موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
السؤال الحاسم الذي يطرحه يسوع في إنجيل اليوم هو: "ومن أنا في قولكم أنتم؟". وفي الإجابة على هذا السؤال نجد شهادة بطرس بلاهوت يسوع، وشهادة كل واحد منا كذلك.
إن رواية هذه الشهادة متجانسة إلى حد كبير مع الروايات التي نجدها حول الموضوع عينه في إنجيل مرقس (8، 27-30) وفي إنجيل لوقا (9، 18-21)، ما يزيدها أهمية.
من إعلان مسيحانية يسوع تبدأ في الواقع مرحلة جديدة من بشارته، فقد كان يسوع قد وعظ وعمل خصوصًا في الجليل، وكان الناس مليئين بدهشة يخالطها بعض الارتباك، لأن أسلوب يسوع لم يكن يتوافق مع أطر معينة تبلورت فيها صورة المسيح الذي كان ينتظره شعب إسرائيل.
فهناك تصريحات عفوية وحماسية من قِبل البعض حول أعمال يسوع وتعليمه. فنيقوديمس قال له عندما جاء إليه ليلا: "رابي، نحن نعلم أنك جئت من لدن الله معلما، فما من أحد يستطيع أن يأتي بتلك الآيات التي تأتي بها أنت إلا إذا كان الله معه" (يوحنا 3، 2). وشهد آخرون: "قام فينا نبي عظيم، وافتقد الله شعبه" (لوقا 7، 16). وأيضا: "كان يعلّمهم كمن له سلطان، لا مثل كتبتهم" (متى 7، 29). وهناك ما قاله الرسل بعد أن هدّأ يسوع العاصفة: "مَن ترى هذا حتى تطيعه الريح والبحر؟" (مرقس 4، 41).
لكن آخرين كانوا ينظرون إلى يسوع بشك ويوجهون إليه تُهما قاسية: "إنّ هذا لا يطرد الشياطين إلا ببعل زبول سيد الشياطين" (متى 12، 24، أنظر كذلك مرقس 3، 22، ولوقا 11، 15) ؛ "إنه ممسوس بروح نجس" (مرقس 3، 30). حتى بعض من ذوي يسوع اتهموه بما نتورع نحن حتى من التفكير به: "وبلغ الخبر ذويه فخرجوا ليمسكوه، لأنهم كانوا يقولون: «إنه ضائع الرشد»" (مرقس 3، 21). والبعض من أتباعه تركه مُعلنا: "هذا كلام عسير، من يطيق سماعه؟". ولكن بالنسبة لأولئك الذين تبعوه عن قرب، فقد وجدوا عند يسوع ما لم يجدوه عند غيره. وهنا أيضا يتصدر بطرس المشهد، بإعلان إيمان في غاية الأهمية: "يا رب، إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟ ونحن آمنا وعرفنا أنك قدوس الله" (يوحنا 6، 68-69).
يعترف بطرس بيسوع مسيحا وابنا لله. ويسوع، من جهته، يؤكد أن اعتراف بطرس ليس إعلانًا مصدره اللحم والدم، أي ليس ثمرة تفكير بشري ضعيف وعاجز أمام سر الله، بل هو هبة من الآب. وبهذه الطريقة يرفض يسوع المفهوم المسيحاني للفريسيين والصدوقيين، ويصحح في الوقت عينه مفهوم التلاميذ منقّيا إياه، ويجعلهم يقبلون أن مسيحانيته تتجلى في آلام الصليب، الممر الذي لا مفر من عبوره نحو مجد القيامة.
ما هي الأهمية بالنسبة لإنسان اليوم في حقيقة أنه منذ 2000 عام، بالقرب من منابع نهر الأردن، قال بطرس ليسوع: "أنت المسيح ابن الله الحي"؟ هل يهمّ إنسان اليوم أن يعرف من هو يسوع؟ هل نشعر بسؤاله: "ومن أنا في قولكم أنتم؟"، كمسألة شخصية، أو مشكلة حاسمة، أو أقله مهمة؟
على الرغم من العَلمانية المنتشرة بشكل متزايد وخاصة في الغرب، والتخلي الجسيم عن الممارسات والتقاليد المسيحية، فمن المثير للاهتمام أن نلاحظ كيف أن السؤال الذي تردد صداه في قيصرية فيليبس يستمر في إثارة تساؤلات مُختلفة إلى يومنا هذا.
بالنسبة للشباب، يمثّل يسوع اليوم التجديد والنشاط والاعتراض على مجتمع ونظام قديم وجاف ينقصه الخيال والإبداع؛ وللجماهير المظلومة، يَظهر يسوع كالمحرر ورمز الأمل الذي لا يقتصر على عالم غيبي غامض؛ وللعاملين في المجال الاجتماعي، يظهر يسوع كمن يرفع صوته ضد الظلم والاضطهاد واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. من المؤكد، مهما اختلفت الآراء والرؤى، أنّ عالمنا لا يمكنه الاستغناء عن يسوع: إن تاريخنا مطبوع به لدرجة أنه لا يمكن تجاهله.
إن ما اكتشفناه حول شخص يسوع ومهمته يسمح لنا بأن نعترف بقوة مع بطرس: "أنت المسيح ابن الله". ومع ذلك، وبينما نرفع الستار عن السر، نلاحظ أن ما يبقى خافيا علينا هو أكبر بكثير مما يظهر للعيان. المسيح إنسان بين البشر، والعين غير المؤمنة لا تستطيع التعرف عليه، ولكنه في الحقيقة في داخل الإنسان الذي يؤمن به، ويوفر له إمكانات لا تنتهي للخلاص والافتداء.
