موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٠ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

عظة الأحد الثاني عشر من زمن السنة - أ

بقلم :
المونسنيور خالد عكشة - روما
المونسنيور خالد عكشة

المونسنيور خالد عكشة

 

قد يحدث لنا أن يُفتَرى علينا، أو يتركنا أو يخوننا بعض الأصدقاء، أو بالأحرى من كانوا يبدون لنا كذلك.

 

أما النبي إرميا، فقد كان من بين الذين لم يختبروا الافتراءات فحسب، بل واجه أيضًا اضطهادًا قاسيًا من جانب شعبه، لأنه كان ينقل إليهم بأمانة رسالة إلهية "مزعجة": دعوة إلى التوبة، لم يكن يعجبهم سماعها، إذ كانوا يريدون سماع ما يسرّهم فقط، وهذا يحدث لنا أحيانًا. وقد كان على إرميا أن يدفع ثمنًا باهظًا آخر لقاء أمانته: نُفي إلى مصر، ووفقًا للتقاليد القديمة، نال هناك إكليل الاستشهاد رجمًا بالحجارة.

 

كذلك شعب الله في العهد القديم، فقد اختبر طوال تاريخه معارضة عنيفة من الشعوب المجاورة.

 

إن سر الاضطهاد، ورغم ارتباطه بسر الألم بشكل عام، إلا أنه يختلف عنه. فالألم يشكّل مشكلة مؤرِّقة لأنه يمس جميع البشر، حتى الأبرار والأبرياء منهم. أما الاضطهاد، فيصيب الأبرار لكونهم أبرارًا تحديدًا؛ وهو يطال الأنبياء بشكل خاص بسبب محبتهم لله وأمانتهم لكلمته. ويحتل إرميا مكانة خاصة بين المضطَهدين: عبّر أفضل من غيره عن الرابط الوثيق القائم بين الاضطهاد والرسالة النبوية.

 

يتمم العبد المتألم مشروع الله بقبوله المعاملة السيئة التي يُلحقها به الشعب (راجع أشعيا 42، 49، 50، و52-53). والسبب العميق الذي يفسر مأساة البار المضطَهد يسلّط الضوء عليه سفر الحكمة: "حتى منظره ثقيل علينا" (2، 14)؛ وإنه "يضايقنا" (، 12)، وهو شاهد لله الحي يُفضَّل تجاهله.

 

وبالحكم على يسوع بعذاب الصليب، يواصل يهود زمنه ظلم أجدادهم الذين اضطهدوا الأنبياء، وبذلك يحاولون معارضة تدبير الله. لكن حسابات الإنسان الخاطئ تبوء دوما بالفشل. إنّ "رؤساء هذا العالم"، بصلبهم "رب المجد"، يصبحون في الواقع أدوات للحكمة الإلهية (راجع 1 قورنتس 2، 8)، لأن موت المسيح يغدو خلاصًا للعالم ومجدًا لله.

 

في تعاليم يسوع، يصبح الاضطهاد موضوع تطويبة: "طوبى لكم، إذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذب من أجلي" (متى 5، 11). وهو أمر لا مفر منه: "ما كان الخادم أعظم من سيده. إذا اضطهدوني فسيضطهدونكم أيضًا" (يوحنا 15، 20). إن الالتزام بالعيش وفقًا لمشيئة الله يعني مواجهة صعوبات جديدة ومتزايدة في هذه المسيرة. هذا ما يؤكده القديس بولس أيضًا لتلميذه طيموتاوس: "جميع الذين يريدون أن يحيوا حياة التقوى في المسيح يسوع يُضطَهدون" (الرسالة الثانية إلى طيموتاوس 3، 12). ويمكن لكل منا أن يتأمل على انفراد في المواقف أو الأحداث التي يشعر فيها بأنه مضطهَد أو مهمَّش أو مكمم الفم بسبب إيمانه.

