موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعا البابا لاون الرابع عشر إلى بناء ثقافة للرحمة في مواجهة القوة والعنف، وإلى عدم الهروب من الواقع بل الانخراط فيه وإظهار الخير الموجود في العالم، حاثًا المؤمنين، ولا سيما الشباب، على الانفتاح على الجميع من دون استثناء، وعلى محبة الكنيسة والمحافظة على وحدتها.
جاء ذلك في كلمته، اليوم السبت 22 آب، أمام المشاركين في الدورة السابعة والأربعين من «لقاء الصداقة بين الشعوب» في مدينة ريميني الإيطالية، التي زارها البابا بعد 44 عامًا على زيارة القديس يوحنا بولس الثاني للقاء عام 1982.
واستعاد البابا كلمات يوحنا بولس الثاني خلال زيارته للقاء قبل 44 عامًا، عندما عبّر عن فرحه باسم «لقاء الصداقة بين الشعوب»، مؤكدًا أن السلام لا يزال اليوم يُصان وينتشر بفضل الأشخاص الذين يرغبون في اللقاء ولا يخشون مواجهة اختلافاتهم. وقال: «اليوم أيضًا، يُصان السلام وينتشر بواسطة أشخاص يرغبون في اللقاء ولا يخشون مقارنة وجهات نظرهم».
وأوضح أن اللقاء يسمح للناس بأن يفهم بعضهم بعضًا ويصغي بعضهم إلى بعض، وأن يصبحوا أصدقاء، أولًا كأشخاص ثم كشعوب أيضًا، مشددًا على أن «قبل الحدود والتعريفات والمؤسسات، هناك دائمًا أشخاص». وأشار إلى أن هذه الرؤية مسيحية في جوهرها، كما هو شعار لقاء هذا العام المأخوذ من الكوميديا الإلهية لدانتي: «الحب الذي يحرّك الشمس والنجوم»، ليؤكد البابا: «نعم، الحب يحرّك!».
وفي مواجهة ما وصفه بـ«الواقعية الزائفة» التي تسلّح العقول والكلمات والشعوب، دعا البابا الثقافة الكاثوليكية إلى تقديم «واقعية الرحمة». وقال: «لا مكان فيها للأعداء، والجميع، حتى الخصوم، إخوة وأخوات ينبغي أن ننظر في أعينهم ونلتقي بهم في الحقيقة».
ودعا إلى تنقية الأفكار والمصالح والعادات والعلاقات والمشاريع والاستثمارات، وكل أبعاد الحياة، من كل ما سمّمته «ثقافة القوة»، مضيفًا: «إن الهوس بالحفاظ على مجدنا وكرامتنا ونفوذنا لا ينبغي أن يكون جزءًا من مشاعرنا».
كما دعا إلى تحرير الحياة الاجتماعية من الارتياب، والثقافة من العنف، والتعليم من الأيديولوجيا، والعمل من عبادة الربح، والتكنولوجيا والمال من المصالح التي تخدم الموت. وقال: «بدءًا من المؤسسات التي أنشأناها نحن أنفسنا ونعمل فيها، لنكشف علاقات القوة الظالمة التي تقف في جذور الفقر وعدم المساواة والحروب والكوارث البيئية. ولننزع سلاح التطور التكنولوجي عندما يصبح متغلغلًا ومدمرًا».
وشدّد البابا على الحاجة إلى أشخاص يقدمون مثالًا حيًا لهذا التحول، وقال: «لا يكن هناك فقط مَن يؤججون نار التعب واليأس، بل ليكن هناك أيضًا مَن يعيدون إشعال الأحلام والرؤى!». وأشار إلى مشروع رحمة الله الذي تتأمله العذراء مريم في نشيد «تعظم نفسي الرب»، حيث تعلن أن رحمته تمتد من جيل إلى جيل على الذين يتقونه.
كما دعا إلى خوض ما وصفه، استنادًا إلى تعبير الأب لويجي جوساني، بـ«المخاطرة التربوية»، بحيث لا يهرب المؤمن من الواقع بحثًا عن الخير في عزلة، بل يعمل على إبراز انتصار الخير داخل العالم نفسه. ووصف البابا هذه المواجهة مع العالم بأنها التزام حقيقي، داعيًا إلى تحمل المسؤولية تجاه المسيح وتجاه العالم.
