موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٤ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

عيد سلطانة فلسطين: لقاء العهدين وإعلان سر التجسّد

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأحَد الثّلاثون: عيد سُلطَانة فَلسْطين: لِقَاءُ العَهْدَيْنِ وَإِعْلَانُ سِرِّ التَّجَسُّدِ (لوقا 1: 40-50)

الأحَد الثّلاثون: عيد سُلطَانة فَلسْطين: لِقَاءُ العَهْدَيْنِ وَإِعْلَانُ سِرِّ التَّجَسُّدِ (لوقا 1: 40-50)

 

النَّص الإنجيلي (لوقا 1: 41-50)

 

 40ودَخَلَت بَيتَ زَكَرِيَّا، فَسَلَّمَت على أَليصابات. 41 فلَمَّا سَمِعَت أَليصابات سَلامَ مَريَم، ارتَكَضَ الجَنينُ في بَطنِها، وَامتَلأَت مِنَ الرُّوحِ القُدُس، 42 فَهَتَفَت بِأَعلى صَوتِها: ((مُبارَكة أَنتِ في النِّساء! وَمُبارَكة ثَمَرَةُ بَطنِكِ! 43 مِن أَينَ لي أَن تَأتِيَني أُمُّ رَبِّي؟ 44 فما إِن وَقَعَ صَوتُ سَلامِكِ في أُذُنَيَّ حتَّى ارتَكَضَ الجَنينُ ابتِهاجًا في بَطْني 45 فَطوبى لِمَن آمَنَت: فسَيَتِمُّ ما بَلَغها مِن عِندِ الرَّبّ)).46 فقالَت مَريَم: ((تُعَظِّمُ الرَّبّ نَفْسي 47 وتَبتَهِجُ روحي بِاللهِ مُخَلِّصي 48 لأَنَّه نَظَرَ إِلى أَمَتِه الوَضيعة. سَوفَ تُهَنِّئُني بَعدَ اليَومِ جَميعُ الأَجيال 49 لأَنَّ القَديرَ صَنَعَ إِليَّ أُمورًا عَظيمة: قُدُّوسٌ اسمُه 50 ورَحمَتُه مِن جيلٍ إِلى جيلٍ لِلذَّينَ يَتَقّونَه.

  

المُقَدِّمَةُ

يَرْوِي لُوقَا الإِنْجِيلِيُّ حَدَثَ زِيَارَةِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ لِنَسِيبَتِهَا أَلِيصَابَاتَ (لُوقَا 1: 39–56)، بِوَصْفِهِ امْتِدَادًا لِحَدَثِ البِشَارَةِ الَّتِي تَلَقَّتْهَا مَرْيَمُ مِنَ المَلَاكِ جِبْرَائِيلَ (لُوقَا 1: 26–38)، وَتَمْهِيدًا لِأَحْدَاثِ مِيلَادِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ وَمِيلَادِ يَسُوعَ المَسِيحِ. وَلَا يُقَدِّمُ الإِنْجِيلِيُّ هٰذِهِ الزِّيَارَةَ بِاعْتِبَارِهَا لِقَاءً عَائِلِيًّا عَابِرًا بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ تَرْبِطُهُمَا صِلَةُ قَرَابَةٍ، بَلْ بِوَصْفِهَا حَدَثًا خَلَاصِيًّا يَكْشِفُ عَنْ حُضُورِ اللهِ الفَاعِلِ فِي التَّارِيخِ، وَعَنْ بَدْءِ تَحَقُّقِ مَوَاعِيدِهِ فِي شَخْصِ ابْنِهِ المُتَجَسِّدِ.

فَبَعْدَ أَنْ قَبِلَتْ مَرْيَمُ بِإِيمَانٍ وَطَاعَةٍ دَعْوَةَ اللهِ، وَأَجَابَتِ المَلَاكَ بِقَوْلِهَا: "أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لُوقَا 1: 38)، أَسْرَعَتْ إِلَى المِنْطَقَةِ الجَبَلِيَّةِ فِي يَهُوذَا لِزِيَارَةِ أَلِيصَابَاتَ، الَّتِي كَانَتْ قَدْ حَبِلَتْ بِيُوحَنَّا المَعْمَدَانِ فِي شَيْخُوخَتِهَا (لُوقَا 1: 36، 39–40). وَيَكْشِفُ هٰذَا الِانْطِلَاقُ السَّرِيعُ عَنْ إِيمَانِ مَرْيَمَ العَمَلِيِّ، الَّذِي لَمْ يَبْقَ مَحْصُورًا فِي قَبُولِ الكَلِمَةِ الإِلٰهِيَّةِ، بَلْ تَجَسَّدَ فِي المَحَبَّةِ وَالمُبَادَرَةِ إِلَى خِدْمَةِ الآخَرِينَ. وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ، فِي تَفْسِيرِهِ لِإِنْجِيلِ لُوقَا، "أَنَّ إِسْرَاعَ مَرْيَمَ إِلَى زِيَارَةِ أَلِيصَابَاتَ يُعَبِّرُ عَنْ حَمَاسِ الإِيمَانِ وَفَاعِلِيَّةِ المَحَبَّةِ؛ فَالنِّعْمَةُ الَّتِي نَالَتْهَا مَرْيَمُ لَمْ تُبْعِدْهَا عَنْ خِدْمَةِ نَسِيبَتِهَا، بَلْ دَفَعَتْهَا إِلَيْهَا "(PL 15: 1559–1562).

وَعِنْدَمَا دَخَلَتْ مَرْيَمُ بَيْتَ زَكَرِيَّا وَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ، حَدَثَ أَمْرٌ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ اللِّقَاءِ البَشَرِيِّ؛ إِذِ ارْتَكَضَ الجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَامْتَلَأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ (لُوقَا 1: 41). وَهٰكَذَا أَصْبَحَتْ تَحِيَّةُ مَرْيَمَ وَاسِطَةً لِإِظْهَارِ حُضُورِ المَسِيحِ الَّذِي تَحْمِلُهُ فِي أَحْشَائِهَا، وَتَحَوَّلَ اللِّقَاءُ إِلَى شَهَادَةٍ نَبَوِيَّةٍ لِسِرِّ التَّجَسُّدِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ ارْتِكَاضَ يُوحَنَّا بِأَنَّهُ تَعْبِيرٌ عَنِ الفَرَحِ الرُّوحِيِّ بِحُضُورِ المَسِيحِ؛ فَأَلِيصَابَاتُ سَمِعَتْ صَوْتَ مَرْيَمَ، أَمَّا يُوحَنَّا فَاسْتَجَابَ، وَهُوَ بَعْدُ فِي الحَشَا، لِحُضُورِ الرَّبِّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ" (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، 2، 22–23).

وَتَبْلُغُ الزِّيَارَةُ ذُرْوَتَهَا اللَّاهُوتِيَّةَ فِي اعْتِرَافِ أَلِيصَابَاتَ، الَّتِي هَتَفَتْ بِإِلْهَامٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ: "مِنْ أَيْنَ لِي هٰذَا أَنْ تَأْتِيَنِي أُمُّ رَبِّي؟" (لُوقَا 1: 43). فَبِهٰذَا الإِعْلَانِ، تَعْتَرِفُ أَلِيصَابَاتُ بِالمَكَانَةِ الفَرِيدَةِ لِمَرْيَمَ، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا الرَّبَّ المَوْعُودَ بِهِ. وَيُشَكِّلُ هٰذَا الِاعْتِرَافُ أَسَاسًا كِتَابِيًّا مُهِمًّا لِلتَّأَمُّلِ الكَنَسِيِّ فِي أُمُومَةِ مَرْيَمَ الإِلٰهِيَّةِ، الَّتِي أَعْلَنَتْهَا الكَنِيسَةُ بِصِيغَةٍ عَقَائِدِيَّةٍ وَاضِحَةٍ فِي مَجْمَعِ أَفَسُسَ سَنَةَ 431م، عِنْدَمَا أَقَرَّتْ لَقَبَ "وَالِدَةِ الإِلٰهِ" (Θεοτόκος – Theotokos)، تَأْكِيدًا لِوَحْدَةِ شَخْصِ المَسِيحِ، الإِلٰهِ الحَقِّ وَالإِنْسَانِ الحَقِّ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ أَنَّ تَسْمِيَةَ مَرْيَمَ "وَالِدَةَ الإِلٰهِ" لَا تَعْنِي أَنَّهَا أَصْلُ أُلُوهِيَّةِ الكَلِمَةِ، بَلْ أَنَّ الَّذِي وُلِدَ مِنْهَا بِحَسَبِ الجَسَدِ هُوَ نَفْسُهُ كَلِمَةُ اللهِ الأَزَلِيُّ الَّذِي تَجَسَّدَ وَصَارَ إِنْسَانًا (PG 77: 44–49).

وَمِنْ مَنْظُورِ تَارِيخِ الخَلَاصِ، يَكْتَسِبُ هٰذَا اللِّقَاءُ بُعْدًا رَمْزِيًّا عَمِيقًا؛ فَأَلِيصَابَاتُ وَابْنُهَا يُوحَنَّا يُمَثِّلَانِ مَرْحَلَةَ الِانْتِظَارِ وَالتَّهْيِئَةِ لِمَجِيءِ المَسِيحِ، فِي حِينِ تَحْمِلُ مَرْيَمُ فِي أَحْشَائِهَا ذَاكَ الَّذِي بِهِ تَبْلُغُ مَوَاعِيدُ اللهِ تَمَامَهَا. وَبِهٰذَا المَعْنَى، يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَى الزِّيَارَةِ بِوَصْفِهَا لِقَاءً رَمْزِيًّا بَيْنَ العَهْدِ القَدِيمِ وَالعَهْدِ الجَدِيدِ، حَيْثُ يَشْهَدُ يُوحَنَّا، وَهُوَ بَعْدُ فِي حَشَا أُمِّهِ، لِلْمَسِيحِ الَّذِي سَيُعِدُّ لَهُ الطَّرِيقَ فِيمَا بَعْدُ.

وَتُبْرِزُ الرِّوَايَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ أَيْضًا مَكَانَةَ مَرْيَمَ فِي تَدْبِيرِ اللهِ الخَلَاصِيِّ؛ فَهِيَ المَرْأَةُ الَّتِي آمَنَتْ بِتَحَقُّقِ كَلِمَةِ الرَّبِّ، كَمَا أَعْلَنَتْ أَلِيصَابَاتُ: "فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ بِأَنَّهُ سَيَتِمُّ مَا بَلَغَهَا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ" (لُوقَا 1: 45). فَعَظَمَةُ مَرْيَمَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى أُمُومَتِهَا الجَسَدِيَّةِ لِلْمَسِيحِ، بَلْ تَظْهَرُ أَيْضًا فِي إِيمَانِهَا وَطَاعَتِهَا وَاسْتِجَابَتِهَا الحُرَّةِ لِمَشِيئَةِ اللهِ. وَقَدْ شَدَّدَ القِدِّيسُ أوغسطينوس عَلَى هٰذَا البُعْدِ الرُّوحِيِّ، مُبَيِّنًا أَنَّ مَرْيَمَ قَبِلَتِ المَسِيحَ بِالإِيمَانِ فِي قَلْبِهَا، قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَهُ فِي أَحْشَائِهَا؛ فَطُوبَاوِيَّتُهَا تَرْتَبِطُ بِإِيمَانِهَا وَاسْتِجَابَتِهَا لِكَلِمَةِ اللهِ (PL 38: 1074).

وَتَكْتَسِبُ زِيَارَةُ مَرْيَمَ لِأَلِيصَابَاتَ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً لِمُؤْمِنِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، حَيْثُ تَرْتَبِطُ أَحْدَاثُ البِشَارَةِ وَالزِّيَارَةِ وَالمِيلَادِ بِجُغْرَافِيَّةِ الخَلَاصِ وَبِالتَّارِيخِ الَّذِي فِيهِ تَجَسَّدَ كَلِمَةُ اللهِ. فَفِي النَّاصِرَةِ تَلَقَّتْ مَرْيَمُ البِشَارَةَ، وَفِي المِنْطَقَةِ الجَبَلِيَّةِ مِنْ يَهُوذَا زَارَتْ أَلِيصَابَاتَ، وَفِي بَيْتَ لَحْمٍ وَلَدَتْ يَسُوعَ المَسِيحَ. وَقَدْ أَصْبَحَتْ مَرْيَمُ، بِحَسَبِ إِيمَانِ الكَنِيسَةِ وَتَقْلِيدِهَا، أُمًّا رُوحِيَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَأُمًّا لِلْكَنِيسَةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي ضَوْءِ حُضُورِهَا عِنْدَ الصَّلِيبِ (يُوحَنَّا 19: 25–27) وَمَعَ جَمَاعَةِ الرُّسُلِ المُصَلِّيَةِ (أَعْمَال 1: 14).

فَزِيَارَةُ مَرْيَمَ هِيَ، فِي جَوْهَرِهَا، لِقَاءُ الإِيمَانِ بِالوَعْدِ الإِلٰهِيِّ، وَلِقَاءُ الفَرَحِ بِالخَلَاصِ الآتِي، وَإِعْلَانُ حُضُورِ المَسِيحِ الَّذِي يُقَدِّسُ الإِنْسَانَ وَيَمْلَأُ حَيَاتَهُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهِيَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ دَعْوَةٌ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ لِيَحْمِلَ المَسِيحَ فِي قَلْبِهِ، وَيَنْطَلِقَ بِهِ إِلَى الآخَرِينَ، عَلَى مِثَالِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ، أُمِّ الرَّبِّ وَنَمُوذَجِ الإِيمَانِ وَالخِدْمَةِ.

 

أَوَّلًا: تَحْلِيلُ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (لُوقَا 1: 40–50)
 

40. "وَدَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا، فَسَلَّمَتْ عَلَى أَلِيصَابَاتَ"  

تُشِيرُ عِبَارَةُ "دَخَلَتْ بَيْتَ زَكَرِيَّا" إِلَى وُصُولِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ إِلَى بَيْتِ زَكَرِيَّا وَأَلِيصَابَاتَ، بَعْدَ أَنْ قَامَتْ مِنَ النَّاصِرَةِ وَتَوَجَّهَتْ مُسْرِعَةً إِلَى المِنْطَقَةِ الجَبَلِيَّةِ، إِلَى إِحْدَى مُدُنِ يَهُوذَا (لُوقَا 1: 39). وَيَرْبِطُ التَّقْلِيدُ المَسِيحِيُّ هٰذَا الحَدَثَ بِمِنْطَقَةِ عَيْنِ كَارِمَ، غَرْبِيَّ أُورُشَلِيمَ، مَعَ أَنَّ الإِنْجِيلِيَّ لُوقَا لَا يَذْكُرُ اسْمَ البَلْدَةِ صَرَاحَةً. وَيَكْتَسِبُ دُخُولُ مَرْيَمَ بَيْتَ زَكَرِيَّا دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً عَمِيقَةً عِنْدَ قِرَاءَتِهِ فِي ضَوْءِ نَقْلِ تَابُوتِ العَهْدِ إِلَى بَيْتِ عُوبِيدَ أَدُومَ (2 صَمُوئِيل 6: 9–11). فَكَمَا حَمَلَ تَابُوتُ العَهْدِ رَمْزَ الحُضُورِ الإِلٰهِيِّ وَكَانَ سَبَبَ بَرَكَةٍ لِبَيْتِ عُوبِيدَ أَدُومَ، هٰكَذَا تَحْمِلُ مَرْيَمُ فِي أَحْشَائِهَا يَسُوعَ المَسِيحَ، كَلِمَةَ اللهِ المُتَجَسِّدَ، وَتَصِيرُ زِيَارَتُهَا سَبَبًا لِلْفَرَحِ وَامْتِلَاءِ أَلِيصَابَاتَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ (لُوقَا 1: 41). وَلَا يَعْنِي هٰذَا التَّوَازِي أَنَّ لُوقَا الإنجيلي يُصَرِّحُ بِتَسْمِيَةِ مَرْيَمَ، حَامِلَةُ المَسِيحِ، "تَابُوتَ العَهْدِ الجَدِيدِ"، بَلْ إِنَّهُ يُتِيحُ قِرَاءَةً نَمَطِيَّةً تَقْلِيدِيَّةً، تَرَى فِي مَرْيَمَ حَامِلَةَ الحُضُورِ الإِلٰهِيِّ فِي شَخْصِ المَسِيحِ.

وَقَدْ رَبَطَ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ بَيْنَ زِيَارَةِ مَرْيَمَ وَفَاعِلِيَّةِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ مَرْيَمَ، بَعْدَ أَنْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ، لَمْ تَنْغَلِقْ عَلَى ذَاتِهَا، بَلْ أَسْرَعَتْ إِلَى خِدْمَةِ نَسِيبَتِهَا، لِأَنَّ النِّعْمَةَ تَدْفَعُ المُؤْمِنَ إِلَى المَحَبَّةِ وَالعَطَاءِ (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، 2، 19).

يَرِدُ اسْمُ "زَكَرِيَّا" فِي اليُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِ Ζαχαρίας، وَيَعُودُ إِلَى الِاسْمِ العِبْرِيِّ זְכַרְיָה، وَمَعْنَاهُ "الرَّبُّ ذَكَرَ" أَوْ "يَهْوَهُ تَذَكَّرَ". وَيَحْمِلُ الِاسْمُ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً تَنْسَجِمُ مَعَ سِيَاقِ الإِنْجِيلِ، إِذْ يَكْشِفُ عَنْ أَمَانَةِ اللهِ لِمَوَاعِيدِهِ وَتَذَكُّرِهِ لِشَعْبِهِ. وَكَانَ زَكَرِيَّا كَاهِنًا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، وَزَوْجًا لِأَلِيصَابَاتَ، الَّتِي كَانَتْ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ (لُوقَا 1: 5).  يَصِفُهُمَا الإِنْجِيلِيُّ بِقَوْلِهِ: "وَكَانَا كِلَاهُمَا بَارَّيْنِ عِنْدَ اللهِ، يَسِيرَانِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ، وَلَا لَوْمَ عَلَيْهِمَا" (لُوقَا 1: 6). وَيَتَّضِحُ أَنَّ اسْمَ زَكَرِيَّا يَنْسَجِمُ مَعَ مَوْضُوعِ أَمَانَةِ اللهِ لِعَهْدِهِ، وَخُصُوصًا مَا وَرَدَ فِي نَشِيدِهِ عَنِ "القَسَمِ الَّذِي أَقْسَمَهُ لِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ" (لُوقَا 1: 73). وَمِنَ الجَدِيرِ بِالذِّكْرِ أَنَّ شَخْصِيَّةَ زَكَرِيَّا تَرِدُ أَيْضًا فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، حَيْثُ يُذْكَرُ إِعْلَانُ مِيلَادِ يَحْيَى فِي قَوْلِهِ: «يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا» (سُورَةُ مَرْيَمَ 19: 7). وَيُمَثِّلُ هٰذَا النَّصُّ شَاهِدًا عَلَى حُضُورِ شَخْصِيَّةِ زَكَرِيَّا فِي التُّرَاثِ الدِّينِيِّ الإِسْلَامِيِّ، مَعَ ضَرُورَةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ السِّيَاقَيْنِ القُرْآنِيِّ وَالإِنْجِيلِيِّ.

