موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
حذّر الرئيس الفخري لفرسان القبر المقدس في البرتغال، غونسالو فيغيريدو دي باروس، من المخاطر المتزايدة التي تهدّد مستقبل الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، معتبرًا أن الاعتداءات المتكررة على بلدة الطيبة، آخر بلدة مسيحية بالكامل في الضفة الغربية، تشكّل جرس إنذار بشأن مستقبل المسيحيين في الأرض التي شهدت نشأة المسيحية وانطلاق رسالتها إلى العالم.
وفي مقال بعنوان "الخيانة الجديدة للمسيح"، أشار دي باروس إلى ما تتعرض له الطيبة من اعتداءات وحرائق وتدمير للممتلكات وتهديدات تطال الأراضي، في ظل مخاوف من إقامة بؤر استيطانية إسرائيلية جديدة. ولفت إلى أن البلدة، المعروفة تاريخيًا باسم أفرائيم، هي المكان الذي اعتزل فيه يسوع مع تلاميذه قبل آلامه، وفقًا لإنجيل يوحنا، مؤكدًا أن أهميتها لا تكمن في كنائسها وآثارها التاريخية فحسب، بل في العائلات والأطفال والشباب الذين يواصلون الحياة فيها، ويحافظون على إيمانهم وتجذّرهم في أرضهم.
وتوقف دي باروس عند التراجع المتواصل في أعداد المسيحيين في فلسطين خلال العقود الماضية، مستشهدًا بأرقام أوردها في مقاله، تشير إلى انخفاض نسبتهم من نحو 11% عام 1925، إلى 8% عام 1950، و3% عام 1975، ثم 2% عام 2000، وصولًا إلى أقل من 1% عام 2025. ولفت إلى أن هذا التراجع يبدو أكثر وضوحًا في مدينة بيت لحم، حيث انخفضت نسبة المسيحيين، بحسب الأرقام التي استشهد بها، من 86% عام 1950 إلى أقل من 8% عام 2025.
وأوضح أن وراء هذه الأرقام عقودًا من الهجرة والصراعات والصعوبات الاقتصادية وانعدام الأمن، محذّرًا من أن الخطر الأكبر يتمثل في وصول الأجيال الشابة إلى قناعة بعدم وجود مستقبل لها في أرض آبائها وأجدادها. كما انتقد ضعف الاهتمام الإعلامي والسياسي بهذه القضية، رغم أبعادها التاريخية والإنسانية، مشددًا على أن المسيحيين، وإن كانوا أقلية مسالمة، فلا يجوز تجاهل وجودهم أو التقليل من أهمية معاناتهم.
وفي هذا السياق، أبرز دي باروس أهمية زيارة بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، إلى بلدة الطيبة في آب 2026، وما حملته من رسالة تضامن وتشجيع للأهالي على الثبات وعدم الاستسلام للخوف. وأشار إلى تأكيد البطريرك أن الكنيسة ستبذل كل ما في وسعها للمحافظة على الحضور المسيحي في الأرض المقدسة، مشددًا في الوقت نفسه على أن الكنيسة لا تستطيع تحمّل هذه المسؤولية وحدها.
ولفت الكاتب إلى الجهود التي تبذلها البطريركية اللاتينية في القدس، إلى جانب حراسة الأراضي المقدسة والرهبنة الفرنسيسكانية وفرسان القبر المقدس ومؤسسات كنسية وإنسانية أخرى، في مساندة الجماعات المسيحية. ودعا إلى ترجمة هذا التضامن إلى خطوات عملية، من خلال دعم المدارس والمستشفيات والمشاريع السكنية والزراعية والمؤسسات الاقتصادية الصغيرة، وتوفير فرص العمل للشباب بما يساعدهم على البقاء في أرضهم.
كما شدّد على أهمية الحج إلى الأرض المقدسة، ليس بوصفه زيارة للمواقع الدينية والأثرية فحسب، بل فرصة للقاء الجماعات المسيحية المحلية ومساندتها روحيًا واقتصاديًا، من خلال الصلاة معها، والتعرّف إلى التحديات التي تواجهها، ودعم مؤسساتها وأعمالها التجارية، بما يعزّز شعورها بأنها ليست منسية.
وأكد دي باروس أن المجتمع الدولي يتحمّل بدوره مسؤولية تتجاوز إصدار بيانات الإدانة، وتقتضي العمل على توفير الظروف السياسية والدبلوماسية والاقتصادية التي تضمن للعائلات العيش بأمان وحرية وكرامة، مع آفاق حقيقية للمستقبل. واعتبر أن المحافظة على الوجود المسيحي لا تمثل قضية دينية أو إنسانية فحسب، بل تسهم أيضًا في حماية التعددية وتعزيز العيش المشترك وبناء جسور السلام بين مختلف الجماعات في المنطقة.
وشدّد على أن المسيحيين في الأرض المقدسة مدعوون إلى الإسهام في بناء مجتمع أكثر تعددية وتوازنًا، مستذكرًا وصف الكاردينال بيتسابالا لهم بأن يكونوا «ملحًا ونورًا وخميرة». وأكد أن الدفاع عن حضورهم لا يعني الانحياز إلى طرف ضد آخر، بل الدفاع عن الكرامة الإنسانية والتعددية والذاكرة التاريخية وإمكانية بناء مستقبل مشترك.
وفي ختام مقاله، شدّد دي باروس على أن قضية الطيبة تتجاوز حدود البلدة لتشمل مستقبل الأرض المقدسة بأكملها، محذّرًا من أن اختفاء الجماعات المسيحية قد يحوّل الأماكن المقدسة إلى مجرد معالم تاريخية، بعدما تفقد حضور المؤمنين الذين حافظوا على إيمانهم وتقاليدهم عبر الأجيال.
واختتم الرئيس الفخري لفرسان القبر المقدس في البرتغال بقوله: "إن أرضًا مقدسة بلا مسيحيين قد تظلّ تمتلك كنائس ومزارات وحجارة قديمة، لكنها ستكون أرضًا مقدسة قد افتقرت بشدة، يُخان فيها المسيح مرة أخرى بعد خيانة يهوذا".
إنسانية الآخر: محاضرة للكاردينال بيتسابالا في جامعة سانت آنا للدراسات العليا في بيزا