موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢٠ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦
البابا في رسالة يوم المريض 2026: الحب ليس سلبيًا بل هو انطلاق للقاء الآخر

فاتيكان نيوز :

 

تحت عنوان "شفقة السامري: أن نُحبَّ ونحمِل ألم الآخر" صدرت رسالة قداسة البابا لاون الرابع عشر بمناسبة اليوم العالمي الرابع والثلاثين للمريض 2026. كتب فيها: أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، سيُحتفل باليوم العالمي الرابع والثلاثين للمريض بوقار في مدينة تشيكلايو في البيرو، في 11 شباط 2026. وبهذه المناسبة، أردتُ أن أقترح مجددًا صورة السامري الصالح، وهي صورة آنية على الدوام وضرورية لإعادة اكتشاف جمال المحبة والبعد الاجتماعي للشفقة، ولتسليط الضوء على المعوزين والمتألمين، ومن بينهم المرضى.

 

تابع: لقد استمعنا جميعًا وقرأنا هذا النص المؤثر من إنجيل القديس لوقا. فَردًا على أحد علماء الشريعة الذي سأله "من هو قريبي" الذي يجب أن أحبه، أجاب يسوع بسرد قصة: رجل كان مسافرًا من أورشليم إلى أريحا، فهاجمه لصوص وتركوه بين حيّ وميت؛ مَرَّ كاهنٌ ولاويٌّ ومضيا في حال سبيلهما، لكن سامرياً أشفق عليه، وضمد جراحه، ونقله إلى فندق ودفع ثمن العناية به. لقد أردتُ اقتراح التأمل حول هذا المقطع البيبلي من خلال المفتاح التفسيري للرسالة العامة"Fratelli tutti" ، حيث لا تقتصر الشفقة والرحمة تجاه المحتاج على مجرد جهد فردي، بل تتحقق في العلاقة: مع الأخ المحتاج، ومع الذين يعتنون به، وفي الأساس، مع الله الذي يمنحنا حبه.

 

أضاف: نحن نعيش منغمسين في ثقافة السرعة، والفورية، والعجلة، وكذلك في ثقافة الإقصاء واللامبالاة، التي تمنعنا من الاقتراب والتوقف على طول الطريق للنظر في احتياجات ومعاناة الذين هم من حولنا. يخبرنا المثل أن السامري، عندما رأى الرجل الجريح، لم "يمل عنه ويمضِ"، بل كان لديه نظرة منفتحة ومُتنبِّهة تجاهه، نظرة يسوع، التي قادته إلى قرب إنساني وتضامني. إن السامري "قد توقف، ومنحه القرب، واعتنى به بيديه، ودفع من ماله الخاص واهتم به. وقبل كل شيء، أعطاه [...] وقته الخاص". إنَّ يسوع لا يعلمنا مَن هو القريب، بل كيف نصبح قريبين، أي كيف نصير نحن أنفسنا قريبين من الآخرين. وفي هذا الصدد، يمكننا أن نؤكد مع القديس أوغسطينوس أن الرب لم يرد أن يُعلم مَن هو قريب ذلك الرجل، بل لِمَن يجب أن يجعل نفسه قريبًا. ففي الواقع، لا أحد يكون قريب لآخر ما لم يقترب منه طواعية. لذلك، فالذي صنع الرحمة هو الذي صار قريبًا.

 