يَرِدُ الفِعْلُ "فَسَلَّمَتْ" فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ بِصِيغَةِ ἠσπάσατο، وَهِيَ صِيغَةُ المَاضِي مِنَ الفِعْلِἀσπάζομαι، وَمَعْنَاهُ "حَيَّا" أَوْ "أَلْقَى التَّحِيَّةَ". وَيُسْتَعْمَلُ هٰذَا الفِعْلُ فِي اليُونَانِيَّةِ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ التَّحِيَّةِ وَالِاسْتِقْبَالِ. وَتَحْمِلُ تَحِيَّةُ مَرْيَمَ مَعْنًى يَتَجَاوَزُ المُجَامَلَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ؛ فَمَا إِنْ وَصَلَ صَوْتُهَا إِلَى أُذُنَي أَلِيصَابَاتَ حَتَّى ارْتَكَضَ الجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلَأَتْ هِيَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ (لُوقَا 1: 41). وَهٰكَذَا، تَتَحَوَّلُ التَّحِيَّةُ إِلَى لَحْظَةِ إِعْلَانٍ لِحُضُورِ المَسِيحِ وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ، وَتُصْبِحُ مَرْيَمُ وَاسِطَةً بَشَرِيَّةً لِهٰذَا اللِّقَاءِ الخَلَاصِيِّ، لَا بِقُدْرَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَنِ اللهِ، بَلْ بِفَضْلِ حُضُورِ المَسِيحِ الَّذِي تَحْمِلُهُ.  وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ عَلَى هٰذَا الحَدَثِ، مُبَيِّنًا أَنَّ أَلِيصَابَاتَ كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ سَمِعَ صَوْتَ مَرْيَمَ، أَمَّا يُوحَنَّا فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَجَابَ لِلنِّعْمَةِ بِارْتِكَاضِهِ، فِي إِشَارَةٍ إِلَى فَرَحِهِ بِحُضُورِ المَسِيحِ (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، 2، 22–23).

يَرِدُ اسْمُ "أَلِيصَابَاتَ" فِي اليُونَانِيَّةِ بِصِيغَةِἘλισάβετ، وَيَعُودُ إِلَى الِاسْمِ العِبْرِيِّ אֱלִישֶׁבַע (Elishevaʿ)، الَّذِي يُفْهَمُ عَادَةً بِمَعْنَى "إِلٰهِي قَسَمٌ" أَوْ "إِلٰهِي هُوَ القَسَمُ"، وَيُفَسَّرُ أَيْضًا فِي سِيَاقِ الأَمَانَةِ الإِلٰهِيَّةِ بِمَعْنَى "اللهُ أَمِينٌ لِقَسَمِهِ". وَيُشِيرُ الِاسْمُ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا إِلَى زَوْجَةِ زَكَرِيَّا وَأُمِّ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ، وَهِيَ مِنْ بَنَاتِ هَارُونَ، أَيْ مِنْ نَسْلٍ كَهَنُوتِيٍّ (لُوقَا 1: 5). وَيَرِدُ الِاسْمُ نَفْسُهُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ اسْمًا لِزَوْجَةِ هَارُونَ (الخُرُوج 6: 23)، غَيْرَ أَنَّ تَشَابُهَ الِاسْمَيْنِ لَا يَعْنِي وَحْدَةَ الشَّخْصِيَّتَيْنِ. وَتُقَدِّمُ الرِّوَايَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ أَلِيصَابَاتَ بِوَصْفِهَا امْرَأَةً بَارَّةً وَتَقِيَّةً، عَاشَتْ مَعَ زَوْجِهَا فِي الأَمَانَةِ لِوَصَايَا اللهِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عُقْمِهَا وَتَقَدُّمِهَا فِي السِّنِّ (لُوقَا 1: 6–7). وَقَدْ جَاءَ حَبَلُهَا بِيُوحَنَّا عَلَامَةً عَلَى أَنَّ اللهَ لَا يَنْسَى مَوَاعِيدَهُ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ البَشَرِيَّةَ. وَتَنْتَمِي أَلِيصَابَاتُ إِلَى نَسِيبَاتِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ، كَمَا يُصَرِّحُ المَلَاكُ جِبْرَائِيلُ (لُوقَا 1: 36)، دُونَ أَنْ يُحَدِّدَ الإِنْجِيلُ دَرَجَةَ القَرَابَةِ بَيْنَهُمَا. وَهٰكَذَا تُعَلِّمُنَا زِيَارَةُ مَرْيَمَ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يَبْقَى مَحْصُورًا فِي القَلْبِ، بَلْ يَنْطَلِقُ إِلَى الآخَرِينَ بِالمَحَبَّةِ وَالخِدْمَةِ؛ وَأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَامِلًا لِحُضُورِ المَسِيحِ، وَرَسُولًا لِلسَّلَامِ وَالفَرَحِ وَالرَّجَاءِ.
 

41."فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلَامَ مَرْيَمَ، ارْتَكَضَ الجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلَأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ"

تُشِيرُ عِبَارَةُ "سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلَامَ مَرْيَمَ" إِلَى أَنَّ أَلِيصَابَاتَ سَمِعَتْ تَحِيَّةَ نَسِيبَتِهَا سَمَاعًا حِسِّيًّا، وَيَسْتَعْمِلُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ الفِعْلَ ἤκουσεν، أَيْ "سَمِعَتْ"، وَالِاسْمَ ἀσπασμός، أَيْ "التَّحِيَّةَ". وَقَدْ لَاحَظَ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ أَلِيصَابَاتَ سَمِعَتْ صَوْتَ مَرْيَمَ، أَمَّا يُوحَنَّا فَاسْتَجَابَ لِحُضُورِ الرَّبِّ؛ وَبِذٰلِكَ مَيَّزَ بَيْنَ سَمَاعِ التَّحِيَّةِ وَالفَرَحِ الرُّوحِيِّ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ عَمَلِ النِّعْمَةِ (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، 2، 22–23). وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ مَرْيَمَ أَصْبَحَتْ، بِحَمْلِهَا المَسِيحَ، وَاسِطَةً بَشَرِيَّةً لِإِظْهَارِ حُضُورِهِ، لَا بِقُدْرَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَنِ اللهِ، بَلْ بِفَضْلِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِيهَا وَمِنْ خِلَالِهَا.

تُشِيرُ كَلِمَةُ "الجَنِينُ" في النَّصِّ اليُونَانِيِّ الِاسْمُ βρέφος ، (الجَنِينِ أَوِ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ)، إِلَى يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ، الَّذِي كَانَ فِي حَشَا أُمِّهِ أَلِيصَابَاتَ عِنْدَ زِيَارَةِ مَرْيَمَ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُا لُوقَا نَفْسُهُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الطِّفْلِ يَسُوعَ بَعْدَ مِيلَادِهِ (لُوقَا 2: 12، 16)، مِمَّا يُظْهِرُ أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَرْحَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الحَمْلِ، بَلْ يُقَدِّمُ رِوَايَةً لَاهُوتِيَّةً عَنْ يُوحَنَّا قَبْلَ مِيلَادِهِ.

يَرِدُ الفِعْلُ "ارْتَكَضَ" فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ بِصِيغَةِ ἐσκίρτησεν ، وَهِيَ مِنَ الفِعْلِ σκιρτάω، الَّذِي يَعْنِي "قَفَزَ" أَوْ "وَثَبَ" أَوْ "ارْتَكَضَ". وَيُسْتَعْمَلُ هٰذَا الفِعْلُ فِي سِيَاقَاتٍ تَدُلُّ عَلَى الحَرَكَةِ القَوِيَّةِ، وَقَدْ يَحْمِلُ مَعْنَى الفَرَحِ وَالِابْتِهَاجِ. وَتَظْهَرُ أَهَمِّيَّةُ هٰذَا الفِعْلِ فِي أَنَّ لُوقَا يُعِيدُ اسْتِعْمَالَهُ فِي قَوْلِ أَلِيصَابَاتَ: "ارْتَكَضَ الجَنِينُ ابْتِهَاجًا فِي بَطْنِي" (لُوقَا 1: 44). وَبِذٰلِكَ يَكْشِفُ الإِنْجِيلِيُّ نَفْسُهُ عَنْ المَعْنَى اللَّاهُوتِيِّ لِلْحَرَكَةِ، فَهِيَ فِي تَفْسِيرِ أَلِيصَابَاتَ تَعْبِيرٌ عَنِ الفَرَحِ بِحُضُورِ الرَّبِّ. وَيَرِدُ الفِعْلُ نَفْسُهُ فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ فِي سِيَاقَاتٍ تَتَّصِلُ بِالفَرَحِ وَالقَفْزِ، وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِي نُبُوءَةِ مَلَاخِي عَنْ فَرَحِ الَّذِينَ يَتَّقُونَ اسْمَ الرَّبِّ (مَلَاخِي 3: 20). وَتُسَاعِدُ هٰذِهِ القِرَاءَةُ عَلَى فَهْمِ مَرْيَمَ بِوَصْفِهَا تَابُوتَ العَهْدِ الجَدِيدِ؛ فَكَمَا ارْتَبَطَ تَابُوتُ العَهْدِ القَدِيمِ بِحُضُورِ اللهِ وَفَرَحِ شَعْبِهِ، هٰكَذَا تَحْمِلُ مَرْيَمُ فِي أَحْشَائِهَا المَسِيحَ، الَّذِي فِيهِ يَصِيرُ الحُضُورُ الإِلٰهِيُّ حُضُورًا شَخْصِيًّا وَتَجَسُّدِيًّا. وَتَكْشِفُ حَرَكَةُ يُوحَنَّا أَيْضًا عَنْ عِلَاقَتِهِ بِالمَسِيحِ؛ فَيُوحَنَّا هُوَ السَّابِقُ وَالشَّاهِدُ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ الرَّبُّ وَالمُخَلِّصُ. وَهٰذَا التَّمْيِيزُ سَيَظْهَرُ فِيمَا بَعْدُ فِي شَهَادَةِ يُوحَنَّا: "يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزْدَادَ، وَلِي أَنْ أَنْقُصَ" (يُوحَنَّا 3: 30). وَقَدْ رَأَى العَلَّامَةُ أوريجانوس فِي ارْتِكَاضِ يُوحَنَّا عَلَامَةً عَلَى الفَرَحِ بِحُضُورِ المَسِيحِ، وَعَلَى أَنَّ النِّعْمَةَ الإِلٰهِيَّةَ تَسْبِقُ أَحْيَانًا قُدْرَةَ الإِنْسَانِ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالكَلَامِ (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ لُوقَا، العِظَةُ السَّابِعَةُ، فِي تَفْسِيرِ لُوقَا 1: 39–45). وَهٰكَذَا يَصِيرُ ارْتِكَاضُ يُوحَنَّا أَوَّلَ عَلَامَةٍ سَرْدِيَّةٍ َأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَكْشِفُ حُضُورَهُ حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ لِلْعَالَمِ.

تُشِيرُ عِبَارَةُ "امْتَلَأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ" إِلَى أَنَّ أَلِيصَابَاتَ نَالَتْ إِلْهَامًا خَاصًّا مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، مَكَّنَهَا مِنَ الِاعْتِرَافِ بِهُوِيَّةِ الطِّفْلِ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَرْيَمُ، وَبِمَكَانَةِ مَرْيَمَ فِي تَدْبِيرِ اللهِ الخَلَاصِيِّ. وَيَرِدُ فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ التَّعْبِيرُ ἐπλήσθη πνεύματος ἁγίου، أَيْ "امْتَلَأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ". وَيَسْتَعْمِلُ لُوقَا هٰذَا التَّعْبِيرَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى لِلدَّلَالَةِ عَلَى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي يَمْنَحُ القُدْرَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالنُّبُوءَةِ وَإِعْلَانِ مَقَاصِدِ اللهِ (لُوقَا 1: 67؛ أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 4؛ 4: 8، 31). فَأَلِيصَابَاتُ لَمْ تَعْرِفْ سِرَّ حَبَلِ مَرْيَمَ بِوَاسِطَةِ وَسِيلَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهٰكَذَا تَصِيرُ أَلِيصَابَاتُ شَاهِدَةً نَبَوِيَّةً لِسِرِّ التَّجَسُّدِ، وَيَصِيرُ بَيْتُ زَكَرِيَّا مَكَانًا لِإِعْلَانِ حُضُورِ الرَّبِّ. وَقَدْ رَبَطَ أُورِيجَانُسُ بَيْنَ امْتِلَاءِ أَلِيصَابَاتَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَالحُضُورِ النَّبَوِيِّ لِيُوحَنَّا فِي حَشَاهَا، مُبَيِّنًا أَنَّ هٰذَا الِامْتِلَاءَ يَنْتَمِي إِلَى عَمَلِ النِّعْمَةِ الَّتِي تُعِدُّ الطَّرِيقَ لِلْمَسِيحِ (أوريجانوس، العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ لُوقَا، العِظَةُ السَّابِعَةُ). إن الرُّوحَ القُدُسَ يُعْلِنُ مِنْ خِلَالِ أَلِيصَابَاتَ حُضُورَ المَسِيحِ الَّذِي بِهِ تَتِمُّ مَوَاعِيدُ اللهِ.

يُشِيرُ تَعْبِيرُ "الرُّوحُ القُدُسُ" إِلَى رُوحِ اللهِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، وَالَّذِي تَعْتَرِفُ بِهِ الكَنِيسَةُ فِي إِيمَانِهَا الثَّالُوثِيِّ بِوَصْفِهِ الأُقْنُومَ الثَّالِثَ فِي الثَّالُوثِ الأَقْدَسِ، المُسَاوِيَ لِلآبِ وَالِابْنِ فِي الأُلُوهِيَّةِ وَالمَجْدِ. وَيَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ التَّعْبِيرُ πνεῦμα ἅγιον، أَيْ "رُوحٌ قُدُسٌ" أَوْ "الرُّوحُ القُدُسُ"، وَتَدُلُّ كَلِمَةُ πνεῦμα عَلَى الرُّوحِ أَوِ النَّفَسِ أَوِ الرِّيحِ بِحَسَبِ السِّيَاقِ. أَمَّا فِي العِبْرِيَّةِ، فَتُسْتَعْمَلُ كَلِمَةُ רוּחַ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الرُّوحِ وَالرِّيحِ وَالنَّفَسِ. َيُظْهِرُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ الرُّوحَ الإِلٰهِيَّ بِوَصْفِهِ وَاهِبَ الحَيَاةِ وَمَصْدَرَ التَّجْدِيدِ، كَمَا يَرِدُ فِي المَزْمُورِ: "تُرْسِلُ رُوحَكَ فَيُخْلَقُونَ، وَتُجَدِّدُ وَجْهَ الأَرْضِ" (المَزْمُور 104: 30). وَيُعْلِنُ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ رُوحُ الحَقِّ الَّذِي يَنْبَثِقُ مِنَ الآبِ وَيَشْهَدُ لِلِابْنِ (يُوحَنَّا 15: 26)، وَأَنَّهُ سَيَقُودُهُمْ إِلَى الحَقِّ كُلِّهِ (يُوحَنَّا 16: 13). وَفِي صِيَاغَةِ الإِيمَانِ الكَاثُولِيكِيِّ، يُعْلَنُ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَنْبَثِقُ مِنَ الآبِ وَالِابْنِ، مَعَ الإِقْرَارِ بِأَنَّ الآبَ هُوَ المَبْدَأُ الأَوَّلُ فِي الحَيَاةِ الثَّالُوثِيَّةِ. أَمَّا نَصُّ قَانُونِ الإِيمَانِ النِّيقَاوِيِّ–القُسْطَنْطِينِيِّ الأَصْلِيِّ فَيَنْصُّ عَلَى الِانْبِثَاقِ مِنَ الآبِ، وَهُوَ مَا تَحْفَظُهُ الكَنَائِسُ الشَّرْقِيَّةُ فِي صِيغَتِهَا اللِّيتُورْجِيَّةِ. وَتُعَبِّرُ الصِّيَاغَةُ اللَّاتِينِيَّةُ عَنْ هٰذَا الإِيمَانِ بِإِضَافَةِ "وَالِابْنِ" (Filioque)، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَارِيخِيَّةٌ وَلَاهُوتِيَّةٌ تَتَطَلَّبُ مُرَاعَاةَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ التَّقَالِيدِ الكَنَسِيَّةِ.  َيُعَلِّمُ قَانُونُ الإِيمَانِ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ هُوَ "الرَّبُّ المُحْيِي، الَّذِي هُوَ مَعَ الآبِ وَالِابْنِ يُسْجَدُ لَهُ وَيُمَجَّدُ، الَّذِي تَكَلَّمَ بِالأَنْبِيَاءِ". وَهٰكَذَا، فَالرُّوحُ القُدُسُ لَيْسَ قُوَّةً مُجَرَّدَةً أَوْ طَاقَةً غَيْرَ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ هُوَ أُقْنُومٌ إِلٰهِيٌّ، يَهَبُ الحَيَاةَ وَيُقَدِّسُ المُؤْمِنِينَ، وَيُوَاصِلُ فِي الكَنِيسَةِ عَمَلَ المَسِيحِ الخَلَاصِيَّ. وَيَتَجَلَّى هٰذَا العَمَلُ فِي أَلِيصَابَاتَ، الَّتِي امْتَلَأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، فَأَصْبَحَتْ قَادِرَةً عَلَى الِاعْتِرَافِ بِحُضُورِ الرَّبِّ وَإِعْلَانِ بَرَكَةِ مَرْيَمَ وَثَمَرَةِ بَطْنِهَا.  فَمَرْيَمُ لَا تَحْمِلُ مُجَرَّدَ رِسَالَةٍ عَنِ المَسِيحِ، بَلْ تَحْمِلُ المَسِيحَ نَفْسَهُ فِي أَحْشَائِهَا. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ تَحِيَّتَهَا تُصْبِحُ، فِي سِيَاقِ الرِّوَايَةِ، مُنَاسَبَةً لِإِظْهَارِ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ وَفَرَحِ يُوحَنَّا وَإِيمَانِ أَلِيصَابَاتَ. فَكُلُّ زِيَارَةٍ مَسِيحِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ زِيَارَةَ سَلَامٍ وَمَحَبَّةٍ وَفَرَحٍ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَحْمِلَ المَسِيحَ فِي قَلْبِهِ، وَيَنْقُلَ نُورَهُ وَرَجَاءَهُ إِلَى الآخَرِينَ. وَيَتَجَلَّى فِي هٰذه الآية عَمَلُ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي يَكْشِفُ هُوِيَّةَ المَسِيحِ، وَيُحَوِّلُ لِقَاءً عَائِلِيًّا إِلَى حَدَثٍ نَبَوِيٍّ وَخَلَاصِيٍّ، حَيْثُ يَصِيرُ الفَرَحُ عَلَامَةً عَلَى حُضُورِ اللهِ وَتَحَقُّقِ مَوَاعِيدِهِ.
 

42" فَهَتَفَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ، وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ"

 تشير عبارة "فَهَتَفَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا" الى الإِعْلَانُ النَّبَوِيُّ وَتَابُوتُ العَهْدِ الجَدِيدِ.  يَرِدُ الفِعْلُ " فَهَتَفَتْ" في اليُونَانِيةνεφώνησεν ة، مِنْ ἀναφωνέω، بِمَعْنَى "هَتَفَ" أَوْ "رَفَعَ صَوْتَهُ". وَيَحْمِلُ هٰذَا الفِعْلُ دَلَالَةً احْتِفَالِيَّةً، إِذْ يَرِدُ فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ فِي سِيَاقَاتٍ لِيتُورْجِيَّةٍ تَرْتَبِطُ بِالتَّسْبِيحِ وَتَابُوتِ العَهْدِ (1 أَخْبَارِ الأَيَّامِ 15: 28؛ 16: 4–5). وَيُوَحِي هٰذَا الِاسْتِعْمَالُ بِأَنَّ هُتَافَ أَلِيصَابَاتَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَحِيَّةٍ عَائِلِيَّةٍ، بَلْ إِعْلَانٌ نَبَوِيٌّ مُسْتَلْهَمٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ. وَفِي ضَوْءِ المُوَازَاةِ بَيْنَ زِيَارَةِ مَرْيَمَ وَانْتِقَالِ تَابُوتِ العَهْدِ إِلَى بَيْتِ عُوبِيدَ أَدُومَ (2 صَمُوئِيل 6: 9–11)، يُمْكِنُ فَهْمُ مَرْيَمَ رَمْزِيًّا بِوَصْفِهَا تَابُوتَ العَهْدِ الجَدِيدِ، الَّذِي يَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهِ كَلِمَةَ اللهِ المُتَجَسِّدَ. وَقَدْ رَبَطَ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ بَيْنَ امْتِلَاءِ أَلِيصَابَاتَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَاعْتِرَافِهَا بِسِرِّ المَسِيحِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ النِّعْمَةَ الإِلٰهِيَّةَ هِيَ الَّتِي أَنَارَتْ قَلْبَهَا وَجَعَلَتْهَا تَنْطِقُ بِالبَرَكَةِ (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، 2، 23–25).

