موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في إنجيل اليوم، يوجه إلينا يسوع ثلاث دعوات: تعالوا إلي، احملوا نيري، تعلموا مني.
الدعوة الأولى: تعالوا إلي. يأمر السيد له المجد أن "تعال" أو "تعالوا" أربع مرات في الإنجيل المقدس.
المرة الأولى كانت موجهة إلى أندراوس وتلميذ آخر ليوحنا عندما سألاه أين يقيم، فقال: "تعاليا وانظرا" (راجع يوحنا 1، 35-39)؛ والثانية عندما دعا التلاميذ الأوائل إلى اتباعه ليجعل منهم صيادي بشر (راجع متى 4، 18-22 ومرقس 1، 16-20) ؛ والثالثة لبطرس، الذي طلب إليه أن يأتي إليه ماشيا على الماء، إن كان حقا هو لا خيالا (راجع متى 14، 22-31) ؛ والرابعة موجهة إلى "جميع المُتعبينَ وثقيلي الأحمال"، مع الوعد بمنحهم الراحة (راجع متى 11: 28)، وهي موضوع اهتمامنا بشكل خاص هذا الأحد لأكثر من سبب: فنحن منهم إلى حد كبير.
لقد علّق آباء الكنيسة بشكل مستفيض على هذه الدعوة، ولم يروا فيها مجرد دعوة أخلاقية عادية، بل خلاصة عميقة للاهوت المسيحي بأكمله: التلاقي بين الضعف البشري والنعمة الإلهية.
هذا التعبير لا يشير بالنسبة لهم بشكل عام إلى مَن يمرّ بيوم شاق، بل يحمل معنى روحيًا دقيقًا للغاية مرتبط بالشريعة القديمة. فيؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم والقديس إيرونيموس أن "المثقلين" هم في المقام الأول اليهود، الذين سُحقوا تحت العبء غير المحتمَل للوصايا والطقوس الكثيرة التي فرضها الفريسيون والكتبة، والذين سيقول عنهم يسوع إنهم "يحزمون أحمالًا ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس".
أعلن السيد له المجد أنه لم يأت ليبطل الشريعة، بل ليكملها. حررها من كل الإضافات غير الضرورية والثقيلة والمُبعدة عن جوهرها التي زادها عليها الفريسيون وعلماء الشريعة فشوهتها وأبعدتها عن هدفها. ذكّر بما أقره الله في العهد القديم، بأن الأولية القصوى هي للرحمة، لا لطقوس التعبد الشكلية التي يبقى فيها القلب بعيدا عن الله.
بالنسبة للقديس أغسطينوس، فإن العبء الأكبر هو عبء الخطيئة والأهواء البشرية. فالإنسان الذي يبحث عن السعادة بعيدًا عن الله، ينتهي به المطاف إلى إرهاق نفسه بلا فائدة بحِمل من الذنب وما ينتج عنه من القلق.
ولا يفصل الآباء أبدًا الآية 28 عن الآيتين اللتين تليانها، حيث يقول يسوع: "احملوا نيري عليكم وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" التي تحتوي الدعوة الثانية والدعوة الثالثة.
يلفت القديس أغسطينوس الانتباه إلى أن يسوع لم يقل "تعلموا مني كيف تخلقون العالم" أو "كيف تصنعون المعجزات"، بل قال "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع". وبما أن الخطيئة الأصلية للإنسان وُلدت من الكبرياء، أي الرغبة في أن يكون الإنسان "مثل الله"، فإن شفاءه لا يمكن أن يتم إلا من خلال التواضع، الذي يُعَد يسوع المثال الأسمى له.
والنير الذي يشير إليه السيد المسيح كان أداة خشبية تجمع بين ثورين للعمل معًا. يوضح القديس يوحنا ذهبي الفم أنه بالخضوع لنير المسيح -الإيمان والمحبة-، يكتشف الإنسان أن هذا النير "هيّن" لأنه لا يجره بمفرده: المسيح نفسه هو من يقف إلى جانبه ويحمل الجزء الأثقل عنه.
باختصار، بالنسبة لآباء الكنيسة، هذه الدعوة مثلثة الأبعاد هي اللحظة التي يعلن فيها يسوع عن نفسه كطبيب حقيقي لنفوسنا، الوحيد القادر على شفاء تعبنا العميق مقدمًا لنا في المقابل حياته وسلامه.
ترتبط القراءة الأولى من نبوءة زكريا التي تُليت على مسامعنا (9، 9-10) بالإنجيل ارتباطًا وثيقًا، حيث تتنبأ بمجيء المسيح: "اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ... هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَوَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ". يرفض الملك الموعود منطق الحرب، فلا يأتي ممتطيا صهوة حصان، رمز القوة العسكرية والعنف والإخضاع، بل راكبا جحشا ابن أتان، ركوبة الفقراء ورمز السلام.
ويحقق يسوع هذه النبوءة حرفيًا في أحد الشعانين. إن قوته لا تكمن في مركبات الحرب، بل في الوداعة وتواضع القلب، وهما الصفتان اللتان يطلب منا السيد في إنجيل اليوم أن نتعلمهما منه.
وفي القراءة الثانية (روما 8، 9. 11-13)، يقدم القديس بولس المفتاح الأنثروبولوجي والعملي لعيش هذه الحرية. يربط بولس ويقارن بين "الجسد"، بما يعنيه من الأنانية والكبرياء والعيش بالاعتماد على القوى الذاتية الفانية فقط، وبين "الروح"، أي حياة الله فينا.
إذا عشنا بحسب الجسد نكون دائماً "متعبين ومثقلين" لأننا نكون حينها عبيدا للأنا وللخوف من الموت. أما إن سمحنا لروح المسيح بأن يسكن فينا، فنجد الحرية الحقيقية والقوة لإماتة أعمال الجسد، سائرين في خفة النعمة.
ولكلمة الله المقدَّمة إلينا في هذا الأحد تطبيقات واقعية في حياتنا اليومية. فغالبا ما نكون متعبين أو مرهقين، نبحث عن ملجأ في تعويضات زائلة كالاستعراضية أوالاستهلاك المفرط أوالعزلة. أما يسوع، فيقول لنا اليوم: "تعالوا إليّ". إن الصلاة واللقاء معه هما المكانان الحقيقيان الوحيدان لتخفيف ضغط نفوسنا. للقاء الله، يجب أن ننزل عن عرش كبريائنا وادعاء المعرفة. هل نحن قادرون على أن نصبح "صغارًا"، قابلين هشاشتنا وحدودنا أمامه؟
وعن الوداعة كقوة، في عالم عدواني، حيث يبدو أن من يرفع صوته هو المنتصر، يقدم لنا يسوع "ثورة الوداعة". أن نكون ودعاء لا يعني أن نكون ضعفاء، بل أقوياء جداً من الداخل، بفضله، لدرجة ألا نحتاج إلى سحق الآخرين لإثبات وجودنا.
ويمكننا أن نختتم بصلاة مستلهَمة من كلمة الله لهذا اليوم: "اللهم، يا من تُعلن نفسك للصغار وتهب الودعاء ميراث ملكوتك، اجعلنا فقراء، أحرارا ومبتهجين، اقتداء بالمسيح ابنك، لنحمل معه نير الصليب العذب، ونبشّر العالم بالفرح الذي يأتي من لدنك".