ولهذا، لا يمكن تعريف شخصية يسوع ببساطة كأي إنسان وُلِد من امرأة. من الضروري قبول الانضمام إلى تلك المجموعة الصغيرة من التلاميذ الذين دعاهم للبقاء معه واتباعه إلى أورشليم، حتى الصليب. هنا سيتحقق المخطط الذي أعده الله عبر القرون، وستُكشف بالكامل أسرار مسيحانيته: إنه ابن الله، وابن الإنسان، ومخلّص العالم.
ملحق
تفسير القديس أغسطينس لاعتراف بطرس
يُعدّ تفسير أسقف هيبون لاعتراف بطرس في الإنجيل بحسب متى (16، 13-19) من أكثر التفاسير دقة وتأثيراً في علم آباء الكنيسة. وعلى مدار مؤلفاته (ولاسيما في المواعظ، وعظات على إنجيل يوحنا، والاستدراكات)، يتعمق أغسطينوس في العلاقة اللغوية واللاهوتية بين "الصخرة" (petra) و"بطرس" (Petrus).
1. الأساس اللغوي واللاهوتي: الصخرة (Petra) في مقابل بطرس (Petrus)
حلل أغسطينس النصين اللاتيني واليوناني مبيناً تمييزاً جوهرياً بين الصخرة والرسول:
أ. المسيح هو الصخرة (Petra): بالنسبة لأغسطينس، فإن الصخرة الحقيقية، الأصلية والتي لا تتزعزع، هي يسوع المسيح نفسه، مستشهداً بقول القديس بولس: "وهذه الصخرة هي المسيح" (1 قورنتس 10، 4).
ب. بطرس هو (Petrus): سمعان بطرس ليس هو الصخرة الأساسية، بل أخذ اسمه من الصخرة. وكما يستمد المسيحي اسمه من المسيح، هكذا أخذ Petrus اسمه من petra:
"فليست الصخرة هي التي أخذت اسمها من بطرس، بل بطرس هو الذي أخذ اسمه من الصخرة؛ تماماً كما أن يسوع لم يُسمَّ المسيح نسبةً إلى المسيحيين، بل المسيحيون هم الذين أخذوا اسمهم من المسيح. ولهذا يقول الرب: "على هذه الصخرة أبني كنيستي"، لأن بطرس كان قد قال: "أنت المسيح ابن الله الحي". يقول الرب: على هذه الصخرة التي اعترفتَ بها أبني كنيستي. لأن الصخرة (petra) كانت هي المسيح، الذي بُني على أساسه بطرس نفسه" (الموعظة 270، 2).
2. الأبعاد الثلاثة الرئيسية في فكر أغسطينوس
أ. بطرس بكونه رمز الكنيسة (Figura Ecclesiae)
يرى أغسطينس أنه عندما أجاب بطرس يسوع، لم يكن يتكلم بصفته الشخصية فحسب، بل كان يمثل الكنيسة بأسرها ويجسدها:
-عندما حصل بطرس على "مفاتيح ملكوت السماوات" وسلطان الحل والربط، لم ينلهما كامتياز خاص ومعزول، بل كرمز لوحدة الكنيسة.
-لو كان بطرس وحده هو من نال المفاتيح، لما كانت الكنيسة تمتلكها اليوم؛ ولكن بما أن الكنيسة نالتها، فإن بطرس يمثل الكنيسة بكاملها.
ب. الإيمان بلاهوت المسيح
إن الصلابة التي يقوم عليها البناء الكنسي هي الحقيقة التي اعترف بها بطرس: لاهوت يسوع ("أنت المسيح ابن الله الحي"). فالإيمان بالطبيعة الإلهية والإنسانية للمسيح هو الصخرة التي تجعل الكنيسة لا تُقهر أمام "سلطان الموت" (الجحيم).
ج. ضعف الإنسان وقوة الصخرة
يسلّط أغسطينس الضوء غالباً على التباين بين الضعف البشري لبطرس وثبات الصخرة:
-بعد اعترافه بالإيمان بوقت قصير، حاول بطرس إثناء يسوع عن الآلام، فدعاه يسوع "شيطان" (متى 16، 23).
-خلال الآلام، أنكر بطرس المسيح ثلاث مرات.
-بالنسبة لأغسطينس، يُثبت هذا أنه عندما ينطق بطرس بالحقيقة فإنه يكون مستنيراً بالصخرة (Petra - المسيح)، وعندما يسقط في الضعف فإنه يظهر ما يكون عليه الإنسان إذا تُرِكَ لنفسه.
3. تطور الفكر الأغسطيني (الاستدراكات)
في نهاية حياته، وفي كتابه الاستدراكات (Retractationes I, 21, 1)، أعاد أغسطينس فحص ما كتبه في شبابه وقدّم خلاصة واضحة جداً لموقفه:
أ. في شبابه (على سبيل المثال في كتابه ضد الدوناتيين)، كان أغسطينس يفسر أحياناً أن الكنيسة بُنيت على بطرس كشخص.
ب. في مرحلة النضج، فضّل تقريباً بشكل دائم التفسير المسيحاني: الصخرة (petra) هي المسيح نفسه الذي اعترف به بطرس.
مع ذلك، ترك أغسطينوس للقارئ حرية تقييم أي التفسيرين هو الأكثر ترجيحاً، مع تأكيده المستمر لتفضيله الشديد للمسيح كصخرة عُليا.