يَرِدُ التَّعْبِيرُ "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ" في اليُونَانِيُّ Εὐλογημένη σὺ ἐν γυναιξίν. وَتَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ البَرَكَةُ نُصُوصًا مِنَ العَهْدِ القَدِيمِ، خُصُوصًا بَرَكَةَ يَاعِيلَ: "لْتُبَارَكْ بَيْنَ النِّسَاءِ يَاعِيلُ" (القُضَاة 5: 24)، وَبَرَكَةَ يَهُوذِيتَ الَّتِي أَنْقَذَتْ شَعْبَهَا (يَهُوذِيت 13: 18). وَيُبْرِزُ هٰذَا التَّوَازِي أَنَّ مَرْيَمَ تَحْتَلُّ مَكَانَةً فَرِيدَةً فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، لِأَنَّهَا حَمَلَتِ المُخَلِّصَ نَفْسَهُ. وَفِي التَّفْسِيرِ الآبَائِيِّ، تَظْهَرُ مَرْيَمُ بِوَصْفِهَا حَوَّاءَ الجَدِيدَةَ؛ فَكَمَا ارْتَبَطَ عِصْيَانُ حَوَّاءَ بِدُخُولِ الخَطِيئَةِ إِلَى التَّارِيخِ البَشَرِيِّ، ارْتَبَطَتْ طَاعَةُ مَرْيَمَ بِاسْتِقْبَالِ المُخَلِّصِ الَّذِي يُعِيدُ لِلْإِنْسَانِ الحَيَاةَ. وَقَدْ عَبَّرَ القِدِّيسُ إِيرِينِيوسُ اللُّوغْدُونِيُّ عَنْ هٰذِهِ المُقَابَلَةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ طَاعَةَ مَرْيَمَ أَسْهَمَتْ فِي حَلِّ عُقْدَةِ عِصْيَانِ حَوَّاءَ، بِفَضْلِ عَمَلِ المَسِيحِ الخَلَاصِيِّ (PG 7: 959–960). وَهٰكَذَا، لَا تَنْبَعُ عَظَمَةُ مَرْيَمَ مِنْ ذَاتِهَا مُنْفَصِلَةً عَنِ المَسِيحِ، بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا اللهُ بِهَا لِتَكُونَ أُمًّا لِابْنِهِ، وَمِنْ إِيمَانِهَا وَطَاعَتِهَا لِمَشِيئَتِهِ (لُوقَا 1: 38، 45).

يَرِدُ التَّعْبِيرُ "وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ" في اليُونَانِيُّ εὐλογημένος ὁ καρπὸς τῆς κοιλίας σου، وَتُشِيرُ كَلِمَةُ καρπός، أَيْ "ثَمَرَةٌ"، إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَرْيَمُ فِي أَحْشَائِهَا. فهو مَصْدَرُ البَرَكَةِ وَالحَيَاةِ. وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ هٰذَا الإِعْلَانِ فِي أَنَّ بَرَكَةَ مَرْيَمَ تَنْبَعُ مِنْ بَرَكَةِ ابْنِهَا، فَهُوَ مَصْدَرُ الخَلَاصِ وَالحَيَاةِ. وَمِنْ هُنَا، يُمْكِنُ فَهْمُ صُورَةِ مَرْيَمَ بِوَصْفِهَا حَامِلَةَ ثَمَرَةِ الحَيَاةِ، فِي قِرَاءَةٍ رَمْزِيَّةٍ تَسْتَحْضِرُ شَجَرَةَ الحَيَاةِ فِي الفِرْدَوْسِ (التَّكْوِين 2: 9)، دُونَ أَنْ تَكُونَ هٰذِهِ الصُّورَةُ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا لِلنَّصِّ.  وَيَتَّصِلُ هٰذَا المَعْنَى بِتَعْلِيمِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ عَنْ اخْتِيَارِ اللهِ أَشْخَاصًا لِرِسَالَتِهِ مُنْذُ أَحْشَاءِ أُمَّهَاتِهِمْ، كَإِرْمِيَا النَّبِيِّ (إِرْمِيَا 1: 5)، وَعَبْدِ الرَّبِّ (إِشَعْيَا 49: 1)، وَبُولُسَ الرَّسُولِ (غَلَاطِيَة 1: 15). غَيْرَ أَنَّ المَسِيحَ يَتَمَيَّزُ عَنْ هٰؤُلَاءِ جَمِيعًا بِأَنَّهُ كَلِمَةُ اللهِ المُتَجَسِّدُ، الَّذِي بِهِ تَتِمُّ مَوَاعِيدُ الخَلَاصِ.  وَقَدْ أَبْرَزَ القِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ الرَّسُولِيُّ حَقِيقَةَ أَنَّ الكَلِمَةَ الإِلٰهِيَّ اتَّخَذَ جَسَدًا بَشَرِيًّا لِيُجَدِّدَ الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ وَيُعِيدَهَا إِلَى الحَيَاةِ (PG 25: 109–112). تَجْمَعُ تَحِيَّةُ أَلِيصَابَاتَ بَيْنَ بَرَكَةِ الأُمِّ وَبَرَكَةِ فالمُبارَكَةُ هنا فعلُ شُكرٍ عميقٍ لمريمَ ويسوعَ ابنِها: الأمُّ مُبارَكَةٌ، والاِبنُ مُبارَكٌ. ويُعلِّقُ الأبُ رينيه لورانتان، الخبيرُ بمؤلَّفاته عن سيدتنا العذراء، قائلاً: "كان بإمكانِ أليصاباتَ أن تهتفَ: مُبارَكَةٌ ثمرةُ بطنِكِ، ولكنّها – بوحيٍ من الرُّوحِ القُدُسِ – أسبقت التَّبريكَ ليسوعَ بالتَّبريكِ لأمِّه العذراءِ، وذلك لإكرامِ الأمِّ التي تسبقُ دومًا أبناءَها في النِّظامِ الطبيعيّ".  الِابْنِ، دُونَ مُسَاوَاةٍ بَيْنَ مَكَانَتَيْهِمَا؛ فَمَرْيَمُ مُبَارَكَةٌ بِنِعْمَةِ اللهِ، أَمَّا المَسِيحُ فَهُوَ مَصْدَرُ البَرَكَةِ وَالخَلَاصِ. وَقَدْ أَصْبَحَتْ هٰذِهِ التَّحِيَّةُ، مَعَ تَحِيَّةِ المَلَاكِ جِبْرَائِيلَ (لُوقَا 1: 28)، جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ صَلَاةِ "السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا مَرْيَمُ". تُعْلِنُ أَلِيصَابَاتُ، بِإِلْهَامٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، أَنَّ مَرْيَمَ مُبَارَكَةٌ لِأَنَّهَا حَمَلَتِ المَسِيحَ، وَأَنَّ يَسُوعَ هُوَ الثَّمَرَةُ المُبَارَكَةُ وَمَصْدَرُ الخَلَاصِ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ التَّحِيَّةُ عَنْ مَكَانَةِ مَرْيَمَ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، بِوَصْفِهَا أُمَّ الرَّبِّ وَحَوَّاءَ الجَدِيدَةَ وَتَابُوتَ العَهْدِ الجَدِيدِ، وَفْقَ القِرَاءَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالتَّقْلِيدِ الآبَائِيِّ.  وتُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ إِعْلَانًا نَبَوِيًّا عَنْ بَرَكَةِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ وَهُوِيَّةِ يَسُوعَ المَسِيحِ الَّذِي تَحْمِلُهُ فِي أَحْشَائِهَا. فَبِامْتِلَاءِ أَلِيصَابَاتَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ (لُوقَا 1: 41)، تَحَوَّلَتْ تَحِيَّتُهَا إِلَى شَهَادَةٍ إِيمَانِيَّةٍ تَكْشِفُ عَنْ سِرِّ التَّجَسُّدِ، وَتَرْبِطُ بَيْنَ بَرَكَةِ الأُمِّ وَبَرَكَةِ الِابْنِ، فِي إِطَارِ تَحَقُّقِ مَوَاعِيدِ اللهِ الخَلَاصِيَّةِ. وَتَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِمَرْيَمَ فِي الإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالتَّوَاضُعِ، وَإِلَى أَنْ نَحْمِلَ المَسِيحَ إِلَى الآخَرِينَ، فَتَصِيرَ كَلِمَاتُنَا وَأَعْمَالُنَا بَرَكَةً وَسَلَامًا وَفَرَحًا لِكُلِّ مَنْ نَلْتَقِي بِهِمْ.
 

43 "مِنْ أَيْنَ لِي أَنْ تَأْتِيَنِي أُمُّ رَبِّي؟"

ترِدُ عِبَارة "مِنْ أَيْنَ لِي" في اليُونَانِيُّ καὶ πόθεν μοι τοῦτο ، للتعبير عَنْ دَهْشَةِ أَلِيصَابَاتَ وَتَوَاضُعِهَا أَمَامَ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ. فَهِيَ لَا تَتَسَاءَلُ عَنْ مَصْدَرِ مَجِيءِ مَرْيَمَ الجُغْرَافِيِّ، بَلْ عَنْ سِرِّ الِاسْتِحْقَاقِ: كَيْفَ تَنَالُ هٰذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ، أَنْ تَزُورَهَا أُمُّ الرَّبِّ؟ وَيُذَكِّرُ هٰذَا المَوْقِفُ بِتَوَاضُعِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ أَمَامَ يَسُوعَ عِنْدَ نَهْرِ الأُرْدُنِّ: "أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى الِاعْتِمَادِ عَنْ يَدِكَ، أَوَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ؟" (مَتَّى 3: 14). وَيَكْشِفُ المَوْقِفَانِ عَنْ أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِعَظَمَةِ المَسِيحِ يَقْتَرِنُ بِالتَّوَاضُعِ وَالإِحْسَاسِ بِمَجَّانِيَّةِ النِّعْمَةِ. وَيُبْرِزُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي تَفْسِيرِهِ لِهٰذَا اللِّقَاءِ أَنَّ أَلِيصَابَاتَ أَدْرَكَتْ سِرَّ الحُضُورِ الإِلٰهِيِّ بِفَضْلِ الرُّوحِ القُدُسِ، فَجَاءَ سُؤَالُهَا تَعْبِيرًا عَنِ الدَّهْشَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِعَظَمَةِ النِّعْمَةِ، لَا عَنِ الشَّكِّ فِيهَا (PL 15).

ترِدُ عِبَارة " أُمُّ رَبِّي؟" في اليُونَانِيُّ ἡ μήτηρ τοῦ κυρίου μου. وَتُشِيرُ كَلِمَةُ κύριος إِلَى "الرَّبِّ" أَوْ "السَّيِّدِ"، وَهِيَ لَقَبٌ يَحْمِلُ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ دَلَالَاتٍ سِيَادِيَّةً وَمَسِيحَانِيَّةً وَإِلٰهِيَّةً، بِحَسَبِ السِّيَاقِ. وَفِي رِوَايَةِ لُوقَا، يَكْتَسِبُ هٰذَا اللَّقَبُ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً، لِأَنَّ أَلِيصَابَاتَ تَسْتَعْمِلُهُ بِإِلْهَامٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الطِّفْلِ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَرْيَمُ. وَبِذٰلِكَ تَسْبِقُ شَهَادَتُهَا إِعْلَانَ الكَنِيسَةِ الرَّسُولِيَّةِ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الرَّبُّ وَالمَسِيحُ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 36). وَيَسْتَحْضِرُ هٰذَا الِاعْتِرَافُ المَزْمُورَ المَسِيحَانِيَّ: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي" (المَزْمُور 110: 1؛ مَتَّى 22: 44)، وَيَتَّفِقُ مَعَ تَعْلِيمِ بُولُسَ الرَّسُولِ: "لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: يَسُوعُ رَبٌّ، إِلَّا بِالرُّوحِ القُدُسِ" (1 قُورِنْتُس 12: 3). وَتُمَثِّلُ عِبَارَةُ "أُمُّ رَبِّي" أَسَاسًا كِتَابِيًّا مُهِمًّا لِعَقِيدَةِ أُمُومَةِ مَرْيَمَ الإِلٰهِيَّةِ؛ فَالَّذِي وُلِدَ مِنْ مَرْيَمَ بِحَسَبِ الجَسَدِ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ المُتَجَسِّدُ. وَقَدْ أَكَّدَ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ هٰذِهِ الحَقِيقَةَ فِي دِفَاعِهِ عَنْ لَقَبِ "وَالِدَةِ الإِلٰهِ" (Θεοτόκος)، مُوَضِّحًا أَنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ مَصْدَرَ أُلُوهِيَّةِ الكَلِمَةِ، بَلْ هِيَ أُمُّ الشَّخْصِ الإِلٰهِيِّ الَّذِي اتَّخَذَ مِنْهَا طَبِيعَتَهُ البَشَرِيَّةَ (PG 77: 44–49). وَقَدْ أَقَرَّ مَجْمَعُ أَفَسُسَ المَسْكُونِيُّ (431م) هٰذَا التَّعْلِيمَ، تَأْكِيدًا لِوَحْدَةِ شَخْصِ المَسِيحِ، الإِلٰهِ الحَقِّ وَالإِنْسَانِ الحَقِّ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ إِكْرَامَ مَرْيَمَ بِوَصْفِهَا "وَالِدَةَ الإِلٰهِ" لَا يَنْفَصِلُ عَنِ الإِيمَانِ بِسِرِّ التَّجَسُّدِ. تُعْلِنُ أَلِيصَابَاتُ أَنَّ مَوَاعِيدَ اللهِ قَدْ بَدَأَتْ تَتَحَقَّقُ فِي المَسِيحِ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَرْيَمُ. وَبِهٰذَا المَعْنَى، تُمَثِّلُ أَلِيصَابَاتُ، فِي القِرَاءَةِ الرَّمْزِيَّةِ، العَهْدَ القَدِيمَ الَّذِي يَنْتَظِرُ المَسِيحَ، فِي حِينِ تُمَثِّلُ مَرْيَمُ بَدْءَ تَحَقُّقِ العَهْدِ الجَدِيدِ.

تَكْشِفُ عِبَارَةُ أَلِيصَابَاتَ "مِنْ أَيْنَ لِي أَنْ تَأْتِيَنِي أُمُّ رَبِّي؟" عَنْ ثَلَاثِ حَقَائِقَ لَاهُوتِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ: حُضُورِ المَسِيحِ المُتَجَسِّدِ، وَأُمُومَةِ مَرْيَمَ الإِلٰهِيَّةِ، وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي يَكْشِفُ سِرَّ الخَلَاصِ. فتُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ ذُرْوَةَ الِاعْتِرَافِ اللَّاهُوتِيِّ فِي رِوَايَةِ زِيَارَةِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ لِأَلِيصَابَاتَ؛ فَبِإِلْهَامٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، تَعْتَرِفُ أَلِيصَابَاتُ بِمَرْيَمَ أُمًّا لِلرَّبِّ، وَتُعْلِنُ أَنَّ المَسِيحَ المُنْتَظَرَ حَاضِرٌ فِي أَحْشَائِهَا. وَهٰكَذَا يَتَحَوَّلُ اللِّقَاءُ العَائِلِيُّ إِلَى إِعْلَانٍ نَبَوِيٍّ عَنْ تَحَقُّقِ مَوَاعِيدِ اللهِ وَبَدْءِ زَمَنِ الخَلَاصِ.
 

44 "فَمَا إِنْ وَقَعَ صَوْتُ سَلَامِكِ فِي أُذُنَيَّ حَتَّى ارْتَكَضَ الجَنِينُ ابْتِهَاجًا فِي بَطْنِي"

يَرِدُ التَّعْبِيرُ " صَوْتُ سَلَامِكِ " فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: ἡ φωνὴ τοῦ ἀσπασμοῦ σου، أَيْ "صَوْتُ تَحِيَّتِكِ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ φωνή عَلَى "الصَّوْتِ"، وَἀσπασμός عَلَى "التَّحِيَّةِ".  وَيُعِيدُ لُوقَا هُنَا ذِكْرَ مَا وَرَدَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ (لُوقَا 1: 41)، لٰكِنَّهُ يُوَضِّحُ عَلَى لِسَانِ أَلِيصَابَاتَ أَنَّ ارْتِكَاضَ الجَنِينِ كَانَ ابْتِهَاجًا بِحُضُورِ المَسِيحِ. فَصَوْتُ مَرْيَمَ لَيْسَ صَوْتَ المَسِيحِ بِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ، بَلْ هُوَ تَحِيَّةُ الأُمِّ الَّتِي تَحْمِلُ الكَلِمَةَ المُتَجَسِّدَ، وَمِنْ خِلَالِهَا يَظْهَرُ أَثَرُ حُضُورِهِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ هٰذَا اللِّقَاءَ بِأَنَّ أَلِيصَابَاتَ سَمِعَتْ صَوْتَ مَرْيَمَ، أَمَّا يُوحَنَّا فَاسْتَجَابَ لِحُضُورِ الرَّبِّ، فَكَانَتْ حَرَكَتُهُ عَلَامَةً عَلَى عَمَلِ النِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، 2، 22–23).

