موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٦ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

حين يتحوّل الإيمان إلى حياة

بقلم :
الأب عماد الطوال - الأردن
الأب عماد الطوال – ماركا الشمالية

الأب عماد الطوال – ماركا الشمالية

 

نحن نعرف كيف ينبغي أن نعيش، لكننا لا نعيش دائمًا كما نعرف، نعرف أن المحبة أجمل من الكراهية وأن المغفرة أكرم من الانتقام وأن الإنسان يستحق أن يُعامل بكرامة، نتحدث عن هذه القيم ونرددها كثيرًا لكن السؤال الأصعب يبقى هل تظهر هذه القيم فعلًا في حياتنا؟

 

فالإنسان قد يؤمن بالتسامح إلى أن يُساء إليه وقد يؤمن بالتواضع إلى أن يمتلك سلطة وقد يتحدث عن العدل إلى أن تصبح مصلحته في الجهة الأخرى، هنا تبدأ المسافة بين ما نؤمن به وما نعيشه. ومن هذه المسافة يمكن أن نفهم جانبًا مهمًا مما يطرحه ليو تولستوي في كتابه "مملكة الله داخلكم" فالقيم في نظره لا تكتسب معناها الحقيقي عندما تبقى مجرد أفكار بل عندما تتحول إلى أسلوب حياة فالمحبة والسلام واللاعنف والعودة إلى الضمير ليست شعارات نرفعها بل مواقف نختبر فيها أنفسنا كل يوم، المشكلة إذن ليست دائمًا أننا لا نعرف الخير بل أننا نعرفه ثم نبحث عن استثناء يسمح لنا بألا نفعله، ولهذا لا يظهر جوهر الإنسان في الأوقات السهلة بل في اللحظات التي تضيق فيها المسافة بين ما نريده وما نعرف أنه صواب.

 

عندما تخطئ هل تملك شجاعة الاعتراف؟ عندما تختلف مع شخص هل تحاول فهمه قبل أن تحكم عليه؟ عندما تكون في موقع قوة هل تستخدم قوتك لحماية الأضعف أم لإثبات أنك الأقوى؟ وعندما تستطيع أن ترد الأذى هل تسمح لغضبك أن يحدد من تكون؟ هنا يصبح الضمير أكثر من صوت داخلي يصبح معيارًا نعود إليه قبل أن نطلب من العالم أن يتغير.

 

وقد تكون إحدى أصعب صور القوة أن يرفض الإنسان أن يسمح لما يؤذيه بأن يعيد تشكيله، فليس كل انتصار يستحق أن نخسر من أجله هدوءنا وليس كل معركة يجب أن نخوضها بالطريقة التي اختارها الطرف الآخر.

 

أحيانًا لا يكون الانتصار في أن تهزم الآخر بل في ألا تفقد نفسك وأنت تواجهه، لكن القيم لا تُختبر فقط في لحظات الصراع إنها تظهر أيضًا في التفاصيل اليومية التي تبدو صغيرة ولا يلتفت إليها أحد، في كلمة نقولها لمن يعمل معنا، في الطريقة التي نختلف بها، في عدلنا مع من لا يستطيع الدفاع عن نفسه، وفي قدرتنا على الاعتذار عندما نكتشف أننا أخطأنا.

 

هناك تحديدًا يصبح الإيمان سلوكًا وتصبح الأخلاق عادة وتتحول المبادئ من كلام جميل إلى شخصية وربما لهذا لا يبدأ التغيير الحقيقي دائمًا من القرارات الكبيرة، قد يبدأ من موقف صغير أن نصغي بدل أن نقاطع، أن نرحم بدل أن ندين، أن نعترف بدل أن نبرر، وأن نختار ما هو صحيح حتى عندما لا يمنحنا ذلك مكسبًا.

 

فنحن لا نستطيع أن نصلح العالم كله ولا أن نضمن أن الآخرين سيبادلوننا الخير بالخير لكننا نستطيع أن نقرر شيئًا واحدًا أي إنسان نريد أن نكون نحن فالقيمة التي تبقى فكرة جميلة لا تغيّر الكثير.

 

أما عندما تتحول إلى موقف وإلى علاقة وإلى طريقة نعامل بها الآخرين فإنها تصبح حياة، وربما هنا تكمن الفكرة الأعمق في "مملكة الله داخلكم" فالتغيير الذي نبحث عنه لا يبدأ من العالم من حولنا بل من الإنسان نفسه من ضميره واختياراته وطريقة تعامله مع الآخرين، ولعل هذا ما يلخصه تولستوي بقوله "مملكة الله في داخلكم؛ لذلك لا تبحثوا عنها في الخارج، بل اكتشفوا حضور الله في أعماق القلب، حيث يبدأ التغيير الحقيقي" فما نؤمن به حقًا ليس ما نقوله عن أنفسنا بل ما يظهر منا عندما يصبح الالتزام به صعبًا.