تابع: إنَّ الحب ليس سلبيًا، بل هو انطلاق للقاء الآخر؛ فأن تكون قريبًا لا يعتمد على القرب الجسدي أو الاجتماعي، بل على قرار المحبة. ولهذا السبب، يجعل المسيحي نفسه قريبًا من المتألمين، مقتديًا بمثال المسيح، السامري الإلهي الحقيقي الذي اقترب من البشرية الجريحة. لا يتعلق الأمر بمجرد لفتات إنسانية، بل بعلامات يمكن من خلالها أن نفهم أن المشاركة الشخصية في معاناة الآخر تنطوي على بذل الذات؛ إنها تعني أن نذهب أبعد من تلبية الاحتياجات، لنجعل من ذواتنا جزءًا من العطاء. وهذه المحبة تتغذى بالضرورة من اللقاء مع المسيح، الذي بذل نفسه من أجلنا حباً بنا. وقد شرح القديس فرنسيس ذلك جيداً عندما تحدث عن لقائه بالبُرص قائلاً: "إنَّ الرب نفسه قد قادني بينهم"، لأنه من خلالهم اكتشف الفرح العذب للمحبة. إن عطيّة اللقاء تولد من الرابط مع يسوع المسيح، الذي نصفه بالسامري الصالح الذي منحنا الصحة الأبدية، والذي نجعله حاضراً عندما ننحني أمام الأخ الجريح. لقد كان القديس أمبروسيوس يقول: "بما أنه لا يوجد أحد أقرب إلينا من الذي شفى جراحنا، فلنحبه كربّ، ولنحبه أيضاً كقريب: فليس هناك ما هو أقرب من الرأس للأعضاء. لنحب أيضاً من يقتدي بالمسيح: لنحب الذي يتألم لفقر الآخرين، بسبب وحدة الجسد". أن نكون واحداً في "الواحد"، في القرب، في الحضور، في الحب الذي نناله ونتقاسمه، وننعم، مثل القديس فرنسيس، بحلاوة لقائه.

 

أضاف: يتابع القديس لوقا قائلاً إن السامري "أشفق". إن الشعور بالشفقة ينطوي على عاطفة عميقة تدفع إلى العمل. إنه شعور ينبع من الداخل ويؤدي إلى الالتزام تجاه ألم الآخرين. في هذا المثل، تشكل الشفقة السمة المميزة للحب الفاعل. إنها ليست نظرية ولا عاطفية، بل تترجم إلى أفعال ملموسة: فالسامري يقترب، يداوي الجراح، يتحمل المسؤولية ويعتني. ولكن تنبهوا، فهو لا يفعل ذلك بمفرده أو بشكل فردي، "فالسامري بحث عن صاحب فندق يمكنه الاعتناء بذلك الرجل، كما نحن مدعوون لدعوة الآخرين والالتقاء في "نحن" تكون أقوى من مجموع الأفراد الصغار". لقد لمستُ بنفسي، في تجربتي كمرسل وأسقف في البيرو، كيف يشارك الكثير من الناس الرحمة والشفقة على طريقة السامري وصاحب الفندق. أفراد العائلة، والجيران، والعاملون الصحيون، والأشخاص الملتزمون في راعوية الصحة، وكثيرون غيرهم ممن يتوقفون، ويقتربون، ويداوون، ويحملون، ويرافقون، ويقدمون ما لديهم؛ هؤلاء يعطون للشفقة بعداً اجتماعيًا. هذه الخبرة، التي تتحقق في شبكة من العلاقات، تتجاوز مجرد الالتزام الفردي. وبهذه الطريقة، في الإرشاد الرسولي"Dilexi te"، لم أشر إلى رعاية المرضى كـ"جزء مهم" من رسالة الكنيسة فحسب، بل كـ"عمل كنسي" أصيل. وقد استشهدتُ فيها بالقديس قبريانوس لكي اُظهر كيف يمكننا في هذا البعد أن نتحقق من صحة مجتمعنا: "هذا الوباء، هذا الطاعون، الذي يبدو مروعاً وفاجعاً، يختبر عدالة كل فرد، ويفحص مشاعر الجنس البشري: هل يخدم الأصحاءُ المرضى، وهل يحب الأقاربُ ذويهم باحترام، وهل يشفق الأسياد على العبيد المرضى، وهل لا يتخلى الأطباء عن المرضى الذين يطلبون المساعدة". أن نكون واحداً في "الواحد" يعني أن نشعر حقاً بأننا أعضاء في جسد نحمل فيه، كلٌّ بحسب دعوته، شفقة الرب تجاه آلام جميع البشر. علاوة على ذلك، فإن الألم الذي يحركنا ليس ألماً غريباً، بل هو ألم عضو في جسدنا الذي يأمرنا رأسنا بالاعتناء به من أجل خير الجميع. بهذا المعنى، يتحد هذا الألم بألم المسيح، ومن خلال تقديمه بروح مسيحية، هو يعجل بتحقيق صلاة المخلص نفسه من أجل وحدة الجميع.

