موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٢ أغسطس / آب ٢٠٢٦

شَهَادَةِ بُطْرُسَ وَرِئَاسَتِهِ لِلْكَنِيسَةِ

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأحَد الواحِد والعِشْرون من السَّنة: شَهَادَةِ بُطْرُسَ وَرِئَاسَتِهِ لِلْكَنِيسَةِ (مَتَّى 16: 13-20)

الأحَد الواحِد والعِشْرون من السَّنة: شَهَادَةِ بُطْرُسَ وَرِئَاسَتِهِ لِلْكَنِيسَةِ (مَتَّى 16: 13-20)

 

النص الإنجيلي ((متى 16: 13-20)

 

 13 ولَمَّا وصَلَ يسوعُ إِلى نواحي قَيصَرِيَّةِ فيلِبُّس سأَلَ تَلاميذَه: ((مَنِ ابنُ الإِنسانِ في قَولِ النَّاس؟)) 14 فقالوا: ((بَعْضُهم يقول: هو يوحَنَّا المَعمَدان، وبَعضُهمُ الآخَرُ يقول: هو إِيليَّا، وغيرُهم يقول: هو إِرْمِيا أَو أَحَدُ الأَنبِياء)). 15-فقالَ لَهم: ((ومَن أَنا في قَولِكم أَنتُم؟)). 16 فأَجابَ سِمعانُ بُطرس: ((أَنتَ المسيحُ ابنُ اللهِ الحَيّ)). 17   فأَجابَه يسوع: ((طوبى لَكَ يا سِمعانَ بْنَ يونا، فلَيسَ اللَّحمُ والدَّمُ كشَفا لكَ هذا، بل أَبي الَّذي في السَّمَوات. 18 وأَنا أَقولُ لكَ: أَنتَ صَخرٌ وعلى الصَّخرِ هذا سَأَبني كَنيسَتي، فَلَن يَقوى عليها سُلْطانُ الموت. 19 وسأُعطيكَ مَفاتيحَ مَلَكوتِ السَّمَوات. فما رَبَطتَهُ في الأَرضِ رُبِطَ في السَّمَوات. وما حَلَلتَه في الأَرضِ حُلَّ في السَّمَوات).  20ثُمَّ أَوصى تَلاميذَه بِأَلاَّ يُخبِروا أَحَداً بِأَنَّهُ المسيح.

 

 

مُقَدِّمَةٌ

 

يُسَلِّطُ النَّصُّ الإِنْجِيلِيُّ (مَتَّى 16: 13-20) الضَّوْءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهَمِّ المَشَاهِدِ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى، إِذْ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَ بُطْرُسَ بِهُوِيَّةِ يَسُوعَ المَسِيحَانِيَّةِ وَالإِلٰهِيَّةِ بِاسْمِ جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16). وَلا يَعْرِضُ الإِنْجِيلُ هٰذَا الاعْتِرَافَ عَلَى أَنَّهُ نَتِيجَةَ اسْتِنْتَاجٍ بَشَرِيٍّ مُجَرَّدٍ، بَلْ ثَمَرَ وَحْيٍ مِنَ الآبِ، كَمَا أَكَّدَ يَسُوعُ نَفْسُهُ: "لَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ كَشَفَا لَكَ هٰذَا، بَلْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 17).

 

وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي جَوَابِ بُطْرُسَ اعْتِرَافًا يَتَجَاوَزُ الفَهْمَ البَشَرِيَّ العَادِيَّ؛ فَبُطْرُسُ لَمْ يَقُلْ إِنَّ يَسُوعَ مُجَرَّدُ نَبِيٍّ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَبْنَاءِ اللهِ، بَلِ اعْتَرَفَ بِهِ "ابْنَ اللهِ الحَيِّ"، وَمِنْ هُنَا جَاءَ تَطْوِيبُ المَسِيحِ لَهُ. ويؤكد الذهبي الفم أن هذا الاعتراف هو ثمرة إعلان الآب لبطرس (القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، العِظَةُ الرَّابِعَةُ وَالخَمْسُونَ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، 2-3؛ PG 58.).

 

وَبَعْدَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ، يَأْتِي إِعْلَانُ يَسُوعَ: "أَنَا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. وَسَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 18-19). وَهٰكَذَا يَرْبِطُ النَّصُّ بَيْنَ الإِيمَانِ بِالمَسِيحِ، وَشَخْصِ بُطْرُسَ، وَبِنَاءِ الكَنِيسَةِ، وَسُلْطَانِ المَفَاتِيحِ.

 

وَفِي الفَهْمِ الكَاثُولِيكِيِّ، لا يَقْتَصِرُ هٰذَا الإِعْلَانُ عَلَى مَدْحِ إِيمَانِ بُطْرُسَ، بَلْ يَتَضَمَّنُ أَيْضًا إِسْنَادَ مُهِمَّةٍ خَاصَّةٍ إِلَيْهِ فِي جَمَاعَةِ الرُّسُلِ. فَيَسُوعُ يُعْطِيهِ اسْمًا جَدِيدًا، وَيَرْبِطُهُ بِصُورَةِ الصَّخْرَةِ، وَيُسَلِّمُهُ مَفَاتِيحَ المَلَكُوتِ، وَيَمْنَحُهُ سُلْطَانَ "الرَّبْطِ وَالحَلِّ" (مَتَّى 16: 19). وَتَجِدُ هٰذِهِ المُهِمَّةُ بُعْدَهَا الرَّعَوِيَّ بَعْدَ القِيَامَةِ فِي وَصِيَّةِ المَسِيحِ لِبُطْرُسَ: "اِرْعَ حُمْلَانِي [...] اِرْعَ خِرَافِي" (يُوحَنَّا 21: 15-17).

 

وَقَدْ رَبَطَ القِدِّيسُ لَاوُنُ الكَبِيرُ بَيْنَ إِيمَانِ بُطْرُسَ وَالمُهِمَّةِ الَّتِي أَوْكَلَهَا المَسِيحُ إِلَيْهِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ ثَبَاتَ بُطْرُسَ يَسْتَمِدُّ قُوَّتَهُ مِنَ المَسِيحِ نَفْسِهِ، الصَّخْرَةِ الأَسَاسِيَّةِ، وَأَنَّ بُطْرُسَ يُشَارِكُ فِي هٰذِهِ الصَّلَابَةِ بِالنِّعْمَةِ وَالدَّعْوَةِ (القِدِّيسُ لَاوُنُ الكَبِيرُ، العِظَةُ الرَّابِعَةُ فِي ذِكْرَى سِيَامَتِهِ، §§2-3؛ PL 54.). كَذٰلِكَ يُشِيرُ القِدِّيسُ كِبْرِيَانُسُ القَرْطَاجِيُّ إِلَى بُطْرُسَ فِي سِيَاقِ وَحْدَةِ الكَنِيسَةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ المَسِيحَ أَظْهَرَ مِنْ خِلَالِهِ مَبْدَأَ الوَحْدَةِ الكَنَسِيَّةِ، مَعَ بَقَاءِ جَمَاعَةِ الرُّسُلِ مُشْتَرِكَةً فِي الرِّسَالَةِ وَالخِدْمَةِ (القِدِّيسُ كِبْرِيَانُسُ، فِي وَحْدَةِ الكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، §§4-5؛ PL 4.).

 

وَبِذٰلِكَ يَجْمَعُ النَّصُّ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ مُتَرَابِطَةٍ: هُوِيَّةِ يَسُوعَ: "المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ"؛ وَإِيمَانِ بُطْرُسَ الَّذِي أَعْلَنَهُ بِوَحْيٍ مِنَ الآبِ؛ وَرِسَالَةِ بُطْرُسَ فِي بِنَاءِ الكَنِيسَةِ وَخِدْمَةِ وَحْدَتِهَا وَثَبَاتِهَا. وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ فِي وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 16: 13-20) وَتَحْلِيلِهِ، ثُمَّ اسْتِخْلَاصِ أَبْعَادِهِ اللَّاهُوتِيَّةِ وَالكَنَسِيَّةِ وَالرَّعَوِيَّةِ وَتَطْبِيقَاتِهِ فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِ وَالكَنِيسَةِ.

 

 

أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلُهُ (مَتَّى 16: 13-20)

 

13 "وَلَمَّا وَصَلَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ، سَأَلَ تَلَامِيذَهُ: مَنْ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ، فِي قَوْلِ النَّاسِ؟"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "نَوَاحِي"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ μέρη، إِلَى الأَنْحَاءِ أَوِ الأَقَالِيمِ المُحِيطَةِ بِمَدِينَةٍ، وَلا تَقْتَضِي بِالضَّرُورَةِ دُخُولَ يَسُوعَ إِلَى المَدِينَةِ نَفْسِهَا. وَيُؤَيِّدُ ذٰلِكَ النَّصُّ المُوَازِي فِي إِنْجِيلِ مَرْقُسَ الَّذِي يَذْكُرُ أَنَّ يَسُوعَ وَتَلَامِيذَهُ خَرَجُوا "إِلَى قُرَى قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ" (مَرْقُس 8: 27).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ" فَتُشِيرُ إِلَى مَدِينَةٍ وَاقِعَةٍ عِنْدَ سَفْحِ جَبَلِ حَرْمُونَ، قُرْبَ أَحَدِ أَهَمِّ مَنَابِعِ نَهْرِ الأُرْدُنِّ، عَلَى بُعْدِ نَحْوِ أَرْبَعِينَ كِيلُومِتْرًا شَمَالِيَّ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. وَهِيَ المِنْطَقَةُ المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِـبَانْيَاس. وَكَانَتِ المِنْطَقَةُ، قَبْلَ العَهْدِ الرُّومَانِيِّ، مُرْتَبِطَةً بِعِبَادَاتٍ وَثَنِيَّةٍ، وَخَاصَّةً بِعِبَادَةِ الإِلٰهِ اليُونَانِيِّ "بَان" (Pan)، وَمِنْهُ اشْتُقَّ اسْمُ بَانِيَاس. وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ هُنَا بَيْنَ المَوْقِعِ وَبَيْنَ "بَعْلَ جَادَ" الوَارِدِ فِي (يَشُوع 11: 17؛ 13: 5)؛ فَقَدْ رَبَطَ بَعْضُ الدَّارِسِينَ القُدَمَاءِ بَيْنَ المَوْقِعَيْنِ، لٰكِنَّ تَحْدِيدَ "بَعْلَ جَادَ" بِقَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ لَيْسَ أَمْرًا مَحْسُومًا أَثَرِيًّا. وَفِي العَهْدِ الرُّومَانِيِّ، مَنَحَ الإِمْبَرَاطُورُ أُوغُسْطُسُ المِنْطَقَةَ لِهِيرُودُسَ الكَبِيرِ نَحْوَ سَنَةِ 20 ق.م.، فَأَقَامَ هِيرُودُسُ فِيهَا مَعْبَدًا فَخْمًا مِنَ الرُّخَامِ الأَبْيَضِ تَكْرِيمًا لأُوغُسْطُسَ. وَبَعْدَ مَوْتِ هِيرُودُسَ، وَقَعَتِ المِنْطَقَةُ ضِمْنَ حُكْمِ ابْنِهِ فِيلِبُّسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ، الَّذِي أَعَادَ بِنَاءَ المَدِينَةِ وَوَسَّعَهَا، وَسَمَّاهَا قَيْصَرِيَّةَ إِكْرَامًا لِلإِمْبَرَاطُورِ، وَأُضِيفَ اسْمُهُ إِلَيْهَا فَصَارَتْ "قَيْصَرِيَّةَ فِيلِبُّسَ" تَمْيِيزًا لَهَا عَنْ قَيْصَرِيَّةَ البَحْرِيَّةِ الوَاقِعَةِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ المُتَوَسِّطِ (رَاجِعْ أَعْمَالَ الرُّسُلِ 23: 23-35). وَيَحْمِلُ اخْتِيَارُ مَتَّى لِذِكْرِ هٰذَا المَوْقِعِ أَهَمِّيَّةً سَرْدِيَّةً وَلَاهُوتِيَّةً. فَفِي مِنْطَقَةٍ تَحْمِلُ آثَارَ العِبَادَاتِ الوَثَنِيَّةِ وَالسُّلْطَانِ الإِمْبَرَاطُورِيِّ، يَطْرَحُ يَسُوعُ السُّؤَالَ الحَاسِمَ عَنْ هُوِيَّتِهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي أَكَادِيمِيًّا تَجَنُّبُ الجَزْمِ بِأَنَّ يَسُوعَ اخْتَارَ المَكَانَ خِصِّيصًا لِيُقَابِلَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ القَيْصَرِ بوصفه "ابن الإله"، إِذْ لا يُصَرِّحُ النَّصُّ الإِنْجِيلِيُّ بِهٰذَا السَّبَبِ. وَالأَدَقُّ أَنْ نَعُدَّ هٰذِهِ الخَلْفِيَّةَ إِضَاءَةً تَارِيخِيَّةً وَلَاهُوتِيَّةً مُحْتَمَلَةً تُعَمِّقُ دَلَالَةَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ اللاحِقِ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16). وَيَلْفِتُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ الانْتِبَاهَ إِلَى أَنَّ يَسُوعَ أَخَذَ تَلَامِيذَهُ بَعِيدًا عَنْ ضَجِيجِ الجُمُوعِ قَبْلَ أَنْ يَطْرَحَ عَلَيْهِمْ سُؤَالَ هُوِيَّتِهِ، لِكَيْ يَتَكَلَّمُوا بِحُرِّيَّةٍ وَيَكْشِفَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ. وَهٰكَذَا لا يَكُونُ المَشْهَدُ اسْتِطْلَاعًا لِلرَّأْيِ العَامِّ بِقَدْرِ مَا هُوَ تَهْيِئَةٌ لِاعْتِرَافِ الإِيمَانِ الَّذِي سَيَنْطِقُ بِهِ بُطْرُسُ (PG 58: 533-534).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ابْنُ الإِنْسَانِ" فَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ الأَلْقَابِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا يَسُوعُ عَنْ نَفْسِهِ فِي الأَنَاجِيلِ. وَلا يَصِحُّ حَصْرُ مَعْنَاهَا فِي الإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ يَسُوعَ "إِنْسَانٌ مِثْلُ سَائِرِ النَّاسِ"؛ فَلِلَّقَبِ خَلْفِيَّةٌ كِتَابِيَّةٌ أَعْمَقُ وَمُتَعَدِّدَةُ الأَبْعَادِ. فَمِنْ جِهَةٍ، تَرِدُ عِبَارَةُ "ابْنَ الإِنْسَانِ" مِرَارًا فِي سِفْرِ حِزْقِيَالَ خِطَابًا لِلنَّبِيِّ (حِزْقِيَال 2: 1، 3، 6، 8)، حَيْثُ تُبْرِزُ وَضْعَهُ البَشَرِيَّ أَمَامَ جَلَالِ اللهِ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ الأَكْثَرُ أَهَمِّيَّةً فِي فَهْمِ اسْتِعْمَالِ يَسُوعَ لِلَّقَبِ، يَرِدُ فِي رُؤْيَا دَانِيَالَ: "وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ آتٍ"، وَيُعْطَى سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمُلْكًا، "فَتَعْبُدُهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ" (دَانِيَال 7: 13-14). وَبِذٰلِكَ يَجْمَعُ لَقَبُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" فِي الأَنَاجِيلِ بَيْنَ أَبْعَادٍ مُتَكَامِلَةٍ: سُلْطَانِ يَسُوعَ فِي خِدْمَتِهِ الأَرْضِيَّةِ، كَقَوْلِهِ إِنَّ "لِابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا فِي الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا" (مَتَّى 9: 6)؛ وَآلامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ (مَتَّى 17: 22-23؛ 20: 18-19)؛ وَمَجِيئِهِ الأُخْرَوِيِّ فِي المَجْدِ (مَتَّى 24: 30؛ 25: 31). وَلِذٰلِكَ، فَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ هٰذَا اللَّقَبَ يَجْمَعُ فِي شَخْصِ يَسُوعَ طَرِيقَ الأَلَمِ وَالصَّلِيبِ مِنْ جِهَةٍ، وَالسُّلْطَانَ وَالمَجْدَ الأُخْرَوِيَّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَسَيَظْهَرُ هٰذَا الرَّبْطُ بِوُضُوحٍ بَعْدَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ مُبَاشَرَةً، حِينَ يُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّهُ "يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً [...] وَيُقْتَلَ وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مَتَّى 16: 21). وَتَرِدُ عِبَارَةُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" فِي العَهْدِ الجَدِيدِ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ فِي الأَنَاجِيلِ وَعَلَى لِسَانِ يَسُوعَ نَفْسِهِ. غَيْرَ أَنَّهَا لا تَقْتَصِرُ عَلَى الأَنَاجِيلِ؛ فَقَدْ قَالَ إسطفانس قُبَيْلَ اسْتِشْهَادِهِ: "هَا إِنِّي أَرَى السَّمَاوَاتِ مُنْفَتِحَةً وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 7: 56)، كَمَا تَرِدُ صُورَةُ "شَبِيهٍ بِابْنِ إِنْسَانٍ" فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا (رُؤْيَا 1: 13؛ 14: 14)، فِي صَدًى وَاضِحٍ لِرُؤْيَا دَانِيَالَ.

 

أَمَّا سُؤَالُ يَسُوعَ: "مَنْ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ، فِي قَوْلِ النَّاسِ؟" فَلا يَدُلُّ عَلَى شَكٍّ مِنْ يَسُوعَ فِي هُوِيَّتِهِ، وَلا عَلَى حَاجَتِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ رَأْيِ النَّاسِ فِيهِ؛ بَلْ يَأْتِي فِي إِطَارٍ تَرْبَوِيٍّ وَلَاهُوتِيٍّ يَقُودُ التَّلَامِيذَ مِنْ آرَاءِ الجُمُوعِ إِلَى اعْتِرَافِ الإِيمَانِ الشَّخْصِيِّ. وَيُبَيِّنُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَبْدَأْ بِسُؤَالِ التَّلَامِيذِ مُبَاشَرَةً: "مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟"، بَلْ سَأَلَهُمْ أَوَّلًا عَنْ رَأْيِ النَّاسِ، لِيُظْهِرَ الفَرْقَ بَيْنَ التَّصَوُّرَاتِ البَشَرِيَّةِ النَّاقِصَةِ وَالإِيمَانِ الَّذِي سَيُعْلِنُهُ بُطْرُسُ بِوَحْيٍ مِنَ الآبِ (PG 58: 533-534). وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ سُؤَالَ يَسُوعَ الأَوَّلَ: "مَنْ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ، فِي قَوْلِ النَّاسِ؟" ، يُمَهِّدُ لِلسُّؤَالِ الأَعْمَقِ الَّذِي سَيَطْرَحُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ: "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" (مَتَّى 16: 15). وَبِذٰلِكَ يَنْتَقِلُ النَّصُّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا يَقُولُهُ الآخَرُونَ عَنْ يَسُوعَ إِلَى قَرَارِ الإِيمَانِ بِهِ وَالاعْتِرَافِ بِهُوِيَّتِهِ.

 

14 "فَقَالُوا: "بَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ، وَبَعْضُهُمُ الآخَرُ يَقُولُ: هُوَ إِيلِيَّا، وَغَيْرُهُمْ يَقُولُ: هُوَ إِرْمِيَا أَوْ أَحَدُ الأَنْبِيَاءِ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَقَالُوا" إِلَى أَنَّ التَّلَامِيذَ نَقَلُوا إِلَى يَسُوعَ الآرَاءَ الشَّائِعَةَ بَيْنَ النَّاسِ عَنْ هُوِيَّتِهِ. وَهِيَ آرَاءٌ تُشْبِهُ مَا نَقَلَهُ لُوقَا عَنْ هِيرُودُسَ أَنْتِيبَاسَ: "إِنَّ بَعْضًا يَقُولُونَ: إِنَّ يُوحَنَّا قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، وَبَعْضًا: إِنَّ إِيلِيَّا ظَهَرَ، وَبَعْضًا: إِنَّ نَبِيًّا مِنَ القُدَمَاءِ قَامَ" (لُوقَا 9: 7-8؛ راجع مَرْقُس 6: 14-15). وَهٰذِهِ الآرَاءُ، مَعَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرٍ كَبِيرٍ لِيَسُوعَ، تَبْقَى دُونَ الحَقِيقَةِ الكَامِلَةِ عَنْ هُوِيَّتِهِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ" فَتُشِيرُ إِلَى الرَّأْيِ الَّذِي تَبَنَّاهُ هِيرُودُسُ أَنْتِيبَاسُ عِنْدَمَا سَمِعَ بِأَعْمَالِ يَسُوعَ، فَقَالَ: "هٰذَا يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ، إِنَّهُ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، وَلِذٰلِكَ تَعْمَلُ فِيهِ القُوَّةُ عَلَى إِجْرَاءِ المُعْجِزَاتِ" (مَتَّى 14: 2). وَلا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ إِيلِيَّا عَادَ فِي شَخْصِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ عَلَى نَحْوِ التَّجَسُّدِ أَوِ التَّقَمُّصِ، بَلْ إِنَّ إِنْجِيلَ مَتَّى يَقُولُ إِنَّ يُوحَنَّا جَاءَ "بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ" بِحَسَبِ التَّقْلِيدِ النَّبَوِيِّ (راجع لُوقَا 1: 17)، وَأَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ فَسَّرَ دَوْرَهُ فِي ضَوْءِ إِيلِيَّا المُنْتَظَرِ (مَتَّى 11: 14؛ 17: 10-13). أَمَّا مَرْقُس 11: 13 فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهٰذَا المَوْضُوعِ، بَلْ بِشَجَرَةِ التِّينِ.

 

أَمَّا اسْمُ "إِيلِيَّا"، فَفِي العِبْرِيَّةِ אֵלִיָּהוּ، وَتَرِدُ أَيْضًا الصِّيغَةُ المُخْتَصَرَةُ אֵלִיָּה، وَيَتَكَوَّنُ مِنْ אֵלִי أَيْ: "إِلٰهِي"، وَיָהוּ وَهُوَ عُنْصُرٌ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الرَّبِّ. وَمِنْ ثَمَّ يَكُونُ مَعْنَى الاسْمِ: "الرَّبُّ هُوَ إِلٰهِي"، أَوْ "إِلٰهِي هُوَ الرَّبُّ". وَيَحْمِلُ هٰذَا الاسْمُ فِي ذَاتِهِ خُلَاصَةَ رِسَالَةِ إِيلِيَّا النَّبَوِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي مُوَاجَهَتِهِ عِبَادَةَ البَعْلِ عَلَى جَبَلِ الكَرْمَلِ، حِينَ صَرَخَ الشَّعْبُ: "الرَّبُّ هُوَ الإِلٰهُ! الرَّبُّ هُوَ الإِلٰهُ!" (1 مُلُوك 18: 39). يُشِيرُ اسمه إِلَى النَّبِيِّ، هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْبِيَاءِ العَهْدِ القَدِيمِ، وَقَدْ احْتَلَّ مَكَانَةً فَرِيدَةً فِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ، حَتَّى إِنَّ يَشُوعَ بْنَ سِيرَاخَ وَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: "وَقَامَ إِيلِيَّا النَّبِيُّ كَالنَّارِ، وَتَوَقَّدَ كَلَامُهُ كَالْمِشْعَلِ" (يَشُوعُ بْنُ سِيرَاخَ 48: 1). فَقَدْ كَانَ نَبِيًّا مُتَّقِدَ الغَيْرَةِ عَلَى الرَّبِّ، وَمُدَافِعًا عَنْ عِبَادَةِ اللهِ الحَقِّ فِي وَجْهِ عِبَادَةِ البَعْلِ، حَتَّى أَعْلَنَ: «غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلٰهِ القُوَّاتِ" (1 مُلُوك 19: 10، 14). وَقَدِ ارْتَبَطَ اسْمُ إِيلِيَّا، فِي الرَّجَاءِ اليَهُودِيِّ، بِمَجِيءِ المَسِيحِ، إِذْ أَعْلَنَ النَّبِيُّ مَلَاخِي: "هاءَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمُ الرَّبِّ العَظِيمُ الرَّهِيبُ" (مَلَاخِي 3: 23 [4: 5]) وَلِذٰلِكَ كَانَ ذِكْرُ إِيلِيَّا يُعَبِّرُ عَنْ تَوَقُّعٍ أُخْرَوِيٍّ وَمَسِيحَانِيٍّ قَوِيٍّ. وَلِذٰلِكَ، عِنْدَمَا سَأَلَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ: "مَنِ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَوْلِ النَّاسِ؟"، كَانَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الأَجْوِبَةِ: «وَبَعْضُهُمُ الآخَرُ يَقُولُ: هُوَ إِيلِيَّا" (مَتَّى 16: 14). غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَبِيٍّ فِي سِلْسِلَةِ الأَنْبِيَاءِ، بَلْ هُوَ، بِحَسَبِ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ، "المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16).

