موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٧ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦

الجزية لقيصر بين السلطة السياسية والسيادة الإلهية

بقلم :
الأب لويس حزبون - فلسطين
الأَحَدُ التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ مِنَ السَّنَةِ: الجِزْيَةُ لِقَيْصَرَ بَيْنَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالسِّيَادَةِ الإِلٰهِيَّةِ (مَتَّى 22: 15-22)

الأَحَدُ التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ مِنَ السَّنَةِ: الجِزْيَةُ لِقَيْصَرَ بَيْنَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالسِّيَادَةِ الإِلٰهِيَّةِ (مَتَّى 22: 15-22)

 

النَّصّ الإنْجيلي (متى 22: 15 -21)

 

15 فذَهبَ الفِرِّيسيُّونَ وعَقَدوا مَجلِسَ شورى لِيَصطادوه بِكَلِمَة. 16 ثُمَّ أَرسَلوا إِليه تَلاميذَهم والهيرودُسِيِّينَ يقولونَ له: ((يا مُعَلِّم، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ صادق، تُعَلِّمُ سَبيلَ اللهِ بِالحَقّ، ولا تُبالي بِأَحَد، لأَنَّكَ لا تُراعي مَقامَ النَّاس. 17 فقُلْ لَنا ما رأيُكَ: ((أَيحِلُّ دَفعُ الجِزيَةِ إِلى قَيصَر أَم لا؟)) 18 فشعَرَ يسوع بِخُبْثِهم فقال: ((لِماذا تُحاوِلونَ إِحراجي، أَيُّها المُراؤُون! 19 أَروني نَقْدَ الجِزيَة)). فَأَتَوهُ بِدينار. 20 فقالَ لَهم: ((لِمَنِ الصُّورَةُ هذه والكِتابة؟)) 21 قالوا: ((لِقَيصَر)). فقالَ لَهم: ((أَدُّوا إِذاً لِقَيصَرَ ما لِقَيصر، وللهِ ما لله)). 22 فلمَّا سَمِعوا هذا الكَلامَ تَعَجَّبوا وتَركوهُ وانصَرَفوا.

 

 

المُقَدِّمَةُ

 

يُسَلِّطُ إِنْجِيلُ الأَحَدِ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ مِنَ السَّنَةِ الضَّوْءَ عَلَى قَضِيَّةِ دَفْعِ الجِزْيَةِ لِقَيْصَرَ وَالعَلَاقَةِ بَيْنَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالسِّيَادَةِ الإِلٰهِيَّةِ (مَتَّى 22: 15–21). وَتَنْدَرِجُ هٰذِهِ الحَادِثَةُ فِي سِيَاقِ المُوَاجَهَاتِ المُتَصَاعِدَةِ بَيْنَ يَسُوعَ وَالقِيَادَاتِ الدِّينِيَّةِ فِي أُورُشَلِيمَ، بَعْدَ دُخُولِهِ إِلَى المَدِينَةِ وَتَعْلِيمِهِ فِي الهَيْكَلِ. فَقَدْ سَعَى مُعَارِضُوهُ إِلَى إِحْرَاجِهِ بِأَسْئِلَةٍ دِينِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ، لِيَجِدُوا فِي أَجْوِبَتِهِ مَا يُمْكِنُ اسْتِخْدَامُهُ ضِدَّهُ. وَمِنْ هٰذِهِ الأَسْئِلَةِ: دَفْعُ الجِزْيَةِ لِقَيْصَرَ (مَتَّى 22: 15–22)، وَقِيَامَةُ الأَمْوَاتِ (مَتَّى 22: 23–33)، وَالوَصِيَّةُ العُظْمَى (مَتَّى 22: 34–40)، ثُمَّ سُؤَالُ يَسُوعَ عَنْ هُوِيَّةِ المَسِيحِ وَعَلَاقَتِهِ بِدَاوُدَ (مَتَّى 22: 41–46).

 

وَقَدْ بَدَأَتِ المُوَاجَهَةُ الأُولَى حِينَ أَرْسَلَ الفَرِّيسِيُّونَ تَلَامِيذَهُمْ مَعَ الهِيرُودُسِيِّينَ لِيَسْأَلُوا يَسُوعَ: "أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ أَمْ لَا؟" (مَتَّى 22: 17). وَكَانَ السُّؤَالُ فَخًّا مَحْسُوبًا؛ فَإِذَا رَفَضَ يَسُوعُ دَفْعَ الجِزْيَةِ، أَمْكَنَ اتِّهَامُهُ بِمُعَارَضَةِ السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ، وَإِذَا أَيَّدَ دَفْعَهَا، أَمْكَنَ اسْتِغْلَالُ جَوَابِهِ لِإِثَارَةِ اسْتِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَ فِي الجِزْيَةِ رَمْزًا لِلسَّيْطَرَةِ الأَجْنَبِيَّةِ.

