موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أول ما يتبادر إلى ذهنه هو الأب بيار الراعي، الكاهن من جنوب لبنان الذي قُتل قبل ثلاثة أيام جراء قصف إسرائيلي، والذي أُقيمت جنازته أمس في بلدة القليعة حيث كان كاهنًا للرعية. يقول الأب طوني إلياس: "كان أخًا عزيزًا جدًا علينا، ورجلًا شجاعًا. إن موته يؤلمنا كثيرًا. بالنسبة إلينا هو شهيد الإيمان، لأنه فقد حياته بينما كان في طريقه لمساعدة أشخاص أصابتهم الصواريخ".
ولم يستطع الأب طوني إلياس إخفاء تأثره عندما تمكّن من التواصل مع وسائل إعلام الفاتيكان. فهو نائب كاهن رعية بلدة رميش، وكان يعرف الأب بيار جيدًا، ليس فقط لأنهما كاهنان في المنطقة نفسها، بل أيضًا لأن المسافة بين رميش والقليعة لا تتجاوز أربعين كيلومترًا تقريبًا، ما أتاح لهما فرصة اللقاء مرارًا. ويقول: "على الرغم من قصر هذه المسافة، لم أتمكن أنا ولا أبناء رعيتي من المشاركة في الجنازة. فالتنقل هنا أصبح شديد الخطورة."
تقع بلدة الأب إلياس ضمن قضاء بنت جبيل في قلب الجنوب اللبناني الذي يتعرض لقصف متواصل. ويقول الجيش الإسرائيلي إن هذه الغارات تهدف إلى القضاء على عناصر حزب الله المدعوم من إيران، الذين يطلقون الصواريخ باتجاه إسرائيل. ويضيف كاهن رميش أن دوي الانفجارات أصبح جزءًا مأساويًا من الحياة اليومية: "نسمعها كل يوم فوق رؤوسنا. لقد دمّرت قنبلتان منزلًا، ولحسن الحظ لم تقع إصابات".
في اثنتين من القرى المسيحية الخمس في المنطقة لم يعد هناك أي سكان، إذ أُخليت بالكامل. أما القرى التي لا تزال مأهولة فهي رميش ودبل وعين إبل. ويقول الأب إلياس: "نحن لا نغادر. لا يوجد هنا مقاتلون من حزب الله ولا صواريخ. نحن لا نشكل خطرًا على أحد. ثم إلى أين نذهب؟ خوفنا الوحيد هو أنه إذا غادرنا منازلنا قد لا نتمكن من العودة إليها."
تقع رميش على مقربة من الحدود مع إسرائيل، وهي محاصرة فعليًا بالحرب. فالدخول إلى البلدة أو الخروج منها ينطوي على خطر كبير. وإذا أراد أحد التوجه إلى بيروت عبر الطرق القليلة المتبقية، فعليه أن يرافقه الجيش اللبناني. لذلك يعترف الأب إلياس بأن تأمين المواد الغذائية أصبح مشكلة خطيرة: "تحاول الكنيسة والسلطات المحلية توفير الطعام والمازوت للسكان. الأمر ليس سهلًا، لكننا نبذل ما في وسعنا".
وكان يعيش في رميش، التي يبلغ عدد سكانها نحو سبعة آلاف نسمة، حوالي مئتي نازح شيعي وسني قدموا من بلدات أخرى أُخليت، لكنهم اضطروا إلى المغادرة مجددًا. ويشرح الأب إلياس: "أبلغنا الجيش الإسرائيلي أننا أمام خيارين: إذا لم يغادر هؤلاء النازحون القرية فسيُطلب منا نحن المغادرة. ربما كانوا يخشون أن يكون بينهم عناصر من حزب الله."
ورغم الخوف من الحرب والقلق من المستقبل، ما زال الأمل حيًا بين أبناء رميش. يقول الأب إلياس: "الإيمان لم تقتله القنابل. نحن الكهنة نقيم كل يوم قداسين، ونقيم سجودًا للقربان الأقدس، ويشارك المؤمنون في الصلاة متكلين بالكامل على الرب. هذه هي أسلحتنا".