موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الثلاثاء، ٣ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٦
القيادة في الكنيسة: من روح الزعامة إلى روح المحبة والخدمة

الكاردينال لويس روفائيل ساكو :

 

تمهيد

 

ما أكتبه في هذه الخاطرة هو أفكار ومبادئ، وليس مدحًا لأحد ولا قدحًا بأحد. إنها خلاصة ما تعلمته واختبرته خلال 52 سنة من الخدمة الكنسية. إني لا أدعي الكمال أبدًا، واعترف بأني حساس وعصبيّ، أواجه الانتقادات وجهًا لوجه إلا عندما تصدر من أبواقٍ مأجورة فأهملها. وبالرغم من ذلك لا أحمل حقدًا في قلبي على أحد ولا أنتقم. صحيح أحيانًا نخطأ في اختياراتنا إذ نرى جوانب جيدة في أحد الكهنة ونتصوره الشخص المناسب للمكان المناسب، لكن سرعان ما يتغير بعد الرسامة الأسقفية. لذا أؤيد بقوة خطة بطريركنا الجديد في التريث والتقصي الدقيق عن المرشحين.

 

للأسف، نحن في الشرق، بسبب بعض موروثاتنا الذكورية والعشائرية، نميل بسهولة إلى الزعامة و"المشيخة"، وإلى منطق السلطة والهيمنة، وأحيانًا إلى روح الانتقام والفصل العشائري! لقد أدرك يسوع هذه النزعة ولذلك أوصى تلاميذه قائلاً: "أكبرُكم يكونُ لكم خادمًا" (متى 23: 11).

 

 

القيادة في الكنيسة

 

القيادة في الكنيسة ليست امتيازًا شخصيًا ولا موقعًا للنفوذ، بل هي رسالة ومسؤولية وخدمة. فجميع المؤمنين، رجالًا ونساءً، يتمتعون بالكرامة الإنسانية والمسيحية ذاتها، وإن اختلفت المهام والأدوار الموكلة إليهم. فهم متحدون اتحادًا جوهريًا بالمسيح، ولذلك ينبغي احترامهم والاعتراف بكرامتهم ودورهم الفاعل في حياة الكنيسة، وعدم التعامل معهم وكأنهم قطيع يُقاد كما اعتدنا في السابق!

 

القيادة، وفق روح الإنجيل، قيادة خادمة: "أتيتُ لأخدُم لا لأُخْدَم" (انجيل متى 20/28)، تُعالج وتُصحح وتشفي وتبني، بعكس القيادة السلطوية التي تُهيمن وتُقصي وتَهدم.

 

يطلب مني أحيانًا أحد اساقفتنا أنه قرر طرد أحد الكهنة من الأبرشية بسبب بعض المشاكل، فما كان مني سوى أن استقبل الكاهن المعني واحتضنه كأب. وقد استقبلت أكثر من كاهن في مثل هذه الظروف عندما كنت أسقفًا في كركوك، ثم أكثر عندما أصبحتُ بطريركًا بالتعاون مع المطران المعاون باسيليوس يلدو، إيمانًا منا أن هؤلاء الكهنة يحتاجون إلى مَن يُصغي إليهم ويحتضنهم ويرافقهم ويفتح الباب امامهم للتغيير. لم يكن ذلك انحيازًا إلى طرف ضد آخر، بل انطلاقًا من واجب الاحتضان الأبوي، واحترام كرامة الإنسان، والإصغاء إليه، وإتاحة المجال للحوار والإصلاح.

 

وبكل امتنان، أذكر أنني تعرفت على نماذج من القادة الحقيقيين في الكنيسة. ففي أيام المعهد الكهنوتي، تعلمت من مديري، الأب يوسف أومي، ومعاونه الأب ريشارد، رغم صرامتهما. كما أيضًا من أسقفي في الموصل مار عمانوئيل ددي ومار فرنسيس كرمو، وبخاصة من البابا الطيب فرنسيس.

 

وأستذكر هنا موقفًا طريفًا مع البابا فرنسيس. خلال أسبوع واحد التقيته مرتين. في اللقاء الأول كنت وحدي، فأهداني نسخة من كتابه الجديد باللغة الإيطالية. وفي اللقاء الثاني كنت مع البطاركة الآخرين، فأهداني ترجمة فرنسية من الكتاب نفسه. فقلت له مازحًا: "في الأسبوع الماضي أعطيتني نسخة بالإيطالية!". فرد ضاحكًا: "خذ هذه الآن وبِعها!".

 

إنها لحظة بسيطة، لكنها تكشف شيئًا من إنسانية القائد وروحه المتواضعة وقدرته على التواصل بروح الدعابة.

 

 

أولاً: مسؤولية القيادة الكنسية

 

إن مسؤولية القيادة في الكنيسة ثقيلة، تتطلب موهبة روحية (كاريزما)، وذكاءً في التفكير والتحليل، وقدرة على الإصغاء والتمييز والاستشارة إلى جانب الحكمة. فالقيادي الكنسي مدعو إلى احتضان الاختلافات بروح الأبوة والرحمة والتعافي، وألا يحوّلها إلى خلافات وعداوات وانتقامات. عليه أن يُعمق الشركة والشراكة في الكنيسة وروحانية السير معًا.