 

غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَنْجَرَّ إِلَى هٰذِهِ المُفَاضَلَةِ السِّيَاسِيَّةِ المُضَلِّلَةِ، بَلْ كَشَفَ رِيَاءَ سَائِلِيهِ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُرُوهُ نَقْدَ الجِزْيَةِ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ الصُّورَةِ وَالكِتَابَةِ المَنْقُوشَتَيْنِ عَلَيْهِ. وَلَمَّا أَجَابُوا أَنَّهُمَا لِقَيْصَرَ، قَالَ: "أَدُّوا إِذًا إِلَى قَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَإِلَى اللهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21).

 

وَبِهٰذَا الجَوَابِ، يُمَيِّزُ يَسُوعُ بَيْنَ الالْتِزَامَاتِ المَدَنِيَّةِ المَشْرُوعَةِ وَالوَاجِبَاتِ الدِّينِيَّةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَ السُّلْطَةَ السِّيَاسِيَّةَ مُطْلَقَةً أَوْ مُسَاوِيَةً لِسِيَادَةِ اللهِ. فَإِعْطَاءُ قَيْصَرَ مَا لَهُ لَا يَعْنِي عِبَادَتَهُ أَوِ التَّنَازُلَ عَنْ حُقُوقِ اللهِ؛ إِذْ يَبْقَى اللهُ وَحْدَهُ رَبَّ الإِنْسَانِ وَالتَّارِيخِ، وَإِلَيْهِ تَعُودُ الأَوْلَوِيَّةُ المُطْلَقَةُ فِي الضَّمِيرِ وَالعِبَادَةِ وَالحَيَاةِ.

 

وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ يَسُوعَ، بِسُؤَالِهِ عَنْ صُورَةِ قَيْصَرَ عَلَى الدِّينَارِ، جَعَلَ مُحَاوِرِيهِ يَسْتَخْلِصُونَ الجَوَابَ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ أَدَاءَ الوَاجِبَاتِ لِلسُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ مَشْرُوعٌ مَا دَامَ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ التَّقْوَى وَطَاعَةِ اللهِ (يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ، العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، العِظَةُ 70، 2).

 

أَمَّا القِدِّيسُ أوغسطينوس فَيَتَوَقَّفُ عِنْدَ الرَّمْزِ اللَّاهُوتِيِّ لِلصُّورَةِ: فَكَمَا أَنَّ الدِّينَارَ يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ، كَذٰلِكَ يَحْمِلُ الإِنْسَانُ صُورَةَ اللهِ (رَاجِعْ تَكْوِين 1: 26–27). وَمِنْ ثَمَّ، فَإِذَا كَانَ قَيْصَرُ يَطْلُبُ مَا يَحْمِلُ صُورَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَدْعُو الإِنْسَانَ، الَّذِي خُلِقَ عَلَى صُورَتِهِ، إِلَى أَنْ يُقَدِّمَ لَهُ قَلْبَهُ وَحَيَاتَهُ (أوغسطينوس، العِظَةُ 113A، 8).

 

وَمِنْ هُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ دِرَاسَةِ هٰذَا النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ وَتَطْبِيقَاتِهِ؛ فَهُوَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَسْأَلَةٍ ضَرِيبِيَّةٍ فِي ظِلِّ الحُكْمِ الرُّومَانِيِّ، بَلْ يَطْرَحُ سُؤَالًا لَاهُوتِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا دَائِمًا: كَيْفَ يُوَفِّقُ المُؤْمِنُ بَيْنَ وَاجِبَاتِهِ تِجَاهَ الدَّوْلَةِ وَالمُجْتَمَعِ، وَأَمَانَتِهِ المُطْلَقَةِ لِلَّهِ؟ فَالمَسِيحِيُّ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَكُونَ مُوَاطِنًا مَسْؤُولًا، مِنْ دُونِ أَنْ يَنْسَى أَنَّهُ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، إِنْسَانٌ مَخْلُوقٌ عَلَى صُورَةِ اللهِ، وَمَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا أَمَانَةً لَهُ.