أمَّا في عِبَارة "ارْتَكَضَ الجَنِينُ ابْتِهَاجًا" فيَسْتَعْمِلُ لُوقَا الفِعْلَ اليُونَانِيَّ ἐσκίρτησεν ، مِنْ σκιρτάω ، أَيْ "ارْتَكَضَ" أَوْ "قَفَزَ"، وَيُضِيفُ الِاسْمَ ἀγαλλίασις ، أَيْ "لِابْتِهَاجُ" أَوِ "الفَرَحُ العَظِيمُ". وَيَرِدُ التَّعْبِيرُ ἐν ἀγαλλιάσει   بِمَعْنَى "ابْتِهَاجًا". وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الإِضَافَةُ عَنْ المَعْنَى اللَّاهُوتِيِّ لِارْتِكَاضِ يُوحَنَّا؛ فَهُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَرَكَةٍ جَسَدِيَّةٍ، بَلْ يُقَدِّمُهُ الإِنْجِيلِيُّ، عَلَى لِسَانِ أَلِيصَابَاتَ المُمتَلِئَةِ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، بِوَصْفِهِ عَلَامَةً عَلَى الفَرَحِ بِحُضُورِ المُخَلِّصِ. وَقَدْ رَأَى العَلَّامَةُ أوريجانوس فِي هٰذَا الِارْتِكَاضِ اسْتِجَابَةً مُبَكِّرَةً لِحُضُورِ المَسِيحِ، إِذْ يَتَجَلَّى عَمَلُ النِّعْمَةِ فِي يُوحَنَّا قَبْلَ مِيلَادِهِ، تَمْهِيدًا لِرِسَالَتِهِ بِوَصْفِهِ السَّابِقَ وَالشَّاهِدَ لِلرَّبِّ (أوريجانوس، العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ لُوقَا، العِظَةُ السَّابِعَةُ.  وَيَرْتَبِطُ هٰذَا الحَدَثُ بِوَعْدِ المَلَاكِ لِزَكَرِيَّا أَنَّ يُوحَنَّا سَيَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ (لُوقَا 1: 15). وَتَبْلُغُ هٰذِهِ الشَّهَادَةُ كَمَالَهَا فِيمَا بَعْدُ، حِينَ يَقُولُ يُوحَنَّا عَنِ المَسِيحِ: "وَأَمَّا صَدِيقُ العَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْتَمِعُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَفْرَحُ أَشَدَّ الفَرَحِ لِصَوْتِ العَرِيسِ. فَهَا قَدْ تَمَّ فَرَحِي" (يُوحَنَّا 3: 29). تَظْهَرُ مَرْيَمُ فِي هٰذَا الحَدَثِ بِوَصْفِهَا حَامِلَةَ المَسِيحِ إِلَى الآخَرِينَ؛ فَبِحُضُورِهَا يَفِيضُ الفَرَحُ فِي بَيْتِ زَكَرِيَّا، وَيَتَجَلَّى عَمَلُ الرُّوحِ القُدُسِ فِي أَلِيصَابَاتَ وَابْنِهَا. وَيُؤَكِّدُ هٰذَا المَشْهَدُ أَنَّ رِسَالَةَ مَرْيَمَ تَنْبَعُ مِنِ اتِّحَادِهَا بِالمَسِيحِ وَطَاعَتِهَا لِمَشِيئَةِ اللهِ، فَهِيَ لَا تَحْمِلُ بُشْرَى عَنِ الخَلَاصِ فَحَسْبُ، بَلْ تَحْمِلُ المُخَلِّصَ نَفْسَهُ. وَبِهٰذَا المَعْنَى، تُصْبِحُ مَرْيَمُ نَمُوذَجًا لِلْكَنِيسَةِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُ كَلِمَةَ اللهِ بِالإِيمَانِ، وَتَحْمِلُهَا إِلَى العَالَمِ بِالمَحَبَّةِ وَالخِدْمَةِ. تُؤَكِّدُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ زِيَارَةَ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ لِأَلِيصَابَاتَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ لِقَاءٍ عَائِلِيٍّ، بَلْ حَدَثًا خَلَاصِيًّا يَكْشِفُ عَنْ حُضُورِ المَسِيحِ وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ. فَارْتِكَاضُ يُوحَنَّا فِي حَشَا أُمِّهِ يُعَبِّرُ عَنْ فَرَحٍ مَسِيحَانِيٍّ يُمَهِّدُ لِرِسَالَتِهِ النَّبَوِيَّةِ بِوَصْفِهِ السَّابِقَ لِلرَّبِّ. هٰكَذَا نَحْنُ مَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نَحْمِلَ كَلِمَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ إِلَى الآخَرِينَ، لِتُصْبِحَ لِقَاءَاتُنَا مَصْدَرَ فَرَحٍ وَسَلَامٍ وَرَجَاءٍ.
 

45 "فَطُوبَى لِمَنْ آمَنَتْ: فَسَيَتِمُّ مَا بَلَغَهَا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ"

تَرِدُ عِبَارة "فَطُوبَى لِمَنْ آمَنَتْ" فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ μακαρία ἡ πιστεύσασα، أَيْ "طُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ μακαρία عَلَى السَّعَادَةِ وَالطُّوبَى النَّاتِجَتَيْنِ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ، أَمَّا الفِعْلُ) " آمَنَتْ " πιστεύω فَيُعَبِّرُ عَنِ الإِيمَانِ وَالثِّقَةِ وَتَصْدِيقِ الوَعْدِ الإِلٰهِيِّ.  فالإِيمَانُ أَسَاسُ الطُّوبَى. وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّطْوِيبُ أَنَّ عَظَمَةَ مَرْيَمَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى أُمُومَتِهَا الجَسَدِيَّةِ لِلْمَسِيحِ، بَلْ تَتَجَلَّى أَيْضًا فِي إِيمَانِهَا الَّذِي سَبَقَ الحَبَلَ بِهِ. فَقَدْ قَبِلَتْ بُشْرَى المَلَاكِ قَائِلَةً: "هَأَنَذَا أَمَةُ الرَّبِّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لُوقَا 1: 38). وَقَدْ أَكَّدَ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ طُوبَى مَرْيَمَ تَرْتَبِطُ بِإِيمَانِهَا، مُوَضِّحًا أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُؤْمِنُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَتَحْفَظُهَا تَحْمِلُهَا رُوحِيًّا وَتُظْهِرُ ثِمَارَهَا فِي حَيَاتِهَا (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، 2، 26)، وَيَنْسَجِمُ هٰذَا التَّعْلِيمُ مَعَ قَوْلِ يَسُوعَ: "طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهَا" (لُوقَا 11: 28)، وَمَعَ تَطْوِيبِهِ لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ دُونَ أَنْ يَرَوْا (يُوحَنَّا 20: 29). يُبْرِزُ لُوقَا المُقَابَلَةَ بَيْنَ مَوْقِفِ زَكَرِيَّا وَمَوْقِفِ مَرْيَمَ أَمَامَ البِشَارَةِ الإِلٰهِيَّةِ؛ فَقَدْ طَلَبَ زَكَرِيَّا عَلَامَةً تُؤَكِّدُ لَهُ الوَعْدَ (لُوقَا 1: 18–20)، بَيْنَمَا سَأَلَتْ مَرْيَمُ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَحَقُّقِهِ، ثُمَّ أَعْلَنَتْ قَبُولَهَا لِمَشِيئَةِ اللهِ (لُوقَا 1: 34–38). فمَرْيَمُ هي نَمُوذَجُ الإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ. وَقَدْ أَكَّدَ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي أَنَّ مَرْيَمَ «تَقَدَّمَتْ فِي غُرْبَةِ الإِيمَانِ» (نُورُ الأُمَمِ، 58). وَيُعَبِّرُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ عَنْ أَوْلَوِيَّةِ الإِيمَانِ فِي حَيَاةِ مَرْيَمَ، مُؤَكِّدًا أَنَّهَا حَمَلَتِ المَسِيحَ فِي قَلْبِهَا بِالإِيمَانِ قَبْلَ أَنْ تَحْمِلَهُ فِي أَحْشَائِهَا بِالجَسَدِ (PL 38: 1074). وَهٰكَذَا تَصِيرُ مَرْيَمُ صُورَةً لِلْكَنِيسَةِ المُؤْمِنَةِ، الَّتِي تَسْتَقْبِلُ كَلِمَةَ اللهِ وَتُثْمِرُهَا بِالطَّاعَةِ وَالمَحَبَّةِ. وَيُقَدِّمُهَا المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي مِثَالًا لِلْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّسُولِيَّةِ (رِسَالَةُ العَلْمَانِيِّينَ، 4).

تَرِدُ عِبَارة "فَسَيَتِمُّ مَا بَلَغَهَا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ" فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ ُ ὅτι ἔσται τελείωσις τοῖς λελαλημένοις αὐτῇ παρὰ κυρίου ، أَيْ "لِأَنَّهُ سَيَكُونُ إِتْمَامٌ لِمَا قِيلَ لَهَا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ "فَسَيَتِمُّ " τελείωσις أي "فَسَيَتِمُّ عَلَى الإِتْمَامِ وَالتَّحَقُّقِ، فِي حِينِ تُشِيرُ صِيغَةُ "مَا بَلَغَهَا" λελαλημένοις

إِلَى الأَقْوَالِ الَّتِي أُعْلِنَتْ لِمَرْيَمَ مِنْ عِنْدِ اللهِ. وَيَحْتَمِلُ الحَرْفُ اليُونَانِيُّ ὅτι مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ، أَيْ "لِأَنَّ، وَهُوَ الأَنْسَبُ لِلسِّيَاقِ؛ فَأَلِيصَابَاتُ تُطَوِّبُ مَرْيَمَ لِأَنَّهَا آمَنَتْ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ سَيَتِمُّ. وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ إِيمَانَ مَرْيَمَ هُوَ المَصْدَرُ المُسْتَقِلُّ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ، بَلْ إِنَّهُ اسْتِجَابَةٌ حُرَّةٌ وَأَمِينَةٌ لِلنِّعْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَبِذٰلِكَ تُعْلِنُ أَلِيصَابَاتُ أَمَانَةَ اللهِ لِمَوَاعِيدِهِ، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ يَقُومُ عَلَى الثِّقَةِ بِكَلِمَتِهِ، حَتَّى عِنْدَمَا يَبْدُو تَحَقُّقُهَا مُسْتَحِيلًا بِالمَقَايِيسِ البَشَرِيَّةِ (لُوقَا 1: 37).

تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ ذُرْوَةَ تَطْوِيبِ أَلِيصَابَاتَ لِمَرْيَمَ العَذْرَاءِ، إِذْ تَنْتَقِلُ مِنَ الإِشَادَةِ بِأُمُومَتِهَا لِلرَّبِّ (لُوقَا 1: 43) إِلَى تَطْوِيبِ إِيمَانِهَا بِكَلِمَةِ اللهِ. فَمَرْيَمُ مُبَارَكَةٌ لِأَنَّهَا حَمَلَتِ المَسِيحَ، وَطُوبَى لَهَا لِأَنَّهَا آمَنَتْ بِوَعْدِ اللهِ وَاسْتَجَابَتْ لَهُ بِالطَّاعَةِ وَالثِّقَةِ. وَتَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ مَرْيَمَ أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ عَقْلِيَّةٍ، بَلْ هُوَ ثِقَةٌ بِاللهِ وَاسْتِجَابَةٌ لِكَلِمَتِهِ وَشَهَادَةٌ لِعَمَلِهِ فِي حَيَاتِنَا. فَكُلُّ مَنْ يَقْبَلُ كَلِمَةَ اللهِ وَيَعْمَلُ بِهَا يَسِيرُ عَلَى خُطَى مَرْيَمَ، وَيُشَارِكُهَا فَرَحَ الإِيمَانِ وَرَجَاءَ الخَلَاصِ.

 

46. "فَقَالَتْ مَرْيَمُ: تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسِي"

تَرِدُ عِبَارة "تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسِي" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ُ Μεγαλύνει ἡ ψυχή μου τὸν κύριον. وَالفِعْلُ μεγαλύνω يَعْنِي "يُعَظِّمُ" أَوْ "يُمَجِّدُ"، أَمَّا " نَفْسِي " ψυχή ""فَتُشِيرُ هُنَا إِلَى النَّفْسِ، أَيْ إِلَى الإِنْسَانِ فِي عُمْقِ كِيَانِهِ. وَلَا تَعْنِي عِبَارَةُ "تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسِي" أَنَّ مَرْيَمَ تُضِيفُ شَيْئًا إِلَى عَظَمَةِ اللهِ، بَلْ إِنَّهَا تَعْتَرِفُ بِعَظَمَتِهِ وَتُعْلِنُ أَعْمَالَهُ العَجِيبَةَ فِي حَيَاتِهَا وَفِي تَارِيخِ شَعْبِهِ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ اللهَ لَا يَزْدَادُ عَظَمَةً بِتَسْبِيحِ الإِنْسَانِ، بَلْ إِنَّ الإِنْسَانَ يُعَظِّمُ الرَّبَّ عِنْدَمَا يَعْتَرِفُ بِعَمَلِهِ وَيُظْهِرُ صُورَتَهُ فِي حَيَاتِهِ بِالفَضِيلَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، 2، 26–27). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ تَسْبِيحَ مَرْيَمَ يَنْبَعُ مِنْ إِيمَانِهَا وَتَوَاضُعِهَا، وَمِنْ إِدْرَاكِهَا أَنَّ كُلَّ مَا نَالَتْهُ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ.

 يَنْقَسِمُ نَشِيدُ مَرْيَمَ (لُوقَا 1: 46–55) مِنْ حَيْثُ مَضْمُونُهُ إِلَى حَرَكَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: الأُولَى تُمَجِّدُ اللهَ عَلَى مَا صَنَعَهُ فِي حَيَاةِ مَرْيَمَ (لُوقَا 1: 46–50)، وَالثَّانِيَةُ تُعْلِنُ عَمَلَهُ الخَلَاصِيَّ فِي تَارِيخِ شَعْبِهِ وَأَمَانَتَهُ لِوَعْدِهِ لِإِبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ (لُوقَا 1: 51–55). يبدأ النشيد مِنَ الشُّكْرِ الشَّخْصِيِّ إِلَى الخَلَاصِ الشَّامِلِ. وَيَسْتَمِدُّ النَّشِيدُ صُوَرَهُ وَتَعَابِيرَهُ مِنَ العَهْدِ القَدِيمِ، وَخُصُوصًا مِنْ نَشِيدِ حَنَّةَ أُمِّ صَمُوئِيلَ (1 صَمُوئِيل 2: 1–10)، وَمِنْ تَقْلِيدِ المَزَامِيرِ الَّذِي يُمَجِّدُ اللهَ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَانْتِصَارِهِ لِلْمُتَوَاضِعِينَ. وَيَأْتِي هٰذَا النَّشِيدُ فِي مُقَدِّمَةِ الأَنَاشِيدِ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا إِنْجِيلُ الطُّفُولَةِ عِنْدَ لُوقَا، وَيَلِيهِ نَشِيدُ زَكَرِيَّا (لُوقَا 1: 68–79)، وَتَسْبِيحُ المَلَائِكَةِ (لُوقَا 2: 14)، وَنَشِيدُ سِمْعَانَ الشَّيْخِ (لُوقَا 2: 29–32). وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الأَنَاشِيدُ أَنَّ مَجِيءَ المَسِيحِ هُوَ تَحَقُّقٌ لِرَجَاءِ إِسْرَائِيلَ وَبِشَارَةُ خَلَاصٍ لِلْبَشَرِيَّةِ.

لَا يَقْتَصِرُ نَشِيدُ مَرْيَمَ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ خِبْرَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ يُصْبِحُ صَلَاةَ الكَنِيسَةِ الَّتِي تَشْكُرُ اللهَ عَلَى عَطِيَّةِ الخَلَاصِ. فَمَرْيَمُ، بِوَصْفِهَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ وَأُمَّ المَسِيحِ، تُمَثِّلُ الشَّعْبَ المُؤْمِنَ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ وَعْدَ اللهِ وَيَفْرَحُ بِتَحَقُّقِهِ. وَيُؤَكِّدُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ نَشِيدَ مَرْيَمَ هُوَ فِي آنٍ وَاحِدٍ نَشِيدُ وَالِدَةِ الإِلٰهِ وَنَشِيدُ الكَنِيسَةِ، وَنَشِيدُ ابْنَةِ صِهْيَوْنَ وَشَعْبِ اللهِ الجَدِيدِ، وَتَسْبِيحٌ لِرَحْمَةِ اللهِ الَّتِي تَحَقَّقَتْ بِإِنْجَازِ مَوَاعِيدِهِ الخَلَاصِيَّةِ (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، 2619). وَمِنْ هُنَا، أَصْبَحَ نَشِيدُ Magnificat جُزْءًا أَسَاسِيًّا مِنْ صَلَاةِ المَسَاءِ فِي لِيتُورْجِيَا السَّاعَاتِ، حَيْثُ تُرَدِّدُ الكَنِيسَةُ كُلَّ يَوْمٍ تَسْبِيحَ مَرْيَمَ، وَتُعْلِنُ مَعَهَا عَظَمَةَ اللهِ وَأَمَانَتَهُ لِمَوَاعِيدِهِ. تُعْلِنُ مَرْيَمُ بِقَوْلِهَا "تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسِي" أَنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ نِعْمَةٍ وَعَظَمَةٍ وَخَلَاصٍ، وَأَنَّ المَوْقِفَ الإِيمَانِيَّ الحَقِيقِيَّ يَتَجَلَّى فِي الشُّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّوَاضُعِ.

تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ بِدَايَةَ نَشِيدِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ، المَعْرُوفِ بِاسْمِ Magnificat، وَهُوَ نَشِيدُ تَسْبِيحٍ وَشُكْرٍ يُعْلِنُ عَظَمَةَ اللهِ وَأَمَانَتَهُ لِمَوَاعِيدِهِ الخَلَاصِيَّةِ. فَبَعْدَ أَنْ طَوَّبَتْ أَلِيصَابَاتُ مَرْيَمَ عَلَى إِيمَانِهَا (لُوقَا 1: 45)، تُوَجِّهُ مَرْيَمُ أَنْظَارَ الجَمِيعِ إِلَى اللهِ، مَصْدَرِ النِّعْمَةِ وَالخَلَاصِ. وَتَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى أَنْ نَجْعَلَ مِنْ حَيَاتِنَا نَشِيدَ تَسْبِيحٍ لِلرَّبِّ، فَنَعْتَرِفَ بِعَطَايَاهُ وَنُظْهِرَ عَظَمَتَهُ فِي أَعْمَالِنَا، وَخُصُوصًا فِي خِدْمَةِ المُحْتَاجِينَ وَمُمَارَسَةِ الرَّحْمَةِ وَالعَدْلِ، عَلَى مِثَالِ مَرْيَمَ الَّتِي جَعَلَتْ مِنْ إِيمَانِهَا وَتَوَاضُعِهَا تَسْبِيحًا دَائِمًا لِلهِ.
 

47 "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي"

تَرِدُ عِبَارة َ"وَتَبْتَهِجُ رُوحِي" فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ καὶ ἠγαλλίασεν τὸ πνεῦμά μου ، أَيْ "وَابْتَهَجَتْ رُوحِي". وَالفِعْلُ "تَبْتَهِجُ" ἀγαλλιάω يَدُلُّ عَلَى الِابْتِهَاجِ الشَّدِيدِ وَالفَرَحِ الرُّوحِيِّ المَسِيحَانِيُّ وَعَمَلُ النِّعْمَةِ.  أَمَّا " رُوحِي " πνεῦμα فَيُشِيرُ هُنَا إِلَى رُوحِ الإِنْسَانِ، أَيْ إِلَى كِيَانِهِ الدَّاخِلِيِّ فِي عَلَاقَتِهِ بِاللهِ. وَيُكَمِّلُ هٰذَا التَّعْبِيرُ قَوْلَ مَرْيَمَ السَّابِقَ: "تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسِي" (لُوقَا 1: 46). فَالنَّفْسُ (ψυχή) وَالرُّوحُ (πνεῦμα) تُشِيرَانِ فِي هٰذَا التَّوَازِي الشِّعْرِيِّ إِلَى الإِنْسَانِ بِكُلِّيَّتِهِ، وَلَا تَقْتَضِيَانِ هُنَا تَقْسِيمًا لِلطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ إِلَى جَوْهَرَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ. وَيَرْتَبِطُ ابْتِهَاجُ مَرْيَمَ بِتَحِيَّةِ المَلَاكِ جِبْرَائِيلَ: "اِفْرَحِي، أَيَّتُهَا المُنْعَمُ عَلَيْهَا، الرَّبُّ مَعَكِ"(لُوقَا 1: 28). وَيَسْتَحْضِرُ هٰذَا النَّشِيدُ صَلَاةَ حَنَّةَ أُمِّ صَمُوئِيلَ: "اِبْتَهَجَ قَلْبِي بِالرَّبِّ" (1 صَمُوئِيل 2: 1). وَيَشْتَرِكُ النَّشِيدَانِ فِي إِعْلَانِ عَظَمَةِ اللهِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى المُتَوَاضِعِينَ وَيَرْفَعُ الضُّعَفَاءَ، غَيْرَ أَنَّ نَشِيدَ مَرْيَمَ يَكْتَسِبُ بُعْدًا مَسِيحَانِيًّا خَاصًّا، لِأَنَّهُ يَحْتَفِلُ بِحُضُورِ المُخَلِّصِ المُنْتَظَرِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ بِيْدَا المُكَرَّمُ ابْتِهَاجَ مَرْيَمَ بِأَنَّهُ شُكْرٌ لِلنِّعَمِ الخَاصَّةِ الَّتِي نَالَتْهَا، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ إِعْلَانٌ لِرَحْمَةِ اللهِ الَّتِي تَمْتَدُّ إِلَى البَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ (بِيدَا المُكَرَّمُ، العِظَاتُ عَلَى الأَنَاجِيلِ، 1، 4).

