موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

عظة خميس الأسرار - عشاء الرب

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
عظة خميس الأسرار - عشاء الرب

عظة خميس الأسرار - عشاء الرب

 

إنّ مخاطبتي لكم بعبارة "إخوتي وأخواتي" تكتسي معنىً خاصاً للغاية، ونحن نحتفل بعشاء الرب.

 

لقد نلتُ حظوة وبركة المشاركة في قداس الميرون الذي احتفل به يوم الإثنين المقدس، في كاتدرائية "خور" (Coira)، في سويسرا، المطران جوزيف ماريا بونمان (Joseph Maria Bonnemain)، الذي التقيته للمرة الأولى. هناك تفصيل أود الإشارة إليه: سقط منديلي على الأرض، فانحنى المطران ليلتقطه. هذه الإيماءة غير العادية والمعبّرة من الأسقف لمست قلبي بعمق. وهناك حادثتان أخريان متصلتان: قبل القداس الإلهي، أتى بزيّه الأسقفي محيياً جميع الحاضرين، بينما كان يرتدي زي الكهنوت البسيط (clergyman) خلال حفل الغداء الذي طاف أثناءه على الجاليسن على الطاولات أوتحدث مع الذين ظلوا واقفين. اشكر الرب على عطية هذا الراعي المتواضع والإنساني وعلى شهادته الصامتة والبليغة في آن.

 

نحتفل اليوم أيضاً بتأسيس يسوع للكهنوت خلال العشاء الأخير، عندما عهد إلى الرسل وخلفائهم الاحتفال بالإفخارستيا كذكرى لموته وقيامته.

 

بصفتي كاهناً منذ ما يقارب خمسة عقود، أود أن أشارككم بعض التأملات حول الكهنوت والكاهن الذي أسعى أن أكونه بمعونة الله.

 

الاعتبار الأول هو أن عطية الكهنوت هي مجانية من الله الكريم الوهّاب، ولا تستند إذا إلى استحقاق شخصي من جانبي. وفي هذا السياق يقول بولس إنّ نعمة الرسالة أُعطيت له رحمةً (راجع 2 قورنتس 4،1)، وهذا ما أختبرته ولا أزال.

 

قد لا أعي بما فيه الكفاية أن الكهنوت الذي شرفني الله به هو استجابة لنداء وليس اختيارا شخصيا. وكلام السيد له المجد واضح: "لم تختاروني أنتم، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا فتثمروا ويبقى ثمركم"  (يوحنا 15،16) ثم إن أمر السيد المسيح: "اتبعني" (يوحنا 43،1)، يتجدد كل صباح، وهو كذلك دعوة إلى الاقتداء بالكاهن الأوحد والأعظم.

 

قبيل رسامتي الكهنوتية، أهداني رئيس المعهد الإكليريكي حينها، المرحوم الأب جوزيف ميراند (Joseph Mirande)، صورة تمثّل السيد المسيح واضعا يديه على رأس الكاهن حديث الرسامة: "أعطيتك كل شيء". من شرّفه الله بالكهنوت ومن يعي عظمة هذه الهبة وفرادتها لا يسعى إلى مناصب أو ترقيات، بل إلى أن يكون كل يوم ما هو مدعو أن يكون: رجل الله وخادم شعبه والناس جميعهم محبةً به تعالى.

 

فالكلمة التي أرى أنها تلخص هوية الكاهن ورسالته على أفضل وجه هي كلمة "خادم"، كما كان يسوع نفسه، الذي قال خلال العشاء الأخير، بعد وقت قصير من غسل أرجل التلاميذ: "أنتم تدعونني «المعلم والرب» وأصبتم في ما تقولون، فهكذا أنا" (يوحنا 13،13)، مضيفا مباشرة: "فإذا كنت أنا الرب والمعلم قد غسلت أقدامكم، فيجب عليكم أنتم أيضا أن يغسل بعضكم أقدام بعض" (يوحنا 14،13). إنّ "غسل أرجل الإخوة" يعني التواضع والاستعداد للخدمة، كما سبق السيد له المجد وأكّد: "إبن الإنسان  لم يأت ليُخدَم، بل ليخدم ويفدي بنفسه جماعة الناس" (مرقس 10،45. إن أي عمل من أعمال السلطة أو التوجيه أو الرئاسة التي يُدعى الكاهن لممارستها، عليه أن يقوم بها بروح الخدمة المتواضعة، وإلا فإنه يخرج عن المسار الصحيح الذي أمره المعلم بالسير عليه.