 

 

أَوَّلًا: وَقَائِعُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 22: 15–21)

 

15. "فَذَهَبَ الفَرِّيسِيُّونَ وَعَقَدُوا مَجْلِسَ شُورَى لِيَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "الفَرِّيسِيُّونَ" بِاليُونَانِيَّةِ  Φαρισαῖοι، إِلَى جَمَاعَةٍ دِينِيَّةٍ يَهُودِيَّةٍ بَرَزَتْ فِي زَمَنِ الهَيْكَلِ الثَّانِي. وَيَرْتَبِطُ اسْمُهُمْ، عَلَى الأَرْجَحِ، بِالأَصْلِ العِبْرِيِّ פְּרוּשִׁים، أَيْ "المُنْفَصِلُونَ" أَوْ "المُفْرَزُونَ"، وَهُوَ وَصْفٌ يُشِيرُ إِلَى التَّمَيُّزِ الدِّينِيِّ وَالحِرْصِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَمُرَاعَاةِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ. غَيْرَ أَنَّ الأَصْلَ التَّارِيخِيَّ الدَّقِيقَ لِهٰذِهِ التَّسْمِيَةِ يَبْقَى مَوْضُوعَ نِقَاشٍ بَيْنَ البَاحِثِينَ. وَقَدْ شَكَّلَ الفَرِّيسِيُّونَ تَيَّارًا دِينِيًّا مُؤَثِّرًا فِي المُجْتَمَعِ اليَهُودِيِّ، تَمَيَّزَ بِالاهْتِمَامِ بِتَفْسِيرِ الشَّرِيعَةِ وَتَطْبِيقِهَا فِي الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ، وَبِالمُحَافَظَةِ عَلَى التَّقَالِيدِ المَنْقُولَةِ، إِلَى جَانِبِ إِيمَانِهِمْ بِالقِيَامَةِ وَالمَلَائِكَةِ وَالأَرْوَاحِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 23: 8). وَلَا يَصِحُّ اخْتِزَالُ هٰذِهِ الجَمَاعَةِ كُلِّهَا فِي الرِّيَاءِ أَوِ التَّعَصُّبِ؛ إِذْ تَعْكِسُ الأَنَاجِيلُ مَوَاقِفَ مُتَنَوِّعَةً لِأَفْرَادِهَا مِنْ يَسُوعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي حِوَارٍ جَادٍّ، مِثْلُ نِيقُودِيمُسَ (يُوحَنَّا 3: 1–21). أَمَّا فِي سِيَاقِ هٰذَا النَّصِّ، فَيُبْرِزُ الإِنْجِيلِيُّ مَتَّى مَوْقِفَ جَمَاعَةٍ مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ الَّذِينَ سَعَوْا إِلَى الإِيقَاعِ بِيَسُوعَ. وَيَظْهَرُ ذٰلِكَ فِي عِبَارَةِ "عَقَدُوا مَجْلِسَ شُورَى"، الَّتِي تُقَابِلُهَا فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ العِبَارَةُ συμβούλιον ἔλαβον ، أَيْ "تَشَاوَرُوا" أَوْ "تَدَاوَلُوا فِي خُطَّةٍ". وَتَدُلُّ هٰذِهِ الصِّيَاغَةُ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي سَيُوَجَّهُ إِلَى يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ بَحْثًا مُجَرَّدًا عَنِ الحَقِيقَةِ، بَلْ كَانَ جُزْءًا مِنْ تَدْبِيرٍ مُسْبَقٍ لِلإِيقَاعِ بِهِ.

 