 

تابع: في الوصية المزدوجة: "أحبب الرب إلهك بكل قلبك، وكل نفسك، وكل قوتك، وكل ذهنك وأحبب قريبك حبك لنفسك"، يمكننا أن ندرك أولوية محبّة الله ونتيجته المباشرة على طريقة محبة الإنسان وعلاقاته في جميع أبعادها. "إنَّ محبّة القريب تمثل الدليل الملموس على أصالة محب الله، كما يشهد يوحنا الرسول: "إنَّ الله ما عاينه أحد قط. فإذا أحب بعضنا بعضا فالله فينا مقيم ومحبته فينا مكتملة.. [...] الله محبة فمن أقام في المحبة أقام في الله وأقام الله فيه". ورغم أن موضوع هذا الحب مختلف: الله، والقريب، والنفس، ويمكننا بهذا المعنى فهمها كأنواع محبة متميزة، إلا أنها دائماً غير منفصلة. إن أولوية الحب الإلهي تعني أن عمل الإنسان يجب أن يتم بدون مصلحة شخصية أو مكافأة، بل كتعبير عن حب يتسامى فوق القواعد الطقسية ويترجم إلى عبادة حقيقية: خدمة القريب هي محبة الله بالأفعال. هذا البعد يسمح لنا أيضاً بإدراك معنى محبة الذات. فهي تعني أن نُبعد عنا مصلحة بناء تقديرنا لذواتنا أو شعورنا بكرامتنا على الصور النمطية للنجاح، أو المسيرة المهنية، أو المكانة، أو النسب، وأن نستعيد مكانتنا أمام الله والأخ. لقد كان البابا بندكتس السادس عشر يقول إن "الكائن البشري، بصفته ذا طبيعة روحية، يتحقق في العلاقات بين الأشخاص. وكلما عاشها بطريقة أصيلة، نضجت هويته الشخصية أيضاً. فالإنسان لا يقدّر نفسه من خلال عزل نفسه، بل من خلال علاقته بالآخرين وبالله".

 

وختم البابا لاوُن الرابع عشر رسالته بالقول: أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، "إنَّ العلاج الحقيقي لجراح البشرية هو نمط حياة يقوم على الحب الأخوي، الذي يجد جذوره في محبة الله". أتمنى بشدة ألا يغيب عن نمط حياتنا المسيحي هذا البعد الأخوي، "السامري"، الشامل، الشجاع، الملتزم والمتضامن والذي يجد جذوره الأعمق في اتحادنا مع الله، في الإيمان بيسوع المسيح. وإذ نشتعل بهذا الحب الإلهي، سنتمكن حقًا من أن نبذل أنفسنا من أجل خير جميع المتألمين، ولاسيما إخوتنا المرضى والمسنين والمحزونين. لنرفع صلاتنا إلى الطوباوية مريم العذراء، شفاء المرضى؛ ونسألها العون لجميع الذين يتألمون، والذين يحتاجون إلى الشفقة والإصغاء والتعزية، ونبتهل شفاعتها بهذه الصلاة القديمة، التي كانت تُتلى في العائلات من أجل الذين يعيشون في المرض والألم: "أيتها الأم العذبة، لا تبتعدي، ولا تصرفي نظركِ عني. تعالي معي إلى كل مكان ولا تتركيني أبدًا وحيدًا. أنتِ التي تحمينني دائمًا كأمي الحقيقية، اجعلي الآب والابن والروح القدس يباركوني". أمنح من كل قلبي بركتي الرسولية لجميع المرضى، ولعائلاتهم، ولجميع الذين يعتنون بهم، وللعاملين الصحيين، وللملتزمين في راعوية الصحة، ولاسيما للذين يشاركون في هذا اليوم العالمي للمريض.