 

بصفتي كاهناً، أرى ذاتي أولا خادما للإفخارستيا، لا سيما من خلال القداس الإلهي. يا له من امتياز ونعمة وفرح! ولكنها مسؤولية كبيرة في الوقت نفسه! وأتذكر في هذا السياق وصية القديسة تريزيا من كلكتا للكهنة قبل الاحتفال بالقداس والمعلقة في كل سكرستيا لراهباتها: "يا كاهن يسوع المسيح، احتفل بهذا القداس وكأنه قداسك الأول، قداسك الوحيد، وقداسك الأخير". أحاول دائماً الاحتفال بالقداس الإلهي، حتى لو كنت وحدي، وحتى لو تأخر الوقت أحياناً، وقد حدث أن احتفلت به حتى في الطائرة لكي لا أفوّته.

 

في كل مرة أتناول فيها القربان أوأناوله، أستحضر أن الجسد المتواري تحت القربانة البيضاء هو من نسيج قلب يسوع، كما كشفت عنه أكثر من معجزة إفخارستية. لنتذكر إذا، أيها الإخوة والأخوات، هذا الأمر السامي والثمين في كل مرة نتناول فيها يسوع الإفخارستي.

 

أرى نفسي أيضاً خادما للإنجيل، لكلمة الله التي أحببتها دائماً، والتي نلت نعمة دراستها أولاً في القدس ثم في روما. وفي هذا الصدد، لا أخفي حبي للقديس بولس، رسول الأمم، ولرسائله. لقد كشف له يسوع نفسه عن ذاته على طريق دمشق، فسلّم بولس نفسه ليسوع كلياً لدرجة أنه قال: "ما أنا أحيا بعد ذلك‘ بل المسيح يحيا في" (غلاطية 20,2).

 

أحب أن أسلّط الضوء على جانب خاص من خدمتي الكهنوتية: وهو أن أكون خادماً لفرح المؤمنين وعموم الناس ومساهماً في اكتماله. وفي هذا الصدد، كم مرة أكّد يسوع أنه يريد أن يكون فرحنا كاملاً (راجع يوحنا 15،11)، وأنه يعطينا الحياة بوفرة (راجع يوحنا 10،10). ومن جهته، أكد القديس بولس أنه معاون لفرح المسيحيين الذين ولدهم في الإيمان (راجع 2 قورنتس 1،24).

 

وهناك بُعد هام في حياة الكاهن، وعلى وجه الخصوص تجاه إخوته الكهنة: الضيافة. فالبيت المفتوح هو تعبير عن القلب المفتوح الذي يتسع لكل أخ وأخت. و"روح العائلة" بين الإكليروس البطريركي هو أمر أولاه أهمية كبرى المرحوم البطريرك يوسف فاليرغا (Giuseppe Valerga) الذي أعاد تأسيس البطريركية. وهذا ما حرصت على ممارسته وشجعت على الحفاظ عليه أو إحيائه.

 

نحتفل بتأسيس الكهنوت ونمارس خدمتنا الكهنوتية على اختلاف مواقعنا ومسؤولياتنا، بينما بلادنا وشرقنا في حالة حرب وخوف وقلق وظروف معيشية صعبة بالنسبة لكثيرين: نرفع أيدينا ضارعين إلى الله أن يمنح بلادنا والعالم السلام العادل والدائم، وأن يفتح القلوب على المغفرة المتبادلة والمصالحة والأخوّة الصادقة والعون المتبادل.