موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
قراءة مقارنة في سفر أخنوخ الأول (6–16 و69)
تنويه من الكاتب
هذه المقالة هي الجزء الثاني من سلسلة تتناول سفر أخنوخ الأول قراءةً تاريخية ولاهوتية مقارنة. بعد المدخل إلى شخصية أخنوخ ومكانة السفر، ننتقل هنا إلى رواية «المراقبين»، وإلى تفسيرها لانتشار العنف والمعارف المنحرفة، مع مقارنتها بتكوين 6: 1–4. ولا تفترض هذه القراءة أن سفر أخنوخ جزء من قانون الكتاب المقدس في كل الكنائس، بل تدرسه بوصفه شاهدًا مهمًا على تنوع الفكر الديني في فترة الهيكل الثاني.
مقدمة
يروي سفر التكوين قصة قصيرة وغامضة عن «أبناء الله» الذين رأوا بنات الناس واتخذوا منهن نساء، ثم يذكر الجبابرة في الأرض قبل الطوفان (تك 6: 1–4). ولا يشرح النص هناك هوية أبناء الله أو تفاصيل ما جرى بعد ذلك شرحًا مطولًا.
أما كتاب المراقبين في سفر أخنوخ الأول، فيقدّم توسعًا روائيًا ولاهوتيًا في هذه القصة. فهو يصوّر جماعة من الكائنات السماوية تُدعى «المراقبين» تهبط إلى الأرض، وتتجاوز حدودها، وترتبط بنساء البشر. ثم يربط بين هذا التمرد وبين ولادة الجبابرة، وانتشار العنف، وتعليم البشر معارف ومهارات يرى النص أنها أسهمت في فساد الأرض.
من المفيد أن نقرأ هذه الرواية بوصفها تفسيرًا قديمًا لتكوين 6، لا بوصفها شرحًا وحيدًا أو ملزمًا لذلك النص. كما ينبغي ألا نُسقط عليها مفاهيم حديثة من دون بيان الفارق بين لغة النص القديم وأسئلتنا المعاصرة.
أولًا: تمرد المراقبين وولادة الجبابرة
في أخنوخ 6، يصف النص نزول مئتي مراقب إلى جبل حرمون. ويذكر أن سمحازاي هو قائدهم، وأن الجماعة تتعاهد على تنفيذ خطتها كي لا يتحمل واحد منهم وحده تبعة التمرد. وهنا يلزم تصحيح ما يرد أحيانًا في الملخصات: عزازئيل ليس قائد المراقبين في هذا المشهد؛ فالنص يقدّم سمحازاي بوصفه قائدهم، بينما يبرز عزازئيل في الفصل التالي بوصفه معلّمًا لبعض المهارات التي ينقدها السفر.
بعد نزولهم، يتخذ المراقبون نساءً من البشر، وتلد النساء جبابرة (أخنوخ 6–7). ويصوّر الفصل السابع الجبابرة لا باعتبارهم كائنات عظيمة الحجم فحسب، بل بوصفهم قوة استهلاك وعنف: يلتهمون ما يملكه البشر، ثم ينقلبون على الناس، ويتعدّون على الحيوان والطير وسائر المخلوقات، حتى ينتهي المشهد بعبارة أن «الأرض اشتكت من الظالمين» (أخنوخ 7: 3–6).
تتجاوز هذه الصورة وصف خطيئة أفراد إلى تصوير فساد يطال المجتمع والأرض معًا. فالشر في الرواية يظهر في الجوع والطغيان وسفك الدم، وفي انهيار الحدود التي تحفظ الحياة. ويمكن لقارئ اليوم أن يلاحظ ما في المشهد من إحساس بترابط العنف البشري واضطراب العالم، لكن من الأفضل ألا نصفه مباشرةً بأنه نظرية بيئية حديثة؛ فالنص يتحدث بلغة دينية عن الدم والظلم وتدنيس الأرض.
ثانيًا: ما الذي ينتقده النص في «المعرفة»؟
يذكر أخنوخ 8 مهارات ينسب تعليمها إلى بعض المراقبين. وينسب إلى عزازئيل تعليم صناعة السيوف والخناجر والدروع، ومعرفة المعادن وصياغة الحلي ومواد الزينة. كما يذكر معارف أخرى، مثل العزائم وقطع الجذور وقراءة العلامات الفلكية ومسار القمر، وينسبها إلى أسماء مختلفة من المراقبين.