وَتَكْتَسِبُ عِبَارَةُ "لِيَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ" دَلَالَةً خَاصَّةً؛ إِذْ يَسْتَعْمِلُ مَتَّى الفِعْلَ اليُونَانِيَّ παγιδεύσωσιν، المُشْتَقَّ مِنَ الفِعْلِ παγιδεύω، وَمَعْنَاهُ "يَنْصِبُ فَخًّا" أَوْ "يُوقِعُ فِي شَرَكٍ". وَهُوَ تَعْبِيرٌ يَسْتَحْضِرُ صُورَةَ الصَّيْدِ بِالفِخَاخِ، لِيُصَوِّرَ مُحَاوَلَةَ خُصُومِ يَسُوعَ اسْتِدْرَاجَهُ إِلَى جَوَابٍ يُمْكِنُ اسْتِخْدَامُهُ لِاتِّهَامِهِ أَمَامَ السُّلْطَاتِ أَوْ لِتَشْوِيهِ مَكَانَتِهِ أَمَامَ الشَّعْبِ. وَيَتَّضِحُ البُعْدُ السِّيَاسِيُّ لِهٰذِهِ المُؤَامَرَةِ مِنْ خِلَالِ التَّحَالُفِ الظَّرْفِيِّ بَيْنَ تَلَامِيذِ الفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ (مَتَّى 22: 16). فَعَلَى الرَّغْمِ مِنَ الاخْتِلَافَاتِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، اجْتَمَعَا عَلَى مُحَاوَلَةِ إِحْرَاجِ يَسُوعَ بِسُؤَالٍ يَتَعَلَّقُ بِالجِزْيَةِ المَفْرُوضَةِ لِقَيْصَرَ. وَكَانَ الهِيرُودُسِيُّونَ مُرْتَبِطِينَ بِالمَصَالِحِ السِّيَاسِيَّةِ لِلسُّلَالَةِ الهِيرُودُسِيَّةِ، الَّتِي اسْتَمَدَّتْ سُلْطَتَهَا مِنْ رُومَا، فِي حِينِ أَنَّ مَوَاقِفَ الفَرِّيسِيِّينَ مِنَ الحُكْمِ الرُّومَانِيِّ لَمْ تَكُنْ مُوَحَّدَةً. وَمِنْ ثَمَّ، لَا يَصِحُّ وَصْفُ الفَرِّيسِيِّينَ جَمِيعِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقَاوِمُونَ رُومَا سِيَاسِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَتْ قَضِيَّةُ الجِزْيَةِ مَوْضِعَ حَسَاسِيَّةٍ دِينِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ فِي المُجْتَمَعِ اليَهُودِيِّ. وَتَأْتِي هٰذِهِ المُحَاوَلَةُ ضِمْنَ سِلْسِلَةٍ مِنَ المُنَاقَشَاتِ الَّتِي يَعْرِضُهَا مَتَّى فِي الفَصْلِ الثَّانِي وَالعِشْرِينَ: فَالسُّؤَالُ الأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِالجِزْيَةِ لِقَيْصَرَ (مَتَّى 22: 15–22)، وَالثَّانِي بِقِيَامَةِ الأَمْوَاتِ، وَيَطْرَحُهُ الصَّدُّوقِيُّونَ (مَتَّى 22: 23–33)، وَالثَّالِثُ بِالوَصِيَّةِ العُظْمَى، وَيَطْرَحُهُ أَحَدُ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ (مَتَّى 22: 34–40). وَتَكْشِفُ هٰذِهِ المُنَاقَشَاتُ عَنْ تَصَاعُدِ التَّوَتُّرِ بَيْنَ يَسُوعَ وَمُعَارِضِيهِ، وَعَنْ سُلْطَانِهِ فِي تَفْسِيرِ الشَّرِيعَةِ وَكَشْفِ المَقَاصِدِ الحَقِيقِيَّةِ الكَامِنَةِ وَرَاءَ الأَسْئِلَةِ.

 

