موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في كل مرة اتدلى فيها نحو قاع المدينة اجد نفسي مشدودا للمكان فتتولد لدي دهشة و يجتاحني شعور حب جارف للمكان والناس ورائحة المكان والتفاصيل التي لم يتح للكثيرين منا تأملها والتعرف على وجودها واهميتها ودلالاتها.
صباح الثلاثاء كان يوما ماطرا تناوبت فيه الغيوم والشمس وزخات المطر على أشغال السماء وبدت الشوارع نظيفة ومبهجة مثل الصبايا في ملابس الشواطي عند نهايات الصيف وهن يمضين جل ساعات النهار بين السباحة والاستلقاء على الرمال الساخنة.
في هذه الأجواء قررت أن أمارس هواية التسكع في شوارع عمان التي اعرف اسماءها وارصفتها وأسماء كل المتاجر والمطاعم ودور السينما والمؤسسات المقامة على جوانبها منذ ان كنت ابيع الصحف وانا في العاشرة من عمري.
في شارع سينما الخيام اوقفت سيارتي قبالة المبنى الذي حوى دور عرض الأفلام في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حين كان الشباب من ابناء الاسر المترفة يتسابقون لحضور عروض الايام الأولى للأفلام التي تنتج في القاهرة وهولوود واحيانا الهند وتعتبر مشاهدة الافلام مظهرا من مظاهر الثقافة و الترف والثراء.
هناك وانا احاول التخلص من حزام الأمان والخروج من باب السيارة ظهر أمامي صاحب المحل الذي ظننت انه خرج ليطلب مني اني ازيح سيارتي قليلا او ابتعد عن بوابة المحل الذي بدى لي وكأنه متخصص بعرض التحف.
قبل ان يتفوه الرجل بكلمة حييته واستأذنت منه أن أوقف سيارتي قليلا واخبرته اني لن اغيب طويلا فابتسم وقال اهلا بك ولك كل المكان الست فلان الفلاني فقلت نعم وذكرني بأننا التقينا في فعاليات ثقافيه حين كنت رئيسا لمجلس امناء جامعة الطفيلة والتقطنا صورا معا وقد اسعدني ذلك خصوصا بعدما عرفت اني اتحدث مع الباحث الذي شغل لسنوات موقع رئيس جمعية هواة الطوابع في الاردن.
قلت له سأذهب في جولة لن تطول وساعود لاتحدث معك اذا كان لديك الوقت والرغبة فانا متلهف لتلقي درس او دروس عن الطوابع واستخداماتها واهميتها وعن ما يقوم به هواة جمعها وكل ما حولها من تفاصيل.
توجهت الى شارع فيصل وتجولت قليلا بين اكشاك المكتبات وبعض محال الساحة وتناولت طبقا شعبيا في مطعم هاشم وسألت اصدقائي في كشك الثقافة العربية عن كيفية إقبال الناس على القراءة ونوعية الكتابات التي تستهوي القراء قبل ان أعود إلى معرض الطوابع والتحف الذي يديره الاستاذ طنوس.
استهليت حواري معه بالسؤال عن اهمية الطوابع ولماذا هي مهمة فقال بأن الطابع هو أصغر وثيقة عالمية وهو واضح يحوي معلومات مختصرة ودقيقة يمكن ان تكون شاهدا على الاحداث واردف بأن الطابع سفير الدولة لدى العالم يتجول بلا جواز سفر او اذن او إقامة.
في أرشيف الاستاذ طنوس عينات لعدد كبير من الطوابع التي استخدمت في الاردن سواء في العهد العثماني او الانتداب الانجليزي او إمارة الشرق العربي او إمارة شرق الاردن ولاحنا المملكة الاردنية الهاشمية ويمكن من خلال دراستها تتبع التغيرات التي طرأت على البلاد والاحداث والعلاقات وغيرها.
تعود الطوابع المتداولة الى العهد العثماني والبريطاني ويؤرخ الى قيم العملات المستخدمة وتواريخ الانتقال من الجنيه المصري الى الجنيه الفلسطيني وصولا الى الفلس والدينار الاردني في نهاية الاربعينيات اضافة الى طوابع الدولة الاردنية التي حملت صور الملوك الهاشميين يحوي أرشيف الاستاذ جليل مجموعة من الطوابع لاثني عشر قديسا نوروا الاراضي الاردنية منهم القديس يوحنا المعمدان والقديس جراسموس الاردني والقديس جورجوس الخضر والنبي إيليا والقديس اليان العماني والقديم ثيودورس الفيلادلفي والقديسة مريم المصريه وغيرهم وهناك طوابع توثق الزيارات البابوية للشرق والازياء الاردنية ومدينة القدس وقرابة ٦٠٠ مجموعة طوابع تحمل رمزية وتؤرخ لحقب واحداث ومراحل من حياة الناس على الارض الاردنية وتاريخ الدولة الاردنية منذ نشأتها.
شعرت وانا استمع للصديق جليل طنوس وكأني استمع إلى سرديات تاريخية وثيولوجية وسياسية وانسانية وروايات عن الأرض والانسان والافكار والقيم والعلاقات ...الطوابع ليست ملصقات نمتلكها بل وثائق تحكي كل واحدة منها الاف الكلمات ..شكرا للصديق جليل وشكرا للمكان الأردني الذي يرينا كل يوم ان في كل زاوية من زواياه الف حكاية بعضها بحاجة الى دراسة وتأمل واهتمام.