 

أَمَّا اسْمُ "إِرْمِيَا"، فَفِي العِبْرِيَّةِ יִרְמְיָהוּ، وَتَرِدُ أَيْضًا الصِّيغَةُ المُخْتَصَرَةُ יִרְמְיָה، وَيُفَسَّرُ اسْمُهُ غَالِبًا بِمَعْنَى: "الرَّبُّ يَرْفَعُ"، أَوْ "الرَّبُّ يُعَلِّي"، أَوْ "الَّذِي أَقَامَهُ الرَّبُّ". وَيَنْسَجِمُ هٰذَا المَعْنَى مَعَ دَعْوَةِ إِرْمِيَا النَّبَوِيَّةِ، إِذْ قَالَ لَهُ الرَّبُّ: "قَبْلَ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي البَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ، وَجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلأُمَمِ" (إِرْمِيَا 1: 5). ذكر "إِرْمِيَا خَاصُّ بِرِوَايَةِ مَتَّى، وَلَا تَرِدُ فِي النَّصَّيْنِ المُوَازِيَيْنِ عِنْدَ مَرْقُسَ وَلُوقَا (مَرْقُس 8: 28؛ لُوقَا 9: 19). وَيَبْدُو أَنَّ ذِكْرَ إِرْمِيَا يَرْبِطُ يَسُوعَ بِصُورَةِ النَّبِيِّ المُتَأَلِّمِ وَالمَرْفُوضِ، الَّذِي وَاجَهَ مُقَاوَمَةَ شَعْبِهِ وَاضْطِهَادَ رُؤَسَائِهِ بِسَبَبِ أَمَانَتِهِ لِكَلِمَةِ اللهِ (إِرْمِيَا 20: 1-2؛ 26: 7-11). وَقَدْ وَصَفَ إِرْمِيَا نَفْسَهُ قَائِلًا: «وَأَنَا كَحَمَلٍ وَدِيعٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ" (إِرْمِيَا 11: 19)، وَهِيَ صُورَةٌ تُقَرِّبُهُ، عَلَى مُسْتَوَى النَّمَطِ النَّبَوِيِّ، مِنْ مَصِيرِ يَسُوعَ الَّذِي سَيُرْفَضُ وَيَتَأَلَّمُ فِي أُورُشَلِيمَ. وَقَدِ ارْتَبَطَ إِرْمِيَا ارْتِبَاطًا عَمِيقًا بِمَصِيرِ أُورُشَلِيمَ وَشَعْبِهَا؛ فَعَايَنَ أَزْمَةَ المَدِينَةِ وَسُقُوطَهَا، وَحَمَلَ فِي نُبُوَّتِهِ أَلَمَ شَعْبِهِ، وَدَعَاهُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَأَعْلَنَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ رَجَاءَ التَّجْدِيدِ وَالعَهْدِ الجَدِيدِ (إِرْمِيَا 31: 31-34). وَمِنْ هُنَا يَنْسَجِمُ ذِكْرُهُ فِي مَتَّى 16: 14 مَعَ السِّيَاقِ الَّذِي سَيَنْتَقِلُ مُبَاشَرَةً بَعْدَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ إِلَى أَوَّلِ إِنْبَاءٍ صَرِيحٍ عَنْ آلَامِ يَسُوعَ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ (مَتَّى 16: 21). وتَكْشِفُ بَعْضُ التَّقَالِيدِ اليَهُودِيَّةِ المُتَأَخِّرَةِ عَنْ مَكَانَةٍ إِسْخَاتُولُوجِيَّةٍ خَاصَّةٍ لِإِرْمِيَا. فَيَرْوِي سِفْرُ المَكَابِيِّينَ الثَّانِي أَنَّهُ أَخْفَى الخَيْمَةَ وَتَابُوتَ العَهْدِ وَمَذْبَحَ البَخُورِ، وَأَعْلَنَ أَنَّ المَوْضِعَ سَيَبْقَى مَجْهُولًا "إِلَى أَنْ يَجْمَعَ اللهُ جَمَاعَةَ الشَّعْبِ وَيَرْحَمَهُمْ" (2 مَكَابِيِّين 2: 4-8). كَمَا تَعْرِضُ رُؤْيَا يَهُوذَا المَكَّابِيِّ إِرْمِيَا بَوَصْفِهِ نَبِيًّا يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ الشَّعْبِ وَالمَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ (2 مَكَابِيِّين 15: 12-16). وَبِنَاءً عَلَى ذٰلِكَ، يُمْكِنُ فَهْمُ قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ إِنَّ يَسُوعَ هُوَ "إِرْمِيَا" (مَتَّى 16: 14) فِي ضَوْءِ مَا جَمَعَهُ إِرْمِيَا فِي الذَّاكِرَةِ الدِّينِيَّةِ مِنْ صُوَرِ النَّبِيِّ المُضْطَهَدِ، وَالشَّفِيعِ مِنْ أَجْلِ الشَّعْبِ، وَنَبِيِّ العَهْدِ الجَدِيدِ وَرَجَاءِ التَّجْدِيدِ. غَيْرَ أَنَّ اعْتِرَافَ بُطْرُسَ سَيَتَجَاوَزُ جَمِيعَ هٰذِهِ التَّصَوُّرَاتِ النَّبَوِيَّةِ، إِذْ يُعْلِنُ أَنَّ يَسُوعَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَبِيٍّ عَظِيمٍ، بَلْ هُوَ: "المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَوْ أَحَدُ الأَنْبِيَاءِ" فَتُشِيرُ إِلَى تَصَوُّرٍ أَعَمَّ: أَنَّ يَسُوعَ هُوَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ القُدَمَاءِ قَامَ أَوْ عَادَ إِلَى الظُّهُورِ. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ مَا يَقُولُهُ مَرْقُسُ: "إِنَّهُ نَبِيٌّ كَأَحَدِ الأَنْبِيَاءِ" (مَرْقُس 6: 15)، وَمَعَ تَعَجُّبِ الجُمُوعِ بَعْدَ إِقَامَةِ ابْنِ أَرْمَلَةِ نَائِين: "قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ" (لُوقَا 7: 16)، وَمَعَ قَوْلِ الجُمُوعِ فِي أُورَشَلِيمَ: "هٰذَا النَّبِيُّ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الجَلِيلِ" (مَتَّى 21: 11). أَشَارَ التَّلَامِيذُ، مِنْ خِلَالِ نَقْلِهِمْ آراءَ الجُمُوعِ، إِلَى أَنَّ يَسُوعَ لَيْسَ، فِي نَظَرِ النَّاسِ، شَخْصًا عَادِيًّا، بَلْ شَخْصِيَّةٌ نَبَوِيَّةٌ فَرِيدَةٌ؛ فَهُوَ، فِي تَصَوُّرِهِمْ، وَاحِدٌ مِنْ رِجَالِ اللهِ، مُمْتَلِئٌ غَيْرَةً عَلَى كَلِمَتِهِ، وَمُحِبٌّ لِشَعْبِهِ، وَمُرْسَلٌ مِنَ اللهِ لِتَأْدِيَةِ رِسَالَةٍ سَامِيَةٍ. وَلِهٰذَا رَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِيُوحَنَّا المَعْمَدَانِ، وَبَعْضُهُمْ بِإِيلِيَّا، وَغَيْرُهُمْ بِإِرْمِيَا أَوْ بِأَحَدِ الأَنْبِيَاءِ (مَتَّى 16: 14). وَهٰذِهِ الإِجَابَاتُ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْمِلُ جُزْءًا مِنَ الحَقِيقَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَبْلُغُ إِلَى كَمَالِ هُوِيَّةِ يَسُوعَ؛ فَهُوَ يَقِفُ فِي خَطِّ الأَنْبِيَاءِ وَيُتَمِّمُ انْتِظَارَ إِسْرَائِيلَ لِلنَّبِيِّ الَّذِي وَعَدَ بِهِ مُوسَى: "أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ" (تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاع 18: 18؛ رَاجِعْ أَعْمَالَ الرُّسُلِ 3: 22-23). وَقَدْ رَأَتِ الكَرَازَةُ المَسِيحِيَّةُ الأُولَى فِي هٰذِهِ النُّبُوءَةِ إِشَارَةً إِلَى يَسُوعَ المَسِيحِ. رَأَى النَّاسُ فِي يَسُوعَ نَبِيًّا مِنَ المَاضِي، أَمَّا بُطْرُسُ، بِنُورِ الوَحْيِ، فَرَأَى فِيهِ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ الحَيِّ". إنَّ يَسُوعَ لَيْسَ نَبِيًّا آخَرَ يُضَافُ إِلَى سِلْسِلَةِ الأَنْبِيَاءِ، بَلْ هُوَ كَمَالُ الوَحْيِ الإِلٰهِيِّ وَذُرْوَتُهُ؛ فَاللهُ الَّذِي كَلَّمَ الآبَاءَ قَدِيمًا بِالأَنْبِيَاءِ "كَلَّمَنَا فِي آخِرِ هٰذِهِ الأَيَّامِ بِابْنٍ" (العِبْرَانِيِّينَ 1: 1-2). فَالأَنْبِيَاءُ حَمَلُوا كَلِمَةَ اللهِ، أَمَّا يَسُوعُ فَهُوَ الكَلِمَةُ الَّذِي صَارَ بَشَرًا وَسَكَنَ بَيْنَنَا (يُوحَنَّا 1: 14). وَمِنْ هُنَا فَهُوَ نَبِيُّ الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ وَمُتَمِّمُ النُّبُوَّاتِ، بَلْ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ النِّهَائِيَّةُ وَالكَامِلَةُ المُوَجَّهَةُ إِلَى البَشَرِيَّةِ. وَلِذٰلِكَ لَمْ يَكُنْ سُؤَالُ يَسُوعَ يَهْدِفُ إِلَى مَعْرِفَةِ آراءِ النَّاسِ فَحَسْبُ، بَلْ إِلَى نَقْلِ التَّلَامِيذِ مِنَ الإِعْجَابِ بِيَسُوعَ كَنَبِيٍّ إِلَى الإِيمَانِ بِهِ كَالمَسِيحِ وَابْنِ اللهِ. وَهُنَا تَأْتِي شَهَادَةُ بُطْرُسَ لِتَتَجَاوَزَ كُلَّ الإِجَابَاتِ السَّابِقَةِ وَتَبْلُغَ إِلَى جَوْهَرِ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16). وَهُنَا يَتَحَوَّلُ السُّؤَالُ مِنْ سُؤَالٍ تَارِيخِيٍّ إِلَى سُؤَالٍ إِيمَانِيٍّ يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا: هَلْ نَنْظُرُ إِلَى يَسُوعَ كَنَبِيٍّ عَظِيمٍ بَيْنَ أَنْبِيَاءَ آخَرِينَ، أَمْ نَعْتَرِفُ بِهِ مَعَ بُطْرُسَ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ"؟

 

15 "فَقَالَ لَهُمْ: "وَمَنْ أَنَا فِي قَوْلِكُمْ أَنْتُمْ؟"» (مَتَّى 16: 15)

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَمَنْ أَنَا فِي قَوْلِكُمْ أَنْتُمْ؟" إِلَى انْتِقَالِ يَسُوعَ بِتَلَامِيذِهِ مِنْ مُجَرَّدِ نَقْلِ آرَاءِ النَّاسِ عَنْهُ إِلَى اعْتِرَافٍ شَخْصِيٍّ وَجَمَاعِيٍّ بِهُوِيَّتِهِ. فَبَعْدَ أَنْ سَأَلَهُمْ: "مَنْ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَوْلِ النَّاسِ؟" (مَتَّى 16: 13)، وَسَمِعَ إِجَابَاتِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ وَإِيلِيَّا وَإِرْمِيَا وَأَحَدِ الأَنْبِيَاءِ، وَجَّهَ السُّؤَالَ إِلَيْهِمْ مُبَاشَرَةً: "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" وَتُبْرِزُ صِيغَةُ السُّؤَالِ اليُونَانِيَّةُ ὑμεῖς δὲ τίνα με λέγετε εἶναι : التَّشْدِيدَ عَلَى الضَّمِيرِ ὑμεῖς، أَيْ "وَأَنْتُمْ بِذَاتِكُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟". فَالسُّؤَالُ لا يَطْلُبُ مِنَ التَّلَامِيذِ مَعْلُومَةً عَنْ يَسُوعَ، بَلْ يَطْلُبُ مِنْهُمْ مَوْقِفَ إِيمَانٍ. وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ هٰذِهِ "المَرَّةَ الأُولَى" الَّتِي تَحَدَّى فِيهَا يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَوْقِفِهِمْ مِنْهُ، إذْ سَبَقَ أَنْ وَاجَهَهُمْ فِي مَوَاقِفَ عِدَّةٍ بِأَسْئِلَةٍ عَنْ إِيمَانِهِمْ وَفَهْمِهِمْ (راجع مَتَّى 8: 26؛ 14: 31؛ 15: 16). وَلٰكِنَّ هٰذَا السُّؤَالَ يُعَدُّ الأَوْضَحَ وَالأَكْثَرَ حَسْمًا فِي شَأْنِ هُوِيَّتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا الانْتِقَالِ بِأَنَّ يَسُوعَ، بَعْدَ أَنْ عَرَضَ آرَاءَ الجُمُوعِ، أَرَادَ أَنْ يَقُودَ تَلَامِيذَهُ إِلَى مَعْرِفَةٍ أَعْلَى مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ، فَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا "يَقُولُهُ الآخَرُونَ"، بَلْ طَلَبَ مِنْهُمْ اعْتِرَافًا خَاصًّا بِهِ (PG 58: 533-534). وَبِهٰذَا، يَنْتَقِلُ السُّؤَالُ مِنْ المُسْتَوَى المَعْرِفِيِّ العَامِّ إِلَى المُسْتَوَى الإِيمَانِيِّ الشَّخْصِيِّ. فَلَيْسَ كَافِيًا أَنْ يَعْرِفَ التِّلْمِيذُ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ عَنْ يَسُوعَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَجِيبَ هُوَ عَنْ سُؤَالِ هُوِيَّتِهِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَمْكِنُ فَهْمُ كَلَامِ القِدِّيسِ كِيرِلُّسِ الإِسْكَنْدَرِيِّ فِي ضَوْءِ تَهْيِئَةِ التَّلَامِيذِ لِسِرِّ آلامِ المَسِيحِ؛ فَالاعْتِرَافُ الصَّحِيحُ بِهُوِيَّةِ يَسُوعَ يَسْبِقُ الإِعْلَانَ عَنْ صَلِيبِهِ، حَتَّى لا يَفْهَمَ التَّلَامِيذُ آلامَهُ عَلَى أَنَّهَا فَشَلٌ، بَلْ جُزْءًا مِنْ سِرِّ رِسَالَتِهِ. وَهٰذَا التَّرْتِيبُ وَاضِحٌ فِي مَتَّى: اعْتِرَافُ بُطْرُسَ فِي (16: 16)، ثُمَّ الإِعْلَانُ عَنِ الآلامِ فِي (16: 21). وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ السُّؤَالِ فِي أَنَّ الإِيمَانَ المَسِيحِيَّ لا يُبْنَى عَلَى رَأْيِ الأَكْثَرِيَّةِ، وَلا عَلَى مُجَرَّدِ التَّصَوُّرِ الثَّقَافِيِّ السَّائِدِ عَنْ يَسُوعَ، بَلْ عَلَى اعْتِرَافٍ حُرٍّ وَشَخْصِيٍّ وَكَنَسِيٍّ بِهِ. فَالمُؤْمِنُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعِيشَ دَائِمًا عَلَى إِيمَانِ الآخَرِينَ؛ لا بُدَّ أَنْ يَصِلَ إِلَى جَوَابِهِ هُوَ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَالإِيمَانُ لَيْسَ «اقْتِنَاعًا شَخْصِيًّا» مُنْفَصِلًا عَنِ الجَمَاعَةِ، بَلْ هُوَ اعْتِرَافٌ شَخْصِيٌّ يَنْضَوِي دَاخِلَ إِيمَانِ الكَنِيسَةِ. وَهٰذَا مَا سَيَظْهَرُ مُبَاشَرَةً فِي جَوَابِ بُطْرُسَ بِاسْمِ جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ: «أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ» (مَتَّى 16: 16). وَيَكْشِفُ سُؤَالُ يَسُوعَ أَيْضًا عَنْ أَنَّ هُوِيَّتَهُ لا تُقْبَلُ عَلَى أَسَاسِ التَّعَوُّدِ أَوِ المَعْرِفَةِ السَّطْحِيَّةِ، بَلْ مِنْ خِلَالِ عَلاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ وَإِيمَانٍ حَيٍّ. فَالسُّؤَالُ لا يَقُولُ: "مَاذَا تَعْرِفُونَ عَنِّي؟"، بَلْ: "مَنْ أَنَا فِي قَوْلِكُمْ أَنْتُمْ؟" وَهُنَا يَتَحَوَّلُ النَّصُّ مِنْ سُؤَالٍ وَجَّهَهُ يَسُوعُ إِلَى التَّلَامِيذِ فِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ إِلَى سُؤَالٍ يَبْقَى مَوَجَّهًا إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ: مَنْ هُوَ يَسُوعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ؟ أَهُوَ مُجَرَّدُ مُعَلِّمٍ عَظِيمٍ، أَوْ نَبِيٍّ، أَوْ شَخْصِيَّةٍ دِينِيَّةٍ مِنَ المَاضِي، أَمْ هُوَ "المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيُّ" الَّذِي أُسَلِّمُ لَهُ حَيَاتِي؟ وَبِهٰذَا يَصِيرُ سُؤَالُ يَسُوعَ امْتِحَانًا لِلإِيمَانِ وَمِرْآةً لِلْقَلْبِ: لا يَكْفِي أَنْ نَعْرِفَ مَا تَقُولُهُ الكُتُبُ عَنْ يَسُوعَ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَسْمَحَ لِهٰذِهِ المَعْرِفَةِ أَنْ تَصِيرَ اعْتِرَافًا وَعَلاقَةً وَاتِّبَاعًا. وَمِنْ هُنَا يَبْقَى السُّؤَالُ الرُّوحِيُّ الأَسَاسِيُّ: مَا المَكَانُ الَّذِي يَحْتَلُّهُ يَسُوعُ فِي قَلْبِي وَفِي قَرَارَاتِي وَفِي حَيَاتِي؟ وَهَلْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجِيبَ مَعَ بُطْرُسَ، لا بِاللِّسَانِ فَقَطْ بَلْ بِالحَيَاةِ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ"؟

 

16 "فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ «"فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ" إِلَى تَقَدُّمِ بُطْرُسَ لِلإِجَابَةِ عَنْ سُؤَالِ يَسُوعَ بِاسْمِ جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ: "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" (مَتَّى 16: 15). وَمِنَ الأَفْضَلِ أَلَّا نَعْزُوَ سُرْعَةَ جَوَابِهِ إِلَى طَبْعِهِ "المُتَسَرِّعِ" فَقَطْ؛ فَالسِّيَاقُ الإِنْجِيلِيُّ يُبْرِزُ هُنَا، بِالأَحْرَى، دَوْرَ بُطْرُسَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ إِيمَانِ جَمَاعَةِ الرُّسُلِ. وَسَيُؤَكِّدُ يَسُوعُ مُبَاشَرَةً أَنَّ هٰذَا الاعْتِرَافَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَتِيجَةٍ لِحَدَسٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ ثَمَرُ إِعْلَانٍ مِنَ الآبِ: "لَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ كَشَفَا لَكَ هٰذَا، بَلْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 17). وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى جَوَابِ بُطْرُسَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: "أَنْتَ مَسِيحٌ" أَوْ "ابْنٌ للهِ" بِمَعْنًى عَامٍّ، بَلْ اعْتَرَفَ بِيَسُوعَ "المَسِيحَ، ابْنَ اللهِ الحَيِّ"، وَأَنَّ هٰذِهِ المَعْرِفَةَ السَّامِيَةَ هِيَ الَّتِي اسْتَدْعَتْ تَطْوِيبَ يَسُوعَ لَهُ (PG 58: 534-536).

 

