موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
عيد الثالوث الأقدس (أ)
المقدّمة
سننطلق من خلال تعبير الـ« cosmoالإلهي»، المشتق من لفظة «cosmo» اليونانية التي تعني «العالم». وسنناقش في هذا المقال موضوع العالم الإلهي من خلال النص الأول في العهد القديم، حيث نتناول كلمات الرب التي يكشف فيها لموسى العالم غير المرئي، أي عالمه السماوي، عبر كلماته العشر المنحوتة على لوحي الشريعة في سفر الخروج (34: 4-9).
ويستمر الرب في الكشف عن عالمه الإلهي من خلال يسوع الابن، حيث يصبح هذا العالم مرئيًا. ويظهر ذلك في الإنجيل الرابع، من خلال كلمات يسوع في حواره مع نيقوديموس (يو 3: 16-18). وهنا يتجلّى العالم الإلهي الذي يلحّ عليه يوحنا في لاهوته، كاشفًا عنه من خلال تعليم يسوع الابن، الذي يزيل جهل الإنسان ويكشف حقيقة الله الثالوثيّة.
ويهدف هذا المقال إلى تتبّع مسار الكشف الإلهي، والدخول في هذا العالم الذي يعلنه لنا الرب، لكي نحياه منذ الآن، من خلال الشركة مع الله الآب والابن والروح القدس. وهذا هو جوهر سرّ الثالوث الذي يحتفل به الطقس اللاتيني في هذه الأيام.
1. الصفحة الجديدة (خر 34: 4-9)
يفتتح كاتب سفر الخروج هذا الإصحاح بالتنويه بالأمر الإلهي في الحوار الذي دار بين الرب وموسى على جبل سيناء، إذ قال له: «اِنحَتْ لَكَ لَوحَي حَجَرٍ كالأَوَّلَين، فأَكتُبَ علَيهِما الكَلامَ الَّذي كانَ على اللَّوحَينِ الأَوَّلَينِ اللَّذَينِ حَطَّمتَهُما» (خر 34: 1). ويعود سبب تحطيم اللوحين الأولين إلى أنّ موسى، عند نزوله من الجبل، وجد الشعب بقيادة هارون يعبد العجل الذهبي، فاشتعل غضبه وكسر اللوحين اللذين كانا يحملان كلمات الله العشر (راجع خر 32: 15-22).
غير أنّ هذا المقطع يكشف لنا بداية جديدة، فبعد أن طلب موسى من الرب أن يغفر خطيئة الشعب، يبادر الرب من جديد إلى تجديد العهد، مانحًا كلماته العشر مرة أخرى، وطالبًا من موسى أن ينحت لوحين جديدين من حجر. وهكذا تصير الكلمات الإلهية علامة مرئية على حضور الله وسط شعبه.
ويطيع موسى أمر الرب، ويفاجئنا كاتب سفر الخروج بأنّه، بعد أن أتمّ نحت اللوحين، «أَخَذَ [موسى] في يَدِه لَوحَي الحَجَر. فنَزَلَ الرَّبُّ في الغَمام وَوقَفَ معَه هُناكَ» (خر 34: 4-5). ويكشف هذا التجلّي الإلهي عن نعمة عظيمة يمنحها الرب لشعبه، إذ إنّ رغبته العميقة هي أن يبقى في وسط مخيمات بني إسرائيل ويرافقهم في مسيرتهم في الصحراء.
وفيما كان موسى ينادي باسم الرب، حدثت المفاجأة الإلهية، إذ «مَرَّ الرَّبُّ قُدَّامَه فنادى: "الرَّبُّ الرَّبّ! إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ، كَثيرُ الرَّحمَة والوَفاء"» (خر 34: 6). وأمام هذا الظهور الإلهي في الصحراء، يعترف موسى بسيادة الله، فيصف الكاتب موقفه قائلاً: «فأَسرَعَ موسى واِنحَنى إِلى الأَرضِ ساجدًا، وقال: "إِن نِلْتُ حَقًّا حُظوَةً في عَينَيكَ، يا رَبّ، فَلْيَسِرِ الرَّبُّ إِذاً في وَسْطِنا، لأَنَّه شَعبٌ قاسي الرِّقاب. فاَغفِرْ إِثمَنا وخَطيئَتَنا واِتَّخِذْنا ميراثًا لَكَ"» (خر 34: 8-9).
