موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الأربعاء، ٤ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٦
القانون الكنسيّ في حياة المؤمن المسيحيّ

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

عندما يُذكر مصطلح «القانون الكنسيّ» (Canonical Law)، غالبًا ما ينصرف ذهن الكثير من المسيحيين إلى صورة ذهنيَّة مرتبطة بالقيود والتنظيمات الإداريَّة والمحاكم الكنسيَّة والإجراءات القانونيَّة، ولا سيما ما يتعلق بقضايا بطلان الزواج. غير أن اختزال القانون الكنسيّ في هذه الجوانب الإجرائيَّة يحجب معناه الأعمق ووظيفته الحقيقيَّة داخل حياة الكنيسة. فالقانون الكنسيّ ليس مجرد مجموعة من النصوص التنظيميَّة، ولا هو نظام عقوبات موضوع بهدف فرض الانضباط على المؤمنين، بل هو في جوهره أداة لخدمة رسالة الكنيسة، وتنظيم حياة الجماعة، وحمايَّة الحقوق، وصون النظام الكنسيّ، وضمان أن تتم ممارسة السلطة داخل الكنيسة وفقًا لمبادئ العدالة والإنصاف والخير الروحي للمؤمنين.

 

ومن المهم، قبل الحديث عن القانون الكنسيّ، أن ندرك أن الكنيسة نفسها ليست مجرد مؤسسة إداريَّة تحتاج إلى قوانين لتنظيم عملها، بل هي جماعة إيمانيَّة وروحيَّة لها رسالة في العالم. ولذلك فإن القانون الكنسيّ لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة الكنيسة ورسالتها. فالقانون يوجد لخدمة حياة الكنيسة، وليس العكس. ولهذا فإن القانون الكنسيّ الصحيح لا يهدف إلى تحويل الحياة المسيحيَّة إلى مجموعة من الإجراءات الجامدة، بل إلى توفير إطار يساعد الجماعة الكنسيَّة على ممارسة رسالتها بصورة منظمة، ويحمي حقوق الأشخاص، ويمنع التعسف، ويضمن أن تكون ممارسة السلطة متوافقة مع العدالة والمحبة والغايَّة الروحيَّة للكنيسة.

 

وتظهر هذه الرؤيَّة بوضوح في المقدمة الرسوليَّة «Sacrae Disciplinae Leges» التي أصدرها القديس يوحنا بولس الثاني بمناسبة نشر مجموعة القوانين الكنيسة اللاتينيَّة لعام 1983. فقد أكد أن الغايَّة من القانون هي أن تكون حياة الكنيسة أكثر انسجامًا مع روح الإنجيل، وأن القانون الكنسيّ ينبغي أن يُفهم في ضوء طبيعة الكنيسة ورسالتها. كما ختم الوثيقة بتأكيد أن غايَّة القوانين هي أن تسهم في أن يكون النظام الكنسيّ وسيلة لتحقيق غايَّة الكنيسة، أي خلاص النفوس، وهو ما يعبر عنه المبدأ الشهير في القانون الكنسيّ: «خلاص النفوس هو القانون الأسمى» (Salus animarum suprema lex). وهذه العبارة لا تعني أن كل قاعدة يمكن تجاهلها بسهولة بحجة المصلحة الروحيَّة، بل تعني أن النظام القانوني الكنسيّ كله يجب أن يُفهم في ضوء الغايَّة النهائيَّة لرسالة الكنيسة. فالقانون ليس موجودًا من أجل ذاته، ولا لكي تنتصر الإجراءات على الأشخاص، وإنما لكي يخدم الخير الروحي والجماعي ويحافظ على النظام والعدالة والحقوق. فالكنيسة جماعة تضم أشخاصًا مختلفين في أعمارهم وثقافاتهم وظروفهم ومهامهم، ولا يمكن أن تستمر رسالتها بصورة منظمة من دون قواعد تحدد المسؤوليات والاختصاصات والحقوق والواجبات. لكن أهميَّة هذه القواعد لا تكمن في التنظيم من أجل التنظيم، بل في كونها تخلق إطارًا يتيح للمؤمنين ممارسة حياتهم الإيمانيَّة بصورة واضحة وآمنة، ويمنع أن تصبح القرارات خاضعة للأهواء الشخصيَّة أو لمزاج صاحب السلطة.