أَمَّا اسْمُ "سِمْعَان" فَيَرْجِعُ إِلَى العِبْرِيَّةِ שִׁמְעוֹן، وَهُوَ مُرْتَبِطٌ بِالجِذْرِ שמע، أَيْ "سَمِعَ"، وَيَحْمِلُ مَعْنَى قَرِيبًا مِنْ "اللهُ قَدْ سَمِعَ". أَمَّا "بُطْرُس"، فَهُوَ اليُونَانِيُّ Πέτρος وَيُقَابِلُ اللَّقَبَ الآرَامِيَّ כֵּיפָא كِيفَا، أَيْ "الصَّخْرَة" أَوِ "الحَجَر". وَيَذْكُرُ يُوحَنَّا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ مُنْذُ لِقَائِهِ الأَوَّلِ: "أَنْتَ سِمْعَانُ بْنُ يُوحَنَّا، وَسَتُدْعَى كِيفَا، أَي بُطْرُس" (يُوحَنَّا 1: 42). وَيَرِدُ فِي مَتَّى 16: 17 اسْمُهُ "سِمْعَانَ بْنَ يُونَا"، فِي حِينِ يَذْكُرُ يُوحَنَّا "سِمْعَانَ بْنَ يُوحَنَّا" (يُوحَنَّا 1: 42؛ 21: 15-17)، وَهُوَ اخْتِلَافٌ نَصِّيٌّ وَاسْمِيٌّ مَعْرُوفٌ لا يَمَسُّ هُوِيَّةَ الشَّخْصِيَّةِ. وَكَانَ بُطْرُسُ أَخَا أَنْدَرَاوُسَ، وَكَانَ أَصْلُهُمَا مِنْ بَيْتِ صَيْدَا (يُوحَنَّا 1: 44)، ثُمَّ نَرَاهُ مُقِيمًا فِي كَفَرْنَاحُومَ، حَيْثُ دَخَلَ يَسُوعُ بَيْتَهُ وَشَفَى حَمَاتَهُ (مَتَّى 8: 14-15). وَكَانَ صَيَّادَ سَمَكٍ حِينَ دَعَاهُ يَسُوعُ مَعَ أَخِيهِ أَنْدَرَاوُسَ إِلَى اتِّبَاعِهِ: "هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلَكُمَا صَيَّادَي بَشَرٍ" (مَتَّى 4: 18-19). وَيَكْشِفُ سِفْرُ أَعْمَالِ الرُّسُلِ عَنْ مَكَانَةِ بُطْرُسَ البَارِزَةِ فِي الجَمَاعَةِ المَسِيحِيَّةِ الأُولَى. فَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ لِمُعَالَجَةِ مَسْأَلَةِ خِلَافَةِ يَهُوذَا (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 1: 15-26)، وَخَطَبَ بِاسْمِ الرُّسُلِ يَوْمَ العَنْصَرَةِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 14-41)، وَشَهِدَ لِلْمَسِيحِ القَائِمِ أَمَامَ السُّلُطَاتِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 4: 8-12)، وَكَانَ لَهُ دَوْرٌ حَاسِمٌ فِي قَبُولِ الأُمَمِ مِنْ خِلَالِ مَعْمُودِيَّةِ كُرْنِيلِيُوسَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 10: 1-48؛ 11: 1-18). أَمَّا وُجُودُ بُطْرُسَ فِي رُومَا وَاسْتِشْهَادُهُ فِيهَا وَارْتِبَاطُ كُرْسِيِّ رُومَا بِخِدْمَتِهِ، فَهُوَ مَحْفُوظٌ فِي التَّقْلِيدِ الكَنَسِيِّ القَدِيمِ؛ وَالأَدَقُّ أَكَادِيمِيًّا أَلَّا نَقُولَ إِنَّ سِفْرَ أَعْمَالِ الرُّسُلِ نَفْسَهُ يُثْبِتُ أَنَّهُ كَانَ "أَوَّلَ أُسْقُفٍ عَلَى رُومَا"، لأَنَّ السِّفْرَ لا يَرْوِي وُصُولَهُ إِلَيْهَا، بَلْ يَأْتِي هٰذَا مِنَ الشَّهَادَةِ التَّقْلِيدِيَّةِ الكَنَسِيَّةِ اللَّاحِقَةِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَنْتَ المَسِيحُ"، فَتَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ σὺ εἶ Χριστός، وَكَلِمَةُ Χριστός هِيَ التَّرْجَمَةُ اليُونَانِيَّةُ لِلْعِبْرِيَّةِ מָשִׁיחַ، أَيْ "المَمْسُوح". وَتُشِيرُ إِلَى الشَّخْصِ الَّذِي اخْتَارَهُ اللهُ وَمَسَحَهُ وَأَرْسَلَهُ لِيُتَمِّمَ وَعْدَهُ الخَلَاصِيَّ. وَكَانَتِ المَسْحَةُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ تَرْتَبِطُ خَاصَّةً بِالمُلُوكِ (1 صَمُوئِيل 16: 13)، وَالكَهَنَةِ (خُرُوج 29: 7؛ لاوِيِّين 8: 12)، وَتَرْتَبِطُ أَيْضًا بِالرِّسَالَةِ النَّبَوِيَّةِ (راجع 1 مُلُوك 19: 16؛ إِشَعْيَاء 61: 1). وَفِي المَسِيحِ تَلْتَقِي هٰذِهِ الأَبْعَادُ فِي كَمَالِهَا، فَهُوَ المَلِكُ وَالكَاهِنُ وَالنَّبِيُّ فِي التَّدْبِيرِ الخَلَاصِيِّ. وَقَدْ كَانَ الرَّجَاءُ المَسِيحَانِيُّ فِي زَمَنِ يَسُوعَ يَحْمِلُ أَحْيَانًا تَوَقُّعَاتٍ قَوْمِيَّةً وَسِيَاسِيَّةً، مِمَّا يُفَسِّرُ حَذَرَ يَسُوعَ مِنَ الاسْتِعْمَالِ المُبَسَّطِ لِهٰذَا اللَّقَبِ. فَمَسِيحَانِيَّتُهُ لا تَتَحَقَّقُ بِالسَّيْطَرَةِ السِّيَاسِيَّةِ أَوِ الانْتِصَارِ العَسْكَرِيِّ، بَلْ بِطَرِيقِ الخِدْمَةِ وَالصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ. وَلِهٰذَا، بَعْدَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ مُبَاشَرَةً، يَبْدَأُ يَسُوعُ يُعَلِّمُ تَلَامِيذَهُ أَنَّهُ "يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً [...] وَيُقْتَلَ وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مَتَّى 16: 21). وَهٰذَا مَا يُوَضِّحُ الفَرْقَ بَيْنَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ فِي مَرْقُسَ: "أَنْتَ المَسِيحُ" (مَرْقُس 8: 29)، وَصِيغَةِ لُوقَا: "مَسِيحُ اللهِ" (لُوقَا 9: 20)، وَالصِّيغَةِ الأَوْسَعِ فِي مَتَّى: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16). فَمَتَّى يَجْمَعُ بَيْنَ الاعتِرَافِ المَسِيحَانِيِّ وَالبُنُوَّةِ الإِلٰهِيَّةِ فِي صِيغَةٍ إِيمَانِيَّةٍ مُكَثَّفَةٍ. وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ بُطْرُسَ كَانَ أَوَّلَ إِنْسَانٍ مُطْلَقًا يَصِفُ يَسُوعَ بِأَنَّهُ ابْنُ اللهِ؛ فَقَدْ سَبَقَ أَنْ قَالَ نَثَنَائِيلُ: "يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللهِ، أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ" (يُوحَنَّا 1: 49)، وَسَجَدَ التَّلَامِيذُ لِيَسُوعَ بَعْدَ سَيْرِهِ عَلَى المَاءِ قَائِلِينَ: "أَنْتَ ابْنُ اللهِ حَقًّا" (مَتَّى 14: 33). غَيْرَ أَنَّ اعْتِرَافَ بُطْرُسَ فِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ يَحْتَلُّ مَكَانَةً فَرِيدَةً، لأَنَّهُ يَجْمَعُ فِي صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ المَسِيحَانِيَّةِ وَالبُنُوَّةِ الإِلٰهِيَّةِ، وَيُعْلِنُ يَسُوعُ أَنَّ مَصْدَرَ هٰذِهِ المَعْرِفَةِ هُوَ الآبُ نَفْسُهُ. وَيَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ الفَرْقَ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ الآرَاءِ السَّابِقَةِ الَّتِي جَعَلَتْ يَسُوعَ وَاحِدًا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَاعْتِرَافِ بُطْرُسَ الَّذِي أَعْلَنَهُ "ابْنَ اللهِ الحَيِّ". فَبِهٰذَا الجَوَابِ انْتَقَلَ بُطْرُسُ مِنَ التَّصَوُّرِ البَشَرِيِّ إِلَى الإِيمَانِ الَّذِي كَشَفَهُ الآبُ (PG 58: 534-535).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "ابْنُ اللهِ" فَلَهَا جُذُورٌ فِي العَهْدِ القَدِيمِ، حَيْثُ يُطْلَقُ لَقَبُ "الابْنِ" عَلَى المَلِكِ الدَّاوُدِيِّ فِي سِيَاقِ العَهْد: "أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا" (2 صَمُوئِيل 7: 14)، وَفِي المَزْمُورِ المَسِيحَانِيِّ: "أَنْتَ ابْنِي، أَنَا اليَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مَزْمُور 2: 7). كَمَا يُدْعَى إِسْرَائِيلُ "ابْنًا" للهِ (خُرُوج 4: 22؛ هُوشَع 11: 1). غَيْرَ أَنَّ إِنْجِيلَ مَتَّى يَمْنَحُ لِبُنُوَّةِ يَسُوعَ بُعْدًا فَرِيدًا لا يُخْتَزَلُ فِي البُنُوَّةِ المَلَكِيَّةِ أَوْ المَجَازِيَّةِ. فَالآبُ نَفْسُهُ يَقُولُ عِنْدَ المَعْمُودِيَّةِ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17)، وَسَيُعِيدُ الإِعْلَانَ نَفْسَهُ فِي التَّجَلِّي (مَتَّى 17: 5). وَيُعْلِنُ يَسُوعُ عَلاقَتَهُ الفَرِيدَةَ بِالآبِ قَائِلًا: "لا أَحَدَ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلا أَحَدَ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابْنُ" (مَتَّى 11: 27).  وَيُشَدِّدُ القِدِّيسُ لَاوُنُ الكَبِيرُ عَلَى هٰذَا البُعْدِ، فَيَرَى أَنَّ بُطْرُسَ اعْتَرَفَ فِي يَسُوعَ لا بِمَسِيحٍ أَرْضِيٍّ فَحَسْبُ، بَلْ بِابْنِ اللهِ الحَيِّ، وَأَنَّ هٰذَا الاعْتِرَافَ هُوَ الَّذِي تَلَاهُ تَطْوِيبُ بُطْرُسَ وَإِعْطَاؤُهُ اسْمَ "الصَّخْرَة" (PL 54: 149-151).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "الحَيِّ" فَتَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ: τοῦ θεοῦ τοῦ ζῶντος، وَمَعْنَاهَا الحَرْفِيُّ: "اللهِ الحَيِّ". فَصِفَةُ "الحَيِّ" تَعُودُ نَحْوِيًّا إِلَى اللهِ، لا إِلَى "الابْنِ". وَلِذٰلِكَ فَمِنْ غَيْرِ الدَّقِيقِ تَفْسِيرُهَا بِمَعْنَى "الابْنِ الحَيِّ بَيْنَنَا" أَوْ "اللهِ المُتَجَسِّدِ الَّذِي سَكَنَ بَيْنَنَا" اسْتِنَادًا إِلَى كَلِمَةِ "الحَيِّ" وَحْدَهَا. وَلَقَبُ "اللهِ الحَيِّ" لَقَبٌ كِتَابِيٌّ قَدِيمٌ يُمَيِّزُ إِلٰهَ إِسْرَائِيلَ عَنِ الأَصْنَامِ الَّتِي لا حَيَاةَ فِيهَا، وَيُعْلِنُ أَنَّهُ اللهُ الفَاعِلُ وَالحَاضِرُ وَالوَاهِبُ الحَيَاةَ. فَيَقُولُ يَشُوعُ: "بِهٰذَا تَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ الحَيَّ فِي وَسَطِكُمْ" (يَشُوع 3: 10)، وَيَقُولُ إِرْمِيَا: "أَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الإِلٰهُ الحَقُّ، هُوَ الإِلٰهُ الحَيُّ" (إِرْمِيَا 10: 10). وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ قُوَّةُ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ: فَهُوَ لا يَقُولُ فَقَطْ إِنَّ يَسُوعَ هُوَ المَسِيحُ المُنْتَظَرُ، بَلْ يَرْبِطُهُ بِاللهِ الحَيِّ فِي عَلاقَةِ بُنُوَّةٍ فَرِيدَةٍ: "أَنْتَ المَسِيحُ، ابْنُ اللهِ الحَيِّ". وَهُنَا يَبْلُغُ الاعْتِرَافُ بِهُوِيَّةِ يَسُوعَ ذِرْوَتَهُ فِي هٰذَا المَقْطَعِ. وَهٰذَا الاعْتِرَافُ لا يَصْدُرُ، بِحَسَبِ النَّصِّ، عَنْ "قُوَّةِ بُطْرُسَ" أَوْ عَنْ قُدْرَتِهِ العَقْلِيَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ عَنْ إِعْلَانِ اللهِ الَّذِي يَلْتَقِي بِاسْتِجَابَةِ الإِيمَانِ. وَهُنَا يَتَحَقَّقُ فِي بُطْرُسَ مَا سَبَقَ أَنْ أَعْلَنَهُ يَسُوعُ فِي صَلاتِهِ: "أَحْمَدُكَ يَا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَلَى أَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ الأَشْيَاءَ عَنِ الحُكَمَاءِ وَالأَذْكِيَاءِ وَكَشَفْتَهَا لِلصِّغَارِ" (مَتَّى 11: 25). وَفِي هٰذَا المَعْنَى، يُصْبِحُ اعْتِرَافُ بُطْرُسَ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ جَوَابٍ عَنْ سُؤَالٍ؛ إِنَّهُ اعْتِرَافُ إِيمَانٍ كَنَسِيٌّ سَيَكُونُ مُقَدِّمَةً لِكَلِمَاتِ يَسُوعَ عَنِ الصَّخْرَةِ وَالكَنِيسَةِ وَالمَفَاتِيحِ (مَتَّى 16: 17-19). وَلِهٰذَا يُؤَكِّدُ الدُّسْتُورُ العَقَائِدِيُّ "نُورُ الأُمَم" أَنَّ المَسِيحَ أَقَامَ الاثْنَيْ عَشَرَ «عَلَى شَكْلِ هَيْئَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ ثَابِتَةٍ، وَجَعَلَ بُطْرُسَ، المُخْتَارَ مِنْ بَيْنِهِمْ، عَلَى رَأْسِهَا" (نُورُ الأُمَم، 18، 19، 22). فَاعْتِرَافُ بُطْرُسَ بِالمَسِيحِ لا يَنْفَصِلُ فِي مَتَّى عَنِ المُهِمَّةِ الَّتِي سَيَعْهَدُ إِلَيْهِ بِهَا يَسُوعُ مُبَاشَرَةً. وَبِذٰلِكَ يَجْمَعُ مَتَّى 16: 16 فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ جَوْهَرَ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ بِشَخْصِ يَسُوعَ: إِنَّهُ المَسِيحُ، أَيْ " المسيا المنتظر " مُتَمِّمُ مَوَاعِيدِ اللهِ؛ وَهُوَ ابْنُ اللهِ فِي عَلاقَةٍ فَرِيدَةٍ بِالآبِ؛ وَالآبُ الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ اللهُ الحَيُّ، مَصْدَرُ الحَيَاةِ وَالخَلَاصِ. وَمِنْ هُنَا يَتَحَوَّلُ اعْتِرَافُ بُطْرُسَ إِلَى سُؤَالٍ مُوَجَّهٍ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ: هَلْ نَعْرِفُ يَسُوعَ مِنْ خِلَالِ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ عَنْهُ فَقَطْ، أَمْ نَعْتَرِفُ بِهِ مَعَ بُطْرُسَ إِيمَانًا وَحَيَاةً: «أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ»؟

 

17. "فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: "طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانَ بْنَ يُونَا، فَلَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ كَشَفَا لَكَ هٰذَا، بَلْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "طُوبَى لَكَ" إِلَى تَطْوِيبِ يَسُوعَ لِبُطْرُسَ بِسَبَبِ اعْتِرَافِهِ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16). وَلا يَنْبَعُ هٰذَا التَّطْوِيبُ مِنْ مَجَرَّدِ ذَكَاءِ بُطْرُسَ أَوْ قُوَّةِ شَخْصِيَّتِهِ، بَلْ مِنْ كَوْنِهِ قَبِلَ نُورَ الإِعْلَانِ الإِلٰهِيِّ وَاسْتَجَابَ لَهُ بِالإِيمَانِ. وَهُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ مَعْرِفَةَ هُوِيَّةِ يَسُوعَ الحَقِيقِيَّةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ثَمَرَةِ تَحْلِيلٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ. وَهٰذَا المَعْنَى يَنْسَجِمُ مَعَ قَوْلِ بُولُسَ الرَّسُولِ: "لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: يَسُوعُ رَبٌّ، إِلَّا بِإِلْهَامٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ" (1 قُورِنْثُس 12: 3). فَالإِيمَانُ بِالمَسِيحِ عَطِيَّةٌ إِلٰهِيَّةٌ تُوقِظُ قَلْبَ الإِنْسَانِ وَتَدْعُوهُ إِلَى اعْتِرَافٍ حُرٍّ وَشَخْصِيٍّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ لَاوُنُ الكَبِيرُ عَلَى هٰذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ إِنَّ بُطْرُسَ نَالَ هٰذِهِ المَعْرِفَةَ لا مِنَ "اللَّحْمِ وَالدَّمِ"، بَلْ مِنَ الآبِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ الوَحْيَ السَّمَاوِيَّ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ مَا عَجَزَتِ الأَفْكَارُ البَشَرِيَّةُ عَنْ بُلُوغِهِ (PL 54: 149-151). وَيَذْهَبُ القِدِّيسُ هِيلَارِيُوسُ أُسْقُفُ بُوَاتْيِيه إِلَى المَعْنَى نَفْسِهِ، فَيَرَى أَنَّ بُطْرُسَ طُوِّبَ لأَنَّهُ أَدْرَكَ، بِالإِيمَانِ، مَا يَفُوقُ الرُّؤْيَةَ البَشَرِيَّةَ المَحْضَةَ، وَاعْتَرَفَ بِلاَهُوتِ المَسِيحِ (PL 9: 1010-1012). وَمَعَ ذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ هٰذَا التَّطْوِيبَ "لِكُلِّ التَّلَامِيذِ" بِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ، لأَنَّ النَّصَّ يُوَجِّهُهُ مُبَاشَرَةً إِلَى بُطْرُسَ: "طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانَ بْنَ يُونَا". غَيْرَ أَنَّ إِيمَانَ بُطْرُسَ هُنَا يُعَبِّرُ عَنْ إِيمَانِ جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ، وَيَصِيرُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ نَمُوذَجًا لِاعْتِرَافِ الكَنِيسَةِ كُلِّهَا.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "سِمْعَانَ بْنَ يُونَا" فَتَرِدُ فِي اليُونَانِيَّةِ Σίμων Βαριωνᾶ  وَكَلِمَةُ Βαριωνᾶ  تَعْكِسُ أَصْلًا سَامِيًّا: bar-Yonā، أَيْ "ابْنُ يُونَا" أَوْ "ابْنُ يُوحَنَّا" بحسب اختلاف التقليد الاسمي. وَهُنَا يَسْتَعْمِلُ يَسُوعُ اسْمَهُ العَائِلِيَّ قَبْلَ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ: "أَنْتَ بُطْرُسُ" (مَتَّى 16: 18). وَمِنَ الأَفْضَلِ أَلَّا نُحَمِّلَ اسْمَ "يُونَا" هُنَا رَمْزِيَّةً رُوحِيَّةً مُبَاشَرَةً، كَأَنْ نَقُولَ إِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى "الحَمَامَةِ" أَوِ الرُّوحِ القُدُسِ؛ فَهٰذَا تَأَمُّلٌ رُوحِيٌّ مُمْكِنٌ، لٰكِنَّهُ لَيْسَ هُوَ المَعْنَى التَّفْسِيرِيَّ المُبَاشِرَ لِلاسْمِ فِي النَّصِّ. وَكَذٰلِكَ لا صِلَةَ مُبَاشَرَةً بَيْنَ "بْنِ يُونَا" وَنُبُوءَةِ مَوْتِ بُطْرُسَ فِي (يُوحَنَّا 21: 18).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَلَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ" فَهِيَ تَعْبِيرٌ سَامِيٌّ شَائِعٌ يُشِيرُ إِلَى الإِنْسَانِ فِي ضَعْفِهِ وَمَحْدُودِيَّتِهِ البَشَرِيَّةِ. وَلا يُرَادُ بِهَا الجَسَدُ بِمَعْنًى سَلْبِيٍّ أَوْ شَرِّيرٍ، بَلْ الإِنْسَانُ بِمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ بِقُوَاهُ الطَّبِيعِيَّةِ وَحْدَهَا. وَتَرِدُ صِيَغٌ مُشَابِهَةٌ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى البَشَرِيَّةِ المَحْدُودَةِ (راجع سِيرَاخ 14: 18؛ غَلَاطِيَة 1: 16). وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَعْنَى هُوَ أَنَّ بُطْرُسَ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَقِيقَةِ هُوِيَّةِ يَسُوعَ بِمُجَرَّدِ المَعْرِفَةِ البَشَرِيَّةِ أَوْ بِشَهَادَةِ إِنْسَانٍ آخَرَ، بَلْ بِـإِعْلَانٍ مِنَ الآبِ. وَهٰذَا لا يَعْنِي أَنَّ الإِيمَانَ يُلْغِي العَقْلَ أَوْ يَقِفُ ضِدَّهُ، بَلْ إِنَّ العَقْلَ وَحْدَهُ لا يَسْتَنْفِدُ سِرَّ المَسِيحِ. فَالمَعْرِفَةُ الإِيمَانِيَّةُ تَفْتَرِضُ نُورًا إِلٰهِيًّا يَكْشِفُ مَا لا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَبْلُغَهُ بِقُوَّتِهِ فَقَطْ. إِنَّ الكَلِمَاتِ الَّتِي أَعْلَنَ بِهَا بُطْرُسُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ "المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" لَمْ تَكُنْ ثَمَرَةَ اسْتِنْتَاجٍ بَشَرِيٍّ فَحَسْبُ، بَلْ ثَمَرَةَ وَحْيٍ مِنَ الآبِ، كَمَا أَكَّدَ يَسُوعُ نَفْسُهُ: "لَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ كَشَفَا لَكَ هٰذَا، بَلْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 17). فَقَدْ أَصْغَى بُطْرُسُ، فِي عُمْقِ إِيمَانِهِ، إِلَى مَا كَشَفَهُ الآبُ لَهُ عَنْ سِرِّ الابْنِ، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَتَعَرَّفَ إِلَى هُوِيَّةِ يَسُوعَ الحَقِيقِيَّةِ وَيَعْتَرِفَ بِهَا. وَهٰذَا مَا سَيُؤَكِّدُهُ الآبُ نَفْسُهُ فِي حَدَثِ التَّجَلِّي، حِينَ يُعْلِنُ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ، فَلَهُ اسْمَعُوا" (مَتَّى 17: 5). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ يَسُوعَ الحَقِيقِيَّةَ تَنْبَعُ مِنَ الإِصْغَاءِ إِلَى وَحْيِ الآبِ، وَتَنْضَجُ فِي الإِيمَانِ وَاتِّبَاعِ الابْنِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "كَشَفَا لَكَ هٰذَا" فَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ مِنَ الفِعْلِ ἀποκαλύπτω، أَيْ "يَكْشِفُ" أَوْ "يُظْهِرُ مَا كَانَ مَحْجُوبًا". وَهُوَ مِنَ الأَلْفَاظِ الأَسَاسِيَّةِ فِي لُغَةِ الوَحْيِ. وَفِي السِّيَاقِ الحَالِيِّ، لا يَعْنِي أَنَّ الآبَ أَعْطَى بُطْرُسَ مَعْلُومَةً سِرِّيَّةً فَقَطْ، بَلْ أَنَّهُ نَوَّرَ قَلْبَهُ لِيُدْرِكَ هُوِيَّةَ الابْنِ. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا مُبَاشَرَةً بِقَوْلِ يَسُوعَ السَّابِقِ: "أَحْمَدُكَ يَا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَلَى أَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ الأَشْيَاءَ عَنِ الحُكَمَاءِ وَالأَذْكِيَاءِ وَكَشَفْتَهَا لِلصِّغَارِ" (مَتَّى 11: 25). فَبُطْرُسُ هُنَا مِنْ أُولٰئِكَ الَّذِينَ انْفَتَحُوا عَلَى الإِعْلَانِ الإِلٰهِيِّ بِبَسَاطَةِ الإِيمَانِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ بِأَنَّ يَسُوعَ، حِينَ نَسَبَ اعْتِرَافَ بُطْرُسَ إِلَى الآبِ، كَانَ يَكْشِفُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ سُمُوَّ هُوِيَّتِهِ هُوَ؛ فَلَوْ كَانَ بُطْرُسُ قَدْ اعْتَرَفَ بِمُجَرَّدِ إِنْسَانٍ عَظِيمٍ، لَمَا احْتَاجَ هٰذَا الاعْتِرَافُ إِلَى وَحْيٍ مِنَ الآبِ (PG 58: 534-535).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "بَلْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" فَتَكْشِفُ عَنْ عَلاقَةِ يَسُوعَ الفَرِيدَةِ بِاللهِ. فَهُوَ لا يَقُولُ هُنَا "أَبُونَا" بَلْ "أَبِي"، وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ إِعْلَانِهِ فِي مَتَّى 11: 27: "لا أَحَدَ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلا أَحَدَ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابْنُ". وَمِنْ هُنَا، فَالنَّصُّ لا يُثْبِتُ "نَاسُوتَ المَسِيحِ" فَقَطْ، وَلا يُقَابِلُ بَيْنَ نَاسُوتِهِ وَلاهُوتِهِ بِصِيغَةٍ مُبَاشَرَةٍ، بَلْ يَكْشِفُ عَنْ أَنَّ حَقِيقَةَ بُنُوَّتِهِ للهِ لا تُدْرَكُ إِلَّا بِإِعْلَانِ الآبِ. وَهٰذَا مَا سَيَتَّضِحُ لَاحِقًا فِي الإِيمَانِ الكَنَسِيِّ بِالمَسِيحِ إِلٰهًا حَقًّا وَإِنْسَانًا حَقًّا. وَيُمْكِنُ فِي هٰذَا السِّيَاقِ رَبْطُ النَّصِّ بِقَوْلِ الرَّسُولِ: "عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: الَّذِي ظَهَرَ فِي الجَسَدِ، وَتَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، وَتَرَاءَى لِلْمَلَائِكَةِ، وَبُشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، وَآمَنَ بِهِ العَالَمُ، وَرُفِعَ فِي المَجْدِ" (1 طِيمُوتَاوُس 3: 16). وَتَكْشِفُ الآيَةُ أَيْضًا عَنْ حَقِيقَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ مُهِمَّةٍ: الإِيمَانُ عَطِيَّةٌ وَاسْتِجَابَةٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ. فَهُوَ عَطِيَّةٌ لِأَنَّ الآبَ يَكْشِفُ، وَهُوَ اسْتِجَابَةٌ لِأَنَّ بُطْرُسَ يَقْبَلُ هٰذَا الكَشْفَ وَيَعْتَرِفُ بِهِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ قَوْلَ بُطْرُسَ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثَمَرَةِ "بَرَاهِين" أَوْ مُمَارَسَاتٍ، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ وَحْيٍ وَنِعْمَةٍ يَتَلَقَّاهُمَا الإِنْسَانُ بِحُرِّيَّةٍ. وَهٰذَا مَا يُذَكِّرُ بِقَوْلِ بُولُسَ: "مَا أَبْعَدَ غَوْرَ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ!" (رُومَة 11: 33). وَبِذٰلِكَ، فَالتَّطْوِيبُ فِي مَتَّى 16: 17 لا يَمْدَحُ بُطْرُسَ لِذَاتِهِ، بَلْ يَمْدَحُ انْفِتَاحَهُ عَلَى إِعْلَانِ الآبِ. وَهٰذَا سَيَكُونُ المُقَدِّمَةَ المُبَاشَرَةَ لِلْكَلِمَةِ التَّالِيَةِ: "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي كَنِيسَتِي" (مَتَّى 16: 18). وَمِنْ هُنَا يَتَحَوَّلُ النَّصُّ إِلَى سُؤَالٍ رُوحِيٍّ لَنَا أَيْضًا: هَلْ مَعْرِفَتُنَا لِيَسُوعَ مَعْرِفَةٌ مَوْرُوثَةٌ وَخَارِجِيَّةٌ فَقَطْ، أَمْ هِيَ إِيمَانٌ حَيٌّ انْفَتَحَ عَلَى نُورِ اللهِ وَسَمَحَ لَهُ أَنْ يَكْشِفَ لَنَا مَنْ هُوَ المَسِيحُ حَقًّا؟

 

