موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٦ فبراير / شباط ٢٠٢٦

عظة الأحد الخامس من الزمن العادي - السنة (أ)

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
في إنجيل اليوم، يحدد يسوع هويتنا من خلال صورتين: ملح الأرض ونور العالم

في إنجيل اليوم، يحدد يسوع هويتنا من خلال صورتين: ملح الأرض ونور العالم

 

من نحن بالنسبة ليسوع؟

 

هناك تعريفات عديدة، إليكم بعضها:

 

· نحن أبناء الله بالتبني، ونتيجة لذلك ندعوه "أبانا"، كما علمنا يسوع (راجع متى 6: 9-13؛ لوقا 11: 2-4).

· نحن أصدقاء يسوع، كما قال هو نفسه: "لا أدعوكم خدمًا بعد اليوم... فقد دعوتكم أحبائي" (يوحنا 15: 15).

· نحن الأغصان وهو الكرمة: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان" (يوحنا 15: 5).

· نحن الخراف، ويسوع هو راعينا الصالح (راجع يوحنا 10: 1-18).

 

 

في إنجيل اليوم، يحدد يسوع هويتنا من خلال صورتين: ملح الأرض (متى 5: 13) ونور العالم (متى 5: 14).

لنبدأ بالمسيحيين كملح للأرض، مستعينين بآباء الكنيسة.

 

إنّ تفسيرهم لصورة "ملح الأرض" غني ويمس أبعادًا مختلفة من الحياة الروحية والاجتماعية.

 

هذه هي الخطوط العريضة لفكرهم:

 

1. وظيفة "الحفظ" (ضد الفساد)

 

الملح يُستخدم أولاً لحفظ الطعام ومنع التعفن.

 

يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم (القرن 4-5) أنّ العالم، قبل مجيء المسيح، كان "في حالة تحلل" بسبب الخطايا. المسيحيون مُرسَلون كملح لوقف الفساد الأخلاقي للبشرية، ومهمتهم هي تطهير المجتمع والحفاظ على سلامته من خلال شهادتهم.

 

ويلاحظ القديس هيلاريون من بواتييه (القرن 4) أنه كما يحفظ الملح الأجساد، هكذا يحفظ المسيحيون العالم ويمنعونه من السقوط في فوضى نكران الله.

 

 

2. "الحكمة" والطعم (ضد التفاهة)

 

في الثقافة القديمة، كان الملح مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالحكمة.

 

يفسر القديس أغسطينوس (القرن 4-5) الملح بأنه "الحكمة الإلهية". يجب على التلاميذ أن يكونوا مِلحًا، لأنّ عليهم أن ينقلوا للناس معنى الحياة الأبدية، مزيلين "حماقة" (تفاهة) الانشغالات الأرضية البحتة.

 

ويضيف القديس إيرونيموس (القرن 4-5) أنه على المسيحيين أن يتحلّوا بـ "ملح الرزانة": يجب أن يكون كلامنا متّبلاً بالحكمة حتى لا يكون تافهاً ولا مزعجًا.

 

 

3. التضحية بالذات

 

الملح، لكي يؤثر، يجب أن يذوب ويختفي في الطعام.

 

يرى العديد من الآباء في هذا ضرورة التواضع. لا ينبغي لنا أن نتباهى، بل علينا أن نعمل بصمت من داخل المجتمع. وكما ذُكر في بعض التأملات المعاصرة، فإن الملح الذي يريد "أن يحفظ نفسه" دون أن يذوب، يفشل في مهمته.

 

 

4. التحذير: الملح الذي "يفسَد"

 

يعلّق الآباء بتركيز على الجزء الثاني من الآية: "إذا فسَد الملح، فأي شيء يُملّحه؟" (متى 5: 13).

 

يحذر أوريجانوس (القرن 3) وذهبي الفم من أنه إذا سقط المسيحيون (وخاصة الرعاة) في الخطيئة أو اللامبالاة، فإن سقطتهم تكون أشد خطورة من غيرهم. فإذا فسَد من وجب عليه تطهير العالم، فمن يطهّره؟

 

وبالنسبة لـ أغسطينوس، يصبح الملح تافهًا عندما يبحث الإنسان عن الضمانات الأرضية بدلاً من الأبدية، فاقدًا بذلك القدرة على التأثير في العالم.

 

 

5. الارتباط بالشريعة القديمة

 

يذكر الآباء غالبًا أنه في العهد القديم، كان يجب تتبيل كل ذبيحة بالملح (راجع لاويين 2: 13). أن نكون "ملح الأرض" يعني أن حياتنا يجب أن تكون ذبيحة حية، مقبولة لدى الله من خلال ذلك "الملح" الذي هو الإيمان الحي والمحبة.

 

 

بينما يمثّل "الملح" العمل الداخلي والخفي، فإن صورة "نور العالم" (متى 5: 14) تحدد الطبيعة العلنية والتبشيرية للمسيحي.

 

 

1. انعكاس النور الحقيقي الوحيد

 

نقطة البداية لجميع الآباء هي أن المسيحيين ليسوا نوراً بطبيعتهم، بل بالمشاركة. المسيح هو الشمس وهو "النور الحق" (يوحنا 1: 9). نحن مثل القمر أو المصابيح التي تضيء، مستمدين نورنا منه. نكون نوراً عندما نكون "شفافين" أمام الله.

 

 

2. مدينة موضوعة على جبل

 

"لا تخفى مدينة قائمةعلى جبل" (متى 5: 14).

 

يفسر بعض الآباء المدينة بأنها الكنيسة. كونُنا "نوراً" يعني أنّ على جماعة المؤمنين أن تكون مرئية. الإيمان ليس شأناً خاصاً، بل حقيقة يجب أن توفر مرجعاً آمناً للضالين ومنارة للباحثين عن الحقيقة.

 

 

3. تبديد ظلمات الضلال

 

يؤكد الآباء اليونانيون، مثل القديس باسيليوس الكبير (القرن 4) وغريغوريوس النزيانزي (القرن 4)، على الوظيفة الفكرية والأخلاقية للنور: المسيحي مكلف بإظهار "طريق العودة إلى الديار" في عالم غارق في ظلمات الوثنية والخطيئة.

 

 

4. المصباح تحت المكيال

 

"ولا يوقَد سراجً ويوضَع تحت المكيال" (متى 5: 15).

 

يحذر ذهبي الفم بشدة: المسيحي الذي لا يعمل من أجل خير الآخرين هو كمصباح منطفئ أو مخفي. "المكيال" يمثل الانشغالات المادية التي تخنق الشهادة.

 

 

5. الهدف الأسمى: تمجيد الآب

 

يتفق جميع الآباء على الآية الختامية: "ليروا أعمالكم الصالحة، فيمجدوا أباكم الذي في السماوات" (متى 5: 16). النور ليس كلامًا منمقًا، بل "أعمال صالحة". نجاح النور لا يكمن في إعجاب الناس بنا، بل في توجههم نحو الله.

 

يارب، ساعدنا لنحقق كل يوم ما طلبت منا: أن نكون ملحاً يعمل بالاختلاط والاختفاء ليحوّل جوهر العالم، ونوراً يظل عالياً ومرئياً ليُرشد العالم نحو السماء.