إذًا، فإنّ مبادرة الرب إلى إعادة إعطاء كلماته العشر لشعبه تشكّل علامة واضحة على حضوره الحيّ في وسطهم ومرافقته لهم. لذلك يتجلّى بمجده وأمانته، لأنّه يبقى وفيًّا لعهده رغم ضعف الإنسان وخطيئته.
2. ليل الجهل (يو 3: 1- 9)
يستمر الله في الكشف عن مجده الإلهي، لا لشعبه في الصحراء فحسب، بل أيضًا من خلال تجسّد يسوع الابن. ويقدّم لنا الإنجيل اليوحنّاوي حوارًا ينفرد به يوحنّا بين يسوع وأحد معلّمي الشريعة، وهو نيقوديمس. ويمهّد الإنجيلي لهذا اللقاء بقوله: «وكانَ في الفِرِّيسيِّينَ رَجُلٌ اسمُه نيقوديمُس وكانَ مِن رُؤَساءِ اليَهود. فجاءَ إِلى يَسوعَ ليلاً» (يو 3: 1-2).
ويأتي نيقوديمس في قلب الليل باحثًا عن إجابات لتساؤلاته، فيما يستمر الله في تجلّيه وكشف سرّه الإلهي من خلال كلمات يسوع الابن، لكي يبدّد جهله. لذلك يقول له يسوع: «أَأَنتَ مُعلِّمٌ في إِسرائيل وتَجهَلُ هذِه الأَشْياء؟» (يو 3: 10).
ويمثّل جهل نيقوديمس حالة كلّ واحد منّا حين نظنّ أنّنا نعرف الله معرفة كاملة، أو نعتقد أنّ خبراتنا ودراساتنا وتخصّصاتنا تجعلنا مركزًا للمعرفة. غير أنّ السرّ الإلهي يبقى أوسع وأعمق من إدراك الإنسان المحدود.
لذلك تأتي كلمات يسوع لكي تزيل جهلنا وتنيرنا بنوره الإلهي، فتقودنا من المعرفة الظنّية إلى المعرفة الحقّة. ففي ليل جهل الإنسان، يشرق النور الإلهي ليرافقنا خارج عتمة تصوّراتنا المحدودة، فنكتشف الله الحقيقي، لا الصورة التي نصنعها عنه في أذهاننا.
3. أمانة الرّبّ (يو 3: 16- 18)
كما رأينا في قراءتنا لمقطع سفر الخروج، فإنّ الله الثالوث أراد أن يبدأ صفحة جديدة مع الشعب، بعدما أخطأ بعبادة العجل الذهبي، فطلب من موسى أن ينحت من جديد لوحي الشريعة الحاملين لكلماته العشر، ثم تجلّى على جبل سيناء وسط شعبه. وهكذا يظهر مجده من جديد على لسان يسوع الابن، في حواره مع نيقوديمس، واليوم أيضًا معي ومعك، ليعلن ما يحمله قلب الآب من محبة للبشر.
ومن هنا يقدّم لنا يوحنّا الإنجيلي فهمًا غنيًّا لمعنى «العالم» من خلال اللفظة اليونانية «كوسموس (cosmos)»، إذ تظهر في إنجيله بثلاثة معانٍ مختلفة:
· المعنى السلبي للعالم: «كانَ في العالَم، وبِه كانَ العالَم، والعالَمُ لَم يَعرِفْهُ» (يو 1: 10). يشير هذا المعنى إلى جهل الإنسان بالله، رغم أنّ الله دخل عالمنا البشري من خلال ابنه. فبدل أن يتقبّل الإنسان حضور الله ويستجيب لمخططه الخلاصي، بقي أسير جهله ورفضه. ومع ذلك، لا يصمت الله، بل يواصل، بحسب اللاهوت اليوحنّاوي، تحذير الإنسان من روح العالم الرافض لله.
· المعنى المحايد للعالم: «إِنِّي بَلَّغتُهم كَلِمَتَكَ فأَبغَضَهُمُ العالَم، لأَنَّهُم لَيسوا مِنَ العالَم كما أَنِّي لَستُ مِنَ العالَم» (يو 17: 14). وهنا يُفهم العالم بوصفه واقع الحياة البشرية التي يعيش فيها المؤمن. لذلك، نحن مدعوون إلى أن نحيا في العالم بتمييز روحي، مدركين أنّ روح الشرّ تحاول أن تترك أثرها في الإنسان، لكن من ينتمي إلى المسيح لا ينبغي أن يخضع لمنطق هذا العالم، لأنّه قد خُلّص بيسوع المسيح.
