موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٣٠ مايو / أيار ٢٠٢٦

عظة عيد الثالوث الأقدس

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
إن أفضل طريقة لمعرفة الله هي أن تُحب كثيراً

إن أفضل طريقة لمعرفة الله هي أن تُحب كثيراً

 

مع انتهاء الزمن الفصحي، يدعونا الاحتفال بعيد الثالوث الأقدس إلى إعادة قراءة تاريخ الخلاص في ضوء الإله الذي كشفه لنا يسوع: إلهٌ ليس عزلة، بل شركة؛ ليس انغلاقاً، بل علاقة؛ ليس بُعداً، بل حبّاً يبذل ذاته.

 

للأسف يعتقد الكثير من المسيحيين أن الله الوحد الذي نؤمن به هو في وحدانية منعزلة، وبذلك لا يعرفون الوجه الحقيقي للإله الحي الذي كشف عنه يسوع المسيح. صحيح أنه واحد وليس تعدداً للآلهة، ولكنه في الوقت عينه ثالوث: الآب: الإله واهب الألوهة، والإبن: حكمة الآب وصورة جوهره، والروح القدس: المحبة التي تنبثق من الآب والابن. هذا الإيمان ينبغي أن يكون له أثر عميق وحاسم في حياة المؤمن، وفي صلاته، وفي حياة الشركة التي يعيشها مع الله ومع الإخوة.

 

إن ثلاثية أقانيم الله ووحدة طبيعته هي الديناميكية السرية التي تشكّل الإيمان المسيحي وتميزه. ولهذا السبب، لن تكون الوحدة المسيحية والشركة المنبثقة عنها نمطية، بل ستكون دائماً تعددية، ولن تكون الحقيقة أحادية منعزلة. ولهذا فإن جميع المواهب التي تنحدر من الله لا تخشى الاختلاف المشروع والتنوع المُغني. لا نبحثن أبداً عن النمطية، بل دوما عن الشركة والانسجام.

 

في هذا العيد، قد نشعر بقليل من الضياع وحتى ببعض الحرج، لأن سر الثالوث عظيم ويصعب علينا فهمه بالكامل وتفسيره بشكل مُقنع. وفي هذا الصدد، يقول القديس يوحنا في رسالته الأولى: "إنّ الله أكبر من قلبنا وهو بكل شيء عليم" (3، 20). فضلاً عن ذلك، فإن كلمة "الثالوث" نفسها لا تظهر في الكتاب المقدس. ومع ذلك، يظل إيماننا بسيطاً: نحن نؤمن بيسوع المسيح، كلمة الله الذي صار بشراً، وبكل ما عاشه وعمله وعَلَّمه. يسوع هو صورة الله (راجع فيلبي 2، 5)، وهو وجهه الأكثر إشراقاً وبهاء. وهو، الكلمة المتجسد، كان يخاطب الله داعياً إياه "الآب"، وعلّمنا أن نفعل الشيء نفسه، لأننا أبناء التبني المحبوبون.

 

لقد حدّثنا يسوع أيضاً عن الروح القدس ووهبنا إياه كحضور حي في الكنيسة وفي العالم، لكي يستمر الإنجيل في مخاطبة الجميع في كل زمان ومكان.

 

هكذا يظهر لنا الآب والابن والروح القدس ككيان يعيش في اتحاد حب كامل ومعطي الحياة باستمرار. إن إيماننا بالثالوث لا يشرح لنا كل شيء أو يجعلنا نفهمه بشكل كامل، لأن ذلك مستحيل، بالنظر إلى محدوديتنا وعظمة الله اللامتناهية. ولكننا، برغم ذلك، لسنا أمام حقيقة باردة ومجردة ومناقضة لعقلنا، بل أمام واقع حي ومعطي الحياة. إن إلهنا ليس منغلقاً على ذاته: ففيه توجد العلاقة، والحوار، والعطاء المتبادل. الثالوث هو موطن الحب.

 

في الواقع، يتلخص الإنجيل بأكمله هنا: "الله محبة" (رسالة يوحنا الأولى 4، 8). ولهذا السبب، من الصعب أن نفهم كيف ارتبط اسم الله بالعنف في بعض فترات التاريخ المسيحي. في كل مرة استخدم فيها المسيحيون القوة، حتى ولو كان ذلك لنشر الإيمان، كانوا يخونون لُبَّ الإنجيل بالذات، لأنها ما هو جوهري ولا غنى عنه في المسيحية هو المحبة.

 

في إنجيل يوحنا نقرأ: "إن أحب الله العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 3، 16). إن إلهنا ليس إلهاً يسعى للدينونة، بل هو إله يحب، ويدعو، ويغفر، ويريد خلاص الجميع: "إن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم" (يوحنا 3، 17). وهو الإله "مُحب البشر" بحسب الليتورجية الشرقية والذي يشمل حبه الجميع، حتى أولئك الذين نفضل غالباً إبقاءهم بعيداً عنا، أولئك الذين يزعجوننا أو يخيفوننا. بالطبع، القوانين العادلة ضرورية لحماية الفئات الأكثر ضعفاً ولمنع العنف، ولكن دون أن نتعامل معا بروح الشك والريبة تجاه من يختلف عنا. إن كل شكل من أشكال العنصرية والإقصاء والتعصب لا يتناسب مع وجه الإله الذي نتأمله اليوم كشركة حياة وحب متبادَل.

 

لذلك، فإن سر الثالوث هو حقيقة معاصرة وعميقة ومعزية، لأنها تلمس الطريقة التي نعيش بها علاقاتنا بالله وأحدنا بالآخر. ربما تكون إحدى أجمل صور الثالوث هي صورة العائلة التي تعيش متحدة في الاحترام والحب والعطاء المتبادل. ومن بين التجارب الأكثر استحضاراً للسر الثالوثي هي الصلاة القائمة على الإصغاء والثقة والاحترام، البعيدة كل البعد عن منطق "يجب عليك" في التعامل مع الآخرين؛ وأن نمارس الغفران القادر على البدء من جديد بعد كل خلاف. بهذه الطريقة فقط نتعلم أن نعرف الله بشكل أفضل، ونفكر مثله، ونعيش كما يريد.

 

كتب الرسام الشهير فينست فان غوخ: "إن أفضل طريقة لمعرفة الله هي أن تُحب كثيراً". إن الأمر كذلك حقاً: لو تعلّمنا كيف نحب أكثر، لفهمنا سر الثالوث بشكل أفضل.