موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
متى تكون المدرسة بيتًا لا مجرد مكان يتعلّم فيه الطلاب ويُقيَّمون؟ لا تكفي الإجابة بالحديث عن الأجواء الودّية أو العلاقات الطيبة فالمسألة أعمق من ذلك وتتعلّق بالطريقة التي تنظر بها المؤسسة إلى كل طالب وبما تمنحه له من فرص للتعلّم والنمو والشعور بالانتماء.
من هذا السؤال تنطلق دعوة البابا لاون الرابع عشر إلى أن تكون المدارس والجامعات الكاثوليكية قبل كل شيء "بيتًا" وهي دعوة تكتسب أهميتها في عالم يحمل فيه كثير من الشباب أعباءً عائلية ونفسية ويعانون الوحدة والشعور بعدم الانتماء ويخشون مستقبلًا غير واضح، وفي هذا السياق لا يعود الاستقبال مجرّد لفتة لطيفة ولا التعليم مجرّد نقل للمعرفة بل يصبح السؤال عن الإنسان نفسه كيف نساعده على أن يتعلّم وينمو ويكتشف قدراته ويجد مكانه بين الآخرين؟
1. الانتماء شرط التعلّم: معايير البيت بسيطة لكنها عميقة الأثر، شخص ينظر إلى الطالب في عينيه ويتذكّر اسمه ويلحظ غيابه ويفرح بعودته، هنا يبدأ إعلان الإنجيل من خلال شعور الطالب بأنه معروف ومرئي لا مجرد اسم في سجلّ أو رقم في دفتر العلامات، ولهذا الأمر أثر تربوي مباشر فالطالب الذي يشعر بأنه مقبول وله مكان بين الآخرين يصبح أكثر استعدادًا للسؤال والمشاركة والتعلّم، فالانتماء ليس أمرًا منفصلًا عن التعليم بل جزء من البيئة التي تساعد الطالب على النمو، لذلك فإن استقبال الطلاب ومتابعة غيابهم ليسا مجرّد إجراءات روتينية بل تعبير عن اهتمام المدرسة بكل طالب ومسؤوليتها تجاهه.
2. نتعلّم التفكير بالحوار والصبر: لا تقتصر رسالة المدرسة على تقديم الإجابات بل تشمل مساعدة الشباب على التفكير وطرح الأسئلة والبحث عن الحقيقة، ومن هنا تأتي أهمية الإصغاء إلى تساؤلاتهم ومساعدتهم على اكتشاف كيف يمكن للإيمان والعقل أن يتكاملا بدل أن يشعروا بأن عليهم الاختيار بينهما.
ويذكّر البابا بأن العمليات التربوية تحتاج إلى وقت للنمو وإلى مسيرة تتّسم بالصبر محذّرًا من التقليل من قيمة الفكر البشري في زمن تشتدّ فيه الحاجة إليه، فالمدرسة التي تبحث عن الإجابات السريعة وحدها قد تضعف قدرة طلابها على التأمّل والتحليل والتمييز، أما التربية الحقيقية فتمنحهم الوقت ليفهموا وتساعدهم على بناء أحكامهم بدل الاكتفاء بتلقّي المعلومات.
3. ثقافة الأداء وبناء الثقة: يعيش كثير من الشباب تحت ضغط الخوف من الخطأ ومن عدم بلوغ المستوى المطلوب في ثقافة تقارن الناس وتصنّفهم باستمرار، وحين يُساء فهم الجدارة قد يتحوّل التقييم من وسيلة لتشجيع التقدّم إلى سبب للشعور بالنقص وفقدان الثقة فيتخلّى بعض الطلاب عن المحاولة قبل أن يبدأوا.