 

إحدى الوظائف الأساسيَّة للقانون الكنسيّ، هي حمايَّة حقوق المؤمنين. فالمؤمن ليس مجرد شخص يخضع للسلطة الكنسيَّة، بل هو عضو في الكنيسة له حقوق وواجبات، والقانون نفسه يعترف له بمجموعة من الحقوق التي ترتبط بكرامته وبمعموديته وانتمائه إلى جماعة الكنيسة. ومن بين هذه الحقوق حق المؤمنين في تلقي المساعدة الروحيَّة من الكنيسة، وحقهم في ممارسة العبادة وفقًا لأحكام الكنيسة، وحقهم في إبداء آرائهم في الأمور التي تتعلق بخير الكنيسة، مع مراعاة الإيمان والأخلاق وتعليم الكنيسة وسلطة الكنيسة.  فالكنيسة تنظر إلى الشخص البشري بوصفه صاحب كرامة ومسؤوليَّة، وليس مجرد موضوع للأوامر والتعليمات؛ فهو مدعو إلى المشاركة في حياة الكنيسة، وإلى ممارسة مواهبه وخدمته، وإلى تحمل مسؤوليته في بناء الجماعة. ولذلك فإن القانون الكنسيّ، عندما يحمي حقوق المؤمنين، لا يعمل ضد السلطة الكنسيَّة، بل يساعد على ممارسة السلطة بطريقة أكثر انسجامًا مع طبيعة الكنيسة ورسالتها.

 

من هذا المنظور، يمكن فهم القانون أو النظام الكنسيّ بوصفه امتدادًا لحاجة الجماعة إلى تنظيم حياتها المشتركة. فالقواعد لا تنشأ بالضرورة لأن المؤمنين لا يملكون الروحانيَّة، وإنما لأن الحياة المشتركة تفرض وجود معايير تحمي الجميع. فعندما تختلف المصالح أو تتعارض الآراء أو تنشأ النزاعات، لا يكفي أن يقول كل طرف إنه يتصرف بحسب قناعته الشخصيَّة؛ إذ تحتاج الجماعة إلى مبادئ مشتركة تستطيع من خلالها التمييز بين الحق والباطل، وحمايَّة الضعيف، وتسويَّة النزاع، وتحديد المسؤوليَّة. فالقانون لا يحمي المؤسسة فقط، بل يحمي أيضًا الفرد من التعسف. فعندما تكون المسؤوليات واضحة، والصلاحيات محددة، والإجراءات معروفة، تصبح إمكانيَّة إساءة استعمال السلطة أقل، ويعرف كل شخص حقوقه وواجباته. ومن ثم يمكن للنظام أن يكون أداة لحمايَّة الحريَّة بدل أن يكون نقيضًا لها؛ لأن الحريَّة التي لا يحميها أي إطار قد تتحول إلى حريَّة الأقوى في فرض إرادته على الأضعف. فالمشكلة ليست في وجود النظام، وإنما في الغايَّة التي يخدمها وطريقة استخدامه. فإذا تحول النظام إلى وسيلة للسيطرة أو قمع الضمير أو تحقيق مصالح شخصيَّة، فقد انحرف عن غايته. أما إذا كان هدفه حمايَّة الجماعة، وصون كرامة الأشخاص، وتنظيم الخدمة، ومنع الفوضى، وتحقيق العدالة، فإنه يصبح أداة ضروريَّة لبناء الكنيسة.

