موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٧ مايو / أيار ٢٠٢٦

يا أخ نور: كنتم ولا زلتم رغم رحيلكم

بقلم :
المونسنيور بيوس قاشا - العراق
المونسنيور بيوس قاشا، راعي كنيسة السريان الكاثوليك في بغداد

المونسنيور بيوس قاشا، راعي كنيسة السريان الكاثوليك في بغداد

 

يا أخي نور... أمسيتم كنزاً ثميناً حيث السماء نصبت خيمتها لتسكن فيها. لذلك رسمتم لمسيرتكم طريقاً عبر رحمتكم وأحاديثكم وإعلامكم. وتبقون سائرين في هذه الطريق شهادة لحقيقة مسعاكم ورسالة عطائكم وقناتكم من أجلنا ... فكنتم بذلك الحقيقة.

 

يا أخي نور... كنتم ولا زلتم - رغم غيابكم عن دنيانا - درساً أميناً وزائراً وفياً. دخلتم عبر عيوننا وقلوبنا، فكنتم لنا وللكثيرين محبة وعلامة للبشارة والخلاص. وجعلتم من أيامنا العصيبة باشتراككم بالعزاء تسلية، لأنكم عبّرتم عن حقيقة وجودكم ورسالتكم ووفاء قناتكم لله والبشر ... فكنتم بذلك الحقيقة.

 

يا أخي نور... أنتم خُلقتم من رب السماء لتكونوا معنا، وتعلّمون أجيالكم وأجيالنا، ومن أجل البسطاء والفقراء والبؤساء والمهمشين، من أجل الآخر والآخر المنسي. فكنتم إنساناً بل مخلوقاً لأجل الحياة الدائمة. فَمَن يُدرك، يفهم فحوى رسالتكم. والتاريخ يشهد على عملكم ورسالتكم. والأيام شاهدة على الحقيقة، لأنكم تعملون من أجل حرية أبناء الله. ففي صلاتي المتواضعة كنتُ معكم ومن أجلكم، وما زلتُ وسأبقى أذكركم. فأنا لكم كنتُ وفياً ولا زلتُ رغم رحيلكم عن أعيننا، وأميناً للحقيقة، وحقيقة وجودكم وقناتكم، فأنتم في فكرنا وعقلنا وفي قلبنا ... فكنتم أنتم بذلك الحقيقة.

 

يا أخي نور... كنتم تعملون ليلاً كما نهاراً من أجل مجد الرب وإيصال قناتكم خدمة للشعب. وكنتم تواصلون العمل عبر برامج ديانتكم المختلفة والاجتماعية والطبية، وإعلان محبتكم لجميع الفئات. فما كنتم إلا نور. وإنْ كنتم بعيوننا بصيصاً من السماء، فما ذلك إلا زلزال لمكان حقيقتكم (أعمال31:4) ... فكنتم بذلك أنتم الحقيقة.

 

يا أخي نور... كنتم تنادون بوطن واحد في رسالة واحدة. وقضيتكم قضية إنسان. تقولون وتعلنون ذلك في وجه الأقوياء وكبار الزمن ومسؤولي الدار من أجل حقيقتكم. فكنتم بذلك رسالة للشرق، وكنتم له آية بهمومه وأفراحه، بأحزانه وضحكاته. فكنتم للوطن وللشعب رسولاً مخلصاً. فأعلنتم الحقيقة، بل حقيقة الإنسان والحياة ... فكنتم أنتم الحقيقة.

 

 يا أخي نور... إنكم تعلّمون وتَعْلَمون بأنّ الذكاءَ كذبٌ، والعدلَ ضعفٌ، والصدقَ حماقةٌ، والتواضعَ مذلّةٌ، والشجاعةَ وقاحةٌ. هكذا يفسر عالم الدنيا هذه كلها، وفي كل ذلك كنتم تقولون لنا وللشعب عبر قناتكم "أنْ قولوا الحق". هكذا يقول المسيح الرب، فهو يرسم لنا طريق السماء إذ قال:"أنا الطريق والحق والحياة" (يو6:14) فقد رسم لكم الطريق الصحيح وهو السماء، فأنتم بها ترفعون الصلاة من أجلنا، فنحن بحاجة إليها ... فكنتم بذلك الحقيقة.

 

يا أخي نور... عملتم مع كل فرد من عائلة "نورسات" و"تيلي لوميار"، وعملتم مع "صوت المحبة". وودّعتم كل ذلك وأنتم رفيق الكل. ورحلتم إلى المكان التي هيأها لكم الرب، لترتاحوا من التعب والصلاة والتواضع، لأنّ رجاءكم كان في السماء. فستبقون علامة صارخة بأجواء كنائسنا ورسالة قلوبنا. فأنتم لنا شفيع جديد في وسط السماء. إنكم كنتم رفيق درب الصليب لنا وللآخرين. وبسبب دربكم عشتم النسك العميق. صامتون لا تتكلمون كثيراً، وصوتكم كان آية من الإنجيل وقضية في الحياة. فأنتم خطة مفتوحة إلى السماء ... فكنتم بذلك الحقيقة.

 

أخي نور... إلى اللقاء. كنتم ولا زلتم رغم رحيلكم عن دنيانا مرشداً أميناً ومبشّراً بالمسيح يسوع. فقد عرفتم "الكلّ لتربحوا الكلّ" (1كور19:9-22). فقد ربحتم أصدقاء للمسيح ولكم أيضاً. وفعلتم ما لم يفعله الآخرون، إذ كنتم أوفياء لمسيرة حياتكم وللذين أحبوكم. وسأبقى أميناً لكم بصلاتي المتواضعة. فأنتم المثل والهدف ... فكنتم بذلك الحقيقة.

 

فإلى اللقاء ... نعم، إلى اللقاء في السماء.