18. "وَأَنَا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ صَخْرٌ، وَعَلَى هٰذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي كَنِيسَتِي، فَلَنْ يَقْوَى عَلَيْهَا سُلْطَانُ المَوْتِ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَأَنَا أَقُولُ لَكَ"، وَفِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ κἀγὼ δέ σοι λέγω، إِلَى مُقَابَلَةٍ بَلَاغِيَّةٍ قَوِيَّةٍ بَيْنَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ وَجَوَابِ يَسُوعَ: أَنْتَ قُلْتَ لِي مَنْ أَنَا، وَأَنَا الآنَ أَقُولُ لَكَ مَنْ أَنْتَ وَمَا هِيَ رِسَالَتُكَ. فَبَعْدَ أَنْ قَالَ بُطْرُسُ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، يَقُولُ لَهُ يَسُوعُ: "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي كَنِيسَتِي". وَيَلْفِتُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ الانْتِبَاهَ إِلَى هٰذَا التَّوَازِي: فَبَعْدَ أَنْ كَشَفَ الآبُ لِبُطْرُسَ هُوِيَّةَ الابْنِ، يُعْلِنُ الابْنُ لِبُطْرُسَ الدَّعْوَةَ الَّتِي سَيُقِيمُهُ فِيهَا، وَيَرْبِطُهُ بِبِنَاءِ الكَنِيسَةِ وَسُلْطَانِ المَفَاتِيحِ ( PG 58: 534-536).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "أَنْتَ صَخْرٌ"، فَتَرِدُ فِي النَّصِّ اليُونَانِيِّ: σὺ εἶ Πέτρος، أَيْ: "أَنْتَ بُطْرُسُ
. وَيَتْبَعُهَا قَوْلُهُ
: ἐπὶ ταύτῃ τῇ πέτρᾳ، أَيْ: "عَلَى هٰذِهِ الصَّخْرَةِ". وَهُنَا تَقُومُ لُعْبَةٌ لُغَوِيَّةٌ بَيْنَ Πέτρος (Petros)، الاسْمِ الشَّخْصِيِّ، وَπέτρα (petra)، أَيْ "الصَّخْرَة". وَتَصِيرُ هٰذِهِ العَلاقَةُ أَوْضَحَ إِذَا أَخَذْنَا بِعَيْنِ الاعْتِبَارِ الخَلْفِيَّةَ الآرَامِيَّةَ لِكَلَامِ يَسُوعَ؛ فَالاسْمُ الَّذِي أَعْطَاهُ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ هُوَ כֵּיפָא / (Kēfā، كِيفَا)، وَمَعْنَاهُ "الصَّخْرَة" أَوِ "الحَجَر". وَهُوَ الاسْمُ الَّذِي حَفِظَهُ بُولُسُ أَيْضًا فِي صُورَةِ Κηφᾶς  (Cephas) (راجع 1 قُورِنْثُس 1: 12؛ غَلَاطِيَة 1: 18). وَمِنَ الأَدَقِّ أَكَادِيمِيًّا أَلَّا نَتَحَدَّثَ عَنْ "نَصٍّ آرامِيٍّ أَصْلِيٍّ لِمَتَّى 16: 18" كَأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بَيْنَ أَيْدِينَا؛ فَالنَّصُّ القَانُونِيُّ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْنَا هُوَ اليُونَانِيُّ. أَمَّا الصِّيغَةُ الآرَامِيَّةُ فَهِيَ إِعَادَةُ بِنَاءٍ مُرَجَّحَةٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ يَسُوعُ، وَفِيهَا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ كِيفَا لِلِاسْمِ وَلِلصَّخْرَةِ مَعًا، مِمَّا يُقَوِّي العَلاقَةَ المُبَاشَرَةَ بَيْنَ بُطْرُسَ وَ"الصَّخْرَة". وَقَدْ سَبَقَ أَنْ أَعْلَنَ يَسُوعُ هٰذَا الاسْمَ الجَدِيدَ لِسِمْعَانَ عِنْدَ لِقَائِهِ بِهِ: "أَنْتَ سِمْعَانُ بْنُ يُوحَنَّا، وَسَتُدْعَى كِيفَا، أَي بُطْرُس" (يُوحَنَّا 1: 42). وَفِي التَّقْلِيدِ الكِتَابِيِّ، لا يَكُونُ تَغْيِيرُ الاسْمِ أَمْرًا عَرَضِيًّا، بَلْ يَرْتَبِطُ غَالِبًا بِدَعْوَةٍ وَرِسَالَةٍ جَدِيدَتَيْنِ، كَمَا فِي أَبْرَامَ/إِبْرَاهِيمَ (تَكْوِين 17: 5) وَيَعْقُوبَ/إِسْرَائِيلَ (تَكْوِين 32: 29). وَهٰكَذَا يَحْمِلُ اسْمُ "بُطْرُس" دَلَالَةً رَسُولِيَّةً وَكَنَسِيَّةً. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي فَهْمُ "الصَّخْرَة" فِي غِنَاهَا اللاهُوتِيِّ، لا فِي مُقَابَلَةٍ تُفَصِّلُ بَيْنَ بُطْرُسَ وَالمَسِيحِ أَوْ بَيْنَ بُطْرُسَ وَإِيمَانِهِ. فَالمَسِيحُ هُوَ الأَسَاسُ الأَوَّلُ وَالمَصْدَرُ الَّذِي تَسْتَمِدُّ مِنْهُ الكَنِيسَةُ حَيَاتَهَا؛ وَبُطْرُسُ يَصِيرُ "صَخْرَةً" بِالنِّعْمَةِ وَالدَّعْوَةِ وَبِاعْتِرَافِهِ بِالمَسِيحِ. وَقَدْ أَبْرَزَ التَّقْلِيدُ الآبَائِيُّ هٰذِهِ الأَبْعَادَ المُتَكَامِلَةَ. فَـالقِدِّيسُ أوغسطينوس شَدَّدَ، فِي عِدَّةِ نُصُوصٍ، عَلَى أَنَّ المَسِيحَ هُوَ الصَّخْرَةُ الأَصْلِيَّةُ، وَأَنَّ بُطْرُسَ نَالَ اسْمَهُ مِنَ الصَّخْرَةِ الَّتِي اعْتَرَفَ بِهَا، وَرَأَى فِيهِ أَيْضًا شَخْصًا يُمَثِّلُ وَحْدَةَ الكَنِيسَةِ (PL 38: 1348-1352). وَمِنَ المُهِمِّ هُنَا أَلَّا نَسْتَعْمِلَ أُوغُسْطِينُسَ لِنَفْيِ أَيِّ عَلاقَةٍ بَيْنَ بُطْرُسَ وَالصَّخْرَةِ؛ فَفِي لَاهُوتِهِ يَظْهَرُ بُطْرُسُ مَرَّاتٍ كَـشَخْصِيَّةٍ تُمَثِّلُ الكَنِيسَةَ وَوَحْدَتَهَا، حَتَّى وَإِنْ كَانَ يُؤَكِّدُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ المَسِيحَ هُوَ الصَّخْرَةُ النِّهَائِيَّةُ الَّتِي مِنْهَا يَسْتَمِدُّ بُطْرُسُ صَلَابَتَهُ. وَهٰذَا هُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ بِوُضُوحٍ القِدِّيسُ لَاوُنُ الكَبِيرُ، إِذْ رَأَى أَنَّ بُطْرُسَ يَشْتَرِكُ فِي صَلَابَةِ المَسِيحِ، وَأَنَّ مَا هُوَ خَاصٌّ بِالمَسِيحِ بِالطَّبِيعَةِ يُعْطَى لِبُطْرُسَ بِالمُشَارَكَةِ وَالنِّعْمَةِ، فَيَصِيرُ صَخْرَةً بِقُوَّةِ ذٰلِكَ الَّذِي هُوَ الصَّخْرَةُ الأَسَاسِيَّةُ (PL 54: 149-151). وَبِذٰلِكَ لا يَقُومُ تَعَارُضٌ بَيْنَ قَوْلِ بُولُسَ: "وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ المَسِيحَ" (1 قُورِنْثُس 10: 4)، وَبَيْنَ قَوْلِ يَسُوعَ: "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي كَنِيسَتِي". فَالمَسِيحُ هُوَ الأَسَاسُ الأَوَّلُ لِلْكَنِيسَةِ، وَبُطْرُسُ صَخْرَةٌ فِي خِدْمَةِ هٰذَا البِنَاءِ بِاخْتِيَارِ المَسِيحِ وَنِعْمَتِهِ. وَيَرِدُ المَعْنَى نَفْسُهُ فِي تَعْلِيمِ بُطْرُسَ نَفْسِهِ، إِذْ يَدْعُو المَسِيحَ "الحَجَرَ الحَيَّ الَّذِي رَذَلَهُ النَّاسُ وَاخْتَارَهُ اللهُ وَكَرَّمَهُ"، ثُمَّ يَدْعُو المُؤْمِنِينَ هُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَكُونُوا "حِجَارَةً حَيَّةً" تُبْنَى بَيْتًا رُوحِيًّا (1 بُطْرُس 2: 4-5). وَهٰكَذَا يَبْقَى المَسِيحُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ، وَيَشْتَرِكُ الرُّسُلُ وَالمُؤْمِنُونَ فِي بِنَاءِ بَيْتِ اللهِ. وَفِي اللَّاهُوتِ البُولُسِيِّ أَيْضًا، تُبْنَى الكَنِيسَةُ "عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَحَجَرُ الزَّاوِيَةِ هُوَ المَسِيحُ يَسُوعُ نَفْسُهُ" (أَفَسُس 2: 20). وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ أَسَاسَ الكَنِيسَةِ لَهُ بُعْدٌ مَسِيحَانِيٌّ وَرَسُولِيٌّ فِي آنٍ وَاحِدٍ: المَسِيحُ هُوَ الأَسَاسُ المُطْلَقُ، وَالرُّسُلُ أَسَاسٌ بِمَا تَلَقَّوْهُ مِنْهُ، وَيَتَمَيَّزُ بُطْرُسُ فِي هٰذِهِ الجَمَاعَةِ بِمُهِمَّةٍ خَاصَّةٍ. وَهٰذَا مَا يُعَلِّمُهُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي، إذْ يَقُولُ إِنَّ المَسِيحَ "أَقَامَ بُطْرُسَ عَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ وَجَعَلَ فِيهِ مَبْدَأً وَأَسَاسًا دَائِمًا وَمَنْظُورًا لِوَحْدَةِ الإِيمَانِ وَالشَّرِكَةِ" (نور الأمم، 18)، وَيُضِيفُ أَنَّ المَسِيحَ أَقَامَ الاثْنَيْ عَشَرَ جَمَاعَةً رَسُولِيَّةً وَجَعَلَ بُطْرُسَ عَلَى رَأْسِهَا (نور الأمم، 19، 22-23).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "سَأَبْنِي كَنِيسَتِي"، فَتُعْلِنُ أَوَّلًا أَنَّ المَسِيحَ هُوَ البَانِي: "سَأَبْنِي". فَالْكَنِيسَةُ لَيْسَتْ مُشْرُوعَ بُطْرُسَ وَلا مُشْرُوعَ الرُّسُلِ مِنْ ذَوَاتِهِمْ، بَلْ هِيَ عَمَلُ المَسِيحِ وَجَمَاعَتُهُ: "كَنِيسَتِي". وَمِنْهُ تَسْتَمِدُّ هُوِيَّتَهَا وَحَيَاتَهَا وَرِسَالَتَهَا.

 

وَتَرِدُ كَلِمَةُ "كَنِيسَة" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἐκκλησία، وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي السَّبْعِينِيَّةِ لِتَرْجَمَةِ أَلْفَاظٍ عِبْرِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى جَمَاعَةِ شَعْبِ اللهِ، وَلا سِيَّمَا קָהָל (qāhāl). فَيَسُوعُ لا يَتَحَدَّثُ هُنَا عَنْ بِنَاءٍ مَادِّيٍّ، بَلْ عَنْ جَمَاعَةٍ خَلَاصِيَّةٍ يَدْعُوهَا إِلَيْهِ وَيَبْنِيهَا عَلَى الإِيمَانِ الرَّسُولِيِّ. وَلا تَرِدُ كَلِمَةُ ἐκκλησία  فِي الأَنَاجِيلِ الإِزَائِيَّةِ إِلَّا فِي إِنْجِيلِ مَتَّى: هُنَا فِي (مَتَّى 16: 18)، ثُمَّ مَرَّتَيْنِ فِي (مَتَّى 18: 17). وَهٰذَا يَجْعَلُ لَهَا أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً فِي اللاهُوتِ المَتَّاوِيِّ. وَقَوْلُ يَسُوعَ "كَنِيسَتِي" بِصِيغَةِ المُفْرَدِ يُؤَكِّدُ وَحْدَةَ الجَمَاعَةِ الَّتِي تَنْتَمِي إِلَيْهِ. وَهٰذِهِ الوَحْدَةُ لا تَعْنِي إِلْغَاءَ التَّنَوُّعِ فِي الكَنِيسَةِ، بَلْ وَحْدَةَ الإِيمَانِ وَالأَسْرَارِ وَالشَّرِكَةِ وَالرِّسَالَةِ فِي المَسِيحِ، رَأْسِ الجَسَدِ (قُولُسِّي 1: 18). وَيُقَدِّمُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي هٰذِهِ الكَنِيسَةَ بِصُوَرٍ مُتَكَامِلَةٍ: إِنَّهَا شَعْبُ اللهِ (LG 9-17)، وَجَسَدُ المَسِيحِ، وَهَيْكَلُ الرُّوحِ القُدُسِ (LG 7)، وَهِيَ فِي المَسِيحِ "بِمَثَابَةِ سِرٍّ" أَيْ عَلَامَةٍ وَأَدَاةٍ لِلاتِّحَادِ بِاللهِ وَلِوَحْدَةِ الجِنْسِ البَشَرِيِّ (نور الأمم، 1). وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى خِدْمَةِ بُطْرُسَ، يُعَلِّمُ المجمع الفاتيكاني الثاني أَنَّ خَلِيفَةَ بُطْرُسَ هُوَ "المَبْدَأُ وَالأَسَاسُ الدَّائِمُ وَالمَنْظُورُ لِوَحْدَةِ الأَسَاقِفَةِ وَجَمْهُورِ المُؤْمِنِينَ" (دستور الأمم، 22، 23).  وَلِذٰلِكَ، فَفِي الفَهْمِ الكَاثُولِيكِيِّ، لا تُفْهَمُ أَوَّلِيَّةُ بُطْرُسَ كَسُلْطَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ المَسِيحِ أَوْ عَنْ جَمَاعَةِ الرُّسُلِ، بَلْ كَـخِدْمَةٍ لِلإِيمَانِ وَالشَّرِكَةِ وَالوَحْدَةِ دَاخِلَ الكُلِّيَّةِ الرَّسُولِيَّةِ. وَيُؤَكِّدُ المجمع أن بطرس والرسل يؤلفون جماعة رسولية واحدة، كما يرتبط خليفة بطرس بالأساقفة خلفاء الرسل (دستور الأمم، 22). أَمَّا اسْتِمْرَارُ هٰذِهِ الخِدْمَةِ فِي خُلَفَاءِ بُطْرُسَ، فَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الفَهْمِ الكَاثُولِيكِيِّ لِلْخِدْمَةِ البُطْرُسِيَّةِ وَالتَّعَاقُبِ الرَّسُولِيِّ، وَلا يَنْبَغِي اخْتِزَالُهُ فِي تَعْبِيرِ "إِدَارَةٍ خَارِجِيَّةٍ"، بَلْ هُوَ أَوَّلًا خِدْمَةُ تَثْبِيتٍ فِي الإِيمَانِ وَرِعَايَةٍ وَوَحْدَةٍ (راجع لُوقَا 22: 31-32؛ يُوحَنَّا 21: 15-17)؛ كما تؤكد وثيقة مجمع الإيمان بشأن أولوية خليفة بطرس أن العهد الجديد نفسه يحفظ لبطرس مكانة متميزة ومهمة خاصة داخل جماعة الاثني عشر (دستور الأمم، 22، 23).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَلَنْ يَقْوَى عَلَيْهَا سُلْطَانُ المَوْتِ"، فَتَرِدُ حَرْفِيًّا فِي اليُونَانِيَّةِ: πύλαι ᾅδου"أَبْوَابُ هَادِيس"، أَيْ "أَبْوَابُ مَثْوَى الأَمْوَاتِ". وَيُقَابِلُ "هَادِيس" فِي الخَلْفِيَّةِ العِبْرِيَّةِ مَفْهُومَ שְׁאוֹל، أَيْ مَثْوَى الأَمْوَاتِ. وَيَرِدُ التَّعْبِيرُ الكِتَابِيُّ "أَبْوَابُ المَوْتِ" فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى: "هَلْ كُشِفَتْ لَكَ أَبْوَابُ المَوْتِ؟" (أَيُّوب 38: 17)، وَ"يَا رَافِعِي مِنْ أَبْوَابِ المَوْتِ" (مَزْمُور 9: 14)، وَيَقُولُ حِزْقِيَّا: "فِي مُنْتَصَفِ أَيَّامِي أَذْهَبُ إِلَى أَبْوَابِ مَثْوَى الأَمْوَاتِ" (إِشَعْيَاء 38: 10). وَمِنْ هُنَا، فَالمَعْنَى الأَوَّلُ لِلصُّورَةِ هُوَ أَنَّ المَوْتَ نَفْسَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْهَرَ الكَنِيسَةَ الَّتِي يَبْنِيهَا المَسِيحُ. فَهِيَ جَمَاعَةُ ذٰلِكَ الَّذِي مَاتَ وَقَامَ وَغَلَبَ المَوْتَ، وَمِنْ ثَمَّ فَلا يَسْتَطِيعُ مَثْوَى الأَمْوَاتِ أَنْ يَحْتَجِزَهَا إِلَى الأَبَدِ. وَيَتَّسِعُ هٰذَا المَعْنَى، فِي القِرَاءَةِ الكَنَسِيَّةِ، لِيَشْمَلَ قُوَى الشَّرِّ الَّتِي تُحَارِبُ الحَيَاةَ وَالإِيمَانَ؛ لٰكِنَّ مِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَجْعَلَ "أَبْوَابَ الجَحِيمِ" مُرَادِفًا مُبَاشَرًا لِكُلِّ "المُؤَامَرَاتِ وَالهَرْطَقَاتِ وَالآفَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ"، لأَنَّ دَلَالَتَهَا النَّصِّيَّةَ الأَسَاسِيَّةَ هِيَ سُلْطَانُ المَوْتِ وَمَمْلَكَتُهُ، وَمِنْهَا يُشْتَقُّ المَعْنَى الأَوْسَعُ لِغَلَبَةِ الكَنِيسَةِ عَلَى قُوَى الشَّرِّ. وَلَيْسَ وَعْدُ يَسُوعَ لِلْكَنِيسَةِ وَعْدًا بِأَلَّا تَتَعَرَّضَ لِاضْطِهَادٍ أَوْ انْقِسَامٍ أَوْ أَزْمَةٍ؛ فَتَارِيخُهَا يَشْهَدُ لِعَكْسِ ذٰلِكَ. إِنَّمَا الوَعْدُ هُوَ أَنَّ المَوْتَ وَالشَّرَّ لَنْ يَكُونَ لَهُمَا الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ عَلَيْهَا، لأَنَّ المَسِيحَ القَائِمَ هُوَ بَانِيهَا وَرَأْسُهَا. وَبِذٰلِكَ تَجْتَمِعُ فِي هٰذِهِ الآيَةِ أَرْبَعُ حَقَائِقَ كَنَسِيَّةٍ كُبْرَى: المَسِيحُ هُوَ بَانِي الكَنِيسَةِ؛ بُطْرُسُ يَنَالُ مِنْهُ مُهِمَّةَ الصَّخْرَةِ؛ الكَنِيسَةُ هِيَ جَمَاعَةُ المَسِيحِ وَشَعْبُهُ؛ وَالمَوْتُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَغْلِبَهَا. وَهٰكَذَا لا يُعْطِي يَسُوعُ سِمْعَانَ اسْمًا جَدِيدًا فَحَسْبُ، بَلْ يَكْشِفُ لَهُ هُوِيَّةً وَدَعْوَةً وَرِسَالَةً. وَهُنَا يَتَحَوَّلُ النَّصُّ إِلَى سُؤَالٍ رُوحِيٍّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ: مَا الاسْمُ، أَي مَا الدَّعْوَةُ، الَّتِي يَكْشِفُهَا المَسِيحُ لِي؟ وَمَا المَكَانُ الَّذِي يَدْعُونِي إِلَى أَنْ أَشْغَلَهُ، كَحَجَرٍ حَيٍّ، فِي بِنَاءِ كَنِيسَتِهِ؟

 

19 "وَسَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَمَا رَبَطْتَهُ فِي الأَرْضِ رُبِطَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا حَلَلْتَهُ فِي الأَرْضِ حُلَّ فِي السَّمَاوَاتِ".

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَسَأُعْطِيكَ" إِلَى وَعْدٍ شَخْصِيٍّ يُوَجِّهُهُ يَسُوعُ إِلَى بُطْرُسَ، وَيَسْتَعْمِلُ فِيهِ ضَمِيرَ المُفْرَدِ، مِمَّا يُظْهِرُ مَكَانَتَهُ الخَاصَّةَ دَاخِلَ جَمَاعَةِ الاثْنَيْ عَشَرَ. وَمَعَ ذٰلِكَ، فَالسُّلْطَانُ الرَّسُولِيُّ لا يُحْصَرُ فِي بُطْرُسَ وَحْدَهُ، إِذْ سَيَمْنَحُ يَسُوعُ جَمَاعَةَ التَّلَامِيذِ أَيْضًا سُلْطَانَ "الرَّبْطِ وَالحَلِّ"(مَتَّى 18: 18). وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ فِي النَّصِّ بُعْدَانِ مُتَكَامِلَانِ: أَوَّلِيَّةُ بُطْرُسَ، وَشَرِكَةُ السُّلْطَانِ الرَّسُولِيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذِهِ الكَلِمَاتِ بِأَنَّ المَسِيحَ، بَعْدَ أَنْ مَدَحَ اعْتِرَافَ بُطْرُسَ، أَعْطَاهُ مَفَاتِيحَ السَّمَاوَاتِ وَسُلْطَانَ الرَّبْطِ وَالحَلِّ، وَرَأَى فِي ذٰلِكَ دَلَالَةً عَلَى سُمُوِّ المُهِمَّةِ الَّتِي أُسْنِدَتْ إِلَيْهِ (PG 58: 535-536).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ"، فَتَسْتَعِيدُ صُورَةً كِتَابِيَّةً عَرِيقَةً، تَظْهَرُ بِوُضُوحٍ خَاصٍّ فِي نُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ عَنْ أَلْيَاقِيمَ بْنِ حِلْقِيَّا، الَّذِي أَقَامَهُ الرَّبُّ رَئِيسًا عَلَى القَصْرِ بَدَلًا مِنْ شَبْنَا (إِشَعْيَاء 22: 15-22). وَيَحْمِلُ اسْمُ "أَلْيَاقِيمَ" (אֶלְיָקִים) دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً، إِذْ يَعْنِي: "اللهُ يُقِيمُ" أَوْ "أَقَامَ اللهُ". وَقَدِ اخْتَارَهُ الرَّبُّ وَدَعَاهُ "عَبْدِي أَلْيَاقِيمَ" (إِشَعْيَاء 22: 20)، وَأَوْكَلَ إِلَيْهِ سُلْطَانًا حَقِيقِيًّا فِي بَيْتِ دَاوُدَ، قَائِلًا: "وَأَجْعَلُ مِفْتَاحَ بَيْتِ دَاوُدَ عَلَى كَتِفِهِ، فَيَفْتَحُ وَلَا يُغْلِقُ أَحَدٌ، وَيُغْلِقُ وَلَا يَفْتَحُ أَحَدٌ" (إِشَعْيَاء 22: 22). وَلَمْ يَكُنِ المِفْتَاحُ هُنَا مُجَرَّدَ أَدَاةٍ لِفَتْحِ البَابِ، بَلْ رَمْزًا إِلَى السُّلْطَانِ وَالوِكَالَةِ وَمَسْؤُولِيَّةِ تَدْبِيرِ البَيْتِ. فَكَمَا أُقِيمَ أَلْيَاقِيمُ وَكِيلًا عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ، يُمَارِسُ سُلْطَانَهُ بِاسْمِ المَلِكِ، كَذٰلِكَ يُسَلِّمُ يَسُوعُ إِلَى بُطْرُسَ "مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 19)، فَيُقِيمُهُ فِي خِدْمَةِ جَمَاعَةِ العَهْدِ الجَدِيدِ، لَا كَمَصْدَرٍ مُسْتَقِلٍّ لِلسُّلْطَانِ، بَلْ كَوَكِيلٍ يَسْتَمِدُّ سُلْطَانَهُ مِنَ المَسِيحِ نَفْسِهِ. وَتَكْتَمِلُ هٰذِهِ الصُّورَةُ فِي سِفْرِ الرُّؤْيَا، حَيْثُ يُنْسَبُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ أَصْلًا إِلَى المَسِيحِ: "هٰذَا مَا يَقُولُ القُدُّوسُ الحَقُّ، مَنْ عِنْدَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، مَنْ يَفْتَحُ فَلَا أَحَدَ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ فَلَا أَحَدَ يَفْتَحُ" (رُؤْيَا 3: 7). وَمِنْ ثَمَّ، فَالمَسِيحُ هُوَ صَاحِبُ السُّلْطَانِ الأَصْلِيِّ، أَمَّا بُطْرُسُ فَيَتَسَلَّمُ المَفَاتِيحَ مِنْهُ لِيُؤَدِّيَ خِدْمَةً كَنَسِيَّةً فِي الوَحْدَةِ وَالإِيمَانِ وَالرِّعَايَةِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِيُّ عِنْدَمَا يُعَلِّمُ أَنَّ المَسِيحَ "أَقَامَ بُطْرُسَ عَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ، وَجَعَلَ فِيهِ مَبْدَأً وَأَسَاسًا دَائِمًا وَمَنْظُورًا لِوَحْدَةِ الإِيمَانِ وَالشَّرِكَةِ" (نور الامم، الفصل الثالث، البند 18؛ وانظر أيضًا البند 22). أَنَّ خَلِيفَةَ بُطْرُسَ يَبْقَى "المَبْدَأَ وَالأَسَاسَ الدَّائِمَ وَالمَنْظُورَ لِوَحْدَةِ الأَسَاقِفَةِ وَجُمْهُورِ المُؤْمِنِينَ" (نور الأمم، 23).

 

أَمَّا عِبَارَةُ "مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" فَلا تُسَاوِي بَيْنَ المَلَكُوتِ وَالكَنِيسَةِ مُسَاوَاةً تَامَّةً. فَمَلَكُوتُ اللهِ أَوْسَعُ مِنَ الكَنِيسَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سِيَادَةُ اللهِ الخَلَاصِيَّةُ وَحُضُورُهُ الفَاعِلُ فِي التَّارِيخِ، أَمَّا الكَنِيسَةُ فَهِيَ بِذْرَةُ المَلَكُوتِ وَبِدَايَتُهُ وَأَدَاتُهُ فِي التَّارِيخِ. وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي حِينَ يَقُولُ إِنَّ الكَنِيسَةَ "تُمَثِّلُ عَلَى الأَرْضِ بَذْرَةَ المَلَكُوتِ وَبِدَايَتَهُ" (نور الامم، 5).

 

أمَّا "المَفَاتِيحُ" فَتُشِيرُ، فِي السِّيَاقِ اليَهُودِيِّ وَالكَنَسِيِّ، إِلَى سُلْطَانِ الإِدَارَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّمْيِيزِ، وَإِلَى مَسْؤُولِيَّةِ فَتْحِ طَرِيقِ المَلَكُوتِ أَمَامَ النَّاسِ بِالبِشَارَةِ وَالإِيمَانِ. وَتَرِدُ صُورَةٌ مُقَابِلَةٌ فِي تَوْبِيخِ يَسُوعَ لِلكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ: "فَإِنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ فِي وُجُوهِ النَّاسِ" (مَتَّى 23: 13؛ راجع لُوقَا 11: 52). وَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ سُلْطَانَ المَفَاتِيحِ لا يَعْنِي سُلْطَانًا اعْتِبَاطِيًّا أَوْ شَخْصِيًّا، بَلْ خِدْمَةً لِلدُّخُولِ إِلَى المَلَكُوتِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ وَالإِيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالأَسْرَارِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "فَمَا رَبَطْتَهُ فِي الأَرْضِ رُبِطَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا حَلَلْتَهُ فِي الأَرْضِ حُلَّ فِي السَّمَاوَاتِ" فَتَسْتَعْمِلُ لُغَةً مَعْرُوفَةً فِي التَّقْلِيدِ الرَّبَّانِيِّ اليَهُودِيِّ. "فَـالرَّبْطُ وَالحَلُّ "كَانَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، وَالمَنْعِ وَالسَّمَاحِ، وَإِصْدَارِ الأَحْكَامِ فِي شَأْنِ مَا هُوَ مُلْزِمٌ أَوْ غَيْرُ مُلْزِمٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَشْمَلَ هٰذَا السُّلْطَانُ أَيْضًا بُعْدًا كَنَسِيًّا وَرَعَوِيًّا، كَالقَبُولِ فِي الجَمَاعَةِ أَوِ الاسْتِبْعَادِ مِنْهَا وَإِعَادَةِ الدَّ مَجِ فِيهَا، إِضَافَةً إِلَى سُلْطَانِ التَّعْلِيمِ وَالتَّمْيِيزِ وَالتَّدْبِيرِ. وَلا يَنْبَغِي، مَعَ ذٰلِكَ، حَصْرُ الرَّبْطِ وَالحَلِّ فِي مَغْفِرَةِ الخَطَايَا وَحْدَهَا؛ فَهٰذَا البُعْدُ يَظْهَرُ بِصُورَةٍ أَوْضَحَ فِي قَوْلِ يَسُوعَ لِلرُّسُلِ: "مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُمْ تُغْفَرُ لَهُمْ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُمْ تُـمْسَكُ" (يُوحَنَّا 20: 23). أَمَّا فِي مَتَّى 16: 19 فَالمَعْنَى أَوْسَعُ، وَيَشْمَلُ السُّلْطَانَ التَّعْلِيمِيَّ وَالرَّعَوِيَّ وَالقَضَائِيَّ فِي خِدْمَةِ الجَمَاعَةِ. وَيَظْهَرُ دَوْرُ بُطْرُسَ هٰذَا فِي سِفْرِ أَعْمَالِ الرُّسُلِ: فَهُوَ الَّذِي يَفْتَحُ، بِالبِشَارَةِ، بَابَ الإِيمَانِ أَمَامَ اليَهُودِ يَوْمَ العَنْصَرَةِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 14-41)، ثُمَّ يَلْعَبُ دَوْرًا حَاسِمًا فِي دُخُولِ الأُمَمِ إِلَى الجَمَاعَةِ مِنْ خِلَالِ كُرْنِيلِيُوسَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 10: 1-48؛ 11: 1-18). وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ بُطْرُسَ "أَخْرَجَ حَنَانِيَا وَسَفِّيرَةَ مِنَ الكَنِيسَةِ"، لأَنَّ النَّصَّ يَرْوِي دَيْنُونَتَهُمَا وَمَوْتَهُمَا بَعْدَ كَذِبِهِمَا عَلَى الرُّوحِ القُدُسِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 5: 1-11)، لا حُكْمًا كَنَسِيًّا صَرِيحًا بِالحَرْمِ. وَكَذٰلِكَ فِي حَالَةِ سِيمُونَ السَّاحِرِ، يَقُولُ لَهُ بُطْرُسُ: "لا نَصِيبَ لَكَ وَلا حَقَّ فِي هٰذَا الأَمْرِ" وَيَدْعُوهُ إِلَى التَّوْبَةِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 8: 20-24). وَيُعَادُ مَنْحُ سُلْطَانِ الرَّبْطِ وَالحَلِّ لِجَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ فِي مَتَّى 18: 18: "الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَا رَبَطْتُمْ فِي الأَرْضِ رُبِطَ فِي السَّمَاءِ، وَمَا حَلَلْتُمْ فِي الأَرْضِ حُلَّ فِي السَّمَاءِ". وَهٰذَا يَكْشِفُ أَنَّ مَا أُعْطِيَ لِبُطْرُسَ شَخْصِيًّا فِي مَتَّى 16: 19 يَنْدَرِجُ دَاخِلَ سُلْطَانٍ رَسُولِيٍّ أَوْسَعَ، مَعَ بَقَاءِ مَكَانَتِهِ الخَاصَّةِ فِي الجَمَاعَةِ. وَهٰذَا مَا يُعَلِّمُهُ المجمع الفاتيكاني الثاني. فَالمَجْمَعُ لا يَفْصِلُ خِدْمَةَ بُطْرُسَ عَنْ جَمَاعَةِ الرُّسُلِ، بَلْ يُؤَكِّدُ أَنَّ بُطْرُسَ وَالاثْنَيْ عَشَرَ يُؤَلِّفُونَ جَمَاعَةً رَسُولِيَّةً وَاحِدَةً، وَأَنَّ هٰذِهِ البِنْيَةَ تَسْتَمِرُّ فِي العَلاقَةِ بَيْنَ خَلِيفَةِ بُطْرُسَ وَهَيْئَةِ الأَسَاقِفَةِ (نور الأمم، 22). وَقَدْ رَأَى القِدِّيسُ كِبْرِيَانُسُ القَرْطَاجِيُّ فِي مَنْحِ السُّلْطَانِ لِبُطْرُسَ إِظْهَارًا لِوَحْدَةِ الكَنِيسَةِ، مَعَ تَأْكِيدِهِ أَنَّ الرُّسُلَ يَشْتَرِكُونَ فِي الرِّسَالَةِ وَالخِدْمَةِ (PL 4: 498-500). وَفِي قِصَّةِ مَجْمَعِ أُورُشَلِيمَ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 15)، نَرَى مِثَالًا عَمَلِيًّا لِلسُّلْطَانِ الرَّسُولِيِّ فِي التَّمْيِيزِ وَاتِّخَاذِ القَرَارِ بِقِيَادَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، إِذْ يُعْلِنُ الرُّسُلُ: "قَدْ حَسُنَ لَدَى الرُّوحِ القُدُسِ وَلَدَيْنَا" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 15: 28). وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ المَجْمَعَ "أَبْطَلَ شَرِيعَةَ الأَطْعِمَةِ وَالخِتَانَ" بِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ، بَلْ إِنَّهُ قَرَّرَ أَلَّا يُفْرَضَ نِيرُ الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ كَامِلًا عَلَى المُؤْمِنِينَ مِنَ الأُمَمِ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "رُبِطَ فِي السَّمَاوَاتِ" وَ"حُلَّ فِي السَّمَاوَاتِ" فَتُشِيرُ إِلَى أَنَّ القَرَارَ الكَنَسِيَّ الأَصِيلَ، حِينَ يُمَارَسُ فِي الأَمَانَةِ لِلمَسِيحِ وَبِقِيَادَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، لا يَبْقَى مُجَرَّدَ قَرَارٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ يَكُونُ لَهُ وَزْنٌ أَمَامَ اللهِ. وَهُنَا يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنْ تَفْسِيرِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ السَّمَاءَ تَتْبَعُ إِرَادَةَ بُطْرُسَ أَوِ الرُّسُلِ تَبَعًا آلِيًّا. فَالسُّلْطَانُ الكَنَسِيُّ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ؛ بَلْ هُوَ مُكَلَّفٌ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهَا وَخِدْمَتِهَا. وَيُعَبِّرُ النَّصُّ اليُونَانِيُّ بِصِيغَةٍ يُمْكِنُ فَهْمُهَا فِي ضَوْءِ هٰذَا التَّوَافُقِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ: فَسُلْطَانُ الرَّبْطِ وَالحَلِّ مُعْطًى لِلْكَنِيسَةِ لِكَيْ تُمَيِّزَ وَتُعْلِنَ فِي الأَرْضِ مَا يَنْسَجِمُ مَعَ إِرَادَةِ اللهِ، لا لِكَيْ تَفْرِضَ عَلَى اللهِ قَرَارًا بَشَرِيًّا. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ وَعْدِ يَسُوعَ لِرُسُلِهِ: "مَتَى جَاءَ هُوَ، أَي رُوحُ الحَقِّ، أَرْشَدَكُمْ إِلَى الحَقِّ كُلِّهِ" (يُوحَنَّا 16: 13)، وَمَعَ إِيمَانِ الكَنِيسَةِ بِأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَحْفَظُهَا فِي الحَقِّ وَيَقُودُ رُعَاتَهَا فِي خِدْمَةِ الإِيمَانِ. وَمِنْ هُنَا، فَلا يُفَضَّلُ رَبْطُ الآيَةِ مُبَاشَرَةً وَبِصُورَةٍ مُطْلَقَةٍ بِـعِصْمَةِ كُلِّ حُكْمٍ دِينِيٍّ يَصْدُرُ عَنِ الرُّسُلِ أَوْ خُلَفَائِهِمْ؛ فَمَفْهُومُ العِصْمَةِ الكَنَسِيَّةِ لَهُ شُرُوطٌ وَحُدُودٌ عَقَائِدِيَّةٌ دَقِيقَةٌ. وَالأَدَقُّ هُنَا أَنْ نَقُولَ إِنَّ الآيَةَ تُؤَسِّسُ لِـسُلْطَانٍ حَقِيقِيٍّ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّمْيِيزِ، يُمَارَسُ فِي الشَّرِكَةِ مَعَ المَسِيحِ وَبِقِيَادَةِ الرُّوحِ القُدُسِ. وَهٰكَذَا تَكْشِفُ الآيَةُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَبْعَادٍ مُتَكَامِلَةٍ فِي خِدْمَةِ بُطْرُسَ: المَفَاتِيحُ تَدُلُّ عَلَى المَسْؤُولِيَّةِ وَالسُّلْطَانِ؛ الرَّبْطُ وَالحَلُّ يَدُلَّانِ عَلَى التَّعْلِيمِ وَالتَّمْيِيزِ وَالتَّدْبِيرِ؛ وَمُوَافَقَةُ السَّمَاءِ تُذَكِّرُ أَنَّ هٰذِهِ السُّلْطَةَ خِدْمَةٌ لإِرَادَةِ اللهِ، لا مُلْكِيَّةٌ شَخْصِيَّةٌ. وَمِنْ هُنَا يَتَحَوَّلُ النَّصُّ إِلَى دَعْوَةٍ رُوحِيَّةٍ وَكَنَسِيَّةٍ لَنَا: هَلْ نَسْتَعْمِلُ مَا أَعْطَانَا اللهُ مِنْ سُلْطَانٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ لِنَفْتَحَ أَبْوَابَ المَلَكُوتِ أَمَامَ الآخَرِينَ، أَمْ نَجْعَلُ مِنْهَا أَبْوَابًا مُغْلَقَةً فِي وُجُوهِهِمْ؟

 

20 "ثُمَّ أَوْصَى تَلَامِيذَهُ بِأَلَّا يُخْبِرُوا أَحَدًا بِأَنَّهُ المَسِيحُ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "بِأَلَّا يُخْبِرُوا أَحَدًا بِأَنَّهُ المَسِيحُ" إِلَى أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَرْفُضْ لَقَبَ "المَسِيح"، بَلْ مَنَعَ تَلَامِيذَهُ مِنْ إِعْلَانِهِ فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ، لأَنَّ المَعْنَى الحَقِيقِيَّ لِمَسِيحَانِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ قَدِ اكْتَمَلَ بَعْدُ فِي وَعْيِهِمْ. فَهُمْ اعْتَرَفُوا بِهِ مَسِيحًا، لٰكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ قَدْ فَهِمُوا أَنَّ طَرِيقَ المَسِيحِ يَمُرُّ بِالآلامِ وَالصَّلِيبِ وَالمَوْتِ ثُمَّ القِيَامَةِ. وَلِذٰلِكَ يَأْتِي هٰذَا النَّهْيُ مُبَاشَرَةً قَبْلَ أَوَّلِ إِعْلَانٍ صَرِيحٍ عَنِ الآلامِ: "مِنْ ذٰلِكَ الوَقْتِ بَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً [...] وَيُقْتَلَ وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مَتَّى 16: 21). وَهٰذَا التَّرْتِيبُ السَّرْدِيُّ مُهِمٌّ جِدًّا: الاعْتِرَافُ بِالمَسِيحِ يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ فِي ضَوْءِ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ.

 

وَقَدْ كَانَ لَقَبُ "المَسِيح" فِي بَعْضِ الأَوْسَاطِ اليَهُودِيَّةِ يَحْمِلُ تَوَقُّعَاتٍ سِيَاسِيَّةً وَقَوْمِيَّةً وَانْتِصَارِيَّةً؛ وَلِذٰلِكَ كَانَ إِعْلَانُهُ قَبْلَ تَصْحِيحِ هٰذِهِ التَّصَوُّرَاتِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى سُوءِ فَهْمِ رِسَالَةِ يَسُوعَ. فَهُوَ لَيْسَ مَسِيحًا عَسْكَرِيًّا يَنْتَصِرُ بِالسَّيْفِ، بَلْ مَسِيحٌ يَخْلُصُ بِبَذْلِ الذَّاتِ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى هٰذَا النَّهْيِ بِأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يُرِدْ لِلتَّلَامِيذِ أَنْ يُعْلِنُوا عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَّضِحَ سِرُّ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ، لِئَلَّا يُفْهَمَ لَقَبُ "المَسِيح" فَهْمًا نَاقِصًا أَوْ أَرْضِيًّا (PG 58: 536-537). وَفِي الإِنْجِيلِ المُوَازِي، يَقُولُ لُوقَا: "فَنَهَرَهُمْ وَأَوْصَاهُمْ أَلَّا يَقُولُوا ذٰلِكَ لأَحَدٍ" (لُوقَا 9: 21)، ثُمَّ يُتْبِعُ ذٰلِكَ مُبَاشَرَةً بِإِعْلَانِ آلامِ ابْنِ الإِنْسَانِ (لُوقَا 9: 22). وَيَظْهَرُ المَعْنَى نَفْسُهُ فِي مَرْقُس 8: 30-31. وَمِنْ هُنَا، فَالمَقْصُودُ لَيْسَ "حِفْظَ سِرٍّ" بِمَعْنًى مُجَرَّدٍ، بَلْ تَأْخِيرُ الإِعْلَانِ إِلَى أَنْ تَصِيرَ هُوِيَّةُ المَسِيحِ مَفْهُومَةً فِي ضَوْءِ السِّرِّ الفِصْحِيِّ. فَالمَسِيحُ لا يُعْرَفُ حَقًّا إِلَّا بِوَحْدَةِ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ. وَلِذٰلِكَ، فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ "سِرَّ المَسِيحِ لَمْ يُكْشَفْ إِلَّا فِي الآلامِ" بِمَعْنًى مُطْلَقٍ، لأَنَّ هُوِيَّتَهُ كَانَتْ قَدْ كُشِفَتْ مُنْذُ المعمودية والتجلي واعتراف بطرس؛ بَلْ إِنَّ المَعْنَى الكَامِلَ لِمَسِيحَانِيَّتِهِ لَمْ يَتَّضِحْ إِلَّا مِنْ خِلَالِ الآلامِ وَالمَوْتِ وَالقِيَامَةِ. وَيَظْهَرُ هٰذَا بوضوح فِي مَشْهَدِ مُحَاكَمَةِ يَسُوعَ، حِينَ سَأَلَهُ رَئِيسُ الكَهَنَةِ: "أَأَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ المُبَارَكِ؟" فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: "أَنَا هُوَ" (مَرْقُس 14: 61-62). وَهُنَا يَأْتِي الاعْتِرَافُ بِالمَسِيحِ فِي السِّيَاقِ الَّذِي يَقُودُ مُبَاشَرَةً إِلَى الصَّلِيبِ. وَبَعْدَ القِيَامَةِ، زَالَ سَبَبُ الصَّمْتِ، وَصَارَ عَلَى الرُّسُلِ أَنْ يُعْلِنُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ المَسِيحُ القَائِمُ. وَفِي عِظَةِ بُطْرُسَ يَوْمَ العَنْصَرَةِ نَسْمَعُ الإِعْلَانَ الوَاضِحَ: "فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا بَيْتُ إِسْرَائِيلَ أَجْمَعُ أَنَّ يَسُوعَ هٰذَا الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ قَدْ جَعَلَهُ اللهُ رَبًّا وَمَسِيحًا" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 36).

 

وَهُنَا نَرَى التَّحَوُّلَ الوَاضِحَ: فِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ "لا تُخْبِرُوا أَحَدًا"، أَمَّا بَعْدَ القِيَامَةِ فَالأَمْرُ هُوَ: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ" (مَتَّى 28: 19). فَالصَّمْتُ كَانَ مُؤَقَّتًا، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَهِيَ الرِّسَالَةُ النِّهَائِيَّةُ. وَيَنْبَغِي أَيْضًا تَدْقِيقُ القَوْلِ إِنَّ هٰذِهِ الآيَةَ "تَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ التَّلَامِيذِ اشْتَرَكُوا فِي اعْتِرَافِ بُطْرُسَ بِلاهُوتِ المَسِيحِ". فَالنَّصُّ يُظْهِرُ أَنَّ بُطْرُسَ تَكَلَّمَ بِاسْمِ الجَمَاعَةِ، لٰكِنَّهُ لا يَعْنِي أَنَّ جَمِيعَ التَّلَامِيذِ كَانُوا قَدْ أَدْرَكُوا بَعْدُ كُلَّ مَا يَتَضَمَّنُهُ هٰذَا الاعْتِرَافُ؛ وَسَيُظْهِرُ مَوْقِفُ بُطْرُسَ نَفْسِهِ فِي الآيَاتِ التَّالِيَةِ أَنَّ فَهْمَهُ لِمَسِيحَانِيَّةِ يَسُوعَ كَانَ لا يَزَالُ بِحَاجَةٍ إِلَى تَنْقِيَةٍ (مَتَّى 16: 22-23). وَهٰذَا يُعَلِّمُنَا أَنَّ صِحَّةَ العِبَارَةِ الإِيمَانِيَّةِ لا تَعْنِي دَائِمًا اكْتِمَالَ فَهْمِهَا. فَبُطْرُسُ قَالَ الحَقَّ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ"، وَلٰكِنَّهُ احْتَاجَ بَعْدَ ذٰلِكَ إِلَى أَنْ يَتَعَلَّمَ أَنَّ المَسِيحَ المَمْسُوحَ هُوَ أَيْضًا العَبْدُ المُتَأَلِّمُ الَّذِي يَبْذُلُ نَفْسَهُ. وَقَدْ أَبْرَزَ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ هٰذَا البُعْدَ فِي تَفْسِيرِهِ للإيمان الرسولي، إذ ربط معرفة هوية المسيح بقبول سرّ آلامه، لأن المجد المسيحاني لا ينفصل عن الصليب. وَمِنْ هُنَا، فَالتَّطْبِيقُ الرُّوحِيُّ لِلآيَةِ هُوَ أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعْتَرِفَ بِالمَسِيحِ اعْتِرَافًا نَاضِجًا إِنْ كُنَّا نُرِيدُهُ مَسِيحًا بِلَا صَلِيبٍ، أَوْ مَجْدًا بِلَا بَذْلٍ، أَوْ خَلَاصًا بِلَا تَلْمَذَةٍ. فَالمَسِيحُ الَّذِي نُؤْمِنُ بِهِ هُوَ المَصْلُوبُ وَالقَائِمُ، وَهُوَ الَّذِي يَدْعُونَا لِكَيْ نَتْبَعَهُ فِي الطَّرِيقِ نَفْسِهِ: طَرِيقِ المَحَبَّةِ وَبَذْلِ الذَّاتِ وَالرَّجَاءِ. وَبِهٰذَا تَكُونُ الآيَةُ 20 خَاتِمَةَ مَقْطَعِ الاعْتِرَافِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ بَوَّابَةَ المَقْطَعِ التَّالِي: مَنْ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ مَسِيحًا، عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ فَوْرًا أَنَّ المَسِيحَ هُوَ مَنْ يَمُرُّ بِالصَّلِيبِ إِلَى القِيَامَةِ.

 

 

ثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 16: 13-20)

 

بَعْدَ دِرَاسَةٍ مُوجَزَةٍ لِوَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَحْلِيلِهِ (مَتَّى 16: 13-20)، يَتَّضِحُ أَنَّ المَقْطَعَ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مَوْضُوعَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ: هُوِيَّةِ يَسُوعَ الحَقِيقِيَّةِ، وَالمَكَانَةِ الخَاصَّةِ لِبُطْرُسَ فِي بِنَاءِ الكَنِيسَةِ وَخِدْمَةِ وَحْدَتِهَا.

 

1) هُوِيَّةُ يَسُوعَ

 

بَعْدَ أَنْ حَذَّرَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ مِنْ "خَمِيرِ الفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ"، أَيْ مِنْ تَعْلِيمِهِمْ (مَتَّى 16: 5-12)، تَوَجَّهَ مَعَهُمْ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ، حَيْثُ طَرَحَ عَلَيْهِمْ سُؤَالَيْنِ مُتَدَرِّجَيْنِ عَنْ هُوِيَّتِهِ. فَسَأَلَ أَوَّلًا: "مَنْ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَوْلِ النَّاسِ؟" (مَتَّى 16: 13)، ثُمَّ نَقَلَ السُّؤَالَ مِنْ رَأْيِ الجُمُوعِ إِلَى اعْتِرَافِ التَّلَامِيذِ الشَّخْصِيِّ: "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" (مَتَّى 16: 15). فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16، لا 15: 16).

 

وَهٰكَذَا يَجْمَعُ النَّصُّ بَيْنَ لَقَبَيْنِ مُتَكَامِلَيْنِ: "ابْنِ الإِنْسَانِ" الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ يَسُوعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَ"ابْنِ اللهِ الحَيِّ" الَّذِي يَعْتَرِفُ بِهِ بُطْرُسُ. وَلا يَنْبَغِي فَهْمُهُمَا عَلَى أَنَّ الأَوَّلَ يُثْبِتُ نَاسُوتَ يَسُوعَ وَحْدَهُ، وَالثَّانِي لَاهُوتَهُ وَحْدَهُ، بَلْ كَلِقَبَيْنِ كِتَابِيَّيْنِ يَكْشِفَانِ، كُلٌّ مِنْ زَاوِيَتِهِ، عَنْ سِرِّ شَخْصِهِ وَرِسَالَتِهِ.

 

أ) يَسُوعُ ابْنُ الإِنْسَانِ

 

شَرَعَ يَسُوعُ فِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ يُهَيِّئُ تَلَامِيذَهُ لِحَقِيقَةٍ كَانَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْهِمْ قَبُولُهَا: أَنَّ المَسِيحَ سَيَمُرُّ بِالآلامِ وَالمَوْتِ قَبْلَ المَجْدِ وَالقِيَامَةِ. وَلِذٰلِكَ يَأْتِي سُؤَالُهُ: «مَنْ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَوْلِ النَّاسِ؟» (مَتَّى 16: 13)، قَبْلَ أَنْ يُعْلِنَ لَهُمْ مُبَاشَرَةً أَنَّهُ «يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً [...] وَيُقْتَلَ وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ» (مَتَّى 16: 21).

 

وَيَرِدُ لَقَبُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" بِكَثْرَةٍ فِي الأَنَاجِيلِ، وَيَسْتَعْمِلُهُ يَسُوعُ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى نَحْوٍ مُتَمَيِّزٍ. وَيَرْجِعُ التَّعْبِيرُ السَّامِيُّ إِلَى صِيَغٍ مِثْلَ الآرَامِيَّةِ בַּר אֱנָשׁ، الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَدُلَّ فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ عَلَى "الإِنْسَانِ" أَوِ "البَشَرِيِّ". وَتَرِدُ تَعَابِيرُ مُشَابِهَةٌ فِي العَهْدِ القَدِيمِ، مِثْلَ: "ابْنِ الإِنْسَانِ الَّذِي أَيَّدْتَهُ لَكَ" (مَزْمُور 80: 18).

 

غَيْرَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ يَسُوعَ لِلَّقَبِ لا يُفْهَمُ فَقَطْ بِمَعْنَى "إِنْسَانٍ مِنَ البَشَرِ"، بَلْ يَحْمِلُ خَلْفِيَّةً رُؤْيَوِيَّةً وَإِسْكَاتُولُوجِيَّةً وَاضِحَةً، وَخَاصَّةً فِي ضَوْءِ سِفْرِ دَانِيَالَ. فَالنَّبِيُّ يَقُولُ: "وَإِذَا بِمِثْلِ ابْنِ إِنْسَانٍ آتٍ عَلَى غَمَامِ السَّمَاءِ [...] وَأُوتِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمُلْكًا، فَجَمِيعُ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ يَعْبُدُونَهُ، وَسُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ لا يَزُولُ" (دَانِيَال 7: 13-14) |. وَيَرَى القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الأُورُشَلِيمِيُّ فِي هٰذِهِ الرُّؤْيَا إِعْلَانًا عَنْ مَجِيءِ المَسِيحِ الثَّانِي فِي المَجْدِ وَمُلْكِهِ الَّذِي لا يَزُول، مُشَدِّدًا عَلَى أَنَّ المَسِيحَ الَّذِي جَاءَ أَوَّلًا فِي التَّوَاضُعِ وَالأَلَمِ سَيَأْتِي ثَانِيَةً فِي المَجْدِ وَالمُلْكِ (PG 33: 869-870). وَهٰكَذَا يَجْمَعُ لَقَبُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" فِي أَقْوَالِ يَسُوعَ بَيْنَ أَبْعَادٍ ثَلَاثَةٍ رَئِيسِيَّةٍ: سُلْطَانِهِ فِي خِدْمَتِهِ الأَرْضِيَّةِ، وَآلامِهِ وَمَوْتِهِ، وَمَجِيئِهِ الأُخْرَوِيِّ فِي المَجْدِ.

 

فَمِنْ جِهَةٍ، يَقُولُ يَسُوعُ إِنَّ "لِابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا فِي الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا" (مَتَّى 9: 6)، وَإِنَّ "ابْنَ الإِنْسَانِ رَبُّ السَّبْتِ" (مَتَّى 12: 8). وَمِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، يَسْتَعْمِلُ اللَّقَبَ عِنْدَ إِعْلَانِ آلامِهِ: "إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَيُسْلَمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ، فَيَقْتُلُونَهُ" (مَتَّى 17: 22-23). وَمِنْ جِهَةٍ ثَالِثَةٍ، يَسْتَعْمِلُهُ فِي إِعْلَانِ مَجِيئِهِ: "سَوْفَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِ أَبِيهِ وَمَعَهُ مَلَائِكَتُهُ» (مَتَّى 16: 27)، وَ"تَرَى ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى غَمَامِ السَّمَاءِ فِي تَمَامِ العِزَّةِ وَالجَلَالِ" (مَتَّى 24: 30). وَفِي هٰذَا يَظْهَرُ التَّوَازُنُ العَمِيقُ فِي اللَّقَبِ: ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ المُتَأَلِّمُ وَهُوَ أَيْضًا المُمَجَّدُ؛ هُوَ الَّذِي يُرْفَضُ وَيُقْتَلُ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي فِي المَجْدِ لِيَدِينَ وَيَمْلِكَ. وَيُعَبِّرُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُس عَنْ هٰذَا السِّرِّ مِنْ زَاوِيَةِ التَّجَسُّدِ، فَيُؤَكِّدُ أَنَّ الَّذِي هُوَ ابْنُ اللهِ صَارَ ابْنَ الإِنْسَانِ مِنْ أَجْلِنَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْقِدَ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي لَاهُوتِهِ؛ فَهُوَ أَخَذَ مَا لَمْ يَكُنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْرُكَ مَا كَانَهُ. وهكذا يصير "ابن الإنسان" تعبيرًا عن حقيقة التجسد لا عن نقصان في لاهوته.

 

وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي الحَذَرُ مِنْ القَوْلِ إِنَّ يَسُوعَ اسْتَعْمَلَ "ابْنَ الإِنْسَانِ" بَدَلًا مِنْ "المَسِيحِ" مُجَرَّدَ اسْتِبْدَالٍ لِلَّقَبِ. فَالأَدَقُّ أَنَّ لَقَبَ "ابْنِ الإِنْسَانِ" سَمَحَ لِيَسُوعَ أَنْ يُعْلِنَ هُوِيَّتَهُ وَرِسَالَتَهُ بِصُورَةٍ لا تَنْحَصِرُ فِي التَّوَقُّعَاتِ القَوْمِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُحِيطُ أَحْيَانًا بِلَقَبِ "المَسِيح".

 

وَبِهٰذَا يَجْمَعُ يَسُوعُ بَيْنَ صُورَتَيْنِ كَانَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَى التَّلَامِيذِ جَمْعُهُمَا: ابْنُ الإِنْسَانِ المُمَجَّدُ فِي دَانِيَال 7، وَالمَسِيحُ الَّذِي يَسْلُكُ طَرِيقَ الأَلَمِ وَالصَّلِيبِ. وَهٰذَا هُوَ مَا سَيَصْطَدِمُ بِهِ بُطْرُسُ مُبَاشَرَةً عِنْدَمَا يَرْفُضُ فِكْرَةَ آلامِ يَسُوعَ (مَتَّى 16: 22-23).

 

وَمِنَ المُمْكِنِ أَيْضًا أَنْ نَرَى صِلَةً لَاهُوتِيَّةً بَيْنَ طَرِيقِ ابْنِ الإِنْسَانِ وَصُورَةِ عَبْدِ الرَّبِّ المُتَأَلِّمِ فِي إِشَعْيَاء 52: 13–53: 12، لا بِمَعْنَى أَنَّ اللَّقَبَيْنِ مُتَطَابِقَانِ، بَلْ لأَنَّ يَسُوعَ يَجْمَعُ فِي رِسَالَتِهِ بَيْنَ الآلامِ مِنْ أَجْلِ الآخَرِينَ وَالمَجْدِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهَا. وَيَظْهَرُ هٰذَا بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ فِي قَوْلِهِ: "ابْنُ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدُمَ وَيَفْدِيَ بِنَفْسِهِ جَمَاعَةَ النَّاسِ" (مَتَّى 20: 28).

 

وَلَقَبُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" لا يَدُلُّ فِي الأَنَاجِيلِ عَلَى يَسُوعَ كَمُمَثِّلٍ لِلْمُضْطَهَدِينَ فَقَطْ، وَلٰكِنْ يُمْكِنُ، فِي قِرَاءَةٍ رُوحِيَّةٍ، رَبْطُهُ بِتَضَامُنِ المَسِيحِ مَعَ الصِّغَارِ وَالمُتَأَلِّمِينَ، خَاصَّةً فِي قَوْلِهِ: "كُلَّمَا صَنَعْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذٰلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِي هٰؤُلَاءِ الصِّغَارِ، فَلِي قَدْ صَنَعْتُمُوهُ" (مَتَّى 25: 40).

 

أَمَّا القَوْلُ إِنَّ "القِيَامَةَ نَصَّبَتْ يَسُوعَ ابْنَ الإِنْسَانِ"، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَدْقِيقٍ؛ فَيَسُوعُ يَسْتَعْمِلُ هٰذَا اللَّقَبَ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ القِيَامَةِ. وَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ القِيَامَةَ أَظْهَرَتْ وَثَبَّتَتْ أَمَامَ التَّلَامِيذِ حَقِيقَةَ السُّلْطَانِ وَالمَجْدِ اللَّذَيْنِ كَانَ يَعْلَنُهُمَا يَسُوعُ عَنْ ابْنِ الإِنْسَانِ.

 

وَبَعْدَ القِيَامَةِ، تَجِدُ صُورَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ الدَّانِيَالِيَّةُ صَدًى وَاضِحًا فِي شَهَادَةِ إسطفانس: "هَا إِنِّي أَرَى السَّمَاوَاتِ مُنْفَتِحَةً وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 7: 56)، وَفِي صُوَرِ سِفْرِ الرُّؤْيَا عَنْ "شَبِيهٍ بِابْنِ إِنْسَانٍ"(رُؤْيَا 1: 13؛ 14: 14).

 

أَمَّا القَوْلُ إِنَّ لَقَبَ "ابْنِ الإِنْسَانِ "فَقَدَ بُعْدَهُ" عِنْدَ الجَمَاعَاتِ المَسِيحِيَّةِ اليُونَانِيَّةِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى صِيَاغَةٍ أَدَقَّ. فَالأَصَحُّ أَنَّ اللَّقَبَ لَمْ يَصِرْ اللَّقَبَ الرَّئِيسِيَّ فِي الكَرَازَةِ الرَّسُولِيَّةِ خَارِجَ الأَنَاجِيلِ، فِي حِينِ بَرَزَتْ أَلْقَابٌ أُخْرَى مِثْلُ "الرَّبِّ"، وَ"المَسِيحِ"، وَ"ابْنِ اللهِ". وَلٰكِنَّ هٰذَا لا يَعْنِي ضَيَاعَ مَعْنَاهُ، بَلِ انْدِمَاجَهُ فِي الإِيمَانِ الأَوْسَعِ بِشَخْصِ المَسِيحِ المَصْلُوبِ وَالقَائِمِ وَالآتِي فِي المَجْدِ.

 

وَلَيْسَ مِنَ الدَّقِيقِ أَيْضًا القَوْلُ إِنَّ المَسِيحِيِّينَ انْتَقَلُوا مِنْ "ابْنِ الإِنْسَانِ" إِلَى "ابْنِ اللهِ" فَقَطْ بِسَبَبِ نُصُوصِ دَانِيَالَ؛ فَلِقَبُ "ابْنِ اللهِ" لَهُ جُذُورُهُ الخَاصَّةُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ وَفِي شَهَادَةِ يَسُوعَ وَاعْتِرَافِ الكَنِيسَةِ، كَمَا يَظْهَرُ فِي مَتَّى 3: 17؛ 11: 27؛ 16: 16؛ 17: 5.

 

وَعِنْدَ آبَاءِ الكَنِيسَةِ، لَمْ يُفْهَمْ لَقَبُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" فَهْمًا "حَرْفِيًّا" فَقَطْ بِمَعْنَى مُمَثِّلِ الإِنْسَانِيَّةِ، بَلْ دَخَلَ ضِمْنَ تَأَمُّلِهِمْ فِي سِرِّ التَّجَسُّدِ وَوَحْدَةِ شَخْصِ المَسِيحِ وَمَجِيئِهِ فِي المَجْدِ. وَمِثَالُ ذٰلِكَ مَا يُعَلِّمُهُ كِيرِلُّسُ الأُورُشَلِيمِيُّ عَنْ المَجِيئَيْنِ: الأَوَّلِ فِي التَّوَاضُعِ وَالصَّلِيبِ، وَالثَّانِي فِي المَجْدِ وَالمُلْكِ (PG 33: 869-870).

 

وَبِذٰلِكَ، فَإِنَّ سُؤَالَ يَسُوعَ: "مَنْ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ؟" لا يَقُودُ التَّلَامِيذَ مِنْ "«نَاسُوتِهِ" إِلَى "لَاهُوتِهِ" بِمَعْنًى مُبَسَّطٍ، بَلْ يَقُودُهُمْ مِنْ التَّصَوُّرَاتِ النَّاقِصَةِ عَنْ شَخْصِهِ إِلَى اعْتِرَافٍ أَكْمَلَ بِهِ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ". وَمِنْ هُنَا يَبْقَى لَقَبُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" عَلامَةً عَلَى سِرٍّ مُتَكَامِلٍ: الَّذِي شَارَكَنَا حَالَتَنَا البَشَرِيَّةَ هُوَ نَفْسُهُ صَاحِبُ السُّلْطَانِ وَالمَجْدِ؛ وَالَّذِي يَمُرُّ بِالصَّلِيبِ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى سُحُبِ السَّمَاءِ؛ وَالَّذِي صَارَ ابْنَ الإِنْسَانِ مِنْ أَجْلِنَا هُوَ الَّذِي نَعْتَرِفُ بِهِ مَعَ بُطْرُسَ: "ابْنَ اللهِ الحَيِّ".

 

ب) يَسُوعُ ابْنُ اللهِ

 

لِفَهْمِ لَقَبِ "ابْنِ اللهِ" فِي اعْتِرَافِ بُطْرُسَ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، لا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ إِلَى جُذُورِ هٰذَا اللَّقَبِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ، ثُمَّ إِلَى مَعْنَاهُ الفَرِيدِ فِي شَخْصِ يَسُوعَ، وَإِلَى كَيْفِيَّةِ انْكِشَافِ هٰذِهِ البُنُوَّةِ فِي التَّجَسُّدِ وَالآلامِ وَالقِيَامَةِ، ثُمَّ فِي كَرَازَةِ الكَنِيسَةِ الرَّسُولِيَّةِ.

 

مَفْهُومُ "ابْنِ اللهِ"

 

تَرِدُ صُوَرُ البُنُوَّةِ للهِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ فِي أَكْثَرَ مِنْ سِيَاقٍ. فَيُدْعَى إِسْرَائِيلُ "ابْنَ" اللهِ: "إِسْرَائِيلُ ابْنِيَ البِكْرُ" (خُرُوج 4: 22)، وَيُطْلَقُ لُغَةُ البُنُوَّةِ عَلَى المَلِكِ الدَّاوُدِيِّ: "أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا" (2 صَمُوئِيل 7: 14)، وَفِي المَزْمُورِ المَسِيحَانِيِّ: "أَنْتَ ابْنِي، أَنَا اليَوْمَ وَلَدْتُكَ" (مَزْمُور 2: 7). فَكَانَتِ البُنُوَّةُ تُشِيرُ إِلَى الاخْتِيَارِ وَالعَهْدِ وَالقُرْبِ مِنَ اللهِ وَالمُهِمَّةِ الَّتِي يَعْهَدُ بِهَا إِلَى مَنْ اخْتَارَهُ.

 

غَيْرَ أَنَّ العَهْدَ الجَدِيدَ يَنْسُبُ إِلَى يَسُوعَ بُنُوَّةً فَرِيدَةً لا تُخْتَزَلُ فِي هٰذِهِ المَعَانِي المَجَازِيَّةِ أَوِ الوَظِيفِيَّةِ. فَيَسُوعُ لَيْسَ "ابْنًا للهِ" عَلَى غِرَارِ بَقِيَّةِ الَّذِينَ دُعُوا أَبْنَاءً، بَلْ هُوَ الابْنُ الَّذِي لَهُ عَلاقَةٌ فَرِيدَةٌ وَلا نَظِيرَ لَهَا بِالآبِ. وَمِنْ هُنَا تَأْتِي رِسَالَتُهُ الفَرِيدَةُ: "وَتُسَمِّيهِ يَسُوعَ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مَتَّى 1: 21).

 

وَيَظْهَرُ هٰذَا التَّفَرُّدُ بِوُضُوحٍ فِي كَلِمَاتِ يَسُوعَ: "لا أَحَدَ يَعْرِفُ الابْنَ إِلَّا الآبُ، وَلا أَحَدَ يَعْرِفُ الآبَ إِلَّا الابْنُ وَمَنْ شَاءَ الابْنُ أَنْ يَكْشِفَهُ لَهُ" (مَتَّى 11: 27). فَالمَعْرِفَةُ المُتَبَادَلَةُ بَيْنَ الآبِ وَالابْنِ تَتَجَاوَزُ عَلاقَةَ نَبِيٍّ أَوْ مَلِكٍ مُخْتَارٍ بِاللهِ، وَتَكْشِفُ عَنْ عَلاقَةِ بُنُوَّةٍ فَرِيدَةٍ.

 

وَيُعَبِّرُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا عَنْ هٰذِهِ العَلاقَةِ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ: "الآبُ يُحِبُّ الابْنَ فَجَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ" (يُوحَنَّا 3: 35)، وَ"كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ المَوْتَى وَيُحْيِيهِمْ، فَكَذٰلِكَ الابْنُ يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ" (يُوحَنَّا 5: 21)، وَ"الآبُ لا يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ أَوْلَى القَضَاءَ كُلَّهُ لِلابْنِ" (يُوحَنَّا 5: 22). وَفِي الصَّلاةِ الكَهَنُوتِيَّةِ يَقُولُ يَسُوعُ: "يَا أَبَتِ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ، مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ" (يُوحَنَّا 17: 1).

 

شَهَادَةُ بُطْرُسَ

 

لَمْ يَكْتَفِ بُطْرُسُ بِالقَوْلِ إِنَّ يَسُوعَ نَبِيٌّ عَظِيمٌ، أَوْ أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ رِجَالِ اللهِ، بَلْ قَالَ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16). وَهٰكَذَا يَتَجَاوَزُ اعْتِرَافُهُ جَمِيعَ الآرَاءِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ عَنْ يُوحَنَّا وَإِيلِيَّا وَإِرْمِيَا وَالأَنْبِيَاءِ.

 

وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَقُولَ إِنَّ بُطْرُسَ لَمْ يَعْتَرِفْ بِيَسُوعَ "ابْنَ الإِنْسَانِ" لأَنَّهُ مُجَرَّدُ إِنْسَانٍ، ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى "ابْنِ اللهِ"؛ فَلَقَبُ "ابْنِ الإِنْسَانِ" نَفْسُهُ يَحْمِلُ، كَمَا رَأَيْنَا، أَبْعَادًا إِسْكَاتُولُوجِيَّةً وَمَجِيدَةً مُسْتَمَدَّةً مِنْ دَانِيَال 7. وَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ اعْتِرَافَ بُطْرُسَ يَكْشِفُ هُوِيَّةَ يَسُوعَ بِصُورَةٍ أَكْمَلَ: هُوَ المَسِيحُ المَوْعُودُ، وَهُوَ ابْنُ اللهِ الحَيِّ. وَيُعَلِّقُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ عَلَى اعْتِرَافِ بُطْرُسَ بِأَنَّهُ تَجَاوَزَ آراءَ الجُمُوعِ، وَأَنَّ يَسُوعَ نَسَبَ هٰذِهِ المَعْرِفَةَ إِلَى وَحْيِ الآبِ، لأَنَّ بُطْرُسَ اعْتَرَفَ بِهِ لا كَإِنْسَانٍ عَظِيمٍ فَقَطْ، بَلْ "ابْنَ اللهِ الحَيِّ" (PG 58: 534-535).  وَيَرَى القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُس أَنَّ بُطْرُسَ أَجَابَ وَاحِدًا عَنِ الجَمَاعَةِ كُلِّهَا: "وَاحِدٌ عَنْ كَثِيرِينَ"، وَبِهٰذَا جَسَّدَ وَحْدَةَ إِيمَانِ الكَنِيسَةِ فِي اعْتِرَافِهَا بِالمَسِيحِ ابْنِ اللهِ الحَيِّ (PL 38: 479).  

 

وَلا يَعْنِي هٰذَا أَنَّ بُطْرُسَ كَانَ قَدْ فَهِمَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ كُلَّ الأَبْعَادِ العَقَائِدِيَّةِ الَّتِي سَتُعَبِّرُ عَنْهَا الكَنِيسَةُ لاحِقًا فِي إِيمَانِهَا بِأُلُوهِيَّةِ المَسِيحِ. فَمَوْقِفُهُ مِنْ إِعْلَانِ الآلامِ بَعْدَ قَلِيلٍ (مَتَّى 16: 22-23) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِيمَانَهُ الحَقَّ كَانَ لا يَزَالُ يَحْتَاجُ إِلَى النُّمُوِّ وَالتَّنْقِيَةِ فِي ضَوْءِ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ.

 

وَقَدْ سَبَقَ الآبُ نَفْسُهُ فَأَعْلَنَ هُوِيَّةَ يَسُوعَ عِنْدَ المَعْمُودِيَّةِ: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ الَّذِي عَنْهُ رَضِيتُ" (مَتَّى 3: 17)، وَسَيُكَرِّرُ هٰذَا الإِعْلَانَ فِي التَّجَلِّي: "هٰذَا هُوَ ابْنِيَ الحَبِيبُ [...] فَلَهُ اسْمَعُوا" (مَتَّى 17: 5). وَمِنْ ثَمَّ، فَاعْتِرَافُ بُطْرُسَ يَنْسَجِمُ مَعَ شَهَادَةِ الآبِ نَفْسِهِ عَنْ الابْنِ.

 

شَهَادَةٌ صَادِرَةٌ عَنِ الوَحْيِ

 

يُؤَكِّدُ يَسُوعُ أَنَّ اعْتِرَافَ بُطْرُسَ لَيْسَ ثَمَرَةَ مَعْرِفَةٍ بَشَرِيَّةٍ مَحْضَةٍ، إِذْ يَقُولُ لَهُ: "طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانَ بْنَ يُونَا، فَلَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ كَشَفَا لَكَ هٰذَا، بَلْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 17). فَنَحْنُ أَمَامَ وَحْيٍ مِنَ الآبِ يَلْتَقِي بِاسْتِجَابَةِ بُطْرُسَ فِي الإِيمَانِ. وَيُبَيِّنُ الذَّهَبِيُّ الفَمُ أَنَّ نِسْبَةَ هٰذَا الاعْتِرَافِ إِلَى الآبِ تُظْهِرُ عَظَمَةَ الحَقِيقَةِ الَّتِي اعْتَرَفَ بِهَا بُطْرُسُ؛ فَمَعْرِفَةُ الابْنِ بِهٰذَا العُمْقِ لَيْسَتْ مِنْ "اللَّحْمِ وَالدَّمِ" (PG 58: 534-535).

 

وَمَعَ ذٰلِكَ، لا يَنْبَغِي فَهْمُ الوَحْيِ عَلَى أَنَّهُ يُلْغِي العَقْلَ وَالخِبْرَةَ. فَبُطْرُسُ عَاشَ مَعَ يَسُوعَ، وَسَمِعَ تَعْلِيمَهُ، وَرَأَى أَعْمَالَهُ؛ لٰكِنَّ هٰذِهِ الخِبْرَةَ لَمْ تَبْلُغْ مَعْنَاهَا الكَامِلَ إِلَّا بِنُورِ النِّعْمَةِ. فَالإِيمَانُ لا يُلْغِي العَقْلَ، بَلْ يَفْتَحُهُ عَلَى سِرٍّ يَفُوقُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنَاقِضَهُ. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ قَوْلِ بُولُسَ: "لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: يَسُوعُ رَبٌّ، إِلَّا بِالرُّوحِ القُدُسِ" (1 قُورِنْثُس 12: 3). فَالاعْتِرَافُ الحَقُّ بِالمَسِيحِ هُوَ عَمَلُ النِّعْمَةِ فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ، مَعَ اسْتِجَابَتِهِ الحُرَّةِ لَهَا.

 

الآلامُ وَالقِيَامَةُ وَبُنُوَّةُ يَسُوعَ

 

لا تَعْنِي بُنُوَّةُ يَسُوعَ للهِ أَنَّ طَرِيقَهُ سَيَكُونُ طَرِيقَ مَجْدٍ أَرْضِيٍّ وَانْتِصَارٍ سِيَاسِيٍّ. فَبَعْدَ اعْتِرَافِ بُطْرُسَ مُبَاشَرَةً، "بَدَأَ يَسُوعُ مِنْ ذٰلِكَ الحِينِ يُظْهِرُ لِتَلَامِيذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورَشَلِيمَ وَيُعَانِيَ آلامًا شَدِيدَةً [...] وَيُقْتَلَ وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ" (مَتَّى 16: 21).

 

وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّ يَسُوعَ يَصِيرُ "ابْنَ اللهِ" بِالآلامِ أَوِ القِيَامَةِ، فَهُوَ الابْنُ قَبْلَ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ؛ بَلْ إِنَّ السِّرَّ الفِصْحِيَّ يَكْشِفُ بِصُورَةٍ حَاسِمَةٍ مَنْ هُوَ الابْنُ وَكَيْفَ يُتِمُّ رِسَالَتَهُ الخَلَاصِيَّةَ.

 

وَيَبْلُغُ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ ذِرْوَةً لَاهُوتِيَّةً عِنْدَ الصَّلِيبِ، حَيْثُ يَقُولُ قَائِدُ المِئَةِ بَعْدَ أَنْ رَأَى كَيْفَ أَسْلَمَ يَسُوعُ الرُّوحَ: "كَانَ هٰذَا الرَّجُلُ ابْنَ اللهِ حَقًّا" (مَرْقُس 15: 39). فَالمُفَارَقَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ هِيَ أَنَّ هُوِيَّةَ الابْنِ تَتَجَلَّى فِي ذُرْوَةِ ضَعْفِ الصَّلِيبِ.

 

وَقَبْلَ الآلامِ، يُخَاطِبُ يَسُوعُ اللهَ بِحَمِيمِيَّةٍ فَرِيدَةٍ: "أَبَّا، يَا أَبَتِ" (مَرْقُس 14: 36). وَهٰذِهِ العَلاقَةُ البَنَوِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ طَاعَتَهُ فِي جَثْسَيْمَانِية لا اسْتِسْلَامًا أَعْمَى، بَلْ تَسْلِيمًا بَنَوِيًّا: "لا مَا أَنَا أَشَاءُ، بَلْ مَا أَنْتَ تَشَاءُ" (مَرْقُس 14: 36). وَمِنْ هُنَا لا تَنْفَصِلُ بُنُوَّةُ يَسُوعَ عَنْ طَاعَتِهِ لِلآبِ وَبَذْلِ ذَاتِهِ مِنْ أَجْلِ البَشَرِ. فَهُوَ الابْنُ الَّذِي يَعْرِفُ الآبَ مَعْرِفَةً فَرِيدَةً، وَيَكْشِفُهُ لِلآخَرِينَ (مَتَّى 11: 27)، وَهُوَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ الابْنُ المُطِيعُ حَتَّى الصَّلِيبِ. وَبِذٰلِكَ، لا يُكْشَفُ لَنَا مَعْنَى "ابْنِ اللهِ" مِنْ خِلَالِ المَجْدِ وَالسُّلْطَانِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا مِنْ خِلَالِ المَحَبَّةِ البَاذِلَةِ وَالطَّاعَةِ وَالصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ. وَهٰذَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي سَيَفْهَمُهُ الرُّسُلُ بِعُمْقٍ بَعْدَ الفِصْحِ.

 

وَهٰكَذَا تَقُودُنَا شَهَادَةُ بُطْرُسَ إِلَى جَوْهَرِ الإِيمَانِ المَسِيحِيِّ: يَسُوعُ لَيْسَ نَبِيًّا فَقَطْ، وَلا مَسِيحًا سِيَاسِيًّا، بَلْ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ، الَّذِي كَشَفَ الآبُ هُوِيَّتَهُ، وَأَظْهَرَ فِي الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ عُمْقَ مَحَبَّتِهِ وَسِرَّ رِسَالَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا يَبْقَى السُّؤَالُ مُوَجَّهًا إِلَيْنَا: هَلْ اعْتِرَافُنَا بِيَسُوعَ "ابْنَ اللهِ" مُجَرَّدُ عِبَارَةٍ عَقَائِدِيَّةٍ، أَمْ هُوَ إِيمَانٌ حَيٌّ يَجْعَلُنَا نَثِقُ بِهِ، وَنَسْمَعُ كَلِمَتَهُ، وَنَتْبَعُهُ فِي طَرِيقِ الصَّلِيبِ وَالقِيَامَةِ؟

 

التَّجَسُّدُ وَابْنُ اللهِ

 

تَتَجَلَّى عَقِيدَةُ التَّجَسُّدِ بِكُلِّ أَبْعَادِهَا فِي حَقِيقَةِ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ ابْنَهُ الوَحِيدَ إِلَى العَالَمِ لِخَلَاصِ الإِنْسَانِ وَمَنْحِهِ الحَيَاةَ: "مَا ظَهَرَتْ بِهِ مَحَبَّةُ اللهِ بَيْنَنَا هُوَ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ ابْنَهُ الوَحِيدَ إِلَى العَالَمِ لِنَحْيَا بِهِ" (1 يُوحَنَّا 4: 9). فَالتَّجَسُّدُ لَيْسَ حَدَثًا عَرَضِيًّا، بَلْ هُوَ تَجَلِّي مَحَبَّةِ اللهِ الخَلَاصِيَّةِ فِي التَّارِيخِ.

 

وَهٰذَا الابْنُ الوَحِيدُ هُوَ الَّذِي يُعْلِنُ الآبَ وَيَكْشِفُهُ لِلْبَشَرِ: "إِنَّ اللهَ مَا رَآهُ أَحَدٌ قَطُّ؛ الابْنُ الوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ" (يُوحَنَّا 1: 18). فَبِنُوَّةُ يَسُوعَ لا تُفْهَمُ فَقَطْ فِي إِطَارِ رِسَالَةٍ نَبَوِيَّةٍ، بَلْ فِي عَلاقَةٍ فَرِيدَةٍ بِالآبِ، وَفِي قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْلَانِ اللهِ إِعْلَانًا نِهَائِيًّا. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ الرَّسُولِيُّ أَنَّ الابْنَ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ أَخَذَ جَسَدًا حَقِيقِيًّا مِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا، وَأَنَّ التَّجَسُّدَ هُوَ عَمَلُ محبةٍ إلهية يُعيد به الكلمةُ الإنسانَ إلى الحياة والشركة مع الله (PG 25: 109-112). وَمِنْ هُنَا تَرْتَبِطُ بُنُوَّةُ يَسُوعَ بِعَطِيَّةِ الحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ: "إِنَّ اللهَ وَهَبَ لَنَا الحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ، وَأَنَّ هٰذِهِ الحَيَاةَ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ كَانَ لَهُ الابْنُ كَانَتْ لَهُ الحَيَاةُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنُ اللهِ لَمْ تَكُنْ لَهُ الحَيَاةُ" (1 يُوحَنَّا 5: 11-12).

 

وَلِذٰلِكَ يَتَحَوَّلُ الإِيمَانُ بِالابْنِ إِلَى مَوْقِفٍ حَاسِمٍ فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ: "عَمَلُ اللهِ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمَنْ أَرْسَلَ" (يُوحَنَّا 6: 29)، وَ"كُلُّ مَنْ رَأَى الابْنَ وَآمَنَ بِهِ كَانَتْ لَهُ الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي اليَوْمِ الأَخِيرِ" (يُوحَنَّا 6: 40). أَمَّا مَنْ يَرْفُضُ الإِيمَانَ فَيَضَعُ نَفْسَهُ خَارِجَ نُورِ الخَلَاصِ: "مَنْ آمَنَ بِهِ لا يُدَانُ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَقَدْ دِينَ مُنْذُ الآنِ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الوَحِيدِ" (يُوحَنَّا 3: 18، لا 3: 8). وَيَجِبُ هُنَا التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ بِالابْنِ لا يَعْنِي مُجَرَّدَ قَبُولِ مَعْلُومَةٍ عَقَائِدِيَّةٍ، بَلْ الدُّخُولَ فِي عَلاقَةِ حَيَاةٍ وَثِقَةٍ وَاتِّبَاعٍ مَعَ المَسِيحِ. فَالمَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلِابْنِ تَقُودُ إِلَى الشَّرِكَةِ فِي حَيَاتِهِ.

 

ابْنُ اللهِ فِي رَسَائِلِ بُولُسَ

 

يَأْخُذُ لَقَبُ "ابْنِ اللهِ" فِي رَسَائِلِ بُولُسَ بُعْدًا لَاهُوتِيًّا عَمِيقًا، خَاصَّةً فِي رَبْطِهِ بِالتَّجَسُّدِ وَالفِدَاءِ وَالحَيَاةِ الجَدِيدَةِ. فَيَقُولُ: "لَمَّا تَمَّ الزَّمَانُ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ، مَوْلُودًا لِامْرَأَةٍ، مَوْلُودًا فِي حُكْمِ الشَّرِيعَةِ" (غَلَاطِيَة 4: 4). وَهُنَا يَجْمَعُ بُولُسُ بَيْنَ أَزَلِيَّةِ الرِّسَالَةِ الإِلٰهِيَّةِ وَحَقِيقَةِ التَّجَسُّدِ: الابْنُ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ دَخَلَ فِعْلِيًّا فِي التَّارِيخِ وَوُلِدَ مِنِ امْرَأَةٍ.

 

وَيَرْبِطُ بُولُسُ بُنُوَّةَ المَسِيحِ بِالمُصَالَحَةِ الَّتِي تَمَّتْ بِمَوْتِهِ: "فَإِنْ صَالَحَنَا اللهُ بِمَوْتِ ابْنِهِ وَنَحْنُ أَعْدَاؤُهُ، فَمَا أَحْرَانَا أَنْ نَنْجُوَ بِحَيَاتِهِ وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ" (رُومَة 5: 10). فَالابْنُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعْلِنٍ لِلْخَلَاصِ، بَلْ هُوَ الَّذِي يُحَقِّقُهُ بِمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ.

 

وَفِي غَلَاطِيَة 2: 20 يَصِلُ بُولُسُ إِلَى بُعْدٍ شَخْصِيٍّ عَمِيقٍ: "فَإِنِّي أَحْيَاهَا فِي الإِيمَانِ بِابْنِ اللهِ الَّذِي أَحَبَّنِي وَجَادَ بِنَفْسِهِ مِنْ أَجْلِي".  فَالإِيمَانُ بِابْنِ اللهِ عِنْدَ بُولُسَ لَيْسَ نَظَرِيَّةً، بَلْ حَيَاةٌ تُعَاشُ فِي الشَّرِكَةِ مَعَ المَسِيحِ المَصْلُوبِ وَالقَائِمِ.

 

وَيُضِيفُ بُولُسُ أَيْضًا بُعْدَ التَّبَنِّي: فَاللهُ أَرْسَلَ ابْنَهُ "لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ"، ثُمَّ "أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِنَا صَارِخًا: أَبَّا، يَا أَبَتِ" (غَلَاطِيَة 4: 5-6). وَهُنَا تَتَّضِحُ النَّتِيجَةُ الخَلَاصِيَّةُ لِبُنُوَّةِ المَسِيحِ" هُوَ الابْنُ بِالطَّبِيعَةِ، وَنَحْنُ نَصِيرُ أَبْنَاءً بِالنِّعْمَةِ وَالتَّبَنِّي. وَهٰذَا المَعْنَى يَتَوَافَقُ مَعَ التَّقْلِيدِ الآبَائِيِّ. فَيُعَلِّمُ القِدِّيسُ أَثَنَاسِيُوسُ أَنَّ الابْنَ تَجَسَّدَ لِكَيْ يَجْعَلَنَا، بِالنِّعْمَةِ، شُرَكَاءَ فِي الحَيَاةِ الإِلٰهِيَّةِ؛ وَبِعِبَارَتِهِ المَعْرُوفَةِ: صَارَ كَلِمَةُ اللهِ إِنْسَانًا لِكَيْ نُرْفَعَ نَحْنُ إِلَى الشَّرِكَةِ مَعَ اللهِ (PG 25: 192).

 

وَمِنْ هُنَا نَسْتَنْتِجُ أَنَّ لَقَبَ "ابْنِ اللهِ" فِي إِنْجِيلِ مَتَّى لا يُمْكِنُ اخْتِزَالُهُ فِي كَوْنِهِ مُرَادِفًا لِـ"ابْنِ دَاوُدَ" أَوْ لِـ"المَسِيحِ" فَقَطْ. بَلْ هُوَ لَقَبٌ يَكْشِفُ عَنْ عَلاقَةِ يَسُوعَ الفَرِيدَةِ بِالآبِ، وَعَنْ رِسَالَتِهِ الخَلَاصِيَّةِ، وَعَنْ سُلْطَانِهِ عَلَى الحَيَاةِ وَالمَوْتِ، وَعَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى إِدْخَالِ البَشَرِ فِي شَرِكَةِ الحَيَاةِ الإِلٰهِيَّةِ.

 

وَيَظْهَرُ هٰذَا بِقُوَّةٍ فِي بِنْيَةِ إِنْجِيلِ مَتَّى نَفْسِهِ. فَفِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ يَقُولُ بُطْرُسُ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، وَعِنْدَ الصَّلِيبِ يَقُولُ قَائِدُ المِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: "كَانَ هٰذَا ابْنَ اللهِ حَقًّا" (مَتَّى 27: 54). وَهٰكَذَا يَتَحَوَّلُ اللَّقَبُ مِنْ اعْتِرَافٍ صَادِرٍ عَنْ بُطْرُسَ فِي قَلْبِ جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ إِلَى اعْتِرَافٍ يَصْدُرُ عِنْدَ الصَّلِيبِ مِنْ أُمَمِيِّينَ أَيْضًا. وَبِذٰلِكَ تَتَّضِحُ رِسَالَةُ النَّصِّ: يَسُوعُ هُوَ ابْنُ اللهِ الحَيُّ، الَّذِي تَجَسَّدَ مِنْ أَجْلِنَا، وَبَذَلَ نَفْسَهُ عَنَّا، وَقَامَ لِيَهَبَنَا الحَيَاةَ، وَفِيهِ نُدْعَى نَحْنُ أَيْضًا إِلَى بُنُوَّةِ اللهِ بِالنِّعْمَةِ. وَمِنْ هُنَا يَبْقَى السُّؤَالُ الإِيمَانِيُّ: هَلْ نَعْتَرِفُ مَعَ بُطْرُسَ، لا بِاللِّسَانِ فَقَطْ بَلْ بِالحَيَاةِ أَيْضًا: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ"؟

 

وَلَا يَزَالُ يَسُوعُ اليَوْمَ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا السُّؤَالَ نَفْسَهُ، لَا لِيَعْرِفَ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ عَنْهُ، بَلْ لِيَقُودَنَا، كَمَا قَادَ تَلَامِيذَهُ، مِنْ تَرْدَادِ آراءِ الآخَرِينَ إِلَى اتِّخَاذِ مَوْقِفٍ شَخْصِيٍّ مِنْهُ. فَكَأَنَّهُ يَسْأَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا: مَاذَا يَقُولُ النَّاسُ عَنِّي؟ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى السُّؤَالِ الأَعْمَقِ وَالأَكْثَرِ شَخْصِيَّةً: "وَمَنْ أَنَا فِي قَوْلِكُمْ أَنْتُمْ؟" (مَتَّى 16: 15). فَلَا يَكْفِي أَنْ نَعْرِفَ مَا يَقُولُهُ الآخَرُونَ عَنْ يَسُوعَ، وَلَا أَنْ نَكْتَفِيَ بِمَا تَعَلَّمْنَاهُ عَنْهُ؛ بَلْ يَدْعُونَا، نَحْنُ الَّذِينَ نَقْتَرِبُ مِنْهُ كَتَلَامِيذِهِ، إِلَى أَنْ نُجِيبَ بِإِيمَانٍ شَخْصِيٍّ وَحَيٍّ مَعَ بُطْرُسَ: «أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16).

 

فَالسُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ: مَنْ هُوَ يَسُوعُ فِي كُتُبِنَا وَتَعَالِيمِنَا فَحَسْبُ؟ بَلْ: مَنْ هُوَ يَسُوعُ فِي حَيَاتِي؟ وَأَيَّ مَكَانٍ يَحْتَلُّهُ فِي قَلْبِي وَقَرَارَاتِي وَعَلَاقَاتِي وَرِسَالَتِي؟ فَالإِيمَانُ المَسِيحِيُّ لَيْسَ مَعْرِفَةً عَنْ يَسُوعَ فَحَسْبُ، بَلْ مَعْرِفَةُ يَسُوعَ، وَاللِّقَاءُ بِهِ، وَاتِّبَاعُهُ، وَالشَّهَادَةُ لَهُ بِالحَيَاةِ.

 

2) رِئَاسَةُ بُطْرُسَ وَخِدْمَتُهُ فِي الكَنِيسَةِ

 

عَلَى أَثَرِ شَهَادَةِ بُطْرُسَ وَاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ "المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، أَوْكَلَ إِلَيْهِ المَسِيحُ مُهِمَّةً خَاصَّةً فِي جَمَاعَةِ الرُّسُلِ، وَعَبَّرَ عَنْ هٰذِهِ المُهِمَّةِ بِثَلَاثِ صُوَرٍ مُتَكَامِلَةٍ: الصَّخْرَةِ، وَبِنَاءِ الكَنِيسَةِ، وَمَفَاتِيحِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَفِي الفَهْمِ الكَاثُولِيكِيِّ، تَكْشِفُ هٰذِهِ الصُّوَرُ عَنْ أَوَّلِيَّةِ بُطْرُسَ وَخِدْمَتِهِ فِي تَثْبِيتِ الإِيمَانِ وَحِفْظِ وَحْدَةِ الكَنِيسَةِ وَرِعَايَتِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْصَلَ هٰذِهِ الخِدْمَةُ عَنْ جَمَاعَةِ الاثْنَيْ عَشَرَ.

 

أَوَّلًا: بُطْرُسُ الصَّخْرَةُ

 

قَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ: "وَأَنَا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي كَنِيسَتِي" (مَتَّى 16: 18). فَاعْتِرَافُ بُطْرُسَ بِهُوِيَّةِ المَسِيحِ يُقَابِلُهُ إِعْلَانُ المَسِيحِ عَنْ هُوِيَّةِ بُطْرُسَ وَرِسَالَتِهِ. فَكَمَا قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ: "أَنْتَ المَسِيحُ"، يَقُولُ لَهُ يَسُوعُ: "أَنْتَ بُطْرُسُ".

 

وَلا تَنْبَعُ صَلَابَةُ بُطْرُسَ مِنْ طَبْعِهِ أَوْ قُوَّتِهِ الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ مِنَ المَسِيحِ الَّذِي اخْتَارَهُ وَثَبَّتَهُ. فَالمَسِيحُ هُوَ الصَّخْرَةُ الأَسَاسِيَّةُ وَحَجَرُ الزَّاوِيَةِ (1 قُورِنْثُس 10: 4؛ أَفَسُس 2: 20)، وَبُطْرُسُ يَشْتَرِكُ فِي هٰذِهِ الصَّلَابَةِ بِالنِّعْمَةِ وَالدَّعْوَةِ.

 

وَهٰذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ البَابَا القِدِّيسُ لَاوُنُ الكَبِيرُ حِينَ يَرَى أَنَّ بُطْرُسَ يَسْتَمِدُّ ثَبَاتَهُ مِنَ المَسِيحِ وَيَشْتَرِكُ بِالنِّعْمَةِ فِي قُوَّتِهِ، وَأَنَّ مَا أُعْطِيَ لِسَائِرِ الرُّسُلِ جَمَاعِيًّا أُسْنِدَ إِلَى بُطْرُسَ أَيْضًا عَلَى نَحْوٍ خَاصٍّ (PL 54: 149-151).  ويقول لاون أيضًا إن بطرس اختير من بين الجميع ليتقدم الدعوة إلى الشعوب ويكون في مقدمة الرسل، مع بقاء المسيح الرأس الحقيقي للجميع.  وَمِنْ هُنَا، فَالصَّخْرَةُ لا تُفْهَمُ فِي التَّقْلِيدِ الكَاثُولِيكِيِّ بِانْفِصَالٍ عَنْ شَخْصِ بُطْرُسَ وَإِيمَانِهِ وَالمَسِيحِ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ؛ فَالمَسِيحُ هُوَ الأَسَاسُ الأَوَّلُ، وَبُطْرُسُ صَخْرَةٌ بِمَا نَالَهُ مِنْ دَعْوَةٍ وَنِعْمَةٍ وَخِدْمَةٍ.

 

ثَانِيًا: "سَأَبْنِي كَنِيسَتِي"

 

قَوْلُ يَسُوعَ "سَأَبْنِي كَنِيسَتِي" يُؤَكِّدُ أَنَّ المَسِيحَ هُوَ بَانِي الكَنِيسَةِ وَصَاحِبُهَا. فَهِيَ لا تَنْتَمِي إِلَى بُطْرُسَ، بَلْ إِلَى المَسِيحِ: "كَنِيسَتِي". وَمِنْهُ تَسْتَمِدُّ حَيَاتَهَا وَرِسَالَتَهَا وَوَحْدَتَهَا.

 

وَتَرْتَبِطُ كَلِمَةُ كنيسة ἐκκλησία بِالخَلْفِيَّةِ الكِتَابِيَّةِ لِجَمَاعَةِ شَعْبِ اللهِ، وَخَاصَّةً بِالعِبْرِيَّةِ קָהָל. وَالجَدِيدُ هُنَا هُوَ أَنَّ جَمَاعَةَ اللهِ تُنْسَبُ إِلَى يَسُوعَ نَفْسِهِ: هِيَ كَنِيسَتُهُ الَّتِي يَبْنِيهَا وَيُحْيِيهَا بِرُوحِهِ.  وَيَعْرِضُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي الكَنِيسَةَ كَـشَعْبِ اللهِ (نور الأمم، 9-17)، وَجَسَدِ المَسِيحِ (نور الأمم، 7)، وَعَلَامَةٍ وَأَدَاةٍ لِلِاتِّحَادِ بِاللهِ وَلِوَحْدَةِ الجِنْسِ البَشَرِيِّ.

 

ثَالِثًا: مَفَاتِيحُ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ

 

أَضَافَ يَسُوعُ: "وَسَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 19). وَتُذَكِّرُ هٰذِهِ الصُّورَةُ بِنُبُوءَةِ إِشَعْيَاءَ عَنْ أَلْيَاقِيمَ: "وَأَجْعَلُ مِفْتَاحَ بَيْتِ دَاوُدَ عَلَى كَتِفِهِ، فَيَفْتَحُ وَلا يُغْلِقُ أَحَدٌ، وَيُغْلِقُ وَلا يَفْتَحُ أَحَدٌ" (إِشَعْيَاء 22: 22).

 

فَالمِفْتَاحُ رَمْزُ السُّلْطَانِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ وَالإِشْرَافِ عَلَى بَيْتِ المَلِك. وَيَبْقَى المَسِيحُ هُوَ الصَّاحِبَ الأَصْلِيَّ لِـ"مِفْتَاحِ دَاوُدَ" (رُؤْيَا 3: 7)، لٰكِنَّهُ يُشْرِكُ بُطْرُسَ فِي سُلْطَانٍ يَبْقَى مَصْدَرُهُ وَمَرْجِعُهُ هُوَ المَسِيحُ.

 

أَمَّا "الرَّبْطُ وَالحَلُّ"، فَهُمَا تَعْبِيرَانِ مِنَ البِيئَةِ الرَّبَّانِيَّةِ يُشِيرَانِ إِلَى سُلْطَانِ التَّمْيِيزِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَإِلَى تَدْبِيرِ شُؤُونِ الجَمَاعَةِ. وَقَدْ مُنِحَ هٰذَا السُّلْطَانُ أَيْضًا لِجَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ (مَتَّى 18: 18)، وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلِيَّةَ بُطْرُسَ لا تَنْفَصِلُ عَنْ شَرِكَةِ الرُّسُلِ.

 

رَابِعًا: أَوَّلِيَّةُ بُطْرُسَ فِي الكَنِيسَةِ الأُولَى

 

يَظْهَرُ بُطْرُسُ فِي سِفْرِ أَعْمَالِ الرُّسُلِ فِي مَوْقِعٍ بَارِزٍ: يَقُومُ وَسْطَ الإِخْوَةِ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِيَارِ خَلَفٍ لِيَهُوذَا (أَعْمَال 1: 15-26)، وَيَتَكَلَّمُ بِاسْمِ الرُّسُلِ يَوْمَ العَنْصَرَةِ (أَعْمَال 2: 14-41)، وَيَفْتَحُ طَرِيقَ قَبُولِ الأُمَمِ فِي شَخْصِ كُرْنِيلِيُوسَ (أَعْمَال 10)، وَيُدْلِي بِشَهَادَةٍ حَاسِمَةٍ فِي مَجْمَعِ أُورُشَلِيمَ (أَعْمَال 15: 7-11). وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يَبْقَى لِيَعْقُوبَ دَوْرٌ قِيَادِيٌّ خَاصٌّ فِي كَنِيسَةِ أُورُشَلِيمَ وَفِي صِيَاغَةِ القَرَارِ الخِتَامِيِّ (أَعْمَال 15: 13-21). فَأَوَّلِيَّةُ بُطْرُسَ لا تُلْغِي مَجْمَعِيَّةَ الرُّسُلِ وَأَدْوَارَهُمْ.

 

خَامِسًا: شَهَادَةُ الآبَاءِ

 

أَمَّا القِدِّيسُ إِغْنَاطِيُوسُ الأَنْطَاكِيُّ فَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَنْسُبَ إِلَيْهِ عِبَارَةَ "كَنِيسَةُ رُومَا تَرْأَسُ المَسِيحِيَّةَ كُلَّهَا"؛ فَالنَّصُّ المَوْثُوقُ فِي مُقَدِّمَةِ رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ رُومَا يَصِفُهَا بِأَنَّهَا "تَرْأَسُ فِي المَحَبَّةِ" (προκαθημένη τῆς ἀγάπης). وَهِيَ شَهَادَةٌ مُهِمَّةٌ لِمَكَانَةِ كَنِيسَةِ رُومَا، لٰكِنْ لا يَجُوزُ تَوْسِيعُهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَقُولُهُ النَّصُّ.

 

أَمَّا القِدِّيسُ إِيرِينَاوسُ، فَيَسْتَشْهِدُ بِكَنِيسَةِ رُومَا وَتَعَاقُبِ أَسَاقِفَتِهَا دَلِيلًا عَلَى حِفْظِ التَّقْلِيدِ الرَّسُولِيِّ، وَيَصِفُهَا بِأَنَّهَا كَنِيسَةٌ "عَظِيمَةٌ وَقَدِيمَةٌ وَمَعْرُوفَةٌ لِلْجَمِيعِ"، وَيَقُولُ إِنَّ عَلَى سَائِرِ الكَنَائِسِ أَنْ تَتَّفِقَ مَعَهَا "بِسَبَبِ أَوَّلِيَّتِهَا الأَرْفَع" (propter potiorem principalitatem)، مَعَ العِلْمِ أَنَّ دَلَالَةَ هٰذِهِ العِبَارَةِ اللَّاتِينِيَّةِ نُوقِشَتْ طَوِيلًا لِضَيَاعِ الأَصْلِ اليُونَانِيِّ (ضِدَّ الهَرَاطِقَة 3، 3، 2؛ PG 7).

 

وَيَقُولُ القِدِّيسُ كِبْرِيَانُسُ القَرْطَاجِيُّ إنَّ المَسِيحَ بَدَأَ مِنْ وَاحِدٍ لِيُظْهِرَ وَحْدَةَ الكَنِيسَةِ، وَإِنْ كَانَ الرُّسُلُ جَمِيعًا يَشْتَرِكُونَ فِي الرِّسَالَةِ وَالسُّلْطَانِ. وَفِي النَّصِّ المَعْرُوفِ مِنْ وَحْدَةِ الكَنِيسَةِ يَرِدُ أَنَّ المَسِيحَ بَنَى كَنِيسَتَهُ عَلَى وَاحِدٍ لإظهار أصل الوحدة ( PL 4: 498-500 ).

 

وَأَمَّا القِدِّيسُ أَمْبْرُوسِيُوسُ فَيَقُولُ: "حَيْثُ بُطْرُسُ فَهُنَاكَ الكَنِيسَةُ" ubi Petrus, ibi ergo ecclesia. : ، ثُمَّ يَرْبِطُ ذٰلِكَ بِغَلَبَةِ الكَنِيسَةِ عَلَى المَوْتِ (شرح المزمور 40، 30؛ PL 14: نحو 1134).

 

أَمَّا العِبَارَةُ الشَّائِعَةُ المَنْسُوبَةُ إِلَى القِدِّيسِ أُوغُسْطِينُس: "رُومَا تَكَلَّمَتْ، فَقُضِيَ الأَمْرُ"، فَلَيْسَتْ نَصًّا حَرْفِيًّا لَهُ. وَالأَدَقُّ أَنْ نَذْكُرَ كَلَامَهُ الفِعْلِيَّ: إِنَّ مَجْمَعَيْنِ أَرْسَلَا فِي القَضِيَّةِ إِلَى الكُرْسِيِّ الرَّسُولِيِّ، وَوَرَدَتْ مِنْهُ الإِجَابَاتُ، "فَانْتَهَتِ القَضِيَّةُ" (causa finita est) (PL 38: 734). كَذٰلِكَ لا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ عِبَارَةِ تَرْتُلْيَانُس "الحَبْرُ الأَعْظَمُ، أُسْقُفُ الأَسَاقِفَةِ" كَشَهَادَةٍ إِيجَابِيَّةٍ لِلسُّلْطَانِ البَابَوِيِّ، لأَنَّهَا وَرَدَتْ ( فِي De Pudicitia ) سِيَاقٍ سَاخِرٍ وَانْتِقَادِيٍّ، لا كَلَقَبِ تَكْرِيمٍ.

 

سَادِسًا: التَّعْلِيمُ الكَاثُولِيكِيُّ

 

يُلَخِّصُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي التَّعْلِيمَ الكَاثُولِيكِيَّ فِي هٰذَا الشَّأْنِ بِقَوْلِهِ إِنَّ المَسِيحَ أَقَامَ بُطْرُسَ عَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ، وَجَعَلَ فِيهِ "مَبْدَأً وَأَسَاسًا دَائِمًا وَمَنْظُورًا لِوَحْدَةِ الإِيمَانِ وَالشَّرِكَةِ"(نور الأمم، 18).

 

وَيُعَلِّمُ أَنَّ الاثْنَيْ عَشَرَ كَانُوا جَمَاعَةً رَسُولِيَّةً جَعَلَ المَسِيحُ بُطْرُسَ عَلَى رَأْسِهَا "(نور الأمم، 19).  وَأَنَّ العَلاقَةَ بَيْنَ بُطْرُسَ وَسَائِرِ الرُّسُلِ تَجِدُ اسْتِمْرَارَهَا فِي العَلاقَةِ بَيْنَ خَلِيفَةِ بُطْرُسَ وَهَيْئَةِ الأَسَاقِفَةِ"(نور الأمم، 22).  كما يصف خليفة بطرس بأنه «المبدأ والأساس الدائم والمنظور لوحدة الأساقفة وجمهور المؤمنين"(نور الأمم، 23).

 

وَمِنْ هُنَا، فَالأَدَقُّ أَنْ نَقُولَ إِنَّ أَوَّلِيَّةَ بُطْرُسَ هِيَ أَوَّلِيَّةُ خِدْمَةٍ لِلإِيمَانِ وَالوَحْدَةِ وَالرِّعَايَةِ، لا سُلْطَانًا مُنْفَصِلًا عَنِ المَسِيحِ أَوْ عَنْ جَمَاعَةِ الرُّسُلِ. فَالمَسِيحُ وَحْدَهُ هُوَ رَأْسُ الكَنِيسَةِ بِالمَعْنَى المُطْلَقِ، وَبُطْرُسُ وَخُلَفَاؤُهُ يُمَارِسُونَ خِدْمَةً تَسْتَمِدُّ سُلْطَانَهَا مِنْهُ.

 

سَابِعًا: المَوْقِفُ الأُرْثُوذُكْسِيُّ وَالإِصْلَاحِيُّ

 

يَعْتَرِفُ التَّقْلِيدُ الأُرْثُوذُكْسِيُّ عُمُومًا لِبُطْرُسَ بِمَكَانَةٍ بَارِزَةٍ وَأَوَّلِيَّةٍ دَاخِلَ جَمَاعَةِ الرُّسُلِ، وَيُعْطِي أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً لِاعْتِرَافِهِ بِالإِيمَانِ، لٰكِنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّطَوُّرَ الكَاثُولِيكِيَّ لِلأَوَّلِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ وَسُلْطَانِهَا العَامِّ بِالصِّيغَةِ العَقَائِدِيَّةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ الحَالِيَّةِ، وَيُشَدِّدُ أَكْثَرَ عَلَى مَجْمَعِيَّةِ الأَسَاقِفَةِ.

 

أَمَّا تَقَالِيدُ الإِصْلَاحِ، فَلا تُنْكِرُ فِي العَادَةِ مَكَانَةَ بُطْرُسَ المُمَيَّزَةَ فِي الكَنِيسَةِ الأُولَى، لٰكِنَّهَا لا تَرَى فِي مَتَّى 16: 18-19 تَأْسِيسًا لِخِدْمَةٍ بَابَوِيَّةٍ وَرَاثِيَّةٍ بِالمَعْنَى الكَاثُولِيكِيِّ، وَتُفَسِّرُ "الصَّخْرَةَ" غَالِبًا بِإِيمَانِ بُطْرُسَ أَوْ بِالمَسِيحِ نَفْسِهِ، مَعَ تَأْكِيدِ السُّلْطَانِ الجَمَاعِيِّ لِلْكَنِيسَةِ.

 

نَسْتَنْتِجُ أَنَّ المَسِيحَ أَسْنَدَ إِلَى بُطْرُسَ مُهِمَّةً خَاصَّةً فِي جَمَاعَةِ الرُّسُلِ: جَعَلَهُ صَخْرَةً فِي خِدْمَةِ بِنَاءِ الكَنِيسَةِ، وَسَلَّمَهُ مَفَاتِيحَ المَلَكُوتِ، وَكَلَّفَهُ بَعْدَ القِيَامَةِ بِرِعَايَةِ خِرَافِهِ (يُوحَنَّا 21: 15-17). وَتَرَى الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ أَنَّ هٰذِهِ الخِدْمَةَ تَسْتَمِرُّ فِي أُسْقُفِ رُومَا، خَلِيفَةِ بُطْرُسَ، بِوَصْفِهَا خِدْمَةً لِوَحْدَةِ الإِيمَانِ وَالشَّرِكَةِ وَالرِّعَايَةِ، لا امْتِيَازًا شَخْصِيًّا مُنْفَصِلًا عَنْ جَسَدِ الكَنِيسَةِ.

 

وَمِنْ هُنَا يَعُودُ سُؤَالُ يَسُوعَ إِلَيْنَا: "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟" (مَتَّى 16: 15). فَالمَطْلُوبُ مِنَّا لَيْسَ فَقَطْ أَنْ نَعْتَرِفَ مَعَ بُطْرُسَ بِأَنَّ يَسُوعَ هُوَ الرَّبُّ وَالمَسِيحُ، بَلْ أَنْ نَجْعَلَ هٰذَا الإِيمَانَ أَسَاسًا لِحَيَاتِنَا، وَأَنْ نَعْمَلَ مِنْ أَجْلِ وَحْدَةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي بَنَاهَا المَسِيحُ وَأَرَادَهَا وَاحِدَةً فِي الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ وَالشَّرِكَةِ.

 

 

الخُلَاصَةُ

 

عِنْدَمَا سَأَلَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ: "مَنْ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ، فِي قَوْلِ النَّاسِ؟" (مَتَّى 16: 13)، نَقَلُوا إِلَيْهِ الآرَاءَ المُتَدَاوَلَةَ عَنْ هُوِيَّتِهِ. فَقَدْ رَأَى هِيرُودُسُ أَنْتِيبَاسُ فِيهِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانَ قَائِمًا مِنَ الأَمْوَاتِ (مَتَّى 14: 2)، وَرَأَى آخَرُونَ فِيهِ إِيلِيَّا، الَّذِي ارْتَبَطَ مَجِيئُهُ فِي التَّقْلِيدِ النَّبَوِيِّ بِيَوْمِ الرَّبِّ (مَلَاخِي 3: 23)، وَاعْتَبَرَهُ غَيْرُهُمْ أَحَدَ الأَنْبِيَاءِ، فِي ضَوْءِ رَجَاءِ "لنَّبِيِّ مِثْلِ مُوسَى" (تَثْنِيَةُ الاشْتِرَاع 18: 15).

 

غَيْرَ أَنَّ بُطْرُسَ لَمْ يَبْنِ اعْتِرَافَهُ عَلَى آراءِ النَّاسِ، بَلْ عَلَى إِعْلَانٍ مِنَ الآبِ: "لَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ كَشَفَا لَكَ هٰذَا، بَلْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 17). وَهٰكَذَا شَهِدَ بُطْرُسُ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، فَجَاءَ اعْتِرَافُهُ ثَمَرَ نِعْمَةٍ وَإِيمَانٍ، لا مُجَرَّدَ اسْتِنْتَاجٍ بَشَرِيٍّ.

 

وَعَلَى أَثَرِ هٰذَا الاعْتِرَافِ، أَسْنَدَ يَسُوعُ إِلَى بُطْرُسَ مُهِمَّةً خَاصَّةً فِي جَمَاعَةِ الرُّسُلِ: "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هٰذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي كَنِيسَتِي" (مَتَّى 16: 18). وَمِنَ الأَدَقِّ أَلَّا نَرْبِطَ هٰذِهِ الصُّورَةَ مُبَاشَرَةً بِإِشَعْيَاء 51: 1، فَالنَّصُّ هُنَاكَ يَدْعُو الشَّعْبَ إِلَى النَّظَرِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَصْلِهِ، أَمَّا صُورَةُ الصَّخْرَةِ فِي مَتَّى 16 فَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ مُبَاشَرَةً بِاسْمِ بُطْرُسَ وَدَعْوَتِهِ، مَعَ بَقَاءِ المَسِيحِ هُوَ الأَسَاسَ الأَوَّلَ وَحَجَرَ الزَّاوِيَةِ.

 

وَعَهِدَ يَسُوعُ إِلَى بُطْرُسَ أَيْضًا بِـ"مَفَاتِيحِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 19)، فَأَسْنَدَ إِلَيْهِ خِدْمَةً فِي حِفْظِ الإِيمَانِ، وَرِعَايَةِ الجَمَاعَةِ، وَخِدْمَةِ وَحْدَتِهَا. وَتَجِدُ هٰذِهِ المُهِمَّةُ بُعْدَهَا الرَّعَوِيَّ بَعْدَ القِيَامَةِ فِي قَوْلِ المَسِيحِ لَهُ: "اِرْعَ حُمْلَانِي [...] اِرْعَ خِرَافِي" (يُوحَنَّا 21: 15-17).

 

وَبِهٰذَا تُفْهَمُ الكَنِيسَةُ، فِي الإِيمَانِ الكَاثُولِيكِيِّ، كَجَمَاعَةٍ يَبْنِيهَا المَسِيحُ وَيَحْفَظُهَا فِي الحَيَاةِ، فَلا تَقْوَى عَلَيْهَا "أَبْوَابُ مَثْوَى الأَمْوَاتِ" (مَتَّى 16: 18). وَالوَعْدُ لا يَعْنِي أَنَّ الكَنِيسَةَ لَنْ تَعْرِفَ اضْطِهَادًا أَوْ أَزْمَاتٍ أَوْ انْقِسَامَاتٍ، بَلْ أَنَّ المَوْتَ وَالشَّرَّ لَنْ يَكُونَ لَهُمَا الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ عَلَيْهَا، لأَنَّ المَسِيحَ القَائِمَ هُوَ بَانِيهَا وَرَأْسُهَا.

 

وَفِي الفَهْمِ الكَاثُولِيكِيِّ، تَسْتَمِرُّ هٰذِهِ الخِدْمَةُ البُطْرُسِيَّةُ فِي أُسْقُفِ رُومَا، خَلِيفَةِ بُطْرُسَ، بِوَصْفِهَا خِدْمَةً لِوَحْدَةِ الإِيمَانِ وَالشَّرِكَةِ، لا سُلْطَانًا مُنْفَصِلًا عَنِ المَسِيحِ أَوْ عَنْ هَيْئَةِ الأَسَاقِفَةِ. وَهٰذَا مَا يُلَخِّصُهُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي بِقَوْلِهِ إِنَّ المَسِيحَ أَقَامَ بُطْرُسَ "مَبْدَأً وَأَسَاسًا دَائِمًا وَمَنْظُورًا لِوَحْدَةِ الإِيمَانِ وَالشَّرِكَةِ"(نور الأمم، 16، 22-23). وَيَنْسَجِمُ هٰذَا مَعَ مَا شَدَّدَ عَلَيْهِ البَابَا القِدِّيسُ بِيُوسُ العَاشِرُ فِي رِسَالَتِهِ Iucunda Sane، 12 آذار 1904 حَيْثُ دَعَا المُؤْمِنِينَ إِلَى الثَّبَاتِ فِي صَخْرَةِ الإِيمَانِ الَّتِي أَقَامَ عَلَيْهَا المَسِيحُ كَنِيسَتَهُ، لِكَيْ لا تَضِلَّ القُلُوبُ الَّتِي تَسِيرُ فِي طَرِيقِهَا.

 

وَمِنْ هُنَا تَتَحَوَّلُ الخُلَاصَةُ إِلَى دَعْوَةٍ لَنَا: لا يَكْفِي أَنْ نَعْرِفَ مَا يَقُولُهُ النَّاسُ عَنْ يَسُوعَ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَرِفَ بِهِ مَعَ بُطْرُسَ: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ"، وَأَنْ نَعِيشَ هٰذَا الإِيمَانَ فِي الشَّرِكَةِ مَعَ الكَنِيسَةِ وَفِي خِدْمَةِ وَحْدَتِهَا وَرِسَالَتِهَا.

 

 

دُعَاءٌ

 

أَيُّهَا الآبُ القُدُّوسُ، يَا مَنْ كَشَفْتَ لِبُطْرُسَ، بِنِعْمَتِكَ، سِرَّ ابْنِكَ يَسُوعَ، فَاعْتَرَفَ بِهِ قَائِلًا: "أَنْتَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيِّ" (مَتَّى 16: 16)، فَأَقَامَهُ ابْنُكَ صَخْرَةً فِي خِدْمَةِ كَنِيسَتِهِ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى مَفَاتِيحِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. هَبْ لَنَا إِيمَانًا رَاسِخًا كَإِيمَانِ بُطْرُسَ، لِنَعْتَرِفَ بِيَسُوعَ رَبًّا وَمَسِيحًا، لا بِأَلْسِنَتِنَا فَقَطْ، بَلْ بِحَيَاتِنَا وَأَعْمَالِنَا أَيْضًا.

 

وَثَبِّتْنَا فِي شَرِكَةِ كَنِيسَتِكَ الوَاحِدَةِ المُقَدَّسَةِ الجَامِعَةِ الرَّسُولِيَّةِ، وَاحْفَظْنَا فِي وَحْدَةِ الإِيمَانِ وَالمَحَبَّةِ مَعَ خَلِيفَةِ القِدِّيسِ بُطْرُسَ وَمَعَ أَسَاقِفَةِ كَنِيسَتِكَ، لِنَبْقَى مُتَّحِدِينَ بِالمَسِيحِ، رَأْسِ الكَنِيسَةِ وَحَجَرِ زَاوِيَتِهَا.

 

وَاجْعَلْنَا حِجَارَةً حَيَّةً فِي بِنَاءِ كَنِيسَتِكَ، وَثَبِّتْنَا أَمَامَ تَجَارِبِ الشَّرِّ وَقُوَى المَوْتِ، وَاملأْ قُلُوبَنَا بِالسَّلَامِ وَالرَّجَاءِ، وَاثِقِينَ بِوَعْدِ ابْنِكَ: "وَعَلَى هٰذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي كَنِيسَتِي، فَلَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا أَبْوَابُ مَثْوَى الأَمْوَاتِ" (مَتَّى 16: 18). لِكَيْ نَبْقَى أُمَنَاءَ لَكَ، شَاهِدِينَ لِلْمَسِيحِ، وَعَامِلِينَ مِنْ أَجْلِ وَحْدَةِ كَنِيسَتِكَ وَسَلَامِهَا.  بِالمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. آمِين.

 

 

قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ القِدِّيسُ بُطْرُسُ: مِنْ صَيَّادٍ ضَعِيفٍ إِلَى صَخْرَةٍ فِي خِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ

 

لَعَلَّ أَصْدَقَ قِصَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ مُسْتَوْحَاةٍ مِنْ إِنْجِيلِ هٰذَا الْأَحَدِ هِيَ قِصَّةُ بُطْرُسَ الرَّسُولِ نَفْسِهِ. فَالرَّجُلُ الَّذِي قَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: "أَنْتَ صَخْرٌ، وَعَلَى الصَّخْرِ هٰذَا سَأَبْنِي كَنِيسَتِي" (مَتَّى 16: 18)، لَمْ يَكُنْ إِنْسَانًا بِلَا ضَعْفٍ، بَلْ تِلْمِيذًا عَرَفَ الْحَمَاسَ وَالْخَوْفَ، وَالشَّجَاعَةَ وَالسُّقُوطَ، وَالدُّمُوعَ وَالْعَوْدَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ بِنِعْمَةِ اللهِ إِلَى شَاهِدٍ أَمِينٍ لِلْمَسِيحِ.

 

عِنْدَمَا سَأَلَ يَسُوعُ تَلَامِيذَهُ فِي نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ: "وَمَنْ أَنَا فِي قَوْلِكُمْ أَنْتُمْ؟" (مَتَّى 16: 15)، أَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ بِاسْمِ جَمَاعَةِ التَّلَامِيذِ: "أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ" (مَتَّى 16: 16). لَمْ يَكُنْ هٰذَا الِاعْتِرَافُ نَتِيجَةَ ذَكَاءٍ بَشَرِيٍّ فَحَسْبُ، وَلِذٰلِكَ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "لَيْسَ اللَّحْمُ وَالدَّمُ كَشَفَا لَكَ هٰذَا، بَلْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مَتَّى 16: 17). لٰكِنَّ بُطْرُسَ الَّذِي اعْتَرَفَ بِالْمَسِيحِ بِهٰذِهِ الْجُرْأَةِ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي، فِي لَيْلَةِ الْآلَامِ، خَافَ أَمَامَ سُؤَالِ جَارِيَةٍ، وَأَنْكَرَ مَعْرِفَتَهُ بِيَسُوعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (مَتَّى 26: 69-75). وَهُنَا تَظْهَرُ الْمُفَارَقَةُ: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلَّذِي دَعَاهُ الْمَسِيحُ "صَخْرًا" أَنْ يَضْعُفَ إِلَى هٰذَا الْحَدِّ؟

 

تَكْشِفُ الْقِصَّةُ أَنَّ اخْتِيَارَ اللهِ لَا يَقُومُ عَلَى كَمَالِ الْإِنْسَانِ، بَلْ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحَوِّلَ ضَعْفَهُ. فَبَعْدَ الْإِنْكَارِ، "خَرَجَ فَبَكَى بُكَاءً مُرًّا" (مَتَّى 26: 75). لَمْ تَكُنْ دُمُوعُهُ نِهَايَةَ رِسَالَتِهِ، بَلْ بِدَايَةَ تَطْهِيرِهَا. لَقَدِ اكْتَشَفَ أَنَّ الصَّخْرَةَ لَا تَكُونُ ثَابِتَةً بِقُوَّتِهَا الذَّاتِيَّةِ، وَإِنَّمَا بِقُوَّةِ الْمَسِيحِ الَّذِي اخْتَارَهَا وَثَبَّتَهَا.

 

وَبَعْدَ الْقِيَامَةِ، لَمْ يُلْغِ يَسُوعُ دَعْوَةَ بُطْرُسَ بِسَبَبِ سُقُوطِهِ، بَلْ أَعَادَ إِلَيْهِ رِسَالَتَهُ فِي لِقَاءٍ مُؤَثِّرٍ عَلَى شَاطِئِ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ. سَأَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ/ "أَتُحِبُّنِي؟"، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اِرْعَ خِرَافِي" (يُوحَنَّا 21: 15-17). وَكَأَنَّ الْمَسِيحَ يُقِيمُ رِعَايَةَ الْكَنِيسَةِ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، عَلَى الْمَحَبَّةِ: مَنْ يَرْعَى قَطِيعَ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يُحِبَّ الْمَسِيحَ.

 

وَتَحَوَّلَ بُطْرُسُ بَعْدَ الْعَنْصَرَةِ مِنْ رَجُلٍ يَخْشَى الِاعْتِرَافَ بِيَسُوعَ أَمَامَ جَارِيَةٍ، إِلَى رَسُولٍ يَقِفُ أَمَامَ الْجُمُوعِ مُعْلِنًا بِلَا خَوْفٍ: "فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا بَيْتُ إِسْرَائِيلَ أَجْمَعُ أَنَّ يَسُوعَ هٰذَا الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ قَدْ جَعَلَهُ اللهُ رَبًّا وَمَسِيحًا" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 2: 36). وَهٰكَذَا أَصْبَحَ شَاهِدًا لِلْمَسِيحِ وَقَائِدًا بَارِزًا فِي الْكَنِيسَةِ الرَّسُولِيَّةِ الْأُولَى.

 

وَبِحَسَبِ التَّقْلِيدِ الْمَسِيحِيِّ الْقَدِيمِ، انْتَهَتْ شَهَادَةُ بُطْرُسَ فِي رُومَا بِالِاسْتِشْهَادِ فِي زَمَنِ الْإِمْبَرَاطُورِ نِيرُونَ. وَيَشْهَدُ الْقِدِّيسُ إِكْلِيمَنْضُسُ الرُّومَانِيُّ، فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ، عَلَى آلَامِ بُطْرُسَ وَشَهَادَتِهِ، كَمَا يُشِيرُ تَرْتُلِّيَانُسُ إِلَى تَقْلِيدِ اسْتِشْهَادِهِ فِي رُومَا. وَهٰكَذَا خَتَمَ بُطْرُسُ بِالدَّمِ الِاعْتِرَافَ الَّذِي بَدَأَهُ يَوْمًا فِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ: "أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ".

 

 

الْعِبْرَةُ

 

قِصَّةُ بُطْرُسَ تُعَلِّمُنَا أَنَّ الْمَسِيحَ لَا يَبْحَثُ عَنْ أَشْخَاصٍ لَمْ يَعْرِفُوا الضَّعْفَ، بَلْ عَنْ أَشْخَاصٍ يَسْمَحُونَ لِنِعْمَتِهِ بِأَنْ تُحَوِّلَ ضَعْفَهُمْ إِلَى أَمَانَةٍ. لَقَدْ سَقَطَ بُطْرُسُ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي سُقُوطِهِ؛ أَنْكَرَ، ثُمَّ بَكَى؛ خَافَ، ثُمَّ شَهِدَ؛ وَكَانَ صَيَّادًا بَسِيطًا، فَجَعَلَهُ الْمَسِيحُ رَاعِيًا فِي كَنِيسَتِهِ.

 

وَيَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي وَجَّهَهُ يَسُوعُ إِلَى تَلَامِيذِهِ مُوَجَّهًا إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ: "وَمَنْ أَنَا فِي قَوْلِكُمْ أَنْتُمْ؟" (مَتَّى 16: 15). لَا يَكْفِي أَنْ نَعْرِفَ مَا يَقُولُهُ الْآخَرُونَ عَنِ الْمَسِيحِ؛ فَالْإِيمَانُ يَبْدَأُ عِنْدَمَا يُصْبِحُ جَوَابُ بُطْرُسَ جَوَابَنَا الشَّخْصِيَّ، وَتُصْبِحُ حَيَاتُنَا شَهَادَةً لَهُ: "أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ" (مَتَّى 16: 16).