تَرِدُ عِبَارة "بِاللهِ مُخَلِّصِي" يَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ُ ἐπὶ τῷ θεῷ τῷ σωτῆρί μου. وَتَدُلُّ كَلِمَةُ "مُخَلِّصِي" σωτήρ  عَلَى"المُخَلِّصِ" أَوْ "المُنْقِذِ"، وَهِيَ مِنَ الأَلْقَابِ الإِلٰهِيَّةِ المُهِمَّةِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ، حَيْثُ يُعْلِنُ اللهُ نَفْسَهُ مُخَلِّصًا لِشَعْبِهِ (إِشَعْيَا 43: 11؛ هُوشَع 13: 4). وَبِإِطْلَاقِ هٰذَا اللَّقَبِ عَلَى اللهِ، تَعْتَرِفُ مَرْيَمُ بِأَنَّ خَلَاصَهَا وَكُلَّ مَا نَالَتْهُ مِنْ نِعْمَةٍ هُوَ عَطِيَّةٌ إِلٰهِيَّةٌ مَحْضَةٌ. وَيَكْشِفُ هٰذَا الِاعْتِرَافُ عَنْ تَوَاضُعِهَا العَمِيقِ وَعَنْ مَرْكَزِيَّةِ اللهِ فِي حَيَاتِهَا. بقولها "بِاللهِ مُخَلِّصِي" تُعبِّر مريم عَنْ تَجْرِبَةٍ وِجْدَانِيَّةٍ عَمِيقَةٍ لِعَظَمَةِ اللهِ فِي حَيَاةِ مَرْيَمَ، مُلَخَّصَةٍ فِي تسع آيَاتٍ تُجَسِّدُ مَرَاحِلَ تَجْرِبَتِهَا الإِيمَانِيَّةِ: اِبْتِهَاجٌ بِالخَلَاصِ الآتِي (لوقا 1: 46–47)،

فَقْرٌ وَخِدْمَةٌ (لوقا 1: 48)،

حَالُ التَّوَاضُعِ (لوقا 1: 49)،

مَخَافَةُ اللهِ (لوقا 1: 50)،

اِنْفِتَاحٌ عَلَى التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ وَتَأَهُّبٌ لِخِدْمَتِهِ (لوقا 1: 51)،

إِدْرَاكُ الضَّعْفِ الذَّاتِيِّ (لوقا 1: 52)،

حِسٌّ بِالعَدَالَةِ (لوقا 1: 53)،

ثِقَةٌ بِالرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ (لوقا 1: 54)،

تَحْقِيقُ وُعُودِ الإِلَهِ الآمِينَ (لوقا 1: 55). وَيُعَلِّقُ الفَيْلَسُوفُ وَاللَّاهُوتِيُّ الفَرَنْسِيُّ جَان غِيتُو قَائِلًا: "إِنَّ نَشِيدَ مَرْيَمَ قَدْ يَكُونُ قَدِ اسْتَغْرَقَ خَمْسَ أَوْ سِتَّ لَحَظَاتٍ، لَكِنَّهُ يَرْوِي حَيَاةً بِأَكْمَلِهَا".

 وَفِي ضَوْءِ التَّعْلِيمِ الكَاثُولِيكِيِّ بِعَقِيدَةِ الحَبَلِ بِمَرْيَمَ بِلَا دَنَسٍ، لَا يَتَعَارَضُ قَوْلُهَا "اللهِ مُخَلِّصِي" مَعَ هٰذِهِ العَقِيدَةِ؛ فَمَرْيَمُ نَالَتِ الخَلَاصَ بِنِعْمَةِ المَسِيحِ وَاسْتِحْقَاقَاتِهِ، وَلٰكِنْ بِصُورَةٍ وِقَائِيَّةٍ فَرِيدَةٍ، إِذْ حُفِظَتْ مِنْ دَنَسِ الخَطِيئَةِ الأَصْلِيَّةِ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى لِلْحَبَلِ بِهَا (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، 491–492). وَيُؤَكِّدُ هٰذَا المَعْنَى أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَنَلْ قَدَاسَتَهَا بِاسْتِقْلَالٍ عَنِ المَسِيحِ، بَلْ بِفَضْلِ نِعْمَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ، الَّتِي سَبَقَتْ فِيهَا عَمَلَ الخَطِيئَةِ. وَمِنْ هُنَا، يَكْتَسِبُ نَشِيدُ مَرْيَمَ بُعْدًا كَنَسِيًّا؛ فَالكَنِيسَةُ تُرَدِّدُ نَشِيدَهَا لِتُعْلِنَ أَنَّ الفَرَحَ المَسِيحِيَّ الحَقِيقِيَّ يَنْبَعُ مِنْ حُضُورِ اللهِ وَمِنْ رَحْمَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ. وَيُبْرِزُ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ هٰذَا البُعْدَ الرُّوحِيَّ، إِذْ يَدْعُو كُلَّ مُؤْمِنٍ إِلَى أَنْ تَكُونَ فِيهِ نَفْسُ مَرْيَمَ الَّتِي تُعَظِّمُ الرَّبَّ، وَرُوحُهَا الَّتِي تَبْتَهِجُ بِاللهِ (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، 2، 26).

 تُعْلِنُ مَرْيَمُ في هذه الآية أَنَّ اللهَ هُوَ مَصْدَرُ الفَرَحِ الحَقِيقِيِّ وَالخَلَاصِ وَكُلِّ نِعْمَةٍ. فَابْتِهَاجُهَا هُوَ ثَمَرَةُ إِيمَانِهَا وَتَوَاضُعِهَا وَثِقَتِهَا بِأَمَانَةِ اللهِ. وتُوَاصِلُ نَشِيدَهَا (Magnificat) بِإِعْلَانِ فَرَحِهَا العَمِيقِ بِاللهِ مُخَلِّصِهَا. فَبَعْدَ أَنْ مَجَّدَتْ عَظَمَةَ الرَّبِّ (لُوقَا 1: 46)، تُعَبِّرُ عَنِ ابْتِهَاجِهَا بِعَمَلِهِ الخَلَاصِيِّ، مُؤَكِّدَةً أَنَّ مَصْدَرَ فَرَحِهَا لَيْسَ المَكَانَةَ الَّتِي نَالَتْهَا، بَلِ اللهُ الَّذِي اخْتَارَهَا وَأَفَاضَ عَلَيْهَا نِعْمَتَهُ. وَتَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى أَنْ نَجْعَلَ فَرَحَنَا مُرْتَبِطًا بِحُضُورِ المَسِيحِ فِي حَيَاتِنَا، لَا بِالظُّرُوفِ الخَارِجِيَّةِ وَحْدَهَا. فَكُلَّمَا اسْتَقْبَلْنَا كَلِمَتَهُ بِالإِيمَانِ، وَتَغَذَّيْنَا مِنْ حُضُورِهِ فِي الأَسْرَارِ المُقَدَّسَةِ، وَعِشْنَا مَحَبَّتَهُ فِي خِدْمَةِ الآخَرِينَ، صَارَتْ حَيَاتُنَا امْتِدَادًا لِنَشِيدِ مَرْيَمَ: "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي".
 

48 "لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَمَتِهِ الوَضِيعَةِ. سَوْفَ تُهَنِّئُنِي بَعْدَ اليَوْمِ جَمِيعُ الأَجْيَالِ"

تَرِدُ عِبَارة "لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَمَتِهِ الوَضِيعَةِ" فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ ُ ὅτι ἐπέβλεψεν ἐπὶ τὴν ταπείνωσιν τῆς δούλης αὐτοῦ ، أَيْ "لِأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ". وَيَدُلُّ الفِعْلُ ἐπιβλέπω عَلَى النَّظَرِ بِعِنَايَةٍ وَاهْتِمَامٍ، وَتُشِيرُ كَلِمَةُ ταπείνωσις إِلَى الِاتِّضَاعِ أَوِ الحَالَةِ المُتَوَاضِعَةِ، وَقَدْ تَدُلُّ أَيْضًا عَلَى المَذَلَّةِ وَانْخِفَاضِ المَكَانَةِ. أَمَّا كَلِمَةُ δούλη فَتَعْنِي "أَمَةً" أَوْ "خَادِمَةً". وَيُشِيرُ هٰذَا التَّعْبِيرُ أَسَاسًا إِلَى حَالَةِ مَرْيَمَ المُتَوَاضِعَةِ أَمَامَ اللهِ، دُونَ أَنْ يَقْتَصِرَ مَعْنَاهُ عَلَى فَضِيلَةِ التَّوَاضُعِ وَحْدَهَا؛ فَاللهُ هُوَ الَّذِي بَادَرَ إِلَى اخْتِيَارِهَا وَرَفْعِ شَأْنِهَا بِنِعْمَتِهِ. وَتَسْتَحْضِرُ كَلِمَاتُ مَرْيَمَ صَلَاةَ حَنَّةَ أُمِّ صَمُوئِيلَ، الَّتِي تَضَرَّعَتْ إِلَى اللهِ لِيَنْظُرَ إِلَى بُؤْسِ أَمَتِهِ (1 صَمُوئِيل 1: 11). وَتَنْسَجِمُ أَيْضًا مَعَ إِعْلَانِ صَاحِبِ المَزَامِيرِ أَنَّ الرَّبَّ، مَعَ سُمُوِّهِ، يَنْظُرُ إِلَى المُتَوَاضِعِينَ وَيَرْفَعُ البَائِسِينَ (المَزْمُور 113: 5–8). وَقَدْ أَبْرَزَ القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَنْسِبِ العَظَمَةَ إِلَى ذَاتِهَا، بَلْ إِلَى اللهِ الَّذِي نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِهَا وَأَجْرَى فِيهَا عَظَائِمَهُ (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، الكِتَابُ الثَّانِي، 2، 27).

بعبارة "أَمَتِهِ" τῆς δούλης αὐτοῦ تُعِيدُ مَرْيَمُ اسْتِعْمَالَ اللَّقَبِ الَّذِي أَطْلَقَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا عِنْدَ البِشَارَةِ: "هَأَنَذَا أَمَةُ الرَّبِّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لُوقَا 1: 38). وَيُعَبِّرُ هٰذَا اللَّقَبُ عَنْ انْتِمَائِهَا الكَامِلِ إِلَى اللهِ وَاسْتِعْدَادِهَا لِخِدْمَةِ تَدْبِيرِهِ الخَلَاصِيِّ وتَّوَاضُعُها وَاسْتِجَابَتها ِمَشِيئَةِ اللهِ. وَلَا يَعْنِي تَوَاضُعُ مَرْيَمَ احْتِقَارَ الذَّاتِ أَوْ إِنْكَارَ كَرَامَتِهَا، بَلْ يَعْنِي الِاعْتِرَافَ بِأَنَّ كُلَّ مَا نَالَتْهُ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ. فَهِيَ تَعْرِفُ عَظَمَةَ دَعْوَتِهَا، وَلٰكِنَّهَا تَرُدُّ الفَضْلَ إِلَى صَاحِبِ النِّعْمَةِ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ أَنَّ مَرْيَمَ نَالَتْ كَرَامَتَهَا العَظِيمَةَ بِإِيمَانِهَا وَطَاعَتِهَا لِمَشِيئَةِ اللهِ، وَأَنَّ أُمُومَتَهَا لِلْمَسِيحِ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ قَبُولِهَا كَلِمَةَ اللهِ فِي قَلْبِهَا (PL 40: 398). وَهٰكَذَا تَتَجَلَّى فِي مَرْيَمَ فَضِيلَةُ التَّوَاضُعِ المَسِيحِيِّ، الَّتِي يَدْعُو إِلَيْهَا بُولُسُ الرَّسُولُ: "لِيَتَوَاضَعْ كُلٌّ مِنْكُمْ، وَيَعُدَّ غَيْرَهُ أَفْضَلَ مِنْ نَفْسِهِ" (فِيلِبِّي 2: 3). وَيَقُولُ القِدِّيسُ لُوِيس مَارِي غْرِينْيُون دُو مُونْفُور: "كَانَ تَوَاضُعُ مَرْيَمَ عَمِيقًا جِدًّا إِلَى حَدٍّ أَنَّهَا لَمْ تَجِدْ عَلَى الأَرْضِ مَيْلًا أَقْوَى وَأَدْوَمَ مِنَ التَّخَفِّي عَنْ نَفْسِهَا وَعَنْ كُلِّ خَلِيقَةٍ، كَيْ لَا يَعْرِفَهَا سِوَى اللهِ وَحْدَهُ" (لدِّرَاسَةُ فِي التَّقْوَى الحَقِيقِيَّةِ لِمَرْيَمَ العَذْرَاءَ، 1–6).

تشير عِبَارة "سَوْفَ تُهَنِّئُنِي بَعْدَ اليَوْمِ جَمِيعُ الأَجْيَالِ" الى تطويب مَرْيَمَ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ. يَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ التَّعْبِيرُ ἰδοὺ γὰρ ἀπὸ τοῦ νῦν μακαριοῦσίν με πᾶσαι αἱ γενεαί، أَيْ "فَهَا مُنْذُ الآنَ تُطَوِّبُنِي جَمِيعُ الأَجْيَالِ".  وَالفِعْلُ " تُهَنِّئُنِي" μακαρίζω يَعْنِي "يُطَوِّبُ" أَوْ "يُعْلِنُ سَعِيدًا". فَالكِبْرِيَاءُ هُوَ رَفْضُ قَبُولِ عَطَايَا اللهِ، أَمَّا الاِتِّضَاعُ فَهُوَ قَبُولُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا فِي تَمْجِيدِهِ وَخِدْمَتِهِ. وَلَنَا الشَّرَفُ نَحْنُ فِي الكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ وَشَقِيقَتِهَا الأُرْثُوذُكْسِيَّةِ، أَنْ نُهَنِّئَ العَذْرَاءَ دَائِمَةَ البَتُولِيَّةِ، وَالِدَةَ المَسِيحِ وَأُمَّنَا، مَعَ أَلِيصَابَاتَ، بِصَوْتٍ جَهِيرٍ: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ، وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ" (لوقا 1: 42).

وَتُشِيرُ عِبَارَةُ "بَعْدَ اليَوْمِ" ἀπὸ τοῦ νῦν، أَيْ "مُنْذُ الآنَ"، إِلَى بَدْءِ مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، تَتَحَقَّقُ فِيهَا مَوَاعِيدُ اللهِ بِمَجِيءِ المَسِيحِ.  وَتَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ العِبَارَةُ قَوْلَ لِيئَةَ: "طُوبَى لِي، لِأَنَّ النِّسَاءَ يُطَوِّبْنَنِي" (التَّكْوِين 30: 13). غَيْرَ أَنَّ تَطْوِيبَ مَرْيَمَ يَكْتَسِبُ بُعْدًا خَلَاصِيًّا شَامِلًا، لِأَنَّهُ يَرْتَبِطُ بِتَجَسُّدِ كَلِمَةِ اللهِ وَبِمَجِيءِ المُخَلِّصِ. وَلَا يَنْبَعُ إِعْلَانُ مَرْيَمَ أَنَّ الأَجْيَالَ سَتُطَوِّبُهَا مِنَ الكِبْرِيَاءِ، بَلْ مِنِ اعْتِرَافِهَا بِعَظَائِمِ اللهِ، كَمَا تُوَضِّحُ الآيَةُ التَّالِيَةُ: "لِأَنَّ القَدِيرَ صَنَعَ إِلَيَّ أُمُورًا عَظِيمَةً" (لُوقَا 1: 49). فَمَكَانَتُهَا الفَرِيدَةُ هِيَ ثَمَرَةُ الِاخْتِيَارِ الإِلٰهِيِّ وَاسْتِجَابَتِهَا المُؤْمِنَةِ لَهُ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ تَطْوِيبَ مَرْيَمَ فِي التَّقْلِيدِ الكَنَسِيِّ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ تَمْجِيدِ اللهِ الَّذِي أَجْرَى فِيهَا عَظَائِمَهُ. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا المَوْقِفُ مَعَ قَوْلِ الرَّسُولِ: "مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ" (1 قُورِنْتُس 1: 31).

تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ عَظَمَةَ مَرْيَمَ تَنْبَعُ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ الَّتِي نَظَرَتْ إِلَى اتِّضَاعِهَا، وَمِنْ إِيمَانِهَا الَّذِي اسْتَجَابَ لِهٰذِهِ النِّعْمَةِ. فَاللهُ يَرْفَعُ المُتَوَاضِعِينَ، وَيَجْعَلُ مِنَ الضُّعْفِ البَشَرِيِّ مَجَالًا لِإِظْهَارِ قُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. وَتَدْعُونَا مَرْيَمُ إِلَى أَنْ نَعِيشَ التَّوَاضُعَ الحَقِيقِيَّ، فَنَعْتَرِفَ بِمَوَاهِبِنَا وَعَطَايَا اللهِ لَنَا دُونَ كِبْرِيَاءٍ، وَنَسْتَخْدِمَهَا فِي خِدْمَةِ الآخَرِينَ وَتَمْجِيدِ الرَّبِّ. فَالمُؤْمِنُ المُتَوَاضِعُ لَا يَسْعَى إِلَى مَجْدِ ذَاتِهِ، بَلْ إِلَى أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا لِعَظَمَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ.
 

 49 "لِأَنَّ القَدِيرَ صَنَعَ إِلَيَّ أُمُورًا عَظِيمَةً: قُدُّوسٌ اسْمُهُ"

تـُشير عِبَارة "لِأَنَّ القَدِيرَ صَنَعَ إِلَيَّ" الى ان اللهُ هو صَاحِبُ المُبَادَرَةِ الخَلَاصِيَّةِ. يَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ التَّعْبِيرُ ὅτι ἐποίησέν μοι μεγάλα ὁ δυνατός)، أَيْ "لِأَنَّ القَدِيرَ صَنَعَ لِي عَظَائِمَ". وَيَدُلُّ اللَّقَبُ" القَدِيرَ" ὁ δυνατός    عَلَى "القَدِيرِ" أَوْ "صَاحِبِ القُدْرَةِ"، وَهُوَ يُؤَكِّدُ أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ قَادِرٌ عَلَى تَحْقِيقِ مَا يَتَجَاوَزُ الإِمْكَانَاتِ البَشَرِيَّةَ. أَمَّا الفِعْلُ" صَنَعَ " ἐποίησεν، مِنْ ποιέω، فَيَعْنِي "صَنَعَ" أَوْ "فَعَلَ"، وَيُبْرِزُ المُبَادَرَةَ الإِلٰهِيَّةَ فِي تَدْبِيرِ الخَلَاصِ.  وَبِقَوْلِهَا "صَنَعَ إِلَيَّ"، تَعْتَرِفُ مَرْيَمُ بِأَنَّ مَا حَدَثَ فِي حَيَاتِهَا هُوَ ثَمَرَةُ نِعْمَةِ اللهِ، لَا نَتِيجَةُ اسْتِحْقَاقٍ بَشَرِيٍّ مُسْتَقِلٍّ عَنْهَا. وَهٰذَا مَا يَنْسَجِمُ مَعَ بُشْرَى المَلَاكِ: "فَلَيْسَ عِنْدَ اللهِ أَمْرٌ مُسْتَحِيلٌ" (لُوقَا 1: 37).