وَيَنْسَجِمُ هٰذَا السُّلُوكُ مَعَ انْتِقَادِ يَسُوعَ لِلرِّيَاءِ الدِّينِيِّ، لَا سِيَّمَا حِينَ يَنْفَصِلُ التَّمَسُّكُ الظَّاهِرِيُّ بِالشَّرِيعَةِ عَنْ جَوْهَرِهَا الأَخْلَاقِيِّ، أَيْ العَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالأَمَانَةِ (مَتَّى 23: 23). وَقَدْ حَذَّرَ تَلَامِيذَهُ مِنْ "خَمِيرِ الفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ" (مَتَّى 16: 6)، الَّتِي يُفَسِّرُهَا الإِنْجِيلُ بِأَنَّهَا تَعْلِيمُهُمْ (مَتَّى 16: 12). كَمَا وَرَدَ تَعْبِيرُ "أَوْلَادَ الأَفَاعِي" فِي خِطَابِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ (مَتَّى 3: 7)، وَاسْتَعْمَلَهُ يَسُوعُ أَيْضًا فِي سِيَاقِ مُوَاجَهَتِهِ لِمُعَارِضِيهِ (مَتَّى 12: 34). وَتَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ، فِي بُعْدِهَا اللَّاهُوتِيِّ، عَنْ مُفَارَقَةٍ عَمِيقَةٍ: فَبَيْنَمَا يَسْعَى مُعَارِضُو يَسُوعَ إِلَى الإِيقَاعِ بِهِ بِوَاسِطَةِ الكَلِمَةِ، يُظْهِرُ يَسُوعُ أَنَّ الحِكْمَةَ الإِلٰهِيَّةَ تَتَجَاوَزُ مَنْطِقَ المُنَاوَرَةِ وَالخِدَاعِ. فَالحَقِيقَةُ لَا تُدْرَكُ بِالفِخَاخِ اللَّفْظِيَّةِ، بَلْ بِصِدْقِ القَلْبِ وَالاسْتِعْدَادِ لِقَبُولِ كَلِمَةِ اللهِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذِهِ المُؤَامَرَةَ بِأَنَّ الفَرِّيسِيِّينَ، بَعْدَ أَنْ عَجَزُوا عَنِ الإِمْسَاكِ بِيَسُوعَ عَلَنًا خَوْفًا مِنَ الجُمُوعِ، لَجَؤُوا إِلَى وَسِيلَةٍ أُخْرَى، هِيَ اسْتِدْرَاجُهُ إِلَى تَصْرِيحٍ يُعَرِّضُهُ لِاتِّهَامٍ سِيَاسِيٍّ أَمَامَ السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ إِرْسَالَ تَلَامِيذِهِمْ مَعَ الهِيرُودُسِيِّينَ كَانَ يَهْدِفُ إِلَى مُحَاصَرَةِ يَسُوعَ بَيْنَ احْتِمَالَيْنِ، يَظُنُّونَ أَنَّ كِلَيْهِمَا سَيَكُونُ ضِدَّهُ (PG 58).  وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُسُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الجِزْيَةِ كَانَ مُصَمَّمًا لِدَفْعِ يَسُوعَ إِلَى مَوْقِفٍ يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ عَلَى أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِقَيْصَرَ؛ فَلَوْ رَفَضَ دَفْعَ الجِزْيَةِ، لَأَمْكَنَ لِلهِيرُودُسِيِّينَ أَنْ يَتَّهِمُوهُ بِالعِصْيَانِ عَلَى الإِمْبِرَاطُورِ (PL 26). وَالخُلَاصَةُ: إِنَّ عِبَارَةَ "لِيَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ" تَكْشِفُ عَنْ خُطُورَةِ اسْتِخْدَامِ الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ وَسِيلَةً لِتَحْقِيقِ مَآرِبَ سِيَاسِيَّةٍ أَوْ شَخْصِيَّةٍ. فَالمُشْكِلَةُ لَمْ تَكُنْ فِي طَرْحِ السُّؤَالِ عَنِ الجِزْيَةِ، بَلْ فِي النِّيَّةِ الَّتِي وَجَّهَتْهُ؛ إِذْ تَحَوَّلَ السُّؤَالُ مِنْ وَسِيلَةٍ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ إِلَى أَدَاةٍ لِلإِيقَاعِ بِصَاحِبِ الحَقِّ.

