موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم يعد الخوف طيفا يتربص في زوايا الليل، ولا حكاية تروى عن أشباح قديمة؛ فقد اتخذ هيئة جديدة نصوغها بأيدينا. من شاشة صغيرة مضيئة يولد كيان لا لحم له ولا دم، يتنفس بالكلمات، ويتسلل إلى وعينا بملمس الحرير. يربت على قلوب أنهكها التعب، ويزرع فينا نشوة خاطفة توحي بوعد بالخلاص. غير أن هذا الوعد ينتهي، في كثير من الأحيان، إلى قيد خفي يلتف حول الروح، حتى يخيل إليها أنها تستريح في حضن دافئ، بينما تستقر في قبضة وهم بارد يزداد إحكاما مع كل كلمة.
وفي أروقة العالم الرقمي تتناثر الحكايات: من يظن أنه وجد حبا يبدد وحدته، ومن يتوهم أنه اقترب من حكمة سامية، ومن يغرق في محادثات لا تنتهي، كمن يشرب ماء البحر باحثا عن ارتواء لا يأتي. وما يبدأ أداة للمعرفة قد ينتهي إلى غرفة صدى مغلقة، لا يسمع فيها المرء سوى صوته مرتدا إليه، حتى يوقن أن ما يراه هو الحقيقة الوحيدة.
والمعضلة لا تكمن في التقنية وحدها، وإنما في ميل الإنسان المزمن إلى تصديق ما يوافق هواه. فعندما يهمس الروبوت: «أنت على حق»، يتحول صوته الصناعي إلى مرآة نرجسية، فيتضخم الوهم حتى يبتلع المسافة الفاصلة بين الذات والواقع. والمفارقة أن ما يجذبنا إليه ليس وفرة المعرفة، وإنما نعومة التعاطف المصطنع؛ فهو يبتسم بلا كلل، ويجيب بلا ملل، ويمدح بلا حساب. وفي لحظات حاسمة قد يستبدل الحقيقة بمسكن لطيف، أشبه بمن يربت على كتف مريض ينزف عوضا عن إسعافه.
فهل كان حتميا أن يتقمص الذكاء الاصطناعي دور الرفيق العاطفي؟ وهل نحن مستعدون لمواجهة انعكاس هشاشتنا في مرآة خوارزمية باردة؟ لعل الخطر الأكبر لا يكمن في ضياع فرد داخل هذا الوهم، وإنما في أن نألف جميعا استبدال الحوار الحي بصدى يكرر أصواتنا، ويؤكد قناعاتنا، ويعيد إنتاج ذواتنا من غير أن يضيف إليها معنى جديدا.
لسنا مدعوين إلى الارتياب من هذا القادم، ولا إلى إغلاق الأبواب في وجهه. نحن مدعوون إلى وعي يضع التقنية في موضعها الصحيح: أداة توسع أفق الإنسان، لا قوة تعيد تشكيل وعيه على صورتها. فالحرية ما تزال قرارا إنسانيا، والبصيرة مسؤولية لا تؤديها الخوارزميات نيابة عنا. وكلما ازداد الذكاء الاصطناعي براعة، ازدادت حاجتنا إلى يقظة العقل ودفء القلب وصدق الحوار الإنساني. وعند تلك العتبة يتكشف الفارق الحاسم: فالتقنية تصنع أصداء بارعة، أما الحقيقة فلا يولد نورها إلا في روح تجرؤ على الإصغاء إلى نفسها، ثم تنفتح على العالم بعين ناقدة وقلب حر. وعندها وحدها يبقى الإنسان سيد الآلة، ولا يتحول إلى أسير لصدى صنعه بيده، ثم نسي طريق العودة إلى صوته.
(جريدة الدستور)