ليس المطلوب إلغاء المعايير أو التخلّي عن المحاسبة بل التمييز بين تقييم أداء الطالب والحكم على قيمته كشخص، فمن حق الطالب أن يُوجَّه ويُطالَب بالتقدّم لكن لا يجوز اختزاله في علامة أو ترتيب، هنا تبرز أهمية الثقة أن يجد الطالب من يؤمن بقدراته حتى قبل أن يؤمن هو بنفسه، ويستحضر البابا مثال يسوع الذي دعا الاثني عشر لا لأنهم كانوا شجعانًا بل لأن ثقته بهم ساعدتهم على الاستجابة لرسالته، وفي هذا السياق تصبح الكلمات التي وُجّهت إلى برطيماوس دعوةً تربوية أيضًا "ثق! قم! إنّه يدعوك!" (مر 10: 49) فالمدرسة التي تجعل الخطأ فرصة للتعلّم والتحسّن وتمنح المتعثّر فرصة ثانية تساعد طلابها على استعادة الثقة والجرأة على المحاولة.
4. تربية القلب: تحت المظاهر الدفاعية التي يلجأ إليها بعض المراهقين لحماية أنفسهم من الألم تكمن رغبة عميقة في أن يحبّوا وأن يكونوا محبوبين، ومن هنا لا تكتمل التربية بتنمية العقل وحده بل تحتاج أيضًا إلى تربية القلب من خلال تنمية الرحمة والامتنان والتعاطف مع الآخرين والانفتاح على الله، وفي هذا الإطار تشكّل خدمة الفقراء والعمل التطوعي والعناية بالخليقة خبرات تربوية يتعلّم فيها الشباب الاهتمام بالآخرين وتحمل المسؤولية، فالتربية المسيحية تجمع بين الصلاة والمحبة وبين الإيمان وخدمة الإنسان بحيث تنعكس العلاقة مع الله في أعمال محبة ملموسة في الحياة اليومية.
5. مرافقة الشباب في رحلة النمو: يتعرّض الشباب لرسائل مضلّلة تعدهم بإجابات سريعة وحلول سهلة لكن دور المربّي لا يقتصر على تقديم الأجوبة الجاهزة بل يشمل مرافقة الطالب حتى يكتشف المواهب والقدرات التي وهبه الله إياها ويتعلّم كيف يوظّفها في حياته.
وهذا ما توضحه قصة تلميذَي عمّاوس (لو 24: 13-35) اقترب المسيح القائم منهما وسار معهما وأصغى إليهما وشرح لهما وجعل قلبيهما يتّقدان ثم تعرّفا إليه عند كسر الخبز، وفي هذا المسار درس تربوي عميق فالحضور يسبق التعليم والإصغاء يسبق الشرح والمرافقة تمنح الشاب فرصة لفهم نفسه واكتشاف الطريق الذي أمامه، فليس المطلوب أن نختار الطريق بدلًا منه بل أن نساعده على تمييزه والسير فيه بمسؤولية.
لا يُقاس نجاح المدرسة الكاثوليكية بنتائج طلابها وحدها بل أيضًا بما تساعدهم على بنائه في أنفسهم من ثقة وحكمة ورحمة ومسؤولية، ولا تتحقّق هذه الغاية بالشعارات بل في تفاصيل الحياة المدرسية، في طريقة استقبال الطالب والإصغاء إلى أسئلته والتعامل مع أخطائه ومساندته حين يتعثّر.
من هنا يمكن لمدارسنا أن تسأل نفسها هل يشعر كل طالب بأنه معروف وله مكان بيننا؟ هل تساعده معاييرنا على النمو أم تختزله في نتائجه؟ وهل يجد حين يفقد الثقة بنفسه من يرافقه حتى يستعيد القدرة على المحاولة؟
فالمدرسة تصبح بيتًا حين لا تكتفي بأن تفتح أبوابها للطلاب بل تفسح لكل واحد منهم مكانًا ينمو فيه عقله وينضج قلبه وتتشكّل مسؤوليته تجاه الآخرين، عندها لا تعود التربية مجرد إعداد للنجاح بل تصبح مرافقة للإنسان في نموّه وشهادة حيّة لمحبة المسيح.