 

من هذا المنطلق، يمكن الربط بين القانون الكنسيّ ومفهوم كرامة الإنسان الذي يشكل محورًا أساسيًا في الفكر المسيحي. فإذا كان الإنسان مخلوقًا على صورة الله، فإن التعامل معه لا يمكن أن يقوم على الإهانة أو الاستغلال أو الاعتباط. فالسلطة الكنسيَّة نفسها، مهما كانت طبيعتها ووظيفتها، ليست غايَّة في ذاتها، بل هي خدمة. ولهذا فإن كل ممارسة للسلطة داخل الكنيسة ينبغي أن تتجه إلى بناء الجماعة وحمايَّة الأشخاص وخدمة خلاصهم، لا إلى تحقيق مصالح شخصيَّة أو فرض السيطرة. فالسلطة في الكنيسة لا تُفهم فقط باعتبارها قدرة على إصدار الأوامر، بل باعتبارها مسؤوليَّة تجاه الجماعة والأشخاص.

 

من أكبر فوائد معرفة القانون الكنسيّ أن يكتسب المؤمن وعيًا واضحًا بحقوقه وواجباته داخل الكنيسة، لأن المؤمن ليس مجرد متلقٍ سلبي للخدمة الكنسيَّة، بل هو عضو في جسد المسيح، له كرامته ومسؤوليته ومكانته داخل الجماعة. فالمؤمن الذي يعرف حقوقه وواجباته يستطيع أن يشارك بصورة أكثر نضجًا في حياة الكنيسة، وأن يميز بين ما هو حق له وما هو واجب عليه، وأن يتعامل مع السلطة الكنسيَّة بطريقة مسؤولة، وأن يعرف الوسائل المشروعة لمعالجة النزاعات عندما تنشأ. كما أن المسؤول الكنسيّ الذي يعرف القانون يكون أكثر قدرة على ممارسة سلطته بطريقة تحترم الأشخاص وتحمي الجماعة. وتزداد أهميَّة هذا الوعي في عصرنا بسبب التحولات الكبيرة في العلاقات الاجتماعيَّة ووسائل الاتصال والتكنولوجيا. فقد أصبحت قضايا الخصوصيَّة والبيانات الشخصيَّة والسمعة الرقميَّة ونشر المعلومات والاتهامات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحديات حقيقيَّة أمام الجماعات والمؤسسات، بما فيها الكنيسة.

 

لهذا خصصت مجموعة القانون الكنسيّ اللاتيني لعام 1983 مجموعة مهمة من القوانين، ولا سيما القوانين 208–223، للحديث عن واجبات وحقوق جميع المؤمنين. وتكشف هذه القوانين أن النظام الكنسيّ لا يقوم فقط على تحديد ما يجب على المؤمن أن يفعله، بل يتضمن أيضًا حمايَّة قانونيَّة لمكانته وحقوقه داخل الجماعة الكنسيَّة.

 

نذكر من الحقوق الأساسيَّة التي يحميها القانون الكنسيّ أيضًا حق المؤمن في التعبير عن رأيه. فالقانون 212 يؤكد أن للمؤمنين، وفقًا لمعرفتهم واختصاصهم ومكانتهم، الحق بل وحتى الواجب في أن يعلنوا لرعاة الكنيسة رأيهم فيما يتعلق بخير الكنيسة، كما أن لهم الحق في أن يعبّروا عنه للآخرين مع مراعاة الإيمان والأخلاق واحترام الرعاة والمصلحة العامة. وهذا المبدأ يوضح أن العلاقة داخل الكنيسة لا تقوم فقط على التلقي والطاعة، بل تتضمن أيضًا المشاركة والمسؤوليَّة والحوار. فالكنيسة جماعة حيَّة، وأعضاؤها مدعوون إلى المشاركة في حياتها ورسالتها بحسب مواهبهم ومسؤولياتهم. ومن هنا يمكن للقانون أن يكون وسيلة لتنظيم الحوار بدلًا من إلغائه، وأن يحمي حق المؤمن في أن يُسمع صوته بطريقة مسؤولة ومحترمة.

