موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يعتقد أحد الكتّاب الذين عاشوا وكتبوا عن الشرق الأوسط أنه مجتمعات مغلقة تنحصر علاقات الناس بأقربائهم يحسبون مجتمعهم المجتمع الوحيد الذي يسود فيه الحق والفضيلة، في حين أنهم يجدون صعوبة في العلاقات التفاعلية مع الناس الجدد الذين ينظرون إلى مجتمعه الغريب بارتياب، فيصنّفونهم على أنهم في مرتبة أدنى من مرتبة مجتمعهم، فقد قال:"إن أبرز سمات المجتمع الحديث هي قابلية الفرد للتكيف، وإنشاء تفاهمات أو علاقات بالآخرين بغض النظر عن انتمائهم الطائفي والاجتماعي".
وهنا لا بدّ من التمييز ما بين الدولة الوطن والنظام السياسي الذي يمارس السلطة في الدولة. فالكثير يمزجون ما بين المفهومين وهكذا يدمرون أوطانهم بأيديهم دون أن يدركوا، لأن كيان الدولة والمفهوم الصحيح للوطن الصحيح يجب أن يقدم إليه المواطنون الوفاء والإخلاص مهما كانت انتماءاتهم.
لذا يجب أن ندرك جميعاً أن الدولة مملوكة قانوناً ودستوراً من الشعب، وهدفها تحقيق برنامج اجتماعي وطني لجميع المواطنين. وهي تختلف عن النظام السياسي الذي تختاره الطبقة الحاكمة لأن مجال الدولة هو أوسع من النظام السياسي، وليس النظام السياسي إلا جزءاً من الدولة، لأن الدولة تتمتّع بديمومة استمرارية عكس النظام السياسي فهي انتقالية مؤقتة قد تتغير ما بين مرحلة وأخرى. فسلطة الدولة أوسع مداراً وأعلى شأناً من سلطة النظام الحاكم.
وعندما يحاول النظام السياسي الحاكم ابتلاع سلطة الدولة واحتكارها بطريقة لا تتماشى مع مفهوم الدولة التي تسهر على سلامة المواطنين وأمنهم وحريتهم التي يضمنها الدستور، فإن هذه الأمور تعتبر ظاهرة غير سليمة بل مسيئة للمفهوم الصحيح للدولة، لأنه يجب أن يكون منطق مؤسسات الدولة منطقاً مهنياً ومحايداً تجاه السياسة، والدولة هي الوعاء الذي يضمّ الخيارات السياسية الموجودة ضمن حدودها. لذا على الدولة توفير فرص النجاح للسلطة الحاكمة، وعليها أن تؤمّن لمعارضي السلطة الحاكمة فرص الدفاع عن آرائهم في وجه تلك الخيارات. لذا يجب على الحاكم أن يتصرف بحكمة إلهية لأنه حصين من الله حتى ينفّذ إرادته بحكمه العادل والصالح للبلاد الذي ائتمنه الله عليها.
وإذا تصرف حاكمٌ ما بظلمٍ يجب أن يُنتَقَد، كما يجب عدم الصمت تجاه السلطة الحاكمة. فقد طلب الله من النبي ارميا الذهاب إلى القصر الملكي وإبلاغ الملك وقادة البلاد رسالة عن الله بضرورة إحقاق الحق ورفع الظلم عن المظلومين والمساكين. فالدولة هي إحدى الوسائل الإلهية الخلاّقة للعناية بأولادها. فالوطن ينبع من مفهوم الدعوة الإلهية، ويجب أن يوضع في سياق طاعة الله. فالأوطان ترتيب صبر الله لعنايته بالإنسان كما قال: إن قيمة الانتماء إلى الوطن تعني أن يخرج الإنسان من حدود ذاته ليتصدّر كياناً أكبر منه.
وما بين بدايات القرن العشرين ونهاياته تغير مفهوم الدولة والسياسة كما تغير مفهوم المجتمعات وعلاقاتها بالآخر نتيجة الحروب ومفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وانفتاح الآخر. والتغيرات في المفهوم الحديث للدولة والوطن هو أن الحاكم لم يعد فوق الشعب بل حاكم ما بين أفراد الشعب، يعمل من أجل المساواة ما بين المواطنين، ويسهر على تطبيق القوانين على الجميع وحماية الحقوق الدستورية لكل مواطن.
وهكذا، فالاختلاف المذهبي والديني ما بين أبناء الوطن الواحد لم يعد مشكلة أو مصدر لمشكلة، لذلك على المسؤول ألا يعامل مواطنه على أساس انتمائه المذهبي أو القومي بل على أساس كونه أحد أفراد الوطن، وهذا ما تفتقر إليه بعض بلدان الشرق الأوسط. ولكن هناك نظرة تقليدية إلى الدولة إذ تحسبها جسماً تنفيذياً سياسياً يتمتع بسلطات مطلقة وله هيمنة مستقلة، وبسبب هذه النظرة تحدث عدم توازنات في العلاقة ما بين شرائح المجتمع والسلطة الحاكمة.
فحديث عن الوطن يبدأ بالتربية الوطنية الصحيحة، والوطن الواقعي الذي هو شراكة ما بين كافة أبنائه. فالوطن في المفهوم المعاصر هو الرابطة التي موضوعها مشاركة الموارد المادية ما بين جميع أبنائه، أو المُلْك المشترك بينهم بغض النظر عن انتماءاتهم وخلفياتهم المذهبية والطائفية والقومية. وفي هذا المجال يعلن الفرد انتمائه، وشريك هو مع بقية المواطنين في هذا الوطن، وعلى المواطنين حينذاك العمل على تطور الوطن بكفاءات أبنائه. فالكفاءة هي أشبه بالطاقة الإيجابية الداخلية التي تحفّز الفرد على العطاء وإنجاز العمل.
لذا فإن اختيار الناس للوظيفة يجب أن يُبنى على الكفاءة وليس على المحسوبيات والطائفية والحزبية، وإنْ كان عكس ذلك فهذا يسمح بوجود الشخص غير المناسب في مناصب حساسة تضرّ بالمصلحة العامة.
فإننا بالكفاءة فقط نستطيع أن نواجه الاقتصاد الجديد القائم على الابتكار. ويجب الفصل بين الكنيسة والدولة، لأن كل مؤسسة مسؤولة عن رعاية الإنسان من ناحية تختلف عن الأخرى. فبينما يهتم راعي الكنيسة برعاية الشؤون الروحية للإنسان، فإن حاكم الدولة يهتم برعاية الشؤون المدنية بتطبيقه القوانين المدنية التي تسهر على سلامة حياة الإنسان. فلا يجوز أن نمزج ما بين السلطة الكنسية والسلطة المدنية، كما يجب رفض سلطة الحاكم الكنسي الذي لا يسير حسب المسيحية برعاية الحياة الروحية للناس. ولكن لنعلم أن طاعة الحاكم المدني من أجل الضمير، لأن الحاكم المدني معيَّن من الله لتطبيق القوانين، ويفرض الضمير على الإنسان التزام القوانين لكي تكون جميع الطوائف متساوية في الحقوق والواجبات. ونحن نسأل اليوم: أين يكمن ذلك؟ وماذا يعني أننا مواطنون؟... والمجد لله دائماً.