 

16. "ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ تَلَامِيذَهُمْ وَالهِيرُودُسِيِّينَ يَقُولُونَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ، تُعَلِّمُ سَبِيلَ اللهِ بِالحَقِّ، وَلَا تُبَالِي بِأَحَدٍ، لِأَنَّكَ لَا تُرَاعِي مَقَامَ النَّاسِ"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "تَلَامِيذَهُمْ وَالهِيرُودُسِيِّينَ" إِلَى مَجْمُوعَتَيْنِ تَخْتَلِفَانِ فِي انْتِمَاءَاتِهِمَا وَاهْتِمَامَاتِهِمَا، وَلٰكِنَّهُمَا اجْتَمَعَتَا عَلَى مُعَارَضَةِ يَسُوعَ. فَكَانَ تَلَامِيذُ الفَرِّيسِيِّينَ يَنْتَمُونَ إِلَى تَيَّارٍ دِينِيٍّ يُشَدِّدُ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَتَقَالِيدِ الآبَاءِ، فِي حِينِ كَانَ الهِيرُودُسِيُّونَ مُرْتَبِطِينَ بِالمَصَالِحِ السِّيَاسِيَّةِ لِلسُّلَالَةِ الهِيرُودُسِيَّةِ.

 

وَتُشِيرُ تَسْمِيَةُ "الهِيرُودُسِيِّينَ" بِاليُونَانِيَّةِ  Ἡρῳδιανοί، إِلَى أَنْصَارِ أُسْرَةِ هِيرُودُسَ وَحُكْمِهَا. وَكَانَ هٰؤُلَاءِ يَرَوْنَ فِي اسْتِمْرَارِ السُّلْطَةِ الهِيرُودُسِيَّةِ، فِي إِطَارِ النُّفُوذِ الرُّومَانِيِّ، ضَمَانًا لِمَصَالِحِهِمُ السِّيَاسِيَّةِ. وَقَدْ ارْتَبَطَتْ هٰذِهِ السُّلَالَةُ بِرُومَا مُنْذُ عَهْدِ هِيرُودُسَ الكَبِيرِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ هٰذَا الِارْتِبَاطُ فِي عَهْدِ أَبْنَائِهِ، وَمِنْهُمْ هِيرُودُسُ أَنْتِيبَاسُ، حَاكِمُ الجَلِيلِ وَبِيرِيَّةَ فِي زَمَنِ يَسُوعَ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الهِيرُودُسِيِّينَ وَالسُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ المُبَاشِرَةِ؛ فَلَمْ يَكُونُوا بِالضَّرُورَةِ حِزْبًا مُنَظَّمًا بِالمَعْنَى السِّيَاسِيِّ الحَدِيثِ، كَمَا أَنَّ المَصَادِرَ لَا تَسْمَحُ بِالجَزْمِ بِأَنَّ جَمِيعَ أَعْضَائِهِمْ كَانُوا يُؤَيِّدُونَ كُلَّ سِيَاسَاتِ رُومَا. وَإِنَّمَا يَكْفِي أَنْ نُلَاحِظَ أَنَّ مَصَالِحَهُمْ كَانَتْ مُرْتَبِطَةً بِالنِّظَامِ السِّيَاسِيِّ القَائِمِ. وَتَكْمُنُ المُفَارَقَةُ فِي أَنَّ الفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلَافِ تَوَجُّهَاتِهِمْ، وَجَدُوا فِي مُعَارَضَةِ يَسُوعَ مَصْلَحَةً مُشْتَرَكَةً. وَهٰكَذَا تَحَوَّلَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ التَّيَّارَيْنِ إِلَى تَحَالُفٍ ظَرْفِيٍّ، أَرَادَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَسْتَخْدِمُوا فِيهِ السُّؤَالَ عَنِ الجِزْيَةِ وَسِيلَةً لِإِحْرَاجِ يَسُوعَ. وَيُشِيرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ إِلَى أَنَّ مُعَارِضِي يَسُوعَ لَجَؤُوا إِلَى هٰذِهِ الحِيلَةِ بَعْدَ أَنْ عَجَزُوا عَنِ الإِمْسَاكِ بِهِ عَلَنًا، فَأَرَادُوا أَنْ يَدْفَعُوهُ إِلَى كَلِمَةٍ تُعَرِّضُهُ لِاتِّهَامٍ أَمَامَ السُّلْطَةِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ اشْتِرَاكَ الهِيرُودُسِيِّينَ فِي السُّؤَالِ كَانَ جُزْءًا مِنْ هٰذَا التَّدْبِيرِ (العِظَةُ 70، 1؛ PG 58).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "يَا مُعَلِّمُ" بِاليُونَانِيَّةِ Διδάσκαλε، إِلَى لَقَبِ احْتِرَامٍ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِتَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ وَتَفْسِيرِهَا. غَيْرَ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ هُنَا لَمْ يَكُنْ تَعْبِيرًا عَنْ إِيمَانٍ حَقِيقِيٍّ بِسُلْطَانِ يَسُوعَ، بَلْ مُقَدِّمَةً لِسُؤَالٍ خَادِعٍ.

 

