موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١١ أغسطس / آب ٢٠٢٦

لماذا؟... ولماذا؟ (1)

بقلم :
المونسنيور بيوس قاشا - العراق
المونسنيور بيوس قاشا، راعي كنيسة السريان الكاثوليك في بغداد

المونسنيور بيوس قاشا، راعي كنيسة السريان الكاثوليك في بغداد

 

لماذا نتساءل، ونتساءل كثيراً: لماذا خلقنا الله في هذه البلاد، وفي هذا المجتمع بالذات؟ لماذا لم يخلقني في مكان آخر؟ لماذا لم يذهب أهلي إلى بلاد أخرى؟ هل لي من دَورٍ أقوم به في هذه الحياة، في هذا البلد، أم أن المصادفات هي التي تتقاذفنا والأقدار هي التي تقرر مصيرنا؟ لا بل أعظم من ذلك، ما هي هويتنا في هذا البلد، بل في هذا العالم؟ ألا تكفي الحروب والقلاقل؟ ألا يكفي الحصار وما يحمله؟ هل أمري بنفسي ولنفسي أم ماذا؟ كل هذه الأسئلة، وأسئلة أخرى تراودني... لنفسر ذلك ونقول: نعم، إن المسيحي إنسان، يدخل مثل كل إنسانٍ خُلِقَ ضمن تاريخ البشر. فهو يولد ويعيش في إطار زمني وجغرافي معين، وبين أهل معينين، ويجعل من ولادته عضواً في الأسرة البشرية الكبرى، وذلك ضمن الهوية الإنسانية التي توليها النُظُم القانونية.

 

والمسيحي شأنه شأن كل إنسان يعيش في بيئة ومجتمع بطابع خاص لا بل متميز، ويأخذ من عائلته وثقافته المحلية كل دور، ولا يمكنه أن يتغاضى عن الحقائق الأرضية والبشرية التي من أجلها خُلِقَ، ويحياها بثقافتها وفنونها، وهي تكوّن شخصيته، وعليه حقوق في المجتمع. فهو يجب أن يحيا حياة كل إنسان، مسيحياً كان أو غير مسيحي، كمواطن أرضي له حقوق ودون التهرب من التزاماته وواجباته الأرضية والمعيشية. لذا عليه أن يكون إنساناً يعيش في بيئته ومجتمعه لأنهما يؤثران فيه بطابع خاص، وعليه حقوق وواجبات يجب أن يعيشها دون التهرب من التزاماته البشرية، ودون العيش في الخيال والأوهام... ليس إلا!.

 

فالمسيحي هو ليس من العالم، بل المسيحي إنسان حقاً، وهو ابن الله بميلاده من الماء والروح. فبالعماذ يكون قد تلقى هوية جديدة توليه جميع أبعادها. فالمسيحي يعيش على الأرض ولكنه مواطن السماء، وهو مدعو لكي يتوجه إليها من خلال الحقائق الأرضية، ولكن لا ينبغي أن يتوقف عندها أو أن يتّخذها غاية لحياته بل أن يتجاوزها ويستخدمها مثل وسائل لحياة أسمى في سبيل الوصول إلى الله والبلوغ إلى الملكوت، لأنه بات ينظر إليها بنظرة الإيمان أي بنظره الله ذاته. إنها حقائق تقدست بحياة المسيح الإله الإنسان التي عاشها واختبرها وقدسها وجعلها فعّالة، بل طريقاً أميناً للبلوغ إلى الله الخير المطلق. 

 

لذلك على المسيحي أن يجدّ بطريقه عيشه، فالحياة التي يعيشها واحدة. إنه مواطن الأرض ومواطن السماء معاً وفي آنٍ واحد، فهو ابن الإنسان وابن الله في الوقت ذاته، لأن المسيحية تتأصل في الإنسانية وتُبنى عليها وحسب تصميم الله الذي خلق الإنسان. فالهوية المسيحية توليه القدرة على تجاوز كل الاعتبارات المتعلقة بالأمّة والطائفة، لأنها تشركه في حياة الله، فلا مجال للمسيحي الحقيقي أن يعيش في انعزالية أو في إنغلاق، بل عليه أن يعيش حياته على صعيديها الإنساني والإلهي في آنٍ واحد وفي وحدة لا تتجزأ.

 

فجميعنا نعاني بعض المعاناة من المجتمع الذي نعيش فيه الآن، فهو يبدو وكأنه قد فقد أبعاده اللامتناهية، وجُلّ اهتماماته على حياته الأرضية وعلى الرخاء المادي، فهو يعيش على مدنية الإنتاج والجشع والأنانية. إنه مجتمع لا يعبأ كثيراً بالقيم الإنسانية الأساسية والقيم الروحية الأصيلة والتي أضحت منسيّة ومهمَلَة عند معظم الناس وحتى عند معظم المسيحيين. فقد ضاعت المقاييس وتشوهت المفاهيم، والدين أصبح عند الكثيرين مجرد انتماء تفرضه التقاليد وتقرّره الأسرة، بالإضافة إلى رفض المشاركة مع ذوي الأديان والمذاهب الأخرى، لأننا غالباً ما نتقوقع على ذواتنا، وأضحى الإيمان لدى الكثيرين منا إيماناً تقليدياً شبه متوارَث، وأصبح مرادفاً للقومية أو ضماناً للحفاظ على القومية، فندافع عنه خشية أن تبتلعنا المجتمعات الأخرى.

 

إن خبراتنا الشخصية وخبرة الأجيال العديدة والظروف المأساوية التي مررنا بها في السابق، تُسهم كلها في خلق نوع من الخوف والحذر فينا تجاه الآخرين، ويظهر هذا الخوف في تصرفاتنا، ويدفعنا أحياناً إلى شيء من التزمّت في مسيحيتنا ورفض التعامل مع الآخرين مخافة أن يبتلعنا المجتمع ويذيبنا. ولكن، ليس جميع الذين يدّعون المسيحية هم مسيحيون حقاً، فهناك التظاهر بالدين الذي ليس إلا رياءً ونفاقاً، لأن الدين الحقيقي يعني الحب والانفتاح. 

 

ففي وصية المسيح الأخيرة لتلاميذه قال:"وتكونونَ لي شُهوداً ... حتَّى أَقاصي الأَرض" (أع8:1)، كما كان قد أوصى تلاميذه قائلاً:"كونوا حُكَمَاء كالحَيَّاتِ وَودَعاء كالحَمام" (متى16:10). فلقد كان المسيح على علم بما سيلاقيه تلاميذه في العالم من الصعوبات وبالثمن الباهظ لقاء أمانتهم للمسيح...

 

وإلى الحلقة الثانية والأخيرة