موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٦ فبراير / شباط ٢٠٢٦

"من الوعد إلى الـKavod" بين كاتبي سفر التكوين والإنجيل الأول

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (تك 12: 1- 4؛ مت 17: 1-9)

سِلسلة قِراءات كِتابيّة بين العَهدَّين (تك 12: 1- 4؛ مت 17: 1-9)

 

الأحد الثاني من الزّمن الأربعينيّ (أ)

 

الـمُقدّمة

 

كما نوهنا بالـمقال السابق حيث إننا سنتتبع في هذا الزّمن الأربعينيّ  مسيرة لنقترب من "سرّ الرّبّ الخلاصيّ"، بداخل سلسلتنا الكتابيّة في قرأتنا فيما بين العهدّين. يتجلّى هذا السرّ العظيم، سرّ الحبّ الإلهيّ، كما نصلي في قانون الإيمان قائلين: "... من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا". حتى نستمر في التركيز على جوهر إيماننا وهو "سرّ حبّ الرّبّ" لنا الّذي يصل إلى ذُروته في تجليّ يسوع اِبنه وإتمام هذا السرّ الخلاصي سرّه الفصحيّ. نهدف في هذا الزّمن الأربعينيّ، من خلال مقالاتنا في تلك الأسابيع، إلى السير وراء الرّبّ الّذي يحمل خطايانا ويحررنا منها ويمنحنا حياة وخلاصًا لنجدد قولنا معًا وبقوة قائلين: "الـمَسيح قام  ... بالحقيقة قام".

 

سنرتكز بمقالنا هذا على الوعد الثلاثيّ الّذي وجهه الرّبّ بمجانيّة لأبرام بعد أنّ دعاه للإنطلاق بحسب كاتب سفر التكوين (12: 1- 4) بالعهد الأوّل. ونجد أنّ يسوع بحسب الإنجيل الإزائي الأوّل وهو إنجيل متّى (17: 1- 9)، هو الّذي يتوجه نحو أورشليم بحريته. ولكن ما سيتم وسنتعمق فيه على جبل التجليّ هو ما لا يتوقعه تلاميذه الحميميّن. وسنتعمق في إعلان يسوع القوي الّذي يسبق حدث قيامته بحدث تجلّيه أمام أعين تلاميذه.

 

 

1.   الوعد الثلاثي (تك 12: 1-4)

 

يبدع كاتب سفر التكويّن في وصفه كيف يطرق الرّبّ على باب بشريتنا ليدخل في علاقة معنا مُعلنًا مخططه من خلال شخص واحد بشكل مبدئي ليصل إلى كلّ البشريّة، وهنا تأتي الـمُباردة الإلهيّة بقوله: «اِنطَلِقْ مِن أَرضِكَ وعَشيرَتكَ وبَيتِ أَبيكَ، إِلى الأَرضِ الَّتي أُريكَ» (تك 12: 1). من خلال فعل الأمر هذا والّذي يأتي من الجذر العبريّ lek laka ومن خلال هذا الفعل يتحرك الرّبّ نحونا بالرغم من عدم إدراكنا وفهمنا لـمخططه الحقيقيّ. "إنطلق" هذا الفعل، يفتحنا على الجديد وهو دعوة الرّبّ الشخصيّة لأبرام الّذي يمثل كلاً منا للدخول في علاقة خاصة بالرّبّ خاصة في هذا الزّمن الأربعينيّ. ثمّ يعلن الله وعده الثلاثيّ لأبرام والّذي يتمثل في الأرض والنسل والبركة بقوله: «وأنا أَجعَلُكَ أُمَّةً كَبيرة وأُبارِكُكَ وأُعظِّمُ اسمَكَ، وتَكُونُ بَركَة. [...] وَيتَبَارَكُ بِكَ جَميعُ عَشائِرِ الأَرض» (تك 2- 3). لم يعد الرّبّ بخطة تفصيليّة عما سينوي فمله في حياة صديقه أبرام وحياتنا. ونحن كقراء نتسأل هل سيقبل أبرام؟ ما هي ضماناته؟ وهنا تأتي الـمفاجأة حيث أنّ الكاتب يشدد على إنّه ليس بشاب بعمر العشريّن، وليس لديه خريطة بعصره ليتبعها، وليس لديه الـmaps google  ومن هنا تأتي الـمفاجأة الكبرى إذ نقرأ: «فاَنطَلَقَ أَبْرامُ كما قالَ له الرَّبّ، [...] وكانَ أَبْرامُ اَبنَ خَمْسٍ وسَبْعينَ سَنَةً، حِينَ خَرَجَ مِن حاران» (تك 12: 4). بالرغم من عمر إبرام الـمُتقدم إلّا إنّه جازف بكلّ ما لديّه وخططه ومشروعاته الـمضمونة والسبب هو قوة الكلمة الإلهيّة الّتي منحها ثقته وخرج من بلدته وفكره وبرنامجه، حتى وإنّ كان محدوداً بعصره، إلّا أنّه نجح بهذا الإنطلاق ليعلمنا كيف ندخل في علاقة بالرّبّ. مدعويّن على مثال أبرام أنّ نقبل ونجازف لأجل بناء علاقة شخصيّة وأصيلة مع الرّبّ، لأنّ بهذه العلاقة تمنحنا أنّ نثق في وعد الرّبّ وهذا ما سيحملنا إلى الـ kavod.