أَمَّا عِبَارَةُ "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ" فَتُقَابِلُهَا فِي اليُونَانِيَّةِ οἴδαμεν ὅτι ἀληθὴς εἶ، أَيْ "نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ
 أَوْ "أَنَّكَ صَاحِبُ حَقٍّ". وَتُشِيرُ الصِّفَةُ " صَادِقٌ"
ἀληθής إِلَى الصِّدْقِ وَالاسْتِقَامَةِ وَمُطَابَقَةِ القَوْلِ لِلحَقِيقَةِ. وَهٰذِهِ الصِّفَةُ تَنْطَبِقُ بِالفِعْلِ عَلَى يَسُوعَ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ لِإِرْضَاءِ النَّاسِ، بَلْ لِإِعْلَانِ الحَقِّ الَّذِي تَسَلَّمَهُ مِنَ الآبِ (يُوحَنَّا 8: 26، 40). وَلٰكِنَّ المُفَارَقَةَ تَكْمُنُ فِي أَنَّ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِصِدْقِهِ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ الحَقِّ الَّذِي يُعَلِّمُهُ. وَهٰكَذَا أَصْبَحَ المَدِيحُ وَسِيلَةً لِلخِدَاعِ؛ إِذْ أَرَادُوا أَنْ يُشْعِرُوا يَسُوعَ بِالثِّقَةِ، لِيُجِيبَهُمْ بِصَرَاحَةٍ عَنْ سُؤَالِهِمُ السِّيَاسِيِّ، فَيَجِدُوا فِي جَوَابِهِ مَا يَسْتَخْدِمُونَهُ ضِدَّهُ. وَيُبَيِّنُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ هٰذَا المَدِيحَ لَمْ يَكُنْ نَابِعًا مِنْ مَحَبَّةِ الحَقِّ، بَلْ كَانَ مَقْصُودًا بِهِ اسْتِدْرَاجُ يَسُوعَ إِلَى التَّصْرِيحِ بِمَوْقِفٍ يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ عَلَى أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِقَيْصَرَ (العِظَةُ 70، 1؛ PG 58). وَمِنْ هُنَا تَظْهَرُ خُطُورَةُ التَّمَلُّقِ، لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ كَلِمَاتِ الحَقِّ لِتَحْقِيقِ غَايَاتٍ غَيْرِ صَادِقَةٍ. وَيَنْسَجِمُ ذٰلِكَ مَعَ تَحْذِيرِ المَزْمُورِ مِنَ الكَلَامِ المُعَسَّلِ الَّذِي يُخْفِي الخِدَاعَ وَالخِيَانَةَ (رَاجِعْ مَزْمُور 55: 21–22).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "تُعَلِّمُ سَبِيلَ اللهِ بِالحَقِّ" إِلَى أَنَّ تَعْلِيمَ يَسُوعَ يَكْشِفُ إِرَادَةَ اللهِ وَيُرْشِدُ الإِنْسَانَ إِلَى السُّلُوكِ المُطَابِقِ لَهَا. وَتَرِدُ عِبَارَةُ "سَبِيلَ اللهِ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ τὴν ὁδὸν τοῦ θεοῦ، أَيْ "طَرِيقَ اللهِ". وَتُسْتَعْمَلُ كَلِمَةُ ὁδός بِمَعْنَى الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ، كَمَا تُسْتَعْمَلُ مَجَازًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى نَهْجِ الحَيَاةِ وَالسُّلُوكِ الأَخْلَاقِيِّ وَالرُّوحِيِّ. وَيَرْتَبِطُ هٰذَا التَّعْبِيرُ بِالتُّرَاثِ الكِتَابِيِّ الَّذِي يَصِفُ إِرَادَةَ اللهِ بِأَنَّهَا طَرِيقٌ يَسْلُكُهُ الإِنْسَانُ. فَيَقُولُ أَشَعْيَاءُ النَّبِيُّ: "هٰذَا هُوَ الطَّرِيقُ فَاسْلُكُوهُ" (أَشَعْيَاء 30: 21). وَبِذٰلِكَ لَا يَقْتَصِرُ "سَبِيلُ اللهِ" عَلَى مَعْرِفَةِ الأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ، بَلْ يَشْمَلُ تَجْسِيدَ هٰذِهِ المَعْرِفَةِ فِي الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَ سِفْرُ أَعْمَالِ الرُّسُلِ لَفْظَ "الطَّرِيقِ" لِلدَّلَالَةِ عَلَى الحَرَكَةِ المَسِيحِيَّةِ النَّاشِئَةِ، إِذْ كَانَ أَتْبَاعُ يَسُوعَ يُعْرَفُونَ بِانْتِمَائِهِمْ إِلَى هٰذَا الطَّرِيقِ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 9: 2؛ 19: 9، 23؛ 22: 4). كَمَا وَرَدَ تَعْبِيرُ "طَرِيقِ الخَلَاصِ" فِي شَهَادَةِ الجَارِيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَتْبَعُ بُولُسَ وَرُفَقَاءَهُ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 16: 17). وَهٰكَذَا، فَإِنَّ تَعْلِيمَ يَسُوعَ "سَبِيلَ اللهِ بِالحَقِّ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ مُجَرَّدَ تَفْسِيرٍ نَظَرِيٍّ لِلشَّرِيعَةِ، بَلْ يَكْشِفُ المَقْصِدَ الإِلٰهِيَّ مِنْهَا، وَيَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى السَّيْرِ فِي طَرِيقِ الحَقِّ وَالعَدْلِ وَالمَحَبَّةِ.

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "وَلَا تُبَالِي بِأَحَدٍ" إِلَى أَنَّ يَسُوعَ لَا يَخْضَعُ لِضُغُوطِ أَصْحَابِ السُّلْطَةِ وَالنُّفُوذِ، وَلَا يُغَيِّرُ تَعْلِيمَهُ لِإِرْضَاءِ النَّاسِ أَوْ لِكَسْبِ تَأْيِيدِهِمْ. وَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ العِبَارَةُ καὶ οὐ μέλει σοι περὶ οὐδενός ، أَيْ "وَلَا يَهُمُّكَ أَمْرُ أَحَدٍ"، وَالمَقْصُودُ فِي السِّيَاقِ أَنَّ يَسُوعَ لَا يَتَأَثَّرُ بِمَرَاكِزِ النَّاسِ وَنُفُوذِهِمْ عِنْدَ إِعْلَانِ الحَقِّ، وَلَيْسَ أَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ بِالأَشْخَاصِ أَوْ بِاحْتِيَاجَاتِهِمْ. فَقَدْ أَظْهَرَ يَسُوعُ، فِي تَعْلِيمِهِ وَسُلُوكِهِ، حُرِّيَّةً دَاخِلِيَّةً أَمَامَ السُّلْطَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ، لِأَنَّ مِعْيَارَهُ الأَسَاسِيَّ هُوَ إِرَادَةُ الآبِ، لَا رِضَى النَّاسِ (يُوحَنَّا 5: 30؛ 8: 29). وَتُشَكِّلُ هٰذِهِ الصِّفَةُ مَبْدَأً أَخْلَاقِيًّا أَسَاسِيًّا فِي مُمَارَسَةِ المَسْؤُولِيَّةِ العَامَّةِ؛ فَصَاحِبُ المَسْؤُولِيَّةِ مَدْعُوٌّ إِلَى اتِّبَاعِ الحَقِّ وَالعَدْلِ، لَا إِلَى الخُضُوعِ لِلمَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ أَوِ الضُّغُوطِ السِّيَاسِيَّةِ.