 

ومن هنا، علينا أن نتعلم من فكر المسيح وطريقة تعامله مع الناس وتلاميذه، مع بطرس ويعقوب ويوحنا، وحتى مع يهوذا! هذا المبدأ لا يخص القيادة الكنسية وحدها، بل ينبغي أن يظهر أيضاً في العائلة، في علاقة الأب والأم بالأولاد، حيث تكون القيادة مسؤولية محبة وتربية واحتضان، لا تسلطاً وفرضاً للإرادة.

 

 

ثانياً: المسيح النموذج

 

إن نظام القيادة الكنسية يقوم على إسناد المسؤولية إلى أشخاص تتوسم فيهم الكنيسة القدرة على خدمتها وإدارتها، انطلاقاً من نموذج المسيح الذي ينبغي الاقتداء به والالتزام بتعليمه يومياً. يقول يسوع: "أَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ" (يوحنا 10: 10).

 

هدف القيادة الكنسية: أن تساعد الإنسان على النمو، وأن تفتح أمامه آفاق الرجاء. فعندما تتحول السلطة الكنسية إلى مجرد إدارة بيروقراطية أو ممارسة تسلطية أو نفوذ سياسي واقتصادي، تفقد جوهرها الإنجيلي والغاية التي من أجلها وُجدت. لذلك، يجب أن تحافظ القيادة الكنسية على مفهوم الخدمة بتواضع، بوصفه أحد المرتكزات الأساسية في لاهوت الكنيسة. فالقيادة الخادمة ليست مجرد مظهر خارجي أو شعار جميل، بل موقف واعٍ والتزام يومي يقوم على روح المحبة والإصغاء والحوار والإصلاح.

 

 

ثالثاً: كرامة الإنسان تبدأ من الإصغاء

 

ربما تكون الصورة الأكثر تعبيرًا عن كرامة الإنسان هي ابتسامة، أو مزحة لطيفة، أو نعمة المغفرة، أو كلمة طيبة، أو موقف لطيف في تعاملنا اليومي مع الآخرين.

 

في خضم الحياة السريعة، وما يحيط بنا من تشابكات وضغوط وارتباك، كثيرًا ما نفقد القدرة على التوقف والتأمل والإصغاء. وتصبح حياتنا مثقلة بالحركة والانشغالات، حتى نشعر أحيانًا وكأننا نعيش في دوامة لا تنتهي، لكن القدرة على الإصغاء العميق يمكن أن يُعيد إلينا الوضوح والهدوء!

 

الإصغاء ليس مجرد سماع الكلمات، بل هو استعداد داخلي لفهم الآخر، والدخول إلى عالمه، واحترام تجربته، والتفاعل معه بصدق. إنه يتطلب التواضع والصبر والتحرر من الأحكام المسبقة. هكذا يصبح الإصغاء اكتشافاً جوهرياً لما هو ثمين في الحياة الإنسانية والعلاقات واستجابة صادقة لما يطلبه منا الإنجيل.

 

ومن صفات القائد الخادم الناجح أن يحتفظ بشيء من بساطة الأطفال وتلقائيتهم، وأن يكون مرناً، قادراً على الفرح، وعلى النهوض بعد الصعوبات، دون أن يفقد ثقته بالله أو بالإنسان.

 

يمكن تلخيص هذا البعد من القيادة الخادمة في ثلاثة أفكار جوهرية:

 

1. الإصغاء العميق: ليس مجرد سماع الكلمات، بل الاستعداد لفهم الآخر واحترامه والاستجابة له بصدق.

 

2. المحبة غير المشروطة: أن نمارس المحبة حتى تجاه من يختلف معنا، وألا نجعل الاختلاف سبباً للإقصاء أو العداوة.

 

3. البساطة والروح الطفولية: الاحتفاظ بالفرح والثقة والشجاعة والقدرة على النهوض رغم الصعوبات.

 

في رسالة استقالتي المؤرخة في 9 آذار 2029، كتبت: "أتمنى لقيادة الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في هذه الأزمنة الصعبة أن يأتي بطريرك يمتلك فكرًا ناضجًا، وثقافة لاهوتية رصينة، وجرأة وحكمة، ويؤمن بالتجدد والانفتاح والحوار، ويتمتع بروح الدعابة".

 

الكنيسة لا تحتاج إلى قائد يفرض حضوره بسلطته، بل إلى راعٍ يحضر بمحبته؛ لا إلى من يخشى الاختلاف، بل إلى من يحتضنه؛ لا إلى من يبحث عن النفوذ، أو من يجعل نفسه فوق الآخرين، بل أن يكون في خدمتهم، لا أن يخافه الناس، بل أن يجدوا فيه أبًا وأخًا وراعيًا.