لا تُعرض هذه القائمة على أنها سجل تاريخي لنشأة كل حرفة أو علم، ولا يصح أن نساوي بين جميع ما فيها. فصناعة السلاح، والزينة، والتنجيم، والعزائم موضوعات مختلفة، وإن جمعها النص ضمن سردية واحدة عن تعليم المراقبين للبشر. ويبدو أن محور النقد ليس مجرد وجود معرفة أو مهارة، بل ارتباطها في الرواية بالتمرد، وبالعنف أو الممارسات التي يراها النص مضللة ومفسدة.
ومن هنا، فعبارة «التكنولوجيا القديمة» قد تكون لافتة، لكنها تنطوي على إسقاط حديث على نص قديم. الأدق أن نتحدث عن المهارات والحِرف والمعارف التي يربطها السفر بانتهاك الحدود وبالفساد. فالسفر لا يقدّم تحليلًا حديثًا للتكنولوجيا، ولا يقول إن كل معرفة مذمومة؛ بل يصوّر معارف تُنقل في سياق تمرد، وتُستخدم أو تُفهم على نحو يفاقم الشر.
الكتابة في أخنوخ 69
يستحق الفصل 69 وقفة خاصة؛ إذ يذكر «بِنِمُوي» الذي علّم البشر الكتابة بالحبر والورق، ويربط النص بين هذا التعليم وبين خطايا ارتُكبت عبر الأجيال (أخنوخ 69: 8–11). وقد يُفهم المقطع، إذا اقتُطع من سياقه، على أنه إدانة للكتابة نفسها: فالمقطع جزء من قائمة تعليمات منسوبة إلى كائنات ساقطة، وصياغته لا تكفي وحدها للقول إن السفر يرفض الكتابة أو المعرفة المكتوبة على إطلاقها. كما أن الفصل 69 يقع ضمن قسم «الأمثال» في السفر، لا ضمن سرد الفصول 6–16، ولذلك ينبغي عدم دمج جميع المقاطع في رواية واحدة بلا تمييز بين أقسام الكتاب.
الأدق أن نقول إن النص يثير سؤالًا عن علاقة المعرفة بمسؤولية من ينقلها وبكيفية استخدامها. وهو سؤال يسمح بالمقارنة مع حاضرنا، شرط أن نميّز بين ما يقوله النص بالفعل وبين التطبيقات التي نقترحها نحن.
ثالثًا: صراخ الأرض واستجابة السماء
في أخنوخ 9، يرى عدد من الملائكة ما يجري على الأرض من سفك للدماء وإثم، وترتفع إليهم شكوى الأرض وأصوات المتألمين. فيرفعون الأمر إلى الله، طالبين أن يصدر حكمه. المشهد هنا ليس مجرد وصف لمؤامرة سماوية؛ إنه تصوير أدبي للظلم الذي لا يغيب عن الله، وللضحايا الذين لا يُسمع صوتهم على الأرض فيُعرض صراخهم أمام السماء.
في الفصل العاشر، يأتي الجواب الإلهي في صورة أحكام متمايزة: يُرسَل رسول إلى نوح، ابن لامك، ليُنبَّه إلى الطوفان ويحفظ نسله؛ ويُؤمر رافائيل بتقييد عزازئيل؛ ويُكلَّف ميخائيل بمعاقبة سمحازاي وشركائه؛ ويُرسَل جبرائيل لمواجهة الجبابرة. وتختلف بعض أسماء الملائكة وصيغها بين الترجمات والشواهد،) لذلك من الأفضل عند اقتباس النص تحديد الترجمة المعتمدة، لا التعامل مع كل تهجئة للأسماء كأنها ثابتة في جميع النسخ.(
ويحمل الحكم بُعدًا يتجاوز العقوبة: فالنص يتحدث أيضًا عن شفاء الأرض بعد أن دنّسها العنف (أخنوخ 10: 7). وهكذا لا تنتهي القصة بمجرد معاقبة المتمردين؛ بل تتطلع إلى استعادة النظام وإبقاء نسل للبشر بعد الطوفان. ولا يشرح هذا المقطع أن تأخر الدينونة هدفه إمهال المذنبين للتوبة، لذلك ينبغي ألا ننسب إليه هذه الفكرة من دون دليل نصي.
رابعًا: أخنوخ ورسالة رفض الالتماس
في الفصول 12–16، يطلب المراقبون من أخنوخ أن يحمل التماسهم إلى الله. يذهب أخنوخ حاملًا الرسالة، ثم يعود إليهم بإعلان أن طلبهم لن يُقبل. ويقوم الرفض في الرواية على انقلاب الأدوار: فالمراقبون الذين كان ينبغي لهم أن يتضرعوا من أجل البشر، صاروا سببًا في فسادهم؛ والبشر هم الذين يرفعون الشكوى بسبب ما وقع عليهم.