 

تُقَابِلُ عِبَارَةَ "لِأَنَّكَ لَا تُرَاعِي مَقَامَ النَّاسِ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ οὐ γὰρ βλέπεις εἰς πρόσωπον ἀνθρώπων، وَمَعْنَاهَا الحَرْفِيُّ: "لِأَنَّكَ لَا تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ". وَهٰذَا التَّعْبِيرُ سَامِيُّ الأَصْلِ، يُشِيرُ إِلَى عَدَمِ المُحَابَاةِ فِي الحُكْمِ، أَيْ عَدَمِ تَفْضِيلِ شَخْصٍ عَلَى آخَرَ بِسَبَبِ مَنْصِبِهِ أَوْ ثَرْوَتِهِ أَوْ مَكَانَتِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَيَنْسَجِمُ هٰذَا المَبْدَأُ مَعَ تَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ: «لَا تَجُورُوا فِي الحُكْمِ، وَلَا تُحَابِ وَجْهَ الفَقِيرِ وَلَا تُكْرِمْ وَجْهَ العَظِيمِ، بَلْ بِالعَدْلِ تَحْكُمُ لِقَرِيبِكَ" (الأَحْبَار 19: 15). وَهٰذِهِ الصِّفَةُ تَنْتَمِي، فِي جَوْهَرِهَا، إِلَى صِفَاتِ اللهِ نَفْسِهِ، الَّذِي لَا يُحَابِي الأَشْخَاصَ. وَقَدْ أَعْلَنَ بُطْرُسُ الرَّسُولُ فِي بَيْتِ قُرْنِيلِيُوسَ: "أَدْرَكْتُ حَقًّا أَنَّ اللهَ لَا يُرَاعِي ظَاهِرَ النَّاسِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 10: 34). وَبِذٰلِكَ، فَإِنَّ المُتَكَلِّمِينَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ نَوَايَاهُمُ الخَادِعَةِ، قَدَّمُوا شَهَادَةً صَحِيحَةً لِاسْتِقَامَةِ يَسُوعَ وَعَدَالَتِهِ؛ فَهُوَ لَا يَخْضَعُ لِمُحَابَاةِ الأَشْخَاصِ، وَلَا يَجْعَلُ المَكَانَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ مِعْيَارًا لِلحَقِّ. تُبْرِزُ هٰذِهِ الآيَةُ أَرْبَعَ صِفَاتٍ أَسَاسِيَّةٍ فِي شَخْصِيَّةِ يَسُوعَ، اعْتَرَفَ بِهَا مُعَارِضُوهُ وَإِنْ كَانَ اعْتِرَافُهُمْ مَشُوبًا بِالتَّمَلُّقِ: الصِّدْقُ، وَالأَمَانَةُ فِي تَعْلِيمِ إِرَادَةِ اللهِ، وَالشَّجَاعَةُ فِي إِعْلَانِ الحَقِّ، وَالعَدَالَةُ الخَالِيَةُ مِنَ المُحَابَاةِ. وَتُشَكِّلُ هٰذِهِ الصِّفَاتُ أُسُسًا أَخْلَاقِيَّةً لِكُلِّ مَنْ يَتَوَلَّى مَسْؤُولِيَّةً دِينِيَّةً أَوِ اجْتِمَاعِيَّةً أَوْ سِيَاسِيَّةً. فَالمَسْؤُولُ المَسِيحِيُّ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِلحَقِّ، وَنَزِيهًا فِي أَحْكَامِهِ، وَشُجَاعًا أَمَامَ الضُّغُوطِ، وَعَادِلًا مَعَ الجَمِيعِ دُونَ تَمْيِيزٍ. تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ عَنْ أُسْلُوبٍ جَدِيدٍ اتَّبَعَهُ مُعَارِضُو يَسُوعَ لِلإِيقَاعِ بِهِ؛ إِذْ جَمَعُوا بَيْنَ التَّحَالُفِ السِّيَاسِيِّ وَالدِّينِيِّ مِنْ جِهَةٍ، وَالتَّمَلُّقِ وَالمَدِيحِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، لِاسْتِدْرَاجِهِ إِلَى جَوَابٍ يُمْكِنُ اسْتِغْلَالُهُ ضِدَّهُ. إِنَّ يَسُوعَ هُوَ المِثَالُ الأَسْمَى لِلحُرِّيَّةِ أَمَامَ السُّلْطَةِ، وَلِلصِّدْقِ أَمَامَ الخِدَاعِ، وَلِلْعَدْلِ أَمَامَ المُحَابَاةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الإِيمَانَ المَسِيحِيَّ يَدْعُو الإِنْسَانَ