أمَّا عِبَارة "أُمُورًا عَظِيمَةً" μεγάλα فتشير الى التَّجَسُّدُ الذي هو ذُرْوَةُ عَظَائِمِ اللهِ.  وكَلِمَةُ μεγάλα بِمَعْنَى "أُمُورٍ عَظِيمَةٍ" أَوْ "عَظَائِمَ" تَنْتَمِي إِلَى اللُّغَةِ الكِتَابِيَّةِ الَّتِي تَصِفُ أَعْمَالَ اللهِ الخَلَاصِيَّةَ فِي تَارِيخِ شَعْبِهِ. فَفِي العَهْدِ القَدِيمِ، تُشِيرُ "عَظَائِمُ اللهِ" إِلَى أَعْمَالِهِ العَجِيبَةِ، وَلَا سِيَّمَا تَحْرِيرِ إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ وَقِيَادَتِهِ فِي البَرِّيَّةِ. وَيَقُولُ سِفْرُ تَثْنِيَةِ الِاشْتِرَاعِ: "هُوَ إِلٰهُكَ الَّذِي صَنَعَ لَكَ تِلْكَ العَظَائِمَ وَالأُمُورَ الرَّهِيبَةَ الَّتِي رَأَتْهَا عَيْنَاكَ" (تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاعِ 10: 21). أَمَّا فِي نَشِيدِ مَرْيَمَ، فَتَبْلُغُ هٰذِهِ العَظَائِمُ ذُرْوَتَهَا فِي سِرِّ التَّجَسُّدِ، إِذِ اخْتَارَ اللهُ مَرْيَمَ لِتَكُونَ أُمًّا لِيَسُوعَ المَسِيحِ، الكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ (يُوحَنَّا 1: 14). وَلَا يَقْتَصِرُ هٰذَا العَمَلُ عَلَى تَكْرِيمِ مَرْيَمَ شَخْصِيًّا، بَلْ يَتَجَاوَزُهَا إِلَى البَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ، لِأَنَّ التَّجَسُّدَ يُمَثِّلُ بَدْءَ تَحَقُّقِ المَوَاعِيدِ الخَلَاصِيَّةِ الَّتِي قَطَعَهَا اللهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ (لُوقَا 1: 54–55).  وَهٰكَذَا تُصْبِحُ مَرْيَمُ شَاهِدَةً لِعَظَائِمِ اللهِ، لَا بِوَصْفِهَا مَصْدَرًا لَهَا، بَلْ بِوَصْفِهَا الأَمَةَ المُؤْمِنَةَ الَّتِي اسْتَقْبَلَتْ عَمَلَهُ وَتَجَاوَبَتْ مَعَهُ بِالطَّاعَةِ وَالإِيمَانِ.

أمَّا عِبَارة "قُدُّوسٌ اسْمُهُ" καὶ ἅγιον τὸ ὄνομα αὐτοῦ فتشير الى قَدَاسَةُ اللهِ وَسُمُوُّهُ.  وَتَدُلُّ كَلِمَةُ "قُدُّوسٌ" ἅγιος عَلَى "القُدُّوسِ" أَوْ "المُقَدَّسِ"، وَتُعَبِّرُ عَنْ سُمُوِّ اللهِ وَتَمَيُّزِهِ المُطْلَقِ عَنْ كُلِّ خَلِيقَةٍ. أَمَّا كَلِمَةُ "اسْمُهُ" ὄνομα، فَتُشِيرُ فِي اللُّغَةِ الكِتَابِيَّةِ إِلَى شَخْصِ اللهِ وَحُضُورِهِ وَإِعْلَانِ ذَاتِهِ. وَتَسْتَحْضِرُ مَرْيَمُ تَسْبِيحَ صَاحِبِ المَزَامِيرِ: "قُدُّوسٌ رَهِيبٌ اسْمُهُ" (المَزْمُور 111: 9). وَتَتَّصِلُ هٰذِهِ القَدَاسَةُ بِرَحْمَةِ اللهِ وَأَمَانَتِهِ، فَهُوَ القُدُّوسُ الَّذِي يَقْتَرِبُ مِنَ الإِنْسَانِ لِيُخَلِّصَهُ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ بِيدَا المُكَرَّمُ قَدَاسَةَ اسْمِ اللهِ بِأَنَّهَا تُعْلِنُ سُمُوَّهُ فَوْقَ جَمِيعِ المَخْلُوقَاتِ وَتَفَرُّدَهُ بِالعَظَمَةِ وَالقُدْرَةِ (بِيدَا المُكَرَّمُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، الكِتَابُ الأَوَّل، فِي تَفْسِيرِ لُوقَا 1: 49). وَبِذٰلِكَ تَجْمَعُ مَرْيَمُ بَيْنَ قُدْرَةِ اللهِ وَقَدَاسَتِهِ؛ فَالقَدِيرُ الَّذِي صَنَعَ العَظَائِمَ هُوَ نَفْسُهُ القُدُّوسُ الَّذِي يَعْمَلُ بِرَحْمَةٍ وَأَمَانَةٍ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ.

تُعْلِنُ مَرْيَمُ فِي هٰذِهِ الآيَةِ أَنَّ عَظَمَتَهَا تَنْبَعُ مِنْ عَظَائِمِ اللهِ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ الخَلَاصِيَّةَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ قَدَاسَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. فَالتَّجَسُّدُ هُوَ أَعْظَمُ مَا صَنَعَهُ اللهُ فِي حَيَاتِهَا، وَهُوَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ عَطِيَّةُ خَلَاصٍ لِلْعَالَمِ.  وَتَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ مَرْيَمَ الِاعْتِرَافَ بِعَظَائِمِ اللهِ فِي حَيَاتِنَا، وَأَنْ نَشْكُرَهُ عَلَى عَطَايَاهُ، وَنُسَخِّرَهَا لِخِدْمَةِ الآخَرِينَ وَتَمْجِيدِ اسْمِهِ القُدُّوسِ. فَالمُؤْمِنُ الحَقِيقِيُّ لَا يَنْسِبُ إِلَى نَفْسِهِ مَا صَنَعَتْهُ النِّعْمَةُ، بَلْ يُعْلِنُ مَعَ مَرْيَمَ: "لِأَنَّ القَدِيرَ صَنَعَ إِلَيَّ أُمُورًا عَظِيمَةً، قُدُّوسٌ اسْمُهُ".
 

50 "وَرَحْمَتُهُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ"

تُشير عبارة " وَرَحْمَتُهُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ " إِلَى جِيلٍ " καὶ τὸ ἔλεος αὐτοῦ εἰς γενεὰς καὶ γενεὰς الى دَوَامُ الرَّحْمَةِ الإِلٰهِيَّةِ.   وَتَدُلُّ كَلِمَةُ " َرَحْمَتُهُ " ἔλεος عَلَى الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالإِحْسَانِ، وَتُقَابِلُ فِي سِيَاقَاتٍ عَدِيدَةٍ مِنَ العَهْدِ القَدِيمِ المَفْهُومَ العِبْرِيَّ חֶסֶד، الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الأَمِينَةِ لِعَهْدِهِ. أَمَّا عِبَارَةُ "مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ" فَتُؤَكِّدُ اسْتِمْرَارَ هٰذِهِ الرَّحْمَةِ وَامْتِدَادَهَا فِي التَّارِيخِ. وَتَسْتَحْضِرُ كَلِمَاتُ مَرْيَمَ إِعْلَانَ اللهِ لِمُوسَى: "الرَّبُّ، الرَّبُّ، إِلٰهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الأَنَاةِ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَالوَفَاءِ" (الخُرُوج 34: 6). وَتَتَرَدَّدُ أَصْدَاؤُهَا فِي المَزْمُورِ: "أَمَّا رَحْمَةُ الرَّبِّ فَمُنْذُ الأَزَلِ وَلِلْأَبَدِ عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَهُ، وَبِرُّهُ عَلَى بَنِي البَنِينَ" (المَزْمُور 103: 17).

وَهٰكَذَا تَرَى مَرْيَمُ فِي سِرِّ التَّجَسُّدِ تَجَلِّيًا حَاسِمًا لِرَحْمَةِ اللهِ، الَّتِي لَا تَقْتَصِرُ عَلَيْهَا، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى البَشَرِيَّةِ مِنْ خِلَالِ المَسِيحِ المُخَلِّصِ.

أمَّا عِبَارة "لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ " τοῖς φοβουμένοις αὐτόν فتشير الى مَخَافَةُ اللهِ وَالِاسْتِجَابَةُ لِرَحْمَتِهِ. وَالفِعْلُ " يَتَّقُونَهُ " φοβέομαι يَدُلُّ، فِي هٰذَا السِّيَاقِ الكِتَابِيِّ، عَلَى المَهَابَةِ وَالإِجْلَالِ وَالطَّاعَةِ، لَا عَلَى الخَوْفِ المَرَضِيِّ أَوِ الرُّعْبِ. وَمَخَافَةُ اللهِ هِيَ مَوْقِفٌ رُوحِيٌّ يَنْبَعُ مِنَ الإِيمَانِ بِقَدَاسَتِهِ وَالثِّقَةِ بِرَحْمَتِهِ، وَيَتَجَلَّى فِي العَيْشِ وَفْقَ مَشِيئَتِهِ. وَهِيَ لَا تُنَاقِضُ المَحَبَّةَ، بَلْ تَحْمِي الإِنْسَانَ مِنَ الكِبْرِيَاءِ وَالِاسْتِهَانَةِ بِالعَلَاقَةِ مَعَ اللهِ. وَلَا يَعْنِي قَوْلُ مَرْيَمَ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ مَحْصُورَةٌ فِي فِئَةٍ بَشَرِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ يُبْرِزُ أَنَّ المُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَقْبِلُونَ هٰذِهِ الرَّحْمَةَ بِالإِيمَانِ وَالتَّوَاضُعِ وَالطَّاعَةِ. يُؤَكِّدُ البَابَا يُوحَنَّا بُولُسُ الثَّانِي أَنَّ نَشِيدَ مَرْيَمَ يَكْشِفُ عَنْ خِبْرَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ لِسِرِّ اللهِ، وَلِقَدَاسَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي دَخَلَتِ التَّارِيخَ البَشَرِيَّ فِي المَسِيحِ (أُمُّ الفَادِي، 1987، الفَقْرَةُ 36). وَتَرْتَبِطُ هٰذِهِ الرَّحْمَةُ بِوَعْدِ اللهِ لِإِبْرَاهِيمَ وَنَسْلِهِ، الَّذِي تَعُودُ إِلَيْهِ مَرْيَمُ فِي خِتَامِ نَشِيدِهَا (لُوقَا 1: 54–55). وَفِي ضَوْءِ العَهْدِ الجَدِيدِ، تَتَّسِعُ المُشَارَكَةُ فِي هٰذَا الوَعْدِ لِتَشْمَلَ الَّذِينَ يَنْتَمُونَ إِلَى المَسِيحِ بِالإِيمَانِ، كَمَا يَقُولُ بُولُسُ الرَّسُولُ: "فَإِذَا كُنْتُمْ لِلْمَسِيحِ، فَأَنْتُمْ إِذًا نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَنْتُمْ الوَرَثَةُ وَفْقًا لِلْوَعْدِ" (غَلَاطِيَة 3: 29). وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ بِيدَا المُكَرَّمُ، فِي تَفْسِيرِهِ لِخِتَامِ النَّشِيدِ، أَنَّ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ يَشْمَلُ أَيْضًا الَّذِينَ يَسْلُكُونَ فِي إِيمَانِهِ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الخِتَانِ أَمْ مِنَ الأُمَمِ (CCL 120: 37–39).

 

تُعْلِنُ مَرْيَمُ في هذه الاية أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ أَمِينَةٌ وَدَائِمَةٌ، وَأَنَّهَا تَمْتَدُّ عَبْرَ الأَجْيَالِ إِلَى الَّذِينَ يَسْتَقْبِلُونَهَا بِالإِيمَانِ وَالتَّقْوَى. وَفِي المَسِيحِ تَبْلُغُ هٰذِهِ الرَّحْمَةُ ذُرْوَةَ إِعْلَانِهَا الخَلَاصِيِّ. وَتَدْعُونَا هٰذِهِ الآيَةُ إِلَى أَنْ نَعِيشَ مَخَافَةَ اللهِ البَنَوِيَّةَ، فَنُجِلَّ قَدَاسَتَهُ وَنَثِقَ بِرَحْمَتِهِ، وَأَنْ نَجْعَلَ مِنْ حَيَاتِنَا شَهَادَةً لِهٰذِهِ الرَّحْمَةِ بِالغُفْرَانِ وَالمُصَالَحَةِ وَخِدْمَةِ المُحْتَاجِينَ. فَمَنْ يَخْتَبِرُ رَحْمَةَ اللهِ حَقًّا يُدْعَى إِلَى أَنْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَفْقَ وَصِيَّةِ المَسِيحِ: "كُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ رَحِيمٌ" (لُوقَا 6: 36).


 

ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (لُوقَا 1: 39–50)


بَعدَ دِراسَةِ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وتَحليلِهِ (لوقا 1: 39-45)، نَستَنتِجُ أَنَّ النَّصَّ يَتَمحورُ حَولَ زِيارَةِ مَريَمَ لِأَليصابات.  وتُؤَكِّدُ زِيارَةُ مَريَمَ العَذراءِ حَقيقَةَ التَّجسُّدِ الإِلَهيّ مِن خِلالِ لِقاءِ مَريَمَ، أُمِّ المُخَلِّصِ المُنتَظَر، بِأَليصابات، أُمِّ يُوحَنَّا المَعمَدان، أَكبَرِ أَنبياءِ اللهِ، والسَّلامِ المُتَبادَلِ بَينَهُما. ومِن هُنا نَتَساءَلُ:

 

  • كَيفَ أَنَّ سَلامَ مَريَمَ يُؤَكِّدُ حَقيقَةَ التَّجسُّدِ الإِلَهيّ؟
  • وكَيفَ أَنَّ سَلامَ أَليصابات يُؤَكِّدُ حَقيقَةَ التَّجسُّدِ الإِلَهيّ؟

 

  1. كَيْفَ يُؤَكِّدُ سَلَامُ مَرْيَمَ حَقِيقَةَ التَّجَسُّدِ الإِلٰهِيِّ؟

 

تُشَكِّلُ زِيَارَةُ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ لِأَلِيصَابَاتَ (لُوقَا 1: 39–45) امْتِدَادًا لِحَدَثِ البِشَارَةِ (لُوقَا 1: 26–38)، إِذْ تَحَوَّلَ قَبُولُ مَرْيَمَ لِكَلِمَةِ اللهِ إِلَى مُبَادَرَةِ مَحَبَّةٍ وَخِدْمَةٍ. وَكَانَ المَلَاكُ جِبْرَائِيلُ قَدْ أَعْلَنَ لَهَا حَبَلَ نَسِيبَتِهَا أَلِيصَابَاتَ فِي شَيْخُوخَتِهَا، عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ "لَيْسَ عِنْدَ اللهِ أَمْرٌ مُسْتَحِيلٌ" (لُوقَا 1: 36–37).  وَتَكْشِفُ الزِّيَارَةُ عَنْ حُضُورِ المَسِيحِ المُتَجَسِّدِ فِي أَحْشَاءِ مَرْيَمَ، مِنْ خِلَالِ ثَلَاثِ عَلَامَاتٍ مُتَرَابِطَةٍ: سَلَامِ مَرْيَمَ، وَارْتِكَاضِ يُوحَنَّا فَرَحًا، وَامْتِلَاءِ أَلِيصَابَاتَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ.

 

أ. سَلَامُ مَرْيَمَ عَلَامَةُ حُضُورِ المَسِيحِ

 

يَقُولُ لُوقَا الإِنْجِيلِيُّ: "فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلَامَ مَرْيَمَ، ارْتَكَضَ الجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَامْتَلَأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ" (لُوقَا 1: 41). وَتَرِدُ كَلِمَةُ "سَلَامٍ"ي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἀσπασμός)، وَتَعْنِي "التَّحِيَّةَ" أَوْ "السَّلَامَ". غَيْرَ أَنَّ هٰذِهِ التَّحِيَّةَ تَكْتَسِبُ فِي السِّيَاقِ الإِنْجِيلِيِّ دَلَالَةً خَلَاصِيَّةً، لِأَنَّهَا تَصْدُرُ عَنْ مَرْيَمَ الَّتِي تَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا يَسُوعَ المَسِيحَ.

 

فَلَيْسَ سَلَامُ مَرْيَمَ مُجَرَّدَ تَحِيَّةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، بَلْ يُصْبِحُ فِي سِيَاقِ الرِّوَايَةِ عَلَامَةً عَلَى حُضُورِ المُخَلِّصِ وَعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهٰكَذَا تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ التَّجَسُّدِ فِي أَنَّ الكَلِمَةَ الإِلٰهِيَّ قَدِ اتَّخَذَ جَسَدًا مِنْ مَرْيَمَ، وَصَارَ حَاضِرًا حُضُورًا حَقِيقِيًّا فِي تَارِيخِ البَشَرِ (يُوحَنَّا 1: 14).

 

وَيُمْكِنُ أَنْ نَرَى فِي مَرْيَمَ صُورَةَ المُبَشِّرَةِ الَّتِي تَحْمِلُ حُضُورَ المَسِيحِ إِلَى الآخَرِينَ، عَلَى نَحْوٍ يُذَكِّرُ بِقَوْلِ إِشَعْيَا النَّبِيِّ: "مَا أَجْمَلَ عَلَى الجِبَالِ قَدَمَيِ المُبَشِّرِ المُخْبِرِ بِالسَّلَامِ، المُبَشِّرِ بِالخَيْرِ، المُخْبِرِ بِالخَلَاصِ" (إِشَعْيَا 52: 7).

 

ب. ارْتِكَاضُ يُوحَنَّا: فَرَحُ العَهْدِ القَدِيمِ بِمَجِيءِ المُخَلِّصِ

 

يَسْتَعْمِلُ لُوقَا الفِعْلَ اليُونَانِيَّ ἐσκίρτησεν، مِنْ σκιρτάω، بِمَعْنَى "ارْتَكَضَ" أَوْ "وَثَبَ فَرَحًا" (لُوقَا 1: 41). وَيُوَضِّحُ الإِنْجِيلِيُّ مَعْنَى هٰذِهِ الحَرَكَةِ عَلَى لِسَانِ أَلِيصَابَاتَ: "فَمَا إِنْ وَقَعَ صَوْتُ سَلَامِكِ فِي أُذُنَيَّ، حَتَّى ارْتَكَضَ الجَنِينُ ابْتِهَاجًا فِي بَطْنِي" (لُوقَا 1: 44). وَتُضِيفُ العِبَارَةُ اليُونَانِيَّةُ ἐν ἀγαλλιάσει ، أَيْ "بِابْتِهَاجٍ"، بُعْدًا رُوحِيًّا إِلَى حَرَكَةِ الجَنِينِ، إِذْ يَعْرِضُهَا الإِنْجِيلِيُّ عَلَامَةً نَبَوِيَّةً عَلَى الفَرَحِ بِمَجِيءِ المَسِيحِ.

 

وَيُمْكِنُ فَهْمُ هٰذَا المَشْهَدِ فِي ضَوْءِ رَقْصِ دَاوُدَ المَلِكِ أَمَامَ تَابُوتِ العَهْدِ (2 صَمُوئِيل 6: 14–16). فَكَمَا ابْتَهَجَ دَاوُدُ بِحُضُورِ اللهِ، يَبْتَهِجُ يُوحَنَّا بِحُضُورِ المَسِيحِ فِي أَحْشَاءِ مَرْيَمَ. وَفِي هٰذَا التَّوَازِي الرَّمْزِيِّ تَظْهَرُ مَرْيَمُ بِوَصْفِهَا تَابُوتَ العَهْدِ الجَدِيدِ، الَّذِي يَحْمِلُ الكَلِمَةَ المُتَجَسِّدَ. وَيَرَى القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فِي ارْتِكَاضِ يُوحَنَّا اسْتِجَابَةً لِحُضُورِ الرَّبِّ، وَفِي امْتِلَاءِ أَلِيصَابَاتَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ كَشْفًا لِسِرِّ المَسِيحِ الحَاضِرِ فِي مَرْيَمَ (أَمْبْرُوسِيُوسُ، شَرْحُ إِنْجِيلِ لُوقَا، الكِتَابُ الثَّانِي، 2، 22–23). وَبِذٰلِكَ يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَى يُوحَنَّا بِوَصْفِهِ مُمَثِّلًا لِانْتِظَارِ إِسْرَائِيلَ النَّبَوِيِّ، الَّذِي يَبْتَهِجُ بِاقْتِرَابِ تَحَقُّقِ الوَعْدِ الخَلَاصِيِّ.

