موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
"إرجعوا إليّ بكل قلوبكم وبالصوم والبكاء والانتحاب. مزقوا قلوبكم لا ثيابكم وارجعوا إلى الرب إلهكم فإنه حنون رحيم طويل الأناة كثير الرحمة ونادم على الشر" (يوئيل 2،12-13). هذه هي الدعوة التي وجهها الرب من خلال يوئيل النبي، واليوم يوجهها إلينا نحن الذين نبدأ مسيرة الصوم بثقة ورجاء وفرح. تفصلنا أربعون يوماً عن عيد الفصح: هذا هو الوقت المناسب، والفرصة المؤاتية لكي "نتصالح مع الله"، كما يحثنا القديس بولس في رسالته الثانية إلى أهل قورنتس. يذكّرنا يسوع بأن الصدقة والصلاة والصوم يجب أن نعيشها بعمق، ليس حباً لذواتنا، بل حباً لله، كأدوات في مسيرة الارتداد إليه.
إله يسوع هو صديق لنا، بل أكثر من ذلك: هو أب. لذلك، يجب أن تقوم علاقتنا به على الثقة والمودة، وقبل كل شيء على الإخلاص، بدلاً من أن تكون مجرد طقوس شكلية. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون هذه ميزات علاقاتنا مع إخوتنا وأخواتنا: لهذا السبب يوجّه يسوع إلينا الدعوة ألا نعمل برنا بمرأى من الناس لكي ينظروا إلينا (راجع متى 6، 1)، لنيل التقدير والشهرة. فالأعمال التي تُقام من أجل الذات وليس من أجل الله ليست أفعالاً دينية، وبالتالي لا تستحق أي أجر. يذكّرنا متى أن الممارسات الثلاث الخاصة بـ "البر" لدى مؤمن العهد القديم تشمل الصدقة والصلاة والصوم، ووفقاً لليتورجيا التي تدعونا الكنيسة اليوم لممارستها طوال فترة الصوم الأربعيني.
يسوع نفسه يحثنا على تقديم الصدقة بطريقة معاكسة لطريقة "المرائين" – أي أن لا تعلم شمالنا ما تفعل يميننا (راجع متى 6، 3) – ومنع استغلال الصلاة، وتجنب التباهي والشكليات والرياء. بالنسبة لنا، لا ينبغي أن تكون الصلاة "عرضاً احتفاليا" لتمجيد الله، بل سمواً واتصالاً حميماً به: الصلاة هي حقاً اختبار لله، هي شركة داخلية، وفعل إيمان حي وشخصي. الصلاة هي لقاء الآب، وهي اللحظة الأهم في يومنا، لحظة حوار ولكن قبل كل شيء لحظة إصغاء. ولنستعن بآباء الكنيسة في سبيل فهم أفضل للصوم.
١. المعنى الحقيقي للصوم
أصر الآباء كثيراً على أن الامتناع عن الطعام لا يفيد شيئاً إذا لم نمتنع عن الخطيئة.
· القديس يوحنا فم الذهب: "قيمة الصوم لا تكمن في الامتناع عن الطعام بقدر ما تكمن في الابتعاد عن الممارسات الخاطئة. من يعرف الصوم فقط كالامتناع عن الأكل، فهو يهينه. ليصم بصرك، وأذنك، وقدماك، ويداك، وكل أعضاء جسدك".
· القديس باسيليوس الكبير: "لا تحصر فائدة الصوم في الامتناع عن الأكل وحده؛ لأن الصوم الحقيقي يتكون من الابتعاد عن الشرور. حرر المظلومين، واكسر كل قيد ظالم. أنت لا تأكل اللحم، ولكنك تلتهم أخاك".
٢. الصوم كدواء وعلاج
بالنسبة للعديد من الآباء، هذا الوقت هو مستشفى للنفس حيث الطبيب هو المسيح.
· القديس أغسطينوس: "الصوم الكبير هو وقت تدريبنا العسكري: إنه الموسم الذي نحارب فيه الرذائل، ونطهر فيه القلب لنحتفل بالفصح بكرامة".
· القديس لاون الكبير: "ما يجب علينا فعله دائماً، يجب أن نفعله بمزيد من الاهتمام والتقوى في هذه الأيام. لتكن مسيرة الأربعين يوماً مخصصة بالكامل للصوم، ليس من أجل حرمان فارغ من الطعام، بل من أجل تطهير حقيقي للأخلاق".
٣. الصلاة والصدقة
الصوم لا يأتي وحده أبداً؛ بل يرافقه دائماً "جناحا" الحياة الروحية.
· يقول القديس بطرس خريزولوغوس في هذا السياق: "الصوم هو روح الصلاة، والرحمة هي حياة الصوم. إذا صليت فصم؛ وإذا صمت فارحم؛ وإذا أردت أن يُستجاب لك، فاستمع لمن يتضرع إليك. من لا يغلق أذنه عمن يرجوه، يفتح أذن الله لنفسه".
"يا رب، نحن دائماً في مسيرة للقائك، وحياتنا كلها رحلة طويلة لاكتشافك ومعرفتك ومحبتك. الهدف الرئيسي من حياتنا هو أن نصبح تلاميذك. اجعلنا في هذا الوقت القوي، زمن الصوم، وبإرشاد كلمة إنجيلك، نتعلم كيف نحسّن أنفسنا".