موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٥ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦

القداسة لنا جميعًا – 2

بقلم :
المونسنيور بيوس قاشا - العراق
المونسنيور بيوس قاشا

المونسنيور بيوس قاشا

 

للقداسة وجهين: الوجه الإلهي والوجه البشري (الإنساني). والمسيح الإله هو الذي أنشأ القداسة، والروح القدس هو الذي قدسها ويواكب مسيرتها في العالم، إنها جماعة "المَدعُوِّينَ لِيَكونوا قِدِّيسين" (رو7:1).

 

والمسيح الذي أحبّ كنيسته، هو الذي ضحى بنفسه من أجلها ليقدّسها ويزفّها إلى نفسه. والمؤمنون بواسطة المسيح يضمن لهم القداسة إذا عملوا بما يعمل الرب، فقد نالوا في المسيح مبدأ القداسة والبلوغ إليها بعيش حياتهم بالمسيح.

 

وكما قلتُ، فللكنيسة وجه بشري. إنها جماعة تمتلك عربون الخلاص والقيامة، وهي تسير نحو الملكوت. وإنْ كانوا معرَّضين لتيارات الشر المختلفة، فليس من السهل دوماً على أبناء الكنيسة أن يقاوموا التيارات الجارفة. فجميع الأخطاء والشوائب لا تُعزى إلى المسيح وإلى الكنيسة في حدّ ذاتها، بل تدلّ على أننا نحن أبناء الكنيسة بشر خاطئون، نعيش في عالم الخطأ، ولكن يجب أن لا ننسى أيضاً أننا بشر مخلَّصون، علينا أن نسعى دائماً في تحقيق هذا الخلاص في حياتنا اليومية وفي علاقاتنا ومواقفنا تجاه البشر.

 

فالكنيسة مُشعّة للمسيح، وَوَعْدٌ لها بأن يكون معها دوماً إذ قال:"هاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم" (متى20:28). فإذا تعرضت الكنيسة (أحياناً) خلال مسيرتها الطويلة في العالم لشيء من الفتور، وإذا لم تكن دوماً صورة مشعّة تعطي للعالم وجه المسيح الصحيح، وإذا لم تؤدِّ رسالتها بصورة صحيحة، فذلك لا يعني أن المسيح قد ابتعد أو تخلّى عنها، ولو فعل ذلك لتلاشت الكنيسة من عهدٍ بعيد شأن جميع المؤسسات البشرية التي ظهرت ثم توارت. فالمسيح لم يُهمل كنيسته حتى في أحلك الظروف، وروحه القدوس قادها في وسط الظلمات نحو النور الإلهي، وقد أقام فيها أناساً انقادوا كليّاً إلى عمله المقدس وساروا بإرشاده على خطى المعلّم السماوي الإلهي، فأولئك أرادهم المسيح شهود حينما قال:"وَتكونونَ لي شُهودًا في أُورَشَليمَ وكُلِّ اليهودِيَّةِ والسَّامِرَة، حتَّى أَقاصي الأَرض" (أع8:1). فالذين يُدْعَون قديسين هم الذين اجتازوا التجربة وعاشوا مخافة الله "يَكونُ نَبتُ الرَّبِّ بَهاءً ومَجداً، وثَمَرَةُ الأَرض فَخراً وزينةً... ومَن تُرِكَ في أُورَشَليم، يُقال لَه قِدِّيس، كُلُّ مَن كُتِبَ لِلحَياةِ في أُورَشَليم" (اشعيا2:4-3).

 

فقديسو العهد الجديد ليسوا فقط الذين أعلنت الكنيسة قداستهم بصورة رسمية، بل هم أولئك الناس الذين أخذوا الإنجيل مأخذ الجدّ، فتبعوا المسيح بصورة حاسمة. إنهم أولئك الذين عاشوا روح التطويبات بكل عمق وأصالة وإيمان وعمل وفي جميع ظروفهم الحياتية "إِنَّهم لا عَيبَ فيهم" (رؤ5:14)، وعرفوا حقاً أن يوحّدوا حياتهم في غمرة المهام اليومية والأشغال المتشعبة، وأن يضعوها تحت قيادة الروح، فهم شهود للمسيح ولحقيقة الإنجيل، فقد عاشوا المحبة في جميع أبعادها، وجسّدوها في جميع أعمالهم ومواقفهم، إنهم شهداء للمسيح الحي وقديسون للآب السماوي.

 

فحينما تقدم لنا الكنيسة قديسين وتدعونا لإكرامهم، فهي لا ترمي بذلك إلى أن تُبهرنا بجمالهم الروح وببطولاتهم في ممارسة شتى الفضائل، لكنها تسلّط الضوء على حياتهم لنرى فيها وجهاً جديداً للإنجيل المعاش. فالكنيسة تريد أن تقول لنا أنّ هؤلاء القديسين عاشوا في عالمنا، وكانوا من طينتنا، ولهم طبيعة بشرية مثلنا، وتعرضوا لمختلف الصراعات والأوهان، واختبروا حياتهم في المحن والتجارب، وربما أحيانا لم تخلُ من الهفوات والخطايا، إلا أن هؤلاء الناس بالرغم من ضعفهم البشري عرفوا أن يتعاملوا مع نعمة المسيح الذي قال "بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً" (يو5:15). وفتحوا قلوبهم أمام نعمة المسيح، واستطاعوا أن يرتفعوا على أجنحة الروح فوق طبيعتهم البشرية، وأن يحيوا بالمسيح وللمسيح، أو بالأحرى أن يحيا المسيح فيهم حقاً، والإنجيل يكون تسديداً لخطاهم. وعصرنا هذا لا يخلو من قديسين حقيقيين.

 

فَدَور القدوس في الكنيسة هو أن يعرفوا الإنجيل بحياتهم كلها، ويقولوا للجميع أنكم مدعوون إلى القداسة. ومهما بدت القداسة بعيدة عنكم، فإنها تبقى في متناولكم مع المسيح الذي آمنتم به. فلا يحق لكم أن تتذرّعوا بحجج واهية أو تافهة لأن طريق القداسة بات مفتوحاً أمام الجميع، والمسيح ينتظركم فيه، ونعمته الخاصة ممنوحة لكم. فساندوا الكنيسة في مسيرتها الطويلة، فأنتم لستم مديرين في المسيرة بل نحن معكم، فالقداسة هي للجميع وإنْ كنّا نحيا في العالم أيضاً.