موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قبل أن نحاول فهم ما يقوله لنا حزقيال النبي اليوم – وأشير هنا إلى القراءة الأولى –، لنرَ مَن كان وما هي المهمة التي أوكلها الرب إليه. حزقيال، الذي يعني اسمه "الله يقوّي"، كان كاهنًا، وواحدًا من الأنبياء الكبار الأربعة في العهد القديم، إلى جانب أشعيا وإرميا ودانيال. كان شخصية محورية خلال فترة الجلاء إلى بابل (القرن السادس قبل الميلاد) تجمع بين حزم الكاهن والرؤية الصوفية للنبي، مواجهًا المأساة الروحية لفقدان الأرض وهيكل أورشليم.
انقسمت رسالة حزقيال إلى مرحلتين: في الأولى، التي سبقت سقوط أورشليم (586 ق.م)، شدّد على ضرورة القضاء الإلهي، مندّدًا بعبادة الأصنام وفساد الشعب. وبعد سقوط المدينة المقدسة، غيّر نبرته ليصبح نبي تعزية ورجاء، منبئا بالعودة إلى الوطن وإعادة البناء.
وبصفته نبيًا، فهو بمثابة "الحارس" لشعب الله، أي أنه مكلّف بمسؤولية روحية وراعوية وأخلاقية. وهذا ينطوي على واجب نقل كلمة الرب بأمانة إلى الشعب، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالتحذير والتنديد، والدعوة إلى تغيير السلوك والتوبة. وبمجرد نقل الرسالة لم تعد على النبي أي مسؤولية، إذ إنها تقع حينها على عاتق الشخص الذي يصرّ على البقاء بعيدًا عن الله وعن وصاياه، مصدر الخلاص والسلام والفرح.
إنّ صوت حزقيال يصل إلينا نحن أيضًا اليوم: كلّنا مدعوّ إلى توبة مستمرة وإلى شركة حياة متنامية مع الله، كالغصن الثابت في الكرمة.
المزمور بمثابة جواب على نبوءة حزقيال: أن لا تكون قلوبنا قاسية عندما نسمع صوت الرب، بل مصغية ومتقبلة للكلمة. وللإصغاء نضيف العرفان بالجميل الإلهي والعبادة ونشيد الفرح. أليس الله هو خالقنا ومخلصنا وراعينا المعتني بنا؟ ماذا أعوزنا عندما تبعناه؟ مع القديس فرنسيس نكرر: "إلهي وكل شيء لي!".
في إنجيل اليوم، يواجه يسوع ثلاثة مواضيع ذات أهمية كبيرة لحياة الجماعة، متذكرين أنّ متى كتب إنجيله بشكل رئيس للمسيحيين المهتدين من اليهودية.
المهمة الأولى هي "التصحيح" الأخوي.
منذ الكلمات الأولى من النص، يعلّمنا يسوع أن عضو الجماعة الذي يرتكب خطيئة ضدنا يبقى رغم هذا أخًا أو أختًا. وهي حقيقة يسهل علينا نسيانها أو عدم الرغبة في اعتبارها، بسبب التوتر أو الغضب اللذين ينشآن فينا جراء الإساءات أو الأضرار التي لحقت بنا. فنحن نلاحظ في الواقع أن ذلك الشخص يعود مرارًا إلى أذهاننا، ونكاد نصبح "مهووسين" به، عاجزين عن التفكير في أي شيء آخر، سوى الانتقام أو مقاطعة الشخص المعني.
لقد تم الحديث مرارا عن "خلوة المحبة" camera caritatis)) كعلاج أوّلي تنفيذا لأمر يسوع القاضي بأن نملك المحبة والشجاعة للذهاب للقاء من أساء إلينا، على انفصال، وطلب توضيحات وربما الاعتذار أيضًا. نحن نعي أنه من الأفضل التوضيح والسعي لحل الخلاف بمشاركة عدد محدود من الإخوة، لأنّ الشخص المعني، عندما يوجد في جمع، يميل إلى الدفاع عن نفسه حتى النهاية، حفاظًا على ماء الوجه ولإنقاذ صورته.
الخطوة التالية تكون الاستعانة بشخصين أو ثلاثة، على ما جرت عليه العادة في العهد القديم، الموجودة خاصة في سفر تثنية الاشتراع: "لا يقوم شاهد واحد على أحد في أي إثم وأية خطيئة يرتكبها، ولكن بقول شاهدين أو ثلاثة شهود تقوم القضية" (19: 15). وبرغم اختلاف السياق، كان ليسوع دائرة ضيقة من ثلاثة تلاميذ من بين الاثني عشر: بطرس، ويعقوب وأخوه يوحنا، كشهود على محطات هامة من حياته (التجلي، النزاع في بستان الزيتون) ومن رسالته (إقامة ابنة يائيرس).
وإذا فشلت الطريقتان اللتان يمكننا تعريفهما بـ "السرّيتين"، فلا يبقى حينئذٍ سوى إشراك الجماعة بأكملها لإعادة الأخ الخاطئ إلى الطريق القويم: "فإن لم يسمع لهما، فأخبر الكنيسة بأمره" (19: 17). وكان القديس بولس قد تبنّى حلاً مماثلاً في الجماعات التي أسسها: "أيها الإخوة، إن وقع أحد في فخ الخطيئة، فأصلحوه أنتم الروحيين بروح الوداعة. وحذار أنت من نفسك لئلا تُجرَّب أنت أيضا. ليحمل بعضكم أثقال بعض وأتموا هكذا العمل بشريعة المسيح" (غلاطية 6: 1-2). فالرسول يوصي إذن بالحزم لحماية الجماعة، ولكنه حزم مقترن بالوداعة لاستعادة الأخ. ومع ذلك، في حالة الإصرار الشديد والشك العلني، يطلب بولس إبعاد الخاطئ لكي يعي خطأه ويتوب (راجع 1 قورنتس 5: 5).
المهمة الثانية الموكلة إلى الكنيسة من الرب هي غفران الخطايا أو، إن لزم الأمر، "عدم الغفران". فالرب الرحيم الغفور يودِع كنز رحمته غير المتناهي للكنيسة، ممثَّلة بخدامها. إنهم خدام الرحمة الإلهية والمغفرة، وليسوا قضاة أو محققين. لقد كان يوبيل الرحمة الاستثنائي الذي دعا إليه طيّب الذكرالبابا فرنسيس (8 كانون الأول/ديسمبر 2015 إلى 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2016) عطية سماوية سلطت الضوء على جوهر رسالة يسوع: "كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم" (لوقا 6: 36).
المهمة الثالثة، وليست الأقل أهمية، هي صلاة الجماعة. إنّ الحقيقة الكبرى التي يضمنها الرب قبل كل شيء هي حضوره في وسط المؤمنين المجتمعين باسمه: "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كنت هناك بينهم" (متى 18: 20). أتذكر هذا دائمًا، عندما يكون عدد الحاضرين في القداس الإلهي اليومي قليلًا أو حتّى قليلًا جدًا في بعض الأحيان. أمّا فيما يتعلق بالاستجابة لصلاتنا، كما وعد الرب في إنجيل اليوم، فلنتذكر دائمًا أنه، بعد إعرابنا للرب عن حاجاتنا ورغباتنا، نسلّم أنفسنا لمشيئته الحكيمة والصالحة، كما فعل يسوع: "يا أَبت، إِنْ شئت فاصرف عني هذه الكأس، ولكن لا مشيئتي، بل مشيئتك!" (لوقا 22: 42).
أخوتي وأخواتي، نحن شعب متصالح مع الله ومؤتَمن على كلمة المصالحة، ونحن كذلك جماعة تلتقي في بيت الله لتصلي من أجل نفسها ومن أجل العالم. هذا هو ما نحن عليه وما نقوم به في هذا الأحد وفي كل أحد، تذكارًا لفصح السيد المسيح المجيد والخلاصي.