 

ومن أهم هذه الحقوق حق المؤمن في الحصول على المساعدة الروحيَّة. فالقانون 213 ينص على أن للمؤمنين حق تلقي المساعدة من الرعاة المقدسين، ولا سيما من خلال كلمة الله والأسرار. وهذا الحق يكشف بوضوح أن الخدمة الرعويَّة ليست مجرد امتياز يمنحه المسؤول الكنسيّ متى شاء، وإنما هي جزء من رسالة الكنيسة تجاه المؤمنين. فالمؤمن الذي يطلب الأسرار والتعليم والإرشاد الروحي في إطار ما تحدده قوانين الكنيسة، لا ينبغي أن يُعامل باعتباره طالب خدمة إداريَّة، بل باعتباره شخصًا له حق في الرعايَّة الروحيَّة التي تقوم بها الكنيسة بحسب رسالتها. ويظهر ذلك بصورة خاصة في سر الزواج. فالإعداد للزواج ليس إجراءً إداريًا هدفه جمع الأوراق أو استكمال الملفات، بل هو في جوهره خدمة رعويَّة تساعد الرجل والمرأة على فهم طبيعة الزواج المسيحي ومسؤوليته والتزاماته. ولذلك تتضمن القواعد الكنسيَّة متطلبات وإجراءات تهدف إلى التحقق من حريَّة الطرفين واستعدادهما، ومن عدم وجود موانع تمنع صحة الزواج أو مشروعيته. وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى القانون الكنسيّ باعتباره وسيلة وقائيَّة؛ فهو لا ينتظر وقوع الأزمة لكي يتدخل، بل يحاول أن يهيئ الظروف التي تساعد على حمايَّة الحياة الزوجيَّة والأسرة.

 

كما يحدد القانون شروطًا تتعلق بصحة الأسرار ومشروعيتها، وهو تمييز مهم في القانون الكنسيّ. فالهدف من هذه الشروط ليس التعقيد من أجل التعقيد، وإنما حمايَّة المعنى الحقيقي للأسرار ومنع التعامل معها كإجراءات اجتماعيَّة خاليَّة من مضمونها الإيماني. فالسر، في الفهم الكنسيّ، ليس مجرد احتفال خارجي، ولذلك فإن تنظيمه يرتبط بالحفاظ على هويته اللاهوتيَّة والروحيَّة وعلى حقوق الأشخاص المشاركين فيه.

 

في النهايَّة، يجد القانون الكنسيّ معناه الحقيقي عندما يُفهم في ضوء الغايَّة التي من أجلها وُضع: خدمة رسالة الكنيسة وخير المؤمنين. فالقانون الذي يحمي حق الإنسان في الرعايَّة الروحيَّة، ويحفظ سمعته وخصوصيته، ويضمن له إمكان التعبير والمشاركة، ويحميه من التعسف، ويساعد على صون قدسيَّة الأسرار، ليس قانونًا يقف في مواجهة الحياة المسيحيَّة، بل هو إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها تحويل مبادئ الإنجيل والكرامة الإنسانيَّة والعدالة إلى ممارسة ملموسة داخل الجماعة. ولذلك فإن الوعي بالقانون الكنسيّ ليس دعوة إلى مزيد من البيروقراطيَّة، بل إلى مزيد من المسؤوليَّة والوعي والعدالة، حتى تكون الكنيسة مكانًا تُحترم فيه كرامة كل إنسان، وتُمارس فيه السلطة بروح الخدمة، وتُصان فيه الحقيقة والمحبة معًا.

 

إن إعادة اكتشاف هذا البعد للقانون الكنسيّ أمر ضروري في زمننا، لأن صورة القانون بوصفه مجرد مجموعة من القيود قد تؤدي إلى سوء فهم عميق لطبيعة الكنيسة ورسالتها. فالقانون الكنسيّ ليس جدارًا يفصل الإنسان عن الكنيسة، بل ينبغي أن يكون إطارًا يساعد الإنسان على أن يعيش إيمانه داخل جماعة منظمة تحترم كرامته وحقوقه ومسؤوليته. وكلما كان القانون أكثر ارتباطًا بالإنجيل، وكلما كانت ممارسته أكثر عدلًا ورحمة، أصبح أداة حقيقيَّة لخدمة الإنسان والجماعة.