 

 

2. الحبّ الـمُتجلّي (مت 17: 1- 9)

 

من خلال السّرد الّذي يقدمه متى الإنجيليّ حيث أنّ كلّ الوعود الإلهيّة تحققت في يسوع الّذي أعلن قراره صراحة ليتجه نحو أورشليم كما نقرأ في النص السابق لحدث التجلّي مُعلنًا: «فسَوفَ يَأتي ابنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ومعَه مَلائكتُه، فيُجازي يَومَئِذٍ كُلَّ امرِئٍ على قَدْرِ أَعمالِه. الحَقَّ أَقولُ لكم: مِنَ الحاضِرينَ ههُنا مَن لا يَذوقونَ الـموتَ حتَّى يُشاهِدوا ابنَ الإِنسانِ آتِياً في مَلَكوتِه» (مت 16: 26- 27). نكتشف من هذا الإعلان العلنيّ باستباق الحدث الّذي يجمع كلّ الإنجيليّين وهو القيامة الّتي يعبرها يسوع بآلامه وموته. هذا الخروج الّذي بدأ من خروج يسوع من رحم الآب (راج 1: 18). وها نحن ننطلق في تبعيّة يسوع بينما يتخذ قرار خطير ويجازف بحياته، متجهًا نحو أورشليم، من أجلنا مُعلنًا إستكمال ما بدأه الله الآب مع أبرام كما فسرنا بأعلاه.

 

يسوع يتجه مع بعض من التلاميذ الحميميّن بحسب سرد متّى الإنجيليّ القائل:  «وبَعدَ سِتَّةِ أَيَّام مَضى يسوعُ بِبُطرسَ ويَعقوبَ وأَخيه يوحَنَّا، فانفَردَ بِهِم على جَبَلٍ عالٍ، وتَجلَّى بِمَرأًى مِنهُم، فأَشَعَّ وَجهُه كالشّمس، وتَلألأَت ثِيابُه كالنُّور. وإِذا موسى وإِيلِيَّا قد تَراءَيا لَهم يُكلِّمانِه» (مت 17: 1- 3). هذا الحدث الإستباقي الّذي لم يفهمه التلاميذ بسبب محدودية فكرهم ولكن يسوع يتجلّي ويكشف عن ذاته وهويته الإلهيّة في المجد الإستباقيّ. وبحواره مع موسى وإيليّا يُتمم ما تمّ إعلانه بالشريعة والأنبياء. فهي الكتب الـمقدّسة الّتي بدأت تعلن مخطط الله وهي الّتي تكشف لنا هذا الـمجد والّتي تتجذر في الـ kavod من اللغة العبريّة. لفظ الـ kavod يعني "الثقل" و "العبء" الّذي يمنحه هذا الحضور الإلهيّ الّذي يغمر بشريتنا من خلال حضور الرّبّ بالقرب منا: «وبَينَما هُوَ يَتَكَلَّم إِذا غَمامٌ نَيِّرٌ قد ظلَّلهُم» (مت 17: 5). هذا الغمام هو علامة جوهريّة من علامات الـ kavod حيث تتحقق في يسوع كلّ الوعود الإلهيّة الّتي سبق وأعلنها للبطاركة كأبرام وموسى بكتب الشريعة ولإيليّا والأنبياء بكتب الأنبياء.

 

الـ kavod هو الـمجد الّذي سندركه بعمق وقت قيامة يسوع. والتجلّي ما هو إلّا حدث إستباقيّ لـمجد القيامة الدائم. هذا هو هدف يسوع من إنطلاقه نحو أورشليم، إذ يضمن لنا مجد بلا نهايّة وهو يضمن، في يسوع، تحقيق الوعد الثلاثيّ، من خلال أبرام النسل والبركة والأرض. فتصير الحياة الـمُمجدة وهي حياة الآب الّتي ستصير حياة تابعين يسوع إبنه. لذا يوصينا الآب بالإصغاء للإبن بقوله: «هذا هَو ابنيَ الحَبيبُ الَّذي عَنهُ رَضيت، فلَهُ اسمَعوا» (مت 17: 5). مدعويّن لإستكمال مسيرة هذا التجلّي الّذي بدأ من أبرام ووصل إلى ذروته في تجلّي يسوع لنا.

 

 

3. من الوعد إلى الــ Kavod (تك 12: 1- 4؛ مت 17: 1-9)

 

يختتم متّى هذا الحدث بلمسة من الـمُتجلّي لتلاميذه إذ يروي: «فدنا يسوعُ ولـمَسَهم وقالَ لَهم: "قوموا، لا تَخافوا". فَرفَعوا أَنظارَهم، فلَم يَرَوا إِلاَّ يسوعَ وحدَه. وبَينما هم نازلونَ مِنَ الجَبَل، أَوصاهُم يسوعُ قال: "لا تُخبِروا أَحداً بِهذِه الرُّؤيا إِلى أَن يَقومَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات"» (مت 17: 7- 9). هذه اللمسة والقول معًا يدعونا للتحلّي بالرجاء حيث يقول يسوع لي ولك اليّوم: "قوموا، لا تخافوا"، أنّ نقوم هي الوقوف وهو فعل من أفعال القيامة. وفي كلمات يسوع الأخيرة إعلان كامل سيفهمه التلاميذ حقيقة بعد قيامة الرّبّ والّتي على ضوئها سيتفهمون حدث تجلّي الرّبّ في حقيقته.

 

اليّوم كمؤمنيّن مدعويّن أنّ نتبع يسوع الّذي أكمل وأوضح ما بدأه الرّبّ بالـماضي مع أبرام. وها هو يدعونا لنصعد معه على الجبل في هذا الزّمن الأربعينيّ ليختليّ بكلّاً منا ونسعى للإصغاء له. الابن الّذي سيتحقق في جسده سِرّ تجلّيه من عبور من عالـمنا الأرضيّ ليفتتح العالم الـمُمجد في جسده بهذا العبور. ما علينا إلّا أنّ نثق ونؤمن بأنّ الوعد الإلهي الثلاثيّ وصل إلى ذروته في يسوع الـممجد في التجلّي بشكل إستباقي وحتى القيامة بشكل دائم.

 

 

الخلّاصة

 

تعمقنا بهذا الـمقال الّذي أعطيناه عنوانًا "من الوعد إلى الــ Kavod" والّذي فسرنا من خلاله كيف بدأ الله من خلال وعده الثلاثي، النسل والأرض والبركة، لأبرام بسفر التكوين (12: 1- 4). وعلى كلمة الله جازف أبرام وإنطلق وصارت الأفق أمامه مُضاءة بناء على ضمانه الوحيد وهو كلمة الرّبّ. وبالإستمرار من الـماضي لزمن يسوع تعمقنا بحسب اللّاهوت الّذي روى به متّى حدث تجلي الرّبّ (مت 17: 1- 9)، كاشفًا إعلان يسوع لهويته الإلهيّة لتلاميذه الحميميّن إذ تجلّي وتغيرت هيئته أمامهم وفي هذا الوقت ساد وتجلّى بعمق الــ Kavod أي بدأ زمن الـمجد الإلهيّ بشكل إستباقي والّذي سيصل إلى ذروته في قيامة يسوع. دُمتم في نعمة قبول تجلّي الرّبّ يوميًا.