موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢٠ يوليو / تموز ٢٠٢٦

الدولة الدينية لا تبقى زمانين

د. رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية

د. رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية

د. رضوان السيد :

 

كان زمن عام 1979 زمناً مختلفاً هو زمن الثورانات الدينية، التي استخدمها الدوليون، وفي طليعتهم الأميركان، لإسقاط الاتحاد السوفييتي. انتشر وقتَها مصطلحُ «عودة الدِّين»، ورأى بريجنسكي، الذي صار أيام الرئيس جيمي كارتر مستشاراً للأمن القومي، أنه يمكن استخدام الحركات الإسلامية المتطرفة، ضد الاتحاد السوفييتي.


وبدأ عهد الخميني بأزمة كبرى مع الولايات المتحدة، لأن طلاب «خط الإمام» اختطفوا واحتجزوا مئاتٍ من العاملين بالسفارة الأميركية في طهران. لكنّ نظام الملالي لم يخيِّب آمال الأميركيين، فبعد إطلاق سراح الرهائن أول أيام الرئيس رونالد ريغان، انصرف النظامُ الجديد لتصفية حزب «توده» الشيوعي، أقوى الأحزاب الشيوعية في العالم الإسلامي آنذاك. فجرى قتل عشرات الآلاف، وكان أعضاء الحزب يظهرون على التلفزيون فيتهمون أنفسَهم، ويؤكدون على خيانتهم ثم توبتهم، ويُطالِبون أحياناً بالإعدام لمزيد من التطهر! وقد صار الملا خلخالي مضربَ المثل في سرعة أحكامه وتصفياته!


ومن الجهة السنية، وفي عام 1979-1980 اندفع متشددون لاحتلال الحرم المكي. وكان أشخاص من جماعة «الجهاد» قد قتلوا بمصر عالماً أزهرياً عام 1977 ثم اغتالوا الرئيس السادات عام 1981. وفي عام 1979 أيضاً اندفع الاتحاد السوفييتي للتدخل في أفغانستان لمساعدة حكومة الانقلاب الشيوعي هناك. وفي العام نفسه وصل البابا يوحنا بولس الثاني إلى السدة البابوية، وهو بولندي الأصل، فانحاز إلى بلده بولندا في تمرُّدها على الاتحاد السوفييتي. ثم شارك في حملة الإيمان والحرية التي قادها الرئيس الأميركي ريغان لإسقاط الاتحاد السوفييتي. وجاء الأصوليون المسلمون إلى أفغانستان للتعاون ضد الشيوعية


لقد كلّفت الثورات الإسلاموية في إيران والعراق وسوريا والسودان ونواحٍ واسعة من أفريقيا، ملايين القتلى والمهجّرين. وحاولت «داعش» إقامةَ «دولة إسلامية» أو «خلافة إسلامية» في العراق وسوريا (2014-2018). وما نجح ثوار الخلافة بسبب التصدي لهم من الولايات المتحدة، ومن العرب على مختلف دولهم.

 وقد خرّبت «داعش» البلدانَ وهدّمت العمرانَ وحوّلت الإسلامَ إلى مشكلةٍ عالمية. لكن دولتَها زالت بسرعة ودعاويها تهاوت وصارت موهومة. والأمر نفسه صارت إليه جماعة «الإخوان» في مصر (2012-2013).


لكنّ «الدولة الإسلامية» استقام لها الأمرُ في إيران، إنما بعد عنف كبير نال فئاتٍ واسعةً من المواطنين الإيرانيين. وهكذا توافرت في إيران شروطُ الإمامة الشيعية مع تعديلات وتغييرات. فقد حكم الملالي بأنفسهم وما عادوا ينتظرون الإمامَ الغائبَ، حيث قامت دولة كهنوتية ما عرفها المسلمون من قبل!


ماذا يقال عن الدولة الدينية؟، عند الكاثوليك، كان البابا في العصور الوسطى هو الذي يحكم في الدين والدنيا، ولذا ثار عليه البروتستانت ونَحَّوه عن المسؤوليات الدنيوية والسياسية. والبروتستانت العلمانيون هم ثلث مسيحيي العالم اليوم. ومتغيراتهم العقدية تؤثّر علينا، نحن المسلمين، من حيث الاستقرار، ومن حيث إيثار بعهم الصدام مع الآخر. لكن المسيحيين الكاثوليك أيضاً قاموا بمراجعاتٍ جذريةٍ، فقالوا بالفصل بين الدِّين والدولة


ذهبت الدولةُ الدينية من المسيحية، وتوشك أن تذهب من الإسلام باعتبار أن الإسلام يريد نظاماً مدنياً يحكم الدولةَ. وهو الأمر الذي تأباه الحركات المتطرفة


كل معتدلي الإسلام لا يصح أن يكونوا تابعين في أطروحاتهم للمتطرفين بشأن العلاقة بين الدين والدولة.


لا استقرار للدولة الدينية ولا مستقبل لها، لأنها تُفرِّق بين الناس، ويحتل الحكم باسم الإسلام مساحةً واسعةً من إعلاناتها ودعاياتها، والإسلام لا يملك نظاماً إلهياً تستتر به تناقضاتهم، كما أن الإمامة أو السلطة ليست تعبدية، بل اجتهادية ومصلحية. فكفى استغلالاً للدين من أجل الفوز بالسلطة.


إن زمان الخميني غير زمان خامنئي وابنه، والدولة الدينية لا تبقى زمانين.