موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٢٨ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

السيادة الوكيلية

د. حسام حداد

د. حسام حداد

د. حسام حداد :

 

في ظل التحولات المتسارعة للاقتصاد الرقمي باتت هندسة أرقام الموازنات وإدارة الالتزامات الائتمانية هي المعيار الأساسي لتقييم قوة ومستقبل الدول. وتعود الجذور الهيكلية لهذا التحول إلى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وتحديداً في عام 1996 عندما فككت عالمة الاقتصاد السياسي Saskia Sassen ملامح هذا الارتهان المؤسسي، حيث عرفت مصطلح السيادة الوكيلية (Agentic Sovereignty) كإطار تفسيري حديث يدرس كيف تؤول سلطة القرار الاقتصادي تدريجياً من المؤسسات السياسية وصنّاع القرار إلى الوكالة الذاتية للمعايير والنظم الخوارزمية المستقلة. ففي هذا النموذج تحافظ الدول على كامل مظاهر سيادتها المستقلة من حكومات وبرلمانات بينما تجد نفسها مدفوعةً بفعل التدفقات الطيفية للأموال ومتطلبات الامتثال للمنظومة المالية العالمية لتغليب مصالح الدائنين والاشتراطات التقنية الصارمة لضمان التنبؤ السيادي الإيجابي وتجنب الاستبعاد من الأسواق. هذا التحول البنيوي يعيد صياغة العقيدة الاقتصادية المحلية ليحولها من رعاية المجتمع والإنتاج الحقيقي إلى إدارة المخاطر وتأمين عوائد رأس المال الأجنبي مما يُصوّر القرارات المصيرية والتنازلات الاقتصادية وكأنها حتميات رياضية وإصلاحات محاسبية موضوعية لا مفر منها لتجنب الإفلاس.

 

وتظهر الأبعاد التنظيمية للسيادة الوكيلية بوضوح عند صياغة وتمرير السياسات والمعايير المهنية العابرة للقارات، فعندما يُفرض معيار محاسبي دولي جديد مثل المعيار المرتقب IFRS 18 لإعادة هيكلة عرض القوائم المالية وزيادة الشفافية فإن هذا المعيار يتصرف كوكيل بنيوي مستقر يعيد توجيه تدفقات الاستثمار العالمي. هذا التدفق المعياري يجبر البيئات المحلية على تبني سلوكيات إفصاح محددة قد لا تتوافق بالضرورة مع أولوياتها التنموية أو خصوصيتها الاقتصادية، مما يمنح الأطر الفنية سلطة تشريعية ضمنية تُترجم من خلالها المعارك السياسية حول توزيع الثروة والضرائب إلى معادلات رياضية وقواعد مهنية صارمة.

 

ونتيجة لذلك، تصبح الحكومات بمثابة جهات تنفيذية تابعة لسلطة المعيار، مما يعفي الإدارات المحلية من المسؤولية المباشرة أمام مجتمعاتهم ويمنح النظام المالي العالمي حصانة تقنية مطلقة تحميه من المساءلة وتحول الأزمات الاقتصادية إلى مجرد مشكلات تقنية تُحل داخلياً بشكل مهنياً.

 

لم يعد الخبير أو المدقق البشري يمتلك رفاهية الاجتهاد المهني أو التقدير الأخلاقي بل أصبح خاضعاً لإملاءات برمجية صارمة تحدد خطوات الفحص وتدفقات العمل. فالمنظومة الرقمية تحلل البيانات الضخمة وتستشرف الهويات الائتمانية المؤتمتة، بينما ينحصر دور الإنسان في تغذية النظام وتوقيع التقارير الجاهزة مما يمنح البرمجيات سلطة تظهر خيارات إعادة الهيكلة أو تقليص التكاليف كحتميات تكنولوجية لا كرغبات رأسمالية. برأيي، إن هناك صراعاً معرفياً يسعى لكسر الوكالة الآلية عبر الدعوة إلى أنسنة المعايير المحاسبية ودمج أبعاد العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية ضمن هيكلية الأرقام، لتعزيز السيادة المادية للاقتصادات المحلية بدلاً من التقييمات الرقمية الخارجية مما يؤكد أن الدفاتر المحاسبية لم تكن يوماً أداة محايدة بل هي السلاح الأقوى في صياغة هوية المستقبل للاقتصاد العالمي.