موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٣ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
البابا: التقدّم العلمي والتكنولوجي لا يصبح إنسانيًا حقًا إلا إذا حرّكته المحبة
العلم ليس نقيضًا للإيمان.. ومكاسب الإنسان علامة على عظمة الله ويجب أن تكون في خدمة كرامة كل إنسان

أبونا :

 

أكد البابا لاون الرابع عشر أن التقدّم العلمي والتكنولوجي ليس نقيضًا للإيمان بالله، بل يمكن أن يكون جزءًا من دعوة الإنسان إلى مواصلة عمل الخلق، مشددًا على أن هذا التقدّم لا يصبح «تقدّمًا إنسانيًا حقيقيًا» إلا إذا حرّكته المحبة ووُضع في خدمة كرامة الإنسان وتحسين ظروف حياة الجميع، ولا سيما الأكثر حرمانًا.

 

جاء ذلك خلال المقابلة العامة، الأربعاء 23 أيلول 2026، في ساحة القديس بطرس، حيث واصل البابا سلسلة تعاليمه حول وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، متوقفًا عند الفصل الثالث من القسم الأول من الدستور الرعائي «فرح ورجاء»، وتحديدًا الأعداد 33-39، تحت عنوان «معنى نشاط الإنسان في الكون».

 

واستهل البابا تعليمه بالسؤال عن قيمة نشاط الإنسان في العالم، وما تعنيه الإنجازات التكنولوجية والاجتماعية والعلمية. وأشار إلى أن الإنسان، المخلوق على صورة الله ومثاله، هو «صانع التقدّم»، إذ يوسّع بفضل حريته وذكائه دائرة معارفه، ويسهم بذلك في تقدّم المجتمع وتحسين ظروف الحياة من جيل إلى آخر.

 

وتوقف لاون الرابع عشر عند النظرة التي ترى في التقدّم العلمي والتكنولوجي سببًا لتراجع حاجة الإنسان إلى الله، أو تضع العلم والإيمان المسيحي في موقعين متعارضين. وقال إن بعض التيارات الإنسانية ما بعد المسيحية تقدم الله والإنسان، بصورة خاطئة، كأنهما نقيضان، بحيث يُفترض أن يتحرر الإنسان من الله لكي يؤكد معرفته وحريته وتقدّمه.

 

وحذّر البابا من أن إنكار علاقة الإنسان بالله يقوده في نهاية المطاف إلى فقدان إمكانية تأكيد قيمته التي تسمو على كل ما هو أرضي، مستعيدًا تعبير اللاهوتي هنري دو لوباك الذي وصف هذا الواقع بـ«مأساة الإنسانية الإلحادية».

 

وفي المقابل، أوضح البابا أن المجمع الفاتيكاني الثاني يقدم رؤية مختلفة، إذ يعتبر أن نشاط الإنسان، فرديًا كان أم جماعيًا، يتفق مع تصميم الله عندما يهدف إلى تحسين أوضاع الحياة البشرية. واستشهد بدستور «فرح ورجاء»: «إن المسيحيين، بدلًا من أن يعتبروا نتاج عبقرية الإنسان وشجاعته مضادًا لقدرة الله، والخليقة العاقلة منافسة للخالق، هم بالعكس مقتنعون تمام الاقتناع، بأن مكاسب الإنسان هي علامة تدل على عظمة الله ونتيجة لقصده الفائق».

 

وأضاف أن الله وضع بين يدي الرجل والمرأة خلقًا «لا يزال في حالة الصيرورة»، لكي يقوداه، من خلال نشاطهما الحكيم، نحو كماله.

 

 

العمل اليومي طريق للقاء الله

 

وربط البابا هذه النظرة بسر التجسد، موضحًا أن البشرية والعمل والتقدّم واستقلالية واقع الخليقة لا تُلغى في اللقاء مع الله، بل يتخذها المسيح بكاملها، وفيه تجد الحقيقة والحرية كمالهما.

 

وأشار في هذا السياق إلى الإفخارستيا، حيث توضع على المذبح ثمرة عمل الإنسان، المتمثلة في الخبز والخمر، لتتحول إلى جسد المسيح ودمه. ومن هنا، قال البابا، تنبثق حقيقة مهمة، وهي أن الإنسان لكي يلتقي الله «يجب ألّا يترك انشغالاته الأرضية»، بل يستطيع أن يعيش دعوته بصورة كاملة من خلال إتقان عمله اليومي وتقديسه.

 

وأوضح أن المسيحيين يشاركون، شأنهم شأن الجميع، في «بناء مدينة البشر»، وفي مسيرة التقدّم والعلم والحياة، لكنهم في الوقت نفسه يتجهون نحو الغاية الأخيرة للأشياء، أي اللقاء بالله، ويذكّرون بهذه الغاية الذين يشاركونهم العمل من أجل تقدّم البشرية.

 

وأكد لاون الرابع عشر أن التقدّم الأرضي يجب أن يبقى متميزًا عن نمو ملكوت المسيح، لكنه ليس بلا قيمة بالنسبة إلى الملكوت. واستشهد مجددًا بدستور «فرح ورجاء»، الذي يؤكد أن التقدّم، «بقدر ما يمكنه أن يسهم في تنظيم المجتمع البشري تنظيمًا أفضل، له أهمية كبيرة بالنسبة إلى ملكوت الله».

 

 

المحبة معيار التقدّم الحقيقي

 

وفي ختام تعليمه، شدد البابا على أن معيار التقدّم الحقيقي ليس مجرد امتلاك قدرات علمية أو تكنولوجية أكبر، بل الطريقة التي تُستخدم بها هذه القدرات والغاية التي توجَّه إليها.

 

وقال: «إن التقدّم التكنولوجي والعلمي، لكي يصير تقدّمًا إنسانيًا حقيقيًا، أي تقدّمًا لكل الإنسان ولكل إنسان، يجب أن تحرّكه المحبة ويجب أن يكون هدفه المحبة».

 

وأضاف أن التقدّم، بهذه الطريقة فقط، يمكن أن يبقى «في خدمة الدفاع عن كرامة الإنسان»، وأن يعمل على تحسين ظروف حياة الجميع، «ولا سيما غير المحظوظين».

 

واختتم البابا لاون الرابع عشر تعليمه بالدعوة إلى تقاسم المعرفة والخبرة العملية وعدم احتكارهما، لكي تتاح لكل إنسان ولكل شعب إمكانية تنمية طاقاته، وقال: «المجمع الفاتيكاني الثاني يدعونا إلى أن نشارك في خبز المعرفة والمعرفة العملية، لكي يتمكن كل إنسان وكل شعب من تنمية إمكاناته، ولكي نستطيع معًا، بعون الله، أن نبني مستقبلًا أفضل».