 

ج. امْتِلَاءُ أَلِيصَابَاتَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ: الشَّهَادَةُ لِسِرِّ التَّجَسُّدِ

 

يُؤَكِّدُ لُوقَا أَنَّ أَلِيصَابَاتَ "امْتَلَأَتْ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ" (لُوقَا 1: 41). وَيَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ التَّعْبِيرُ ἐπλήσθη πνεύματος ἁγίου ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذِي يُنِيرُ الإِنْسَانَ وَيُمَكِّنُهُ مِنَ الشَّهَادَةِ لِتَدْبِيرِ اللهِ.

 

فَبِإِلْهَامِ الرُّوحِ القُدُسِ، تَعْرِفُ أَلِيصَابَاتُ هُوِيَّةَ الطِّفْلِ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَرْيَمُ، فَتَهْتِفُ: "مِنْ أَيْنَ لِي أَنْ تَأْتِيَنِي أُمُّ رَبِّي"

وَهٰذَا الِاعْتِرَافُ يُمَثِّلُ شَهَادَةً مُبَكِّرَةً لِكَرَامَةِ يَسُوعَ المَسِيحِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ حُضُورَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ وَعْدٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ، بَلْ حَقِيقَةٌ بَدَأَتْ بِالحَبَلِ بِهِ فِي أَحْشَاءِ مَرْيَمَ.

 

وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ لَاهُوتِيًّا بَيْنَ حُضُورِ المَسِيحِ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَرْيَمُ وَبَيْنَ عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ؛ فَالنَّصُّ لَا يَقُولُ إِنَّ مَرْيَمَ تَمْنَحُ الرُّوحَ القُدُسَ بِقُدْرَتِهَا الذَّاتِيَّةِ، بَلْ يَرْبِطُ بَيْنَ سَلَامِهَا وَامْتِلَاءِ أَلِيصَابَاتَ مِنَ الرُّوحِ، فِي إِطَارِ المُبَادَرَةِ الإِلٰهِيَّةِ. وَهٰكَذَا تَتَكَامَلُ شَهَادَةُ مَرْيَمَ وَأَلِيصَابَاتَ وَيُوحَنَّا لِتُعْلِنَ أَنَّ المَسِيحَ المُنْتَظَرَ قَدْ أَتَى، وَأَنَّ حُضُورَهُ يُوَلِّدُ الفَرَحَ وَالإِيمَانَ وَالتَّسْبِيحَ.

 

تُعَلِّمُنَا زِيَارَةُ مَرْيَمَ لِأَلِيصَابَاتَ أَنَّ المُؤْمِنَ الَّذِي يَحْمِلُ المَسِيحَ فِي قَلْبِهِ يَصِيرُ حُضُورُهُ مَصْدَرَ سَلَامٍ وَفَرَحٍ وَبَرَكَةٍ لِلآخَرِينَ. فَمَرْيَمُ لَمْ تَحْتَفِظْ بِنِعْمَةِ البِشَارَةِ لِنَفْسِهَا، بَلْ أَسْرَعَتْ إِلَى خِدْمَةِ نَسِيبَتِهَا، وَحَمَلَتْ مَعَهَا حُضُورَ المُخَلِّصِ. وَهٰكَذَا تُصْبِحُ الزِّيَارَةُ المَسِيحِيَّةُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ لِقَاءٍ اجْتِمَاعِيٍّ؛ إِنَّهَا فُرْصَةٌ لِحَمْلِ مَحَبَّةِ المَسِيحِ وَتَعْزِيَتِهِ وَرَجَائِهِ إِلَى الآخَرِينَ.

 

وَمِنْ هُنَا يَنْبَثِقُ السُّؤَالُ الرَّعَوِيُّ: هَلْ تَحْمِلُ زِيَارَاتُنَا لِلآخَرِينَ سَلَامَ المَسِيحِ وَفَرَحَهُ؟ وَهَلْ يَشْعُرُ المَرِيضُ وَالحَزِينُ وَالوَحِيدُ وَالمُحْتَاجُ، عِنْدَمَا نَزُورُهُ، بِحُضُورِ مَحَبَّةِ اللهِ مِنْ خِلَالِ كَلِمَاتِنَا وَأَعْمَالِنَا؟ فَالزِّيَارَةُ الحَقِيقِيَّةُ عَلَى مِثَالِ مَرْيَمَ هِيَ زِيَارَةٌ تَنْطَلِقُ مِنَ الإِيمَانِ، وَتَتَجَسَّدُ فِي الخِدْمَةِ، وَتُثْمِرُ سَلَامًا وَفَرَحًا وَرَجَاءً.َ

 

2. كَيْفَ يُؤَكِّدُ سَلَامُ أَلِيصَابَاتَ حَقِيقَةَ التَّجَسُّدِ الإِلٰهِيِّ؟

تُشَكِّلُ تَحِيَّةُ أَلِيصَابَاتَ لِمَرْيَمَ العَذْرَاءِ (لُوقَا 1: 42–45) شَهَادَةً إِيمَانِيَّةً مُبَكِّرَةً لِحَقِيقَةِ التَّجَسُّدِ الإِلٰهِيِّ. فَبَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ المَلَاكُ جِبْرَائِيلُ لِمَرْيَمَ أَنَّهَا سَتَحْبَلُ بِابْنٍ بِقُدْرَةِ الرُّوحِ القُدُسِ (لُوقَا 1: 35)، تَأْتِي زِيَارَتُهَا لِأَلِيصَابَاتَ لِتَكْشِفَ أَنَّ الوَعْدَ الإِلٰهِيَّ قَدْ بَدَأَ يَتَحَقَّقُ.

وَلَا يَذْكُرُ الإِنْجِيلِيُّ لُوقَا اللَّحْظَةَ الزَّمَنِيَّةَ الدَّقِيقَةَ الَّتِي حَدَثَ فِيهَا الحَبَلُ البَتُولِيُّ، وَلٰكِنَّهُ يُقَدِّمُ لِقَاءَ المَرْأَتَيْنِ بِوَصْفِهِ شَهَادَةً نَبَوِيَّةً لِحُضُورِ المَسِيحِ فِي أَحْشَاءِ مَرْيَمَ. فَأَلِيصَابَاتُ، وَهِيَ مُمْتَلِئَةٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، تُعْلِنُ أَنَّ مَرْيَمَ هِيَ "أُمُّ رَبِّي" (لُوقَا 1: 43).

وَيُمْكِنُ تَحْلِيلُ تَحِيَّةِ أَلِيصَابَاتَ مِنْ خِلَالِ ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ مُتَكَامِلَةٍ: بَرَكَةِ مَرْيَمَ وَثَمَرَةِ بَطْنِهَا، وَالِاعْتِرَافِ بِأُمُومَتِهَا لِلرَّبِّ، وَتَطْوِيبِ إِيمَانِهَا بِكَلِمَةِ اللهِ.

أ. "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ، وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ" (لُوقَا 1: 42)

تَهْتِفُ أَلِيصَابَاتُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَهِيَ مُمْتَلِئَةٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ، وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ" (لُوقَا 1: 42). وَيَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ التَّعْبِيرُ εὐλογημένη σὺ ἐν γυναιξίν, καὶ εὐλογημένος ὁ καρπὸς τῆς κοιλίας σου ، أَيْ "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَمُبَارَكَةٌ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ    "مُبَارَكَةٌ"  εὐλογημένη  عَلَى المَرْأَةِ الَّتِي نَالَتْ بَرَكَةً خَاصَّةً مِنَ اللهِ. وَتَجْمَعُ تَحِيَّةُ أَلِيصَابَاتَ بَيْنَ بَرَكَةِ الأُمِّ وَبَرَكَةِ الِابْنِ، لِأَنَّ مَرْيَمَ نَالَتْ كَرَامَتَهَا الفَرِيدَةَ مِنَ اخْتِيَارِ اللهِ لَهَا أُمًّا لِلْمَسِيحِ.

وَتَسْتَحْضِرُ هٰذِهِ التَّحِيَّةُ بَرَكَةَ بَعْضِ نِسَاءِ العَهْدِ القَدِيمِ، وَلَا سِيَّمَا يَاعِيلَ (القُضَاة 5: 24)، وَيَهُودِيتَ الَّتِي مُدِحَتْ لِدَوْرِهَا فِي نَجَاةِ شَعْبِهَا (يَهُودِيت 13: 18). غَيْرَ أَنَّ بَرَكَةَ مَرْيَمَ تَكْتَسِبُ بُعْدًا فَرِيدًا، لِأَنَّهَا تَرْتَبِطُ بِمَجِيءِ المُخَلِّصِ نَفْسِهِ.

وَلَا تَعْنِي البَرَكَةُ المُزْدَوَجَةُ أَنَّ مَرْيَمَ وَيَسُوعَ مُتَسَاوِيَانِ فِي العَمَلِ الخَلَاصِيِّ؛ فَالْمَسِيحُ وَحْدَهُ هُوَ المُخَلِّصُ وَالوَسِيطُ الأَوْحَدُ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ (1 طِيمُوثَاوُس 2: 5). أَمَّا مَرْيَمُ فَتُسَاهِمُ فِي تَدْبِيرِ الخَلَاصِ مُسَاهَمَةً فَرِيدَةً وَتَابِعَةً لِعَمَلِ ابْنِهَا، بِإِيمَانِهَا وَطَاعَتِهَا وَأُمُومَتِهَا. وَيَتَّضِحُ هٰذَا المَعْنَى فِي تَعْلِيمِ المَجْمَعِ الفَاتِيكَانِيِّ الثَّانِي، الَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ دَوْرَ مَرْيَمَ الأُمُومِيَّ لَا يُنْقِصُ شَيْئًا مِنْ وَسَاطَةِ المَسِيحِ الفَرِيدَةِ، بَلْ يَسْتَمِدُّ مِنْهَا كُلَّ فَاعِلِيَّتِهِ (نُورُ الأُمَمِ، 60).

وَفِي ضَوْءِ التَّشَابُهِ بَيْنَ رِوَايَةِ الزِّيَارَةِ وَنَقْلِ تَابُوتِ العَهْدِ (2 صَمُوئِيل 6: 9–16)، يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَى مَرْيَمَ بِوَصْفِهَا تَابُوتَ العَهْدِ الجَدِيدِ، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا الكَلِمَةَ المُتَجَسِّدَ. وَتَتَّصِلُ هٰذِهِ القِرَاءَةُ الرَّمْزِيَّةُ بِقَوْلِ المَلَاكِ: "وَقُدْرَةُ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ" (لُوقَا 1: 35). وَهٰكَذَا تَكْشِفُ بَرَكَةُ أَلِيصَابَاتَ أَنَّ مَرْيَمَ مُبَارَكَةٌ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا المَسِيحَ، مَصْدَرَ البَرَكَةِ وَالخَلَاصِ لِلْبَشَرِيَّةِ.

ب. "مِنْ أَيْنَ لِي أَنْ تَأْتِيَنِي أُمُّ رَبِّي؟" (لُوقَا 1: 43)

تَبْلُغُ شَهَادَةُ أَلِيصَابَاتَ ذُرْوَتَهَا عِنْدَمَا تُعْلِنُ: "مِنْ أَيْنَ لِي أَنْ تَأْتِيَنِي أُمُّ رَبِّي؟" (لُوقَا 1: 43). وَيَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ التَّعْبِيرُ ἡ μήτηρ τοῦ κυρίου μου ، أَيْ "أُمُّ رَبِّي". وَتَحْمِلُ كَلِمَةُ κύριος ، أَيْ "الرَّبُّ"، دَلَالَاتٍ مُتَعَدِّدَةً فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ، إِذْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلسَّيِّدِ أَوْ لِلْمَسِيحِ، وَتَرِدُ أَيْضًا فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى اللهِ. وَفِي سِيَاقِ إِنْجِيلِ لُوقَا، يَكْتَسِبُ اعْتِرَافُ أَلِيصَابَاتَ أَهَمِّيَّةً لَاهُوتِيَّةً خَاصَّةً، لِأَنَّهَا تُعْلِنُ، بِإِلْهَامِ الرُّوحِ القُدُسِ، أَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي تَحْمِلُهُ مَرْيَمُ هُوَ "رَبُّهَا».".

وَيُذَكِّرُ سُؤَالُ أَلِيصَابَاتَ بِسُؤَالِ دَاوُدَ المَلِكِ عِنْدَ نَقْلِ تَابُوتِ العَهْدِ: "كَيْفَ يَأْتِي إِلَيَّ تَابُوتُ الرَّبِّ؟" (2 صَمُوئِيل 6: 9). فَكَمَا شَعَرَ دَاوُدُ بِالرَّهْبَةِ أَمَامَ حُضُورِ اللهِ، تَشْعُرُ أَلِيصَابَاتُ بِالدَّهْشَةِ وَالِاتِّضَاعِ أَمَامَ زِيَارَةِ مَرْيَمَ الَّتِي تَحْمِلُ المُخَلِّصَ.

وَيَتَّصِلُ هٰذَا الِاعْتِرَافُ بِالإِيمَانِ المَسِيحِيِّ بِأُلُوهِيَّةِ يَسُوعَ المَسِيحِ، الَّذِي يَكْشِفُ العَهْدُ الجَدِيدُ هُوِيَّتَهُ الإِلٰهِيَّةَ بِصُورَةٍ مُتَدَرِّجَةٍ. وَفِي ضَوْءِ هٰذَا الإِيمَانِ، تَعْتَرِفُ الكَنِيسَةُ بِمَرْيَمَ أُمًّا لِلّٰهِ، أَيْ وَالِدَةَ الإِلٰهِ (Theotókos)، لِأَنَّ الَّذِي وُلِدَ مِنْهَا بِحَسَبِ الجَسَدِ هُوَ شَخْصُ الِابْنِ الأَزَلِيِّ المُتَجَسِّدِ.

وَقَدْ أَكَّدَ مَجْمَعُ أَفَسُسَ (431م) هٰذِهِ الحَقِيقَةَ، دِفَاعًا عَنْ وَحْدَةِ شَخْصِ المَسِيحِ. وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ أَنَّ مَرْيَمَ تُدْعَى وَالِدَةَ الإِلٰهِ، لَا لِأَنَّ الطَّبِيعَةَ الإِلٰهِيَّةَ أَخَذَتْ مِنْهَا بَدَايَتَهَا، بَلْ لِأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ اتَّخَذَ مِنْهَا جَسَدًا وَوُلِدَ مِنْهَا بِحَسَبِ الجَسَدِ (PG 77: 44–49).

وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ هُنَا بَيْنَ المَعْنَى المُبَاشِرِ لِقَوْلِ أَلِيصَابَاتَ "أُمُّ رَبِّي" وَبَيْنَ الصِّيَاغَةِ العَقَائِدِيَّةِ الَّتِي طَوَّرَتْهَا الكَنِيسَةُ لَاحِقًا لِتَوْضِيحِ سِرِّ التَّجَسُّدِ وَوَحْدَةِ شَخْصِ المَسِيحِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ إِكْرَامَ مَرْيَمَ يَسْتَمِدُّ مَعْنَاهُ الأَسَاسِيَّ مِنْ عَلَاقَتِهَا بِابْنِهَا الإِلٰهِيِّ، وَيَقُودُ المُؤْمِنِينَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَاتِّبَاعِهِ.

ج. "فَطُوبَى لِمَنْ آمَنَتْ، فَسَيَتِمُّ مَا بَلَغَهَا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ" (لُوقَا 1: 45)

تَخْتَتِمُ أَلِيصَابَاتُ تَحِيَّتَهَا بِتَطْوِيبِ إِيمَانِ مَرْيَمَ: "فَطُوبَى لِمَنْ آمَنَتْ، فَسَيَتِمُّ مَا بَلَغَهَا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ" (لُوقَا 1: 45). وَيَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ التَّعْبِيرُ μακαρία ἡ πιστεύσασα، أَيْ "طُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ". وَتَدُلُّ كَلِمَةُ μακαρία عَلَى الطُّوبَى وَالسَّعَادَةِ النَّابِعَتَيْنِ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ، أَمَّا الفِعْلُ πιστεύω فَيُشِيرُ إِلَى الإِيمَانِ وَالثِّقَةِ وَالِاتِّكَالِ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ. وَتُؤَكِّدُ أَلِيصَابَاتُ أَنَّ عَظَمَةَ مَرْيَمَ لَا تَنْحَصِرُ فِي أُمُومَتِهَا الجَسَدِيَّةِ لِلْمَسِيحِ، بَلْ تَظْهَرُ أَيْضًا فِي إِيمَانِهَا وَطَاعَتِهَا لِمَشِيئَةِ اللهِ. فَعِنْدَ البِشَارَةِ، اسْتَجَابَتْ مَرْيَمُ لِكَلِمَةِ المَلَاكِ قَائِلَةً: "هَأَنَذَا أَمَةُ الرَّبِّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ" (لُوقَا 1: 38). وَهٰذِهِ الِاسْتِجَابَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَبُولٍ سَلْبِيٍّ، بَلْ هِيَ فِعْلُ إِيمَانٍ حُرٍّ وَوَاعٍ، وَثِقَةٍ بِقُدْرَةِ اللهِ وَأَمَانَتِهِ.

وَيَتَجَلَّى إِيمَانُ مَرْيَمَ فِي أَعْمَالِهَا، إِذْ أَسْرَعَتْ إِلَى زِيَارَةِ أَلِيصَابَاتَ وَخِدْمَتِهَا. فَالإِيمَانُ الحَقِيقِيُّ لَا يَبْقَى مَحْصُورًا فِي القَلْبِ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَحَبَّةٍ عَمَلِيَّةٍ وَمُبَادَرَةٍ لِخِدْمَةِ الآخَرِينَ. وَيُقَدِّمُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي مَرْيَمَ مِثَالًا لِلْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ وَالرَّسُولِيَّةِ، إِذْ عَاشَتْ حَيَاتَهَا فِي اتِّحَادٍ وَثِيقٍ بِابْنِهَا، وَتَعَاوَنَتْ مَعَ تَدْبِيرِ اللهِ الخَلَاصِيِّ بِإِيمَانِهَا وَمَحَبَّتِهَا (رِسَالَةُ العِلْمَانِيِّينَ، 4). وَتُبْرِزُ هٰذِهِ الطُّوبَى أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ المَوْقِفُ الأَسَاسِيُّ الَّذِي يُمَكِّنُ الإِنْسَانَ مِنِ اسْتِقْبَالِ مَوَاعِيدِ اللهِ وَالِانْفِتَاحِ عَلَى عَمَلِهِ الخَلَاصِيِّ.

تَكْشِفُ تَحِيَّةُ أَلِيصَابَاتَ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّجَسُّدِ الإِلٰهِيِّ تُعْلَنُ مِنْ خِلَالِ حُضُورِ المَسِيحِ فِي مَرْيَمَ، وَشَهَادَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، وَإِيمَانِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ كَلِمَةَ اللهِ. وَتَدْعُونَا الزِّيَارَةُ إِلَى أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ أَلِيصَابَاتَ الِإِصْغَاءَ إِلَى الرُّوحِ القُدُسِ وَالتَّعَرُّفَ إِلَى حُضُورِ المَسِيحِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الإِيمَانَ بِكَلِمَةِ اللهِ وَتَرْجَمَتَهَا إِلَى خِدْمَةٍ وَمَحَبَّةٍ.

