موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يتحرك العالم اليوم تحت وطأة حدثين مفصليين، لكن شتان ما بين استجابتنا لهما؛ فبينما تحبس الأنفاس أمام شاشات التداول لمراقبة القفزات التاريخية لأسعار الذهب كملجأ أخير للأمان المادي، يمر الحدث الآخر -وهو المعركة الدولية لتقييد وصول الأطفال إلى الإنترنت وحماية عقولهم- وكأنه شأن ثانوي أو مجرد إجراء تنظيمي.
انشغلنا بتأمين “المعدن الأصفر” في الخزائن الموصدة، وتركنا “المعدن الأغلى” والعائد الاستثماري الأكبر –أطفالنا- عرضةً للتآكل الرقمي في فضاء مفتوح بلا حدود. فهل يعقل أن نسعى لحماية مدخراتنا، وبنفس الوقت نترك مستقبلنا الحقيقي بلا حماية؟
في لغة المال، يُعتبر الذهب “الملاذ الآمن” لأنه يحفظ القيمة وقت الأزمات. لكن في لغة التربية الحديثة، الاستثمار في الطفولة المبكرة هو “الملاذ السيادي” الوحيد. إن التحركات العالمية الأخيرة التي تقودها دول كبرى لتقييد وصول الصغار إلى منصات التواصل الاجتماعي ليست مجرد تشريعات تقنية، بل هي صرخة استغاثة لحماية “الخامة البشرية” من التنميط والتشويه الرقمي.
نحن اليوم أمام مفارقة عجيبة: نخشى على أموالنا من التضخم، ولا نخشى على عقول أطفالنا من “التضخم الرقمي” الذي يستهلك قدراتهم على التركيز، والتحليل، وبناء الأنماط المنطقية السليمة.
ان كل ساعة تُستثمر في بناء مهارة طفل في سنواته الخمس الأولى بعيداً عن صخب الشاشات، هي “وديعة” تنمو بفوائد مركبة. هذا الطفل هو من سيقود قاطرة الاقتصاد والابتكار غداً، وهو رأس مال الذي لا يمكن أن يطاله الكساد.
أما الاستثمار في جودة التعليم المبكر والبيئة النفسية السوية هو استثمار وقائي بامتياز؛ لأن بناء إنسان متزن اليوم أقل كلفة بآلاف المرات من محاولة “ترميم” مجتمعات تعاني من اغتراب الهوية وضياع بوصلة القيم تحت تأثير المحتوى الرقمي الموجه.
وستثبت لنا الأيام انه في عصر الذكاء الاصطناعي، ستصبح “الإنسانية” هي العملة الصعبة.
فالذكاء العاطفي، التفكير الناقد، والأصالة هي سمات تُبنى في الطفولة المبكرة، وهي الوحيدة التي لا يمكن للخوارزميات محاكاتها أو تزييف بريقها.
خلاصة القول
إن الذهب يبقى زينة وخزينة للأزمات، لكن الاستثمار في الطفولة هو الضمانة الوحيدة ألا تصبح الأزمات قدراً محتوماً. إن الدولة أو الأسرة التي تراقب أسعار المعدن كل ساعة، وتغفل عن مراقبة ما يُبنى في عقول أطفالها، هي كمن يحمي القشرة ويفرّط في اللب.
الأمان الحقيقي لا يُشترى بالسبائك فقط، بل يُصاغ في عقول أجيالنا التي تحتاج منا اليوم “درعاً رقمياً” يحمي أصالتها، واستثماراً حقيقياً يمنحها القدرة على قيادة المستقبل، لا مجرد التبعية له.
(وطنا نيوز)