالات عدم الاستقرار السياسي، والأزمات الاقتصادية المتفاقمة، الأمر الذي أثار تساؤلات متزايدة حول مستقبل الحضور المسيحي في المشرق العربي.

 

لقد تأثرت المجتمعات المسيحية، شأنها شأن غيرها من مكونات مجتمعات الشرق الأوسط، بما شهدته المنطقة من حروب وأزمات في سوريا ولبنان والعراق والأرض المقدسة والسودان وغيرها. وأسهمت هذه الظروف في ارتفاع معدلات الهجرة والتهجير، ولا سيما بين فئة الشباب، حفاظًا على الأرواح وسعيًا إلى الأمن والاستقرار وفرص الحياة الكريمة. وقد أدى ذلك إلى تراجع ملحوظ في أعداد المسيحيين في بعض المناطق التي شكّلت عبر التاريخ مراكز رئيسية للحضور المسيحي.

 

ويثير هذا الواقع جملة من التساؤلات حول مستقبل التعددية الدينية والثقافية في الشرق الأوسط. فالمسيحيون يشكلون جزءًا أساسيًا من النسيج الحضاري والاجتماعي للمنطقة، وقد أسهموا إسهامًا بارزًا في مجالات التعليم والثقافة والرعاية الصحية والعمل الاجتماعي والحياة العامة. ومن ثمّ، فإن تراجع أعدادهم لا يمثل تحديًا يخصهم وحدهم، بل ينعكس على التوازن الثقافي والتنوع الحضاري والتماسك المجتمعي الذي ميّز المنطقة عبر العصور.

 

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في الأرض المقدسة، حيث يرتبط الوجود المسيحي بأبعاد دينية وتاريخية وإنسانية تتجاوز حدود المنطقة لتشمل العالم المسيحي بأسره. فالمسيحيون هناك لا يمثلون مجرد حضور سكاني، بل يشكلون "الحجارة الحية" التي تحفظ استمرارية الشهادة المسيحية في موطنها الأول، وتسهم في صون الطابع الروحي والتعددي للأماكن المقدسة.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبني سياسات وبرامج متكاملة تهدف إلى تعزيز صمود المسيحيين في أوطانهم، من خلال توفير بيئة سياسية وقانونية تكفل المساواة في المواطنة، وتعزيز فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودعم المؤسسات التعليمية والثقافية والكنسية التي تؤدي دورًا محوريًا في تثبيت المجتمعات المحلية. كما تبرز أهمية التعاون بين الكنائس المحلية والهيئات الكنسية الدولية والمؤسسات الوطنية والمجتمع الدولي لمعالجة العوامل التي تدفع إلى الهجرة والحد من آثارها.

 

إن مستقبل الوجود المسيحي في الشرق الأوسط لا يرتبط بمصير جماعة دينية بعينها فحسب، بل يتصل بمستقبل التعددية والتعايش والحوار في المنطقة. فالحفاظ على هذا الحضور وتعزيزه ليس قضية كنسية فقط، بل هو قضية حضارية وإنسانية تتعلق بمستقبل الشرق الأوسط وهويته التعددية. وكل تراجع فيه يمثل خسارة للتراث الثقافي والروحي المشترك الذي أسهم في تشكيل هوية المنطقة عبر القرون. ومن هنا فإن مسؤولية صون هذا الإرث تقع على عاتق الجميع: الدول والمؤسسات الدينية والمجتمع الدولي، من أجل بناء بيئة تتيح لجميع المواطنين البقاء في أوطانهم والمشاركة في صنع مستقبلها، بما يضمن استمرار التعددية والعيش المشترك اللذين شكّلا على الدوام إحدى أبرز سمات الشرق الأوسط، ولا سيما في الأرض المقدسة.