وَمِنْ هُنَا تَنْبَثِقُ ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ رَعَوِيَّةٍ: أَنْ نَسْتَقْبِلَ المَسِيحَ بِإِيمَانٍ، وَأَنْ نَحْمِلَ سَلَامَهُ إِلَى الآخَرِينَ، وَأَنْ نُحَوِّلَ لِقَاءَاتِنَا الإِنْسَانِيَّةَ إِلَى فُرَصٍ لِلشَّهَادَةِ لِمَحَبَّةِ اللهِ.

وَتُذَكِّرُنَا الزِّيَارَةُ بِقَوْلِ يَسُوعَ: "مَنْ قَبِلَكُمْ قَبِلَنِي أَنَا" (مَتَّى 10: 40). فَكُلُّ اسْتِقْبَالٍ لِلآخَرِ بِالمَحَبَّةِ وَالإِيمَانِ يُمْكِنُ أَنْ يُصْبِحَ لِقَاءً مَعَ المَسِيحِ نَفْسِهِ.

أَيَّتُهَا العَذْرَاءُ مَرْيَمُ، يَا أُمَّ رَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ، يَا مَنْ حَمَلْتِ المُخَلِّصَ إِلَى بَيْتِ أَلِيصَابَاتَ، زُورِينَا بِنِعْمَةِ ابْنِكِ، وَعَلِّمِينَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ كَلِمَةَ اللهِ بِإِيمَانٍ وَتَوَاضُعٍ، وَأَنْ نَحْمِلَ سَلَامَ المَسِيحِ إِلَى كُلِّ مَنْ نَلْتَقِي بِهِ. اِمْلَئِي قُلُوبَنَا فَرَحًا بِحُضُورِ الرَّبِّ، وَسَاعِدِينَا عَلَى أَنْ نَجْعَلَ مِنْ حَيَاتِنَا شَهَادَةً لِمَحَبَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ. آمِين.
 

 الخُلَاصَةُ العامة

تَرْوِي الأَنَاجِيلُ، وَبِخَاصَّةٍ إِنْجِيلُ لُوقَا (1: 39–50)، حَدَثَ زِيَارَةِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ لِنَسِيبَتِهَا أَلِيصَابَاتَ، أُمِّ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ، بَعْدَ البِشَارَةِ بِالحَبَلِ البَتُولِيِّ بِيَسُوعَ المَسِيحِ. وَيَرْبِطُ التَّقْلِيدُ المَسِيحِيُّ هٰذِهِ الزِّيَارَةَ بِعَيْنِ كَارِمَ، غَرْبِيَّ أُورُشَلِيمَ. وَيَكْشِفُ هٰذَا اللِّقَاءُ، البَسِيطُ فِي مَظْهَرِهِ وَالعَظِيمُ فِي مَعْنَاهُ، عَنْ لَحْظَةٍ فَرِيدَةٍ فِي تَارِيخِ الخَلَاصِ، إِذْ يَتَجَلَّى فِيهِ حُضُورُ اللهِ فِي التَّارِيخِ البَشَرِيِّ مِنْ خِلَالِ سِرِّ تَجَسُّدِ الكَلِمَةِ.

فَفِي بَيْتِ أَلِيصَابَاتَ، يَلْتَقِي يَسُوعُ المَسِيحُ، الكَلِمَةُ المُتَجَسِّدُ، بِيُوحَنَّا المَعْمَدَانِ، السَّابِقِ الَّذِي أُرْسِلَ لِيُهَيِّئَ لَهُ الطَّرِيقَ. وَفِي هٰذَا اللِّقَاءِ تَتَجَلَّى وَحْدَةُ تَدْبِيرِ اللهِ الخَلَاصِيِّ، إِذْ يَلْتَقِي انْتِظَارُ العَهْدِ القَدِيمِ بِبَدَايَةِ تَحَقُّقِ مَوَاعِيدِ العَهْدِ الجَدِيدِ. وَيَظْهَرُ عَمَلُ الرُّوحِ القُدُسِ فِي امْتِلَاءِ أَلِيصَابَاتَ مِنْهُ، وَفِي ارْتِكَاضِ يُوحَنَّا ابْتِهَاجًا بِحُضُورِ المُخَلِّصِ (لُوقَا 1: 41–44).

وَقَدْ أَعْلَنَ المَلَاكُ جِبْرَائِيلُ عَنْ رِسَالَةِ يُوحَنَّا قَبْلَ وِلَادَتِهِ، قَائِلًا: "يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَلَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا وَلَا مُسْكِرًا، وَيَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ" (لُوقَا 1: 15). وَهٰكَذَا يَظْهَرُ يُوحَنَّا، مُنْذُ أَحْشَاءِ أُمِّهِ، شَاهِدًا نَبَوِيًّا لِمَجِيءِ المَسِيحِ، وَمُمَهِّدًا لِرِسَالَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ.

أَمَّا مَرْيَمُ، فَتَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا كَلِمَةَ اللهِ الحَيَّةَ، وَلَا تَحْتَفِظُ بِنِعْمَةِ البِشَارَةِ لِنَفْسِهَا، بَلْ تُسَارِعُ إِلَى زِيَارَةِ نَسِيبَتِهَا وَخِدْمَتِهَا. وَبِذٰلِكَ تُصْبِحُ صُورَةً لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ كَلِمَةَ اللهِ بِالإِيمَانِ، وَيَحْمِلُهَا إِلَى الآخَرِينَ بِالمَحَبَّةِ وَالخِدْمَةِ. وَتَبْقَى أَمِينَةً لِهٰذِهِ الرِّسَالَةِ طَوَالَ حَيَاتِهَا، حَتَّى وُقُوفِهَا إِلَى جَانِبِ صَلِيبِ ابْنِهَا، مُشَارِكَةً بِإِيمَانِهَا وَمَحَبَّتِهَا فِي سِرِّ خَلَاصِ البَشَرِيَّةِ (يُوحَنَّا 19: 25–27؛ نُورُ الأُمَمِ، 58).

وَتُعَلِّمُنَا زِيَارَةُ مَرْيَمَ أَنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يَنْفَصِلُ عَنِ المَحَبَّةِ العَمَلِيَّةِ، وَأَنَّ مَنْ يَحْمِلُ المَسِيحَ فِي قَلْبِهِ يُدْعَى إِلَى أَنْ يَحْمِلَ سَلَامَهُ وَفَرَحَهُ إِلَى الآخَرِينَ. فَنَحْنُ مَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نُؤْمِنَ كَمَا آمَنَتْ مَرْيَمُ، وَنَبْتَهِجَ كَمَا ابْتَهَجَتْ أَلِيصَابَاتُ، وَنَشْكُرَ اللهَ عَلَى عَظَائِمِهِ كَمَا شَكَرَتْهُ العَذْرَاءُ فِي نَشِيدِهَا.

وَيَتَجَلَّى المَعْنَى الرُّوحِيُّ لِلزِّيَارَةِ فِي أَنَّ اللهَ يَبَادِرُ إِلَى دَعْوَةِ الإِنْسَانِ، وَيَنْتَظِرُ مِنْهُ اسْتِجَابَةَ الإِيمَانِ وَالثِّقَةِ وَالطَّاعَةِ. وَمَتَى اسْتَقْبَلَ الإِنْسَانُ هٰذِهِ الدَّعْوَةَ، تَحَوَّلَ إِيمَانُهُ إِلَى رِسَالَةٍ، وَصَارَ حُضُورُهُ بَيْنَ إِخْوَتِهِ وَسِيلَةً لِنَقْلِ كَلِمَةِ اللهِ وَالشَّهَادَةِ لِمَحَبَّتِهِ.

وَيُلَخِّصُ التُّرَاثُ الآبَائِيُّ هٰذَا السِّرَّ فِي التَّأَمُّلِ بِاللِّقَاءِ بَيْنَ مَرْيَمَ وَأَلِيصَابَاتَ، حَيْثُ يَبْتَهِجُ يُوحَنَّا بِحُضُورِ المَسِيحِ، وَيَشْهَدُ السَّابِقُ لِمَجِيءِ السَّيِّدِ، وَتُعْلِنُ الخَلِيقَةُ أَنَّ الخَالِقَ قَدْ دَخَلَ تَارِيخَهَا بِالتَّجَسُّدِ.

وَنَحْنُ، أَبْنَاءَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، نَرْفَعُ أَنْظَارَنَا إِلَى مَرْيَمَ العَذْرَاءِ، سُلْطَانَةِ فِلَسْطِينَ، الَّتِي نُكْرِمُهَا لِأَنَّهَا أُمُّ المُخَلِّصِ وَمِثَالُ الإِيمَانِ وَالرَّجَاءِ وَالمَحَبَّةِ. وَنَسْتَوْدِعُ شَفَاعَتَهَا أَرْضَنَا وَشَعْبَنَا، وَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَمْنَحَ جَمِيعَ سُكَّانِ هٰذِهِ الأَرْضِ العَدْلَ وَالحُرِّيَّةَ وَالكَرَامَةَ وَالسَّلَامَ.
 

صَلَاةٌ خِتَامِيَّةٌ

أَيَّتُهَا العَذْرَاءُ مَرْيَمُ، يَا سُلْطَانَةَ فِلَسْطِينَ وَأُمَّ السَّلَامِ، يَا مَنْ حَمَلْتِ المَسِيحَ إِلَى بَيْتِ أَلِيصَابَاتَ، احْمِلِي إِلَى بُيُوتِنَا فَرَحَ ابْنِكِ وَسَلَامَهُ.

صَلِّي لِأَجْلِ أَرْضِنَا وَشَعْبِنَا، وَلِأَجْلِ جَمِيعِ المُتَأَلِّمِينَ وَالمَحْرُومِينَ مِنَ الأَمْنِ وَالكَرَامَةِ. وَاسْأَلِي ابْنَكِ الإِلٰهِيَّ أَنْ يُنِيرَ القُلُوبَ بِرَحْمَتِهِ، وَيُبَدِّدَ الظُّلْمَ وَالبَغْضَاءَ، وَيُرَسِّخَ العَدْلَ وَالمُصَالَحَةَ وَالسَّلَامَ.

يَا سَيِّدَةَ فِلَسْطِينَ، يَا سُلْطَانَةَ السَّلَامِ، صَلِّي لِأَجْلِنَا، لِكَيْ نَكُونَ شُهُودًا لِمَحَبَّةِ المَسِيحِ، وَحَامِلِينَ لِرَجَائِهِ، وَصَانِعِينَ لِسَلَامِهِ فِي أَرْضِهِ المُقَدَّسَةِ.
 

صلاةُ سَيِّدَةِ فِلسطين

 

يا مَريَمَ البَريئَةَ مِن كُلِّ عَيبٍ، يا سُلطانَةَ السَّماءِ وَالأَرضِ البَهِيَّةَ، ها نَحنُ جاثُونَ أَمامَ عَرشِكِ السّامي، واثِقونَ كُلَّ الثِّقَةِ بِجُودِكِ وَقُدرَتِكِ غَيرِ المَحدودَةِ.

 

نَلتمِسُ مِنكِ أَنْ تُلقِيَ نَظرةً عَطوفًا عَلى هذِهِ البِلادِ الفِلسطينيَّةِ الَّتي تَخصُّكِ أَكثرَ مِن سائِرِ البِلادِ، لأَنَّكِ بارَكتِها بِميلادِكِ فِيها، وَبِفَضائِلِكِ وَآلامِكِ، وَمِن هذِهِ الأَرضِ مَنَحتِ الفادي لِلعالَمِ

.

اُذكُري يا أُمَّنا الحَنونَ أَنَّكِ هُنا أَقَمتِ لَنا أُمًّا شَفيقَةً وَمُوزِّعَةً لِلنِّعَمِ. فَاِسهَري إِذًا بِعِنايَةٍ فَريدَةٍ عَلى وَطنِكِ هذَا الأَرضيِّ، وَبدِّدي عَنهُ ظُلُماتِ الضَّلالِ، بَعدَ أَن سَطَعَت فِيهِ شَمسُ البِرِّ الأَبَديِّ.

 

وَاجعَلي يا سَيِّدَتَنا العَذراءَ أَنْ يَتِمَّ سريعًا الوَعدُ الصّادِرُ مِن فَمِ ابنِكِ الإِلَهيِّ، بِأَنْ تَكونَ رَعيَّةٌ واحِدَةٌ وَراعٍ واحِدٌ.

اِستَمدِّي لَنا أَجمَعينَ أَنْ نَخدُمَهُ تَعالى بِالقَداسَةِ وَالبَرارَةِ مُدَّةَ أَيّامِ حَياتِنا، حَتّى نَستَطيعَ أَخيرًا، بِاِستِحقاقاتِ سَيِّدِنا يَسوعَ المَسيحِ، وَبِعَونِكِ الوالِديِّ، أَنْ نَنتَقِلَ مِن أُورَشَليمَ هذِهِ الأَرضيَّةِ إِلى أَفراحِ أُورَشَليمَ السَّماويَّةِ.  آمين.

 

قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ مُسْتَوْحَاةٌ مِنْ عِيدِ سُلْطَانَةِ فِلَسْطِينَ

فِي إِحْدَى قُرَى فِلَسْطِينَ، كَانَتْ تَعِيشُ امْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ وَحْدَهَا بَعْدَ أَنْ فَقَدَتْ زَوْجَهَا، وَسَافَرَ أَبْنَاؤُهَا بَحْثًا عَنْ لُقْمَةِ العَيْشِ. كَانَ بَيْتُهَا قَدِيمًا وَمُتَوَاضِعًا، وَكَانَتْ تَقْضِي مُعْظَمَ أَيَّامِهَا فِي الصَّمْتِ وَالصَّلَاةِ، أَمَامَ صُورَةِ مَرْيَمَ العَذْرَاءِ، سُلْطَانَةِ فِلَسْطِينَ.

وَفِي صَبَاحِ الأَحَدِ الَّذِي تَحْتَفِلُ فِيهِ الكَنِيسَةُ بِعِيدِ سُلْطَانَةِ فِلَسْطِينَ، خَرَجَتْ شَابَّةٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ لِلْمُشَارَكَةِ فِي القُدَّاسِ الإِلٰهِيِّ. وَفِي الطَّرِيقِ تَذَكَّرَتْ تِلْكَ المَرْأَةَ المُسِنَّةَ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَسْتَطِيعُ الذَّهَابَ إِلَى الكَنِيسَةِ بِسَبَبِ ضَعْفِهَا.

فَقَرَّرَتْ أَنْ تَزُورَهَا بَعْدَ القُدَّاسِ، حَامِلَةً إِلَيْهَا بَعْضَ الطَّعَامِ وَبَاقَةً صَغِيرَةً مِنَ الزُّهُورِ. وَعِنْدَمَا طَرَقَتِ البَابَ، سَمِعَتْ صَوْتًا مُتْعَبًا يَسْأَلُ: "مَنْ بِالبَابِ؟"

فَأَجَابَتِ الشَّابَّةُ: "أَنَا مِنَ الرَّعِيَّةِ، جِئْتُ لِأُعَيِّدَكِ بِعِيدِ سُلْطَانَةِ فِلَسْطِينَ، وَلِأَقْضِيَ مَعَكِ بَعْضَ الوَقْتِ".

فَتَحَتِ المَرْأَةُ البَابَ، وَامْتَلَأَتْ عَيْنَاهَا بِالدُّمُوعِ، وَقَالَتْ: "كُنْتُ أُصَلِّي مُنْذُ الصَّبَاحِ، وَأَطْلُبُ مِنَ العَذْرَاءِ أَلَّا تَتْرُكَنِي وَحْدِي فِي هٰذَا العِيدِ. وَهَا أَنْتِ قَدْ جِئْتِ!".

جَلَسَتِ الشَّابَّةُ بِجَانِبِهَا، وَأَصْغَتْ إِلَى حَدِيثِهَا عَنْ أَيَّامِهَا القَدِيمَةِ، وَعَنْ أَبْنَائِهَا وَأَحْفَادِهَا، وَعَنْ مَخَاوِفِهَا وَآمَالِهَا. ثُمَّ قَرَأَتْ لَهَا مِنَ الإِنْجِيلِ قِصَّةَ زِيَارَةِ مَرْيَمَ لِأَلِيصَابَاتَ.

وَعِنْدَمَا وَصَلَتْ إِلَى قَوْلِ أَلِيصَابَاتَ: "مِنْ أَيْنَ لِي أَنْ تَأْتِيَنِي أُمُّ رَبِّي؟" (لُوقَا 1: 43)، قَاطَعَتْهَا المَرْأَةُ المُسِنَّةُ وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُتَأَثِّرٍ: "اليَوْمَ فَهِمْتُ هٰذِهِ الآيَةَ بِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ.  لَقَدْ زَارَتْ مَرْيَمُ أَلِيصَابَاتَ وَحَمَلَتْ إِلَيْهَا يَسُوعَ، وَأَنْتِ زُرْتِنِي اليَوْمَ وَحَمَلْتِ إِلَيَّ مَحَبَّتَهُ". ثُمَّ أَضَافَتْ: "لَمْ أَكُنْ أَحْتَاجُ إِلَى الطَّعَامِ بِقَدْرِ مَا كُنْتُ أَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَسْأَلُ عَنِّي وَيَسْمَعُ صَوْتِي".

وَعِنْدَمَا هَمَّتِ الشَّابَّةُ بِالمُغَادَرَةِ، أَمْسَكَتِ المَرْأَةُ بِيَدِهَا وَقَالَتْ: "لَا تَنْسَيْ أَنْ تَزُورِي الآخَرِينَ أَيْضًا. فَهُنَاكَ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى السَّلَامِ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَاجُ إِلَى الخُبْزِ".

خَرَجَتِ الشَّابَّةُ مِنَ البَيْتِ، وَهِيَ تُرَدِّدُ فِي قَلْبِهَا كَلِمَاتِ مَرْيَمَ: "تُعَظِّمُ الرَّبَّ نَفْسِي، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لُوقَا 1: 46-47).

وَفَهِمَتْ أَنَّ عِيدَ سُلْطَانَةِ فِلَسْطِينَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالِاحْتِفَالَاتِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى مَحَبَّةٍ عَمَلِيَّةٍ، وَزِيَارَةٍ لِلْوَحِيدِينَ، وَمُسَاعَدَةٍ لِلْمُحْتَاجِينَ، وَمُوَاسَاةٍ لِلْمُتَأَلِّمِينَ.
 

العِبْرَةُ الرُّوحِيَّةُ

فِي زِيَارَةِ مَرْيَمَ لِأَلِيصَابَاتَ، الْتَقَى العَهْدُ القَدِيمُ بِالعَهْدِ الجَدِيدِ، وَأَعْلَنَ الرُّوحُ القُدُسُ حُضُورَ المَسِيحِ المُخَلِّصِ. وَفِي كُلِّ زِيَارَةٍ نَقُومُ بِهَا بِإِيمَانٍ وَمَحَبَّةٍ، نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجْعَلَ هٰذَا الحُضُورَ مَلْمُوسًا فِي حَيَاةِ الآخَرِينَ. فَمَنْ يَحْمِلُ المَسِيحَ فِي قَلْبِهِ، يَحْمِلُ السَّلَامَ إِلَى بُيُوتِ الآخَرِينَ. وَمَنْ يَزُورُ المُتَأَلِّمَ بِمَحَبَّةٍ، يُصْبِحُ شَاهِدًا لِرَحْمَةِ اللهِ. وَهٰذِهِ هِيَ رِسَالَةُ عِيدِ سُلْطَانَةِ فِلَسْطِينَ: أَنْ نَكُونَ عَلَى مِثَالِ مَرْيَمَ، حَامِلِينَ لِلْمَسِيحِ، وَصَانِعِينَ لِلسَّلَامِ، وَخَادِمِينَ لِإِخْوَتِنَا فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ.