موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٢ مايو / أيار ٢٠٢٦
البطريرك بيتسابالا عن فيديو الأسطول: صور تجرح وتؤلم لكنها لا تفاجئني

أبونا :

 

قال الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، تعليقًا على الفيديو المتداول لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير: «إنها صور تجرح وتؤلم، لكنها لا تفاجئني، لأنها تعبّر عن ثقافة الازدراء والكراهية. ومع ذلك، ما زال هناك أيضًا حاجز أخلاقي وإنساني يمنع الانهيار الكامل».

 

وتصاعدت حدة الغضب الدولي عقب نشر الوزير بن غفير مقاطع مصوّرة توثّق التنكيل بناشطي أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة، ما أثار موجة من الاستدعاءات الدبلوماسية وسط تنديد واسع بسوء معاملة المتضامنين الدوليين واحتجازهم قسرًا.

 

وفي حديث لصحيفة Corriere della Sera الإيطالية، قال الكاردينال بيتسابالا إن «صور الأسطول لا تُفاجئ تمامًا مَن يعرف هذه الأرض عن قرب، لكنها تؤلم في كل مرة، لأنها تكشف شيئًا يتجاوز الحادثة بحد ذاتها. فهي ليست مجرد مشاهد توتر، بل تُظهر مناخًا عامًا وطريقةً في النظر إلى الآخر تدهورت تدريجيًا مع الوقت. وربما يكون هذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق: ليس الحدث نفسه، بل ما يجعل حدوثه ممكنًا».

 

 

ثقافة ازدراء

 

وتحدّث الكاردينال بيتسابالا عمّا وصفه بـ«ثقافة الازدراء»، موضحًا أنها لا تقتصر على المواقف المتطرفة أو التصرفات الصاخبة، بل تتمثل أيضًا في سلوكيات يومية صامتة تتسلل إلى اللغة والتفكير، من خلال اختزال الآخر في صور نمطية أو التعامل معه كعدو مجهول، بدل رؤيته كإنسان له وجه وقصة وتاريخ.

 

واعتبر بطريرك القدس أن هذه الثقافة تُشكّل نوعًا من «الإفقار الإنساني والروحي» قبل أن تكون قضية سياسية، مشيرًا إلى أنها تنشأ عندما يفقد الإنسان قدرته على رؤية الآخر كشخص حقيقي، ويتم تحويله إلى رمز أو تهديد مجرّد.

 

وفي حديثه عن تصاعد نفوذ الجماعات المتطرفة، أشار بيتسابالا إلى أن التطرف ليس ظاهرة جديدة، لكنه اليوم يبدو أكثر قوة وانتشارًا، لأنه يستند إلى مخاوف حقيقية وعميقة مرتبطة بالعنف وانعدام الأمان والخسارة. وأوضح أن الخوف، عندما لا يجد مساحة للتعبير والمعالجة، يتحوّل إلى حالة من التصلّب والبحث عن أجوبة سريعة وحادّة، لافتًا إلى أن الخطابات المتطرفة تقدّم «وضوحًا ظاهريًا وهويات قوية وأعداء محددين»، لكنها تستفيد أيضًا من عامل آخر وصفه بـ«الإرهاق»، الناتج عن سنوات طويلة من الصراع والتوتر.

 

 

تراجع الأمل يدفع نحو الانغلاق

 

وحذّر الكاردينال بيتسابالا من أن المجتمعات التي تعيش سنوات طويلة من الصراع والتوترات غير المحسومة قد تفقد تدريجيًا قدرتها على تخيّل مستقبل مختلف، مشيرًا إلى أن تراجع الأمل يدفع الناس نحو الانغلاق والتشدّد والدفاع عن الذات.

 

وأوضح بطريرك القدس أن الازدراء غالبًا ما يكون التعبير الخارجي عن خيبة عميقة وإرهاق جماعي ناتج عن الحروب والانقسامات، معتبرًا أن الخطر لا يأتي فقط من «الأعداء المعلنين»، بل أيضًا من التآكل البطيء للثقة والروابط الداخلية داخل المجتمع.

 

وأضاف أن أي مجتمع يقوم على الثقة المتبادلة والاعتراف بالآخر، وعندما يتمزق هذا النسيج تصبح ليس فقط الحياة المشتركة مهددة، بل هوية الجماعة نفسها. لكنه شدّد، في الوقت نفسه، على أن الصورة لا تقتصر على هذا الجانب السلبي.

 

 

طاقات مختلفة

 

وأشار بيتسابالا إلى وجود «طاقات مختلفة» داخل المجتمع، حتى وإن كانت لا تحظى باهتمام إعلامي، موضحًا أن هناك أشخاصًا ومجموعات ومؤسسات تربوية ودينية ومدنية ما تزال تؤمن بإمكانية اللقاء والحوار، وتعمل يوميًا للحفاظ على مساحات التواصل المفتوح. ووصف هذه المبادرات بأنها «حاجز صامت» في مواجهة تصاعد ثقافة الاحتقار، رغم هشاشتها أحيانًا، مؤكدًا أنها تمثل ثروة حقيقية داخل المجتمع.

 

ولفت غبطته إلى أن هذه الجهود لا تظهر كثيرًا من الخارج، حيث تطغى صور المواجهة والانقسام، بينما تبدو العلاقات محصورة ضمن دوائر ضيقة من النخب الفكرية والثقافية، الأمر الذي يعزز الشعور بالعزلة والخوف المتبادل ويزيد من ديناميكيات الانغلاق.

 

 

حلول ممكنة؟

 

ورأى بطريرك القدس أن مواجهة هذا الواقع لا تتم عبر حلول سريعة، بل من خلال استعادة نظرة أكثر إنسانية وواقعية إلى الآخر، بعيدًا عن منطق المواجهة الدائمة، وذلك عبر إعادة بناء العلاقات تدريجيًا، والحفاظ على قيمة الكلمة والحوار، والتعلّم مجددًا كيف يُنظر إلى الآخر كشخص حاضر لا كتهديد دائم.

 

وأكد أن هذا المسار طويل وبطيء النتائج، لكنه يبقى الطريق الوحيد القادر على إحداث تغيير حقيقي، لأن ثقافة الاحتقار لا تُواجَه فقط بالقرارات السياسية أو بالإجراءات الأمنية، بل بتحوّل أعمق في النظرة إلى الواقع وطريقة العيش داخله. وختم بطريرك القدس بالتشديد على أن الأمر لا يتعلق بالسذاجة، بل بالمسؤولية اليومية «كي لا يكون للاحتقار الكلمة الأخيرة».