 

في عالم تهيمن عليه الأنانية والسعي المحموم وراء المصلحة الشخصية، فإن من يبشر بالمحبة والعدالة والتضامن والمغفرة سيُضطهد حتمًا، لأن الخطيئة متجذرة بعمق في قلب الإنسان. لكن المضطَهد لا يخاف: فالاضطهاد، سواء كان عنيفًا أو خفيًا، يتيح لنا التشبه بالسيد المسيح، المضطَهَد الأول، لأنه يشركنا في آلامه، لكي نشاركه يومًا في مجده. لنضع إذًا ثقتنا فيه، فالـمُضطَهِدون، في أقصى الحالات، لا يمكنهم إلا قتل الجسد، لكن ليس لهم القدرة على إهلاك النفس.

 

إن المسيحي يواجه الاضطهاد بفرح: "أما هم [أي الرسل] فانصرفوا من المجلس فرحين لأنهم وُجدوا أهلا لأن يهانوا من أجل الأسم" (أعمال 5، 41)؛ ويقول القديس بولس: "قد امتلأت بالعزاء وفاض قلبي فرحا في شدائدنا كلها" (2 قورنتس 7، 4).

 

لقد طلب المجمع الفاتيكاني الثاني من الكنيسة أن تغيّر موقفها تجاه العالم: فهي لم تعد المعقل المعزول، بل الخميرة التي تريد أن تحيي العجين كله وتخترقه بالإنجيل. ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نظن أن هذه المصالحة سهلة، وأن البشر يمكنهم بعد ذلك أن يتصافحوا بسهولة. فبقدر ما يضع البعض التطويبات الإنجيلية موضع التنفيذ الفعلي من أجل ارتقاء إنساني حقيقي، فإنهم سيعرفون الاضطهاد. إن التعارض بين حكمة العالم وحكمة المسيح أمر حتمي، ما يعني عدم إمكانية التوفيق بينهما.

 

ومع ذلك، ليست كل المرات التي تختبر فيها الكنيسة الاضطهاد تكون بسبب أمانتها للإنجيل واقتدائها بالمسيح على طريق الصليب؛ ففي بعض الأحيان كانت تُضطهَد وتُقاوَم لأنها تأخرت عن ركب التاريخ، أو بسبب الكسل أو نقص الثقة أو الشجاعة. وكيف ننسى الانتهاكات من كل نوع، لا سيما بحق القاصرين والأشخاص المستضعفين؟ كذلك، إنه لمن المؤلم أن نرى كيف أن قيَمًا مسيحية وإنجيلية مثل الحرية، والمساواة، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، قد وجدت في بعض قطاعات الكنيسة في أزمنة معينة مقاومة وشكوكًا وأحيانًا معارضة. وفي بعض الأحيان نشأ العداء ضد الكنيسة من محبة خائبة تجاهها. إن الحدود البشرية للكنيسة -أي للمسيحيين، ولا سيما الإكليروس- والتواطؤ غير الواعي مع حالات الظلم وسوء استخدام السلطة، والمخاوف والتردد، والصمت، ونقص الشجاعة... قد جعلت حتى رجالًا شرفاء وذوي إرادة صالحة ينقلبون ضد الكنيسة.

 

وفي أكثر من حالة، يجد اضطهاد الكنيسة أصله في مفهوم خاطئ للدين يبدو أنه لا يحترم حرية الإنسان واستقلاليته المشروعة.

 

ولكن هناك أخيرًا اضطهاد يمكننا أن نسميه "شيطانيًا". إنه الخميرة السوداء للعالم التي تنتشر وتتمدد كالسرطان؛ إنه بمثابة جسد سري للشر، والذي لا تستطيع الكنيسة، رغم كل بادرة إرادة صالحة، أن تدخل في حوار معه، لأنه العدو اللدود، الخصم الذي يحارب المسيح وملكوته. وهذا الشر، على الرغم من الكثير من الشكوك المحيطة به، موجود ونشيط للغاية. وتصبح الصلاة عندئذ، لا سيما الصلاة من أجل الحماية من الشر ومن الشرير، أكثر إلحاحًا: "الساكن في كنف العلي يبيت في ظل القدير، يقول للرب: «أنت معتصمي وحصني، إلهي الذي عليه أتوكل»". (مز 91، 1-2).