· المعنى الإيجابي للعالم: «جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه، بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة» (يو 3: 16). وهنا يظهر العالم بوصفه موضوع محبة الله وخلاصه، إذ أحبّ الله الإنسان إلى حدّ بذل ابنه الوحيد من أجل حياته وخلاصه. وهذا هو المعنى الذي سنتوقّف عنده لاحقًا بصورة أعمق.
4. «الـcosmo الإلهي» (يو 3: 16-18)
تأتينا كلمات يوحنّا، على لسان يسوع، منذ الصفحات الأولى لبشارته، معلنة أنّ قلب الله ما يزال ينبض حبًّا تجاه عالمنا. ففي حوار يسوع، الأقنوم الثاني، مع نيقوديمس، يكشف الابن عن وجه الآب، الأقنوم الأوّل، معلنًا بصراحة: «إِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَم حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة. فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم. مَن آمَنَ بِه لا يُدان، ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد» (يو 3: 16-18).
وتكشف كلمات يسوع جوهر الثالوث الأقدس، كما تكشف محبة الله الثالوثية لعالمنا رغم ضعفه وخطيئته. فعندما يحبّ الله العالم، يمنحه من جديد معناه الإيجابي، أي المعنى الأصلي الذي أراده له منذ الخلق، قبل أن تدخله الخطيئة. لذلك، فإنّ رغبة الرب هي أن يعيد العالم إلى صورته الأولى، ماحيًا ما فيه من سلبية وانقسام وشرّ.
ومن أجل تحقيق هذا الخلاص، يجازف الله بأعظم عطيّة، إذ «جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة» (يو 3: 16). ويتمّ هذا العمل الخلاصي بشركة الروح القدس، الأقنوم الثالث، الذي يفعّل في الإنسان ما خطّطه الآب وأتمّه الابن.
ويظهر جوهر رسالة يسوع لاحقًا في تأكيده أنّ رسالته ليست الدينونة بل الخلاص. لذلك يقول: «وإِن سَمِعَ أَحَدٌ كَلامي ولَم يَحفَظْه فأَنا لا أَدينُه، لأَنِّي ما جِئتُ لأَدينَ العالَم بل لأُخَلِّصَ العالَم» (يو 12: 47). وهنا تتجلّى مسؤولية الإنسان، إذ إنّ الله، في احترامه الكامل لحريتنا، يدعونا إلى قبول يسوع والإيمان به، لكي نصير موضع عمل الثالوث الأقدس الخلاصي، ونختبر منذ الآن الحياة الجديدة التي يمنحها الله لعالمه.
الخلاصة
تتبّعنا في هذا المقال، الذي يتمحور حول الله الثالوث، كيف كشف الله تدريجيًا عن ذاته للبشر. فقد بدأ هذا الكشف من خلال كلماته العشر في العهد القديم (خر 34: 4-9)، حين أقام الله وسط شعبه عبر حضوره المتجلّي في لوحي الشريعة. وكانت هذه الخطوة الأولى التي كشف الله من خلالها عن «الكوسمو الإلهي»، أي عالمه الإلهي الحاضر وسط الإنسان.
ومن خلال حوار يسوع مع نيقوديمس، كما يورده الإنجيل الرابع (يو 3: 16-18)، رأينا أنّ يسوع الابن يحمل فكرًا جديدًا تجاه العالم. فهو لا يقف ضد العالم، بل جاء خصيصًا ليخلّص الإنسان من المعنى السلبي والمحايد للعالم، ويعيد إليه معناه الحقيقي والإيجابي. لقد عاش يسوع في عالمنا، وأحبّه، ولذلك جاء بخلاصٍ يشمل العالم والإنسان معًا، انطلاقًا من محبة الله للبشر.
ومن هنا، نصير مدعوين إلى قبول رسالة الحبّ التي تتجدّد فينا بنعمة الروح القدس، الأقنوم الثالث، الذي يحقّق فينا مخطط الله الآب، ويجعلنا نختبر محبة يسوع لعالمنا بحسب منطق الخلاص والحياة الجديدة.
لذلك، يبقى الإنسان مدعوًّا إلى عيش شركة دائمة مع الثالوث الأقدس، والدخول منذ الآن في هذا «العالم الإلهي» الذي يكشفه الله للإنسان ويشاركه معه.