موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
غالبًا ما يُقدَّم يوحنا المعمدان مرتديًا جلد جمل حول خصره، ومشيرًا بيده إلى حملٍ بجانبه. وأحيانًا نجد في اللوحات هذه الكلمات: "هوذا حمل الله". إنّ المعمدان هو الذي يؤدي شهادة جوهرية بشأن يسوع، توضح بشكل رئيسي رسالته كمخلص للبشرية.
هذا هو المشهد المعروض لتأملنا في هذا الأحد.
لنبدأ بـ"خطيئة العالم": لقد بدأت بمعصية آدم وحواء، والتي امتدت إلى جميع نسلهما، وبالتالي إلينا نحن أيضًا؛ إنها الخطيئة الأصلية. وفي هذا الصدد، يكتب القديس بولس: "أَنَّ زَلَّةَ إِنسانٍ واحِدٍ أَفضَت بِجَميعِ النَّاسِ إِلى الإِدانة" (رومة 5: 18).
ثم هناك خطايا البشرية جمعاء منذ بدايتها وحتى نهايتها. لدينا قوائم مختلفة لهذه الخطايا في رسائل القديس بولس. ففي الرسالة إلى أهل غلاطية، تُسمى الخطايا "أعمال الجسد"، وهي: "الزِّنى والدَّعارةُ والفُجور وعِبادةُ الأَوثانِ والسِّحرُ والعَداواتُ والخِصامُ والحَسَدُ والسُّخْطُ والمُنازَعاتُ والشِّقاقُ والتَّشيُّع والحَسَدُ والسُّكْرُ والقَصْفُ وما أَشبَه" (غلاطية 5: 19-21).
وفي الرسالة إلى أهل رومة، نجد واحدة من أطول وأكثف قوائم الرذائل. يصف القديس بولس هنا النتائج الأخلاقية لبشرية اختارت تجاهل الله لتتبع رغباتها الخاصة: "مُلِئُوا مِن أَنواعِ الظُّلْمِ والخُبْثِ والطَّمَعِ والشَّرّ. مُلِئُوا مِنَ الحَسَدِ والتَّقْتيل والخِصامِ والمَكْرِ والفَساد. هُم نمَّامونَ مُفتَرون، أَعداءٌ للهِ، شَتَّامونَ مُتَكَبِّرونَ صَلِفون، مُتَفَنِّنونَ بِالشَّرّ، عاصونَ لِوالِدِيهِم، لا فَهمَ لَهم ولا وَفاء ولا وُدَّ ولا رَحمَة" (رومة 1: 29-31).
كذلك، نرى أمام أعيننا خطايا أخرى مثل الحروب، واستغلال الفقراء، وتراكم الثروات في أيدي القلة على حساب شعوب وأمم بأكملها، وتدمير البيئة والكوكب، والاستغلال المفرط لموارد الأرض، وجرائم القتل بأنواعها، والإجهاض، واللامبالاة الدينية، وترك الإيمان، والتجديف...
هذه وغيرها هي "خطيئة العالم" التي تغيظ الله بشدة وتسبب الدينونة الأبدية لمن يرتكبها.
لذا، ها هو "حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم" بحسب شهادة يوحنا. فعلى الرغم من كونهما قريبين، إلا أن هوية يسوع ورسالته الخلاصية قد كُشفتا ليوحنا، كما صرّح هو نفسه: "وأَنا لَم أَكُنْ أَعرِفُه، ولٰكِنَّ الَّذي أَرسَلَني أُعَمِّدُ في الماءِ هو قالَ لي: إِنَّ الَّذي تَرى الرُّوحَ يَنزِلُ فيَستَقِرُّ علَيهِ هو ذاكَ الَّذي يُعَمِّدُ في الرُّوحِ القُدُس" (يوحنا 1: 33).
إن "الحمل" رمز غني جدًا في الكتاب المقدس، في العهدين القديم والجديد على حد سواء. نذكر حمل الفصح اليهودي في مصر، الذي كان يجب وضع دمه على أبواب العبرانيين، لكي يعبر الملاك الذي سيضرب أبكار مصر دون مساس بأبكار العبرانيين.
ونذكر أيضًا "عبد الله" الذي تحدث عنه إشعياء. إليكم المقطع المركزي بهذا الشأن: " عُومِلَ بِقَسوَةٍ فتَواضَع ولم يَفتَحْ فاهُ كحَمَلٍ سيقَ إِلى الذَّبْحِ كنَعجَةٍ صامِتَةٍ أَمامَ الَّذينَ يَجُزُّونَها ولم يَفتَحْ فاهُ" (أشعياء 53: 7).
لكن ذلك الحمل كان مجرد رمز. ففي مقدمة عيد الفصح، يُذكر أنه من الواجب تمجيد الرب لا سيما "في هذا الوقت الذي فيه ذُبح المسيح، فصحنا"، وأيضا: "هو الحمل الحقيقي الذي رفع خطايا العالم: فبموته دمر موتنا، وبقيامته أعاد لنا الحياة".
يسوع هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم، بما في ذلك خطايانا. ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن يسوع لم يرفع الخطيئة كمن يلغي دينًا عن شخص ما، بل من خلال أخذ بؤسنا على عاتقه. هذا ما يقوله أشعياء: "كُلُّنا ضَلَلْنا كالغَنَم كُلُّ واحِدٍ مالَ إِلى طَريقِه فأَلقى الرَّبُّ علَيه إِثمَ كُلِّنا" (أشعياء 53: 6)، مؤكدًا قبل ذلك بقليل: "لقَد حَمَلَ هو آلامَنا وٱحتَمَلَ أَوجاعَنا فحَسِبْناه مُصابًا مَضْروبًا مِنَ اللهِ ومُذَلَّلًا. طُعِنَ بِسَبَبِ مَعاصينا وسُحِقَ بِسَبَبِ آثامِنا نَزَلَ بِه العِقابُ مِن أَجلِ سَلامِنا وبجُرحِه شُفينا" (أشعياء 53: 4-5).
بتأمله في هذا السر، يخلُص القديس بولس قائلاً: "أحبني وبذل نفسه لأجلي"، معلنًا كرد فعل على هذه العطية: "فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِٱبنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أَجلي" (غلاطية 2: 20).
ليتنا نحن أيضًا نستطيع قول الشيء نفسه، أو على الأقل نلتزم لنكون قادرين على قوله!