موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٣ مايو / أيار ٢٠٢٦

المسيح صعد للسماء ليصعدنا معه

بقلم :
بسام دعيبس - الأردن
المسيح صعد للسماء ليصعدنا معه

المسيح صعد للسماء ليصعدنا معه

 

يعتبر خميس الصعود أحد أهم الأعياد المسيحية وأقدمها، وهو العيد الذي نحيي فيه كمسيحين ذكرى صعود يسوع المسيح إلى السماء بجسده، بعد أربعين يوماً من قيامته المجيدة من بين الأموات، وبعد اكتمال رسالته على الارض، لكنه لم يترك الارض خاوية، بل ملأها بالرجاء والوصية والروح.

 

بعد أن ظهر المسيح لتلاميذه على مدى أربعين يوما ليؤكد حقيقة قيامته، اجتمع مع تلاميذه على جبل الزيتون في القدس. وبعد أن أعطاهم توصياته الأخيرة ونصحهم بالبقاء في أورشليم حتى يحل عليهم الروح القدس ، ثم صعد إلى السماء امام أعين تلاميذه، وَلَمَّا قَالَ هَذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ." (أعمال الرسل 1: 9)، وبينما كان التلاميذ يشخصون إلى السماء، ظهر ملاكان بملابس بيضاء وأخبراهم أن يسوع الذي ارتفع سيعود ثانية بنفس الطريقة التي ذهب بها.

 

إذن المسيح وهو يصعد لم يغلق كتاب الحياة، بل سلم التلاميذ والكنيسة من بعدهم الرسالةلكي يقوموا بالكرازة والمحبة. فالصعود اذا ليس نهاية بل بداية لمسيرة الكنيسة في العالم، هذا وأن المسيح لم يترك المؤمنين يتامى، بل وعدهم بالروح القدس ليكون معهم دائمًا. انه يفتح الطريق للحياة الأبدية ويُمهد لعيد العنصرة.

 

في هذا اليوم المبارك نتأمل في سر عظيم وهو صعود الرب يسوع المسيح إلى السماء. لقد أكمل رسالته على الأرض، وأتم عمل الخلاص، ثم ارتفع أمام أعين تلاميذه ليُعلن أن الطريق إلى السماء صار مفتوحا لكل من يؤمن به

خميس الصعود ليس غيابا، بل هو حضور أعمق. فالمسيح لم يتركنا يتامى، بل وعدنا بالروح القدس الذي يملأ القلوب قوةً وسلامًا. بالصعود، يذكّرنا الرب أن حياتنا ليست مقصورة على الأرض، بل هي رحلة نحو الأبدية، نحو بيت الآب حيث أعد لنا منازل كثيرة.

 

خميس الصعود ليس مجرد حدث تاريخي نقرأ عنه في الإنجيل، بل هو سر حي نعيشه في حياتنا اليومية. بالصعود، يذكّرنا الرب أن الأرض ليست موطننا الأخير، بل هي محطة في رحلة طويلة نحو بيت الآب. إننا مدعوون أن نرفع قلوبنا فوق هموم العالم، وأن نعيش على الأرض بعيون متجهة إلى السماء، حيث المجد والخلود.

 

لقد وعد المسيح تلاميذه قبل أن يصعد: “ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض”. بالصعود، سلّمنا الرب رسالة عظيمة: أن نكون شهودا له، أن نحمل بشارة المحبة والسلام، وأن نعلن للعالم أن المسيح حي حاضر، وقادر أن يغير القلوب.

 

الصعود أيضًا هو رجاء. فكما صعد المسيح، سيعود في المجد ليأخذنا إليه. هذا الوعد يزرع فينا قوة وسط التجارب، ويمنحنا ثباتاوسط الضعف، ويذكّرنا أن كل دمعة ستُمسح، وكل ألم سينتهي، لأن لنا وطنا أبديا في السماء.

 

هو دعوة إلى الشهادة للمسيح، أن نكون نورا في العالم وظلا للسلام.

 

هو دعوة إلى التحرر من الأرضيات، أن لا نسمح للهموم أن تُثقلنا، بل أن نرفع أنظارنا حيث المسيح جالس عن يمين الآب.

 

فلنستقبل هذا العيد بفرح، ولنفتح قلوبنا للروح القدس الذي يقودنا، ولنثبت في الإيمان، عالمين أن المسيح حاضر معنا، يقود خطواتنا، ويحوّل ضعفنا إلى قوة.

 

نشكرك لأنك بصعودك المجيد رفعت طبيعتنا البشرية إلى عرش الآب، وأعلنت لنا أن السماء هي وطننا الحقيقي. لقد تركت لنا وصية أن نكون شهودًا لك في العالم، وأن نحيا بالإيمان والرجاء والمحبة.

 

نسألك يا رب أن تملأ قلوبنا بروحك القدوس، الذي وعدتنا أن ترسله لنا، ليقوينا في ضعفنا، ويثبتنا في الحق، ويقودنا في طريق القداسة. اجعلنا نرفع أنظارنا دائمًا نحو السماء، فلا نتعلّق بما هو زائل، بل نطلب ما هو أبدي.

 

ياررب، علّمنا أن نعيش على الأرض بقلوب معلقة بك، وأن نكون نورا في وسط الظلام، وسلاما في وسط القلق، ومحبةً في وسط البغض. اجعلنا ننتظر مجيئك الثاني بفرح، عالمين أنك ستعود لتأخذنا حيث أنت، فنكون معك إلى الأبد.

 

لك المجد والكرامة والسجود، مع أبيك الصالح والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور، آمين.