وأعرب البابا عن فرحه بصورة خاصة بحضور أعداد كبيرة من الشباب في ريميني، وقال لهم إن وجودهم علامة على أن «المستقبل وعد وليس تهديدًا»، حتى وإن كان كثيرون قد توقفوا عن الإيمان بذلك. وأضاف أن «الحب الذي يحرّك الشمس والنجوم» لا يزال يدفع الإنسان إلى الرجاء، وقال: «الحب يحرّك، ويدفع، ويوقظ من الخمول، ويثير دعوات جديدة، ويدعو إلى المخاطرة».
ووجّه قداسته نداءً مباشرًا إلى الشباب قائلًا: «التزموا! وانفتحوا على كاثوليكية حقيقية، ووسّعوا روابطكم إلى ما وراء كل انتماء ضيق». ودعا الحركات والجماعات الكنسية إلى أن تكون نقطة انطلاق نحو قلب الواقع، لا مكانًا للانغلاق على الذات، مضيفًا: «قاوموا كل ما يريد إبعادكم عن إخوتكم وأخواتكم المختلفين عنكم في الثقافة والحساسية والأصل، ولا سيما الأكثر فقرًا. أما أنتم، فاخرجوا للقاء الجميع!».
وطلب البابا من الشباب ألا يسمحوا لأحد بتفريغ كلمة «المحبة» من معناها، مذكّرًا بأن «الله محبة». وقال: «في المحبة لا يوجد أبدًا إكراه ولا تلقين، ولا إغواء ولا خداع ولا تجنيد. المحبة لا توجد إلا في الحرية، وفي الحوار الحي، وفي العطاء السخي للذات».
وأشار إلى أن شهادة المؤمنين الشباب تجعل تعليم الرب مسموعًا، موضحًا أن الأمر لا يتعلق بالأرقام، «مع أنه من المؤثر رؤية آلاف من أقرانكم يطلبون المعمودية في مجتمعات تُعد من بين الأكثر علمانية في العالم»، بل يتعلق بالحرية، لأن «الحقيقة لا يمكن أن تُلتقى إلا في الحرية».
وقال البابا إن فقدان النفوذ الذي كان يخشاه كثيرون أتاح فرصة لتقدير قوة الإنجيل والروابط التي يولدها بصورة أفضل، مؤكدًا أن الكنيسة لا تمارس التبشير القسري، بل تنمو بالجاذبية، من خلال أسلوب حياة المؤمنين. ووجّه نداءً إلى المشاركين قائلًا: «أحبوا الكنيسة دائمًا! أحبوا واحفظوا وحدة الجماعة التي وصل إليكم المسيح من خلالها ويجذبكم بها إليه».
وفي ختام كلمته، دعا البابا إلى إعادة اكتشاف الفرح الروحي في الانتماء إلى شعب الله، وإلى الإصغاء المتبادل الذي يعبّر عن البعد السينودسي والإرسالي للكنيسة. وشدد على ضرورة الإصغاء إلى كلمة الله، وإلى بعضنا بعضًا، وكذلك إلى الحكمة الموجودة لدى الرجال والنساء داخل الكنيسة ولدى الباحثين عن الحقيقة، حتى وإن لم يكونوا أعضاء فيها وربما لن يصبحوا كذلك.
وأوضح أن هذا المسار يمثل أيضًا طريقًا لتجديد الجماعات والحركات الكنسية، وقال: «يصغي كل واحد، ويسمح لإيمان الآخرين بأن يغيّره، ومعًا، تحت قيادة الرعاة، ننضج نحو فهم جديد وخطوات جديدة وطاعة شجاعة للروح القدس».
وختم البابا مؤكدًا أن هذا الأسلوب يشكل، في الزمن المضطرب الذي يعيشه العالم، «علامة حقيقية من علامات الأزمنة»، داعيًا إلى الشهادة بأن كل موهبة هي لخدمة الخير المشترك، وأن كل غنى يتضاعف عندما تتم مشاركته، وأن كل خوف يمكن التغلب عليه.