تُظهر هذه الصفحات أن القصة لا تردّ الشر إلى الشهوة وحدها. إنها تربطه أيضًا بالمسؤولية عن المعرفة، وبسلطة الكائنات التي تجاوزت موقعها، وبالأذى الذي وقع على البشر والأرض. كما ترسم الرواية فرقًا بين مسؤولية البشر ومسؤولية المراقبين، من دون أن تجعل ذلك تبريرًا لأفعال البشر أو إعفاءً لهم من المحاسبة.
خامسًا: المقارنة مع العهد الجديد
تظهر أصداء قصة المراقبين في رسالتين من العهد الجديد. ففي يهوذا 6 يُذكر ملائكة لم يحفظوا منزلتهم، بل تركوا مسكنهم، وحُفظوا للدينونة. وفي 2 بطرس 2: 4 يرد ذكر ملائكة أخطأوا وأُودعوا في قيود الظلام انتظارًا للدينونة. وقد رأى باحثون أن هذين المقطعين يستحضران تقليد المراقبين، وهو تفسير معروف في البيئة اليهودية خلال فترة الهيكل الثاني. [1]
لكن من المهم التفريق بين هذا التشابه وبين الاقتباس المباشر. فالاقتباس الصريح الأشهر من أخنوخ الأول في العهد الجديد هو ما يرد في يهوذا 14–15، ويقابل أخنوخ 1: 9. أما يهوذا 6 و2 بطرس 2: 4، فيرتبطان بتقليد الملائكة الساقطين، ولا يثبت التشابه وحده أن كل واحد منهما نقل مباشرةً من نص أخنوخ الأول. [2]
ولا يحسم وجود هذه الأصداء قانونية سفر أخنوخ لدى الكنائس التي لا تدرجه في قانونها؛ لكنه يبيّن أن تقاليده كانت حاضرة في العالم الديني الذي نشأت فيه بعض كتابات العهد الجديد. وهذه بالضبط إحدى فوائد دراسة النصوص غير القانونية: أن تساعدنا على فهم البيئة الفكرية والتعبيرات التي عرفها كتّاب العهد الجديد وقرّاؤه الأوائل، مع الحفاظ على التمييز بين تاريخ التأثير وقانونية الأسفار.
خاتمة
يقدّم كتاب المراقبين تفسيرًا تفصيليًا لقصة موجزة في سفر التكوين. ففيه يرتبط تمرد المراقبين بولادة الجبابرة، وبالعنف الذي يلتهم موارد البشر ويصيب الأرض، وبنقل مهارات ومعارف يراها النص جزءًا من أزمة أخلاقية أوسع. لكنه لا يقدّم حكمًا بسيطًا بأن كل معرفة شر، ولا يبرر وصفه بنظرية عن «التكنولوجيا القديمة» بمعناها الحديث.
وتبرز في الرواية أسئلة ما زالت قابلة للنقاش: من يتحمل مسؤولية المعرفة حين تُنقل؟ كيف تتحول المهارة إلى أداة عنف أو هيمنة؟ وكيف يصوّر النص صراخ الضحايا وطلب العدالة؟ سنعود إلى هذه الأسئلة في قراءة الفصول نفسها، مع التمييز بين صوت النص القديم وبين تأويلاتنا المعاصرة.
في المقالة التالية، ننتقل إلى صور «ابن الإنسان» والدينونة في سفر أخنوخ الأول، ونقارنها بنصوص العهد الجديد من غير افتراض تأثير مباشر حيث لا تكفي الشواهد لإثباته.
مراجع وإحالات
Rebecca Skaggs, “Jude’s Role in the Reception History of Enoch,” في 1, 2 Peter and Jude Through the Centuries، Wiley، 2020.
Peter J. Gentry and Andrew M. Fountain, “Reassessing Jude’s Use of Enochic Traditions,” Tyndale Bulletin 68/2 (2017).
George H. Schodde, The Book of Enoch: Translated from the Ethiopic, with Introduction and Notes (Andover: Warren F. Draper, 1882) ، وهي الترجمة المعتمدة في النسخة المرفقة.
Michael A. Knibb, “The Ethiopic Book of Enoch,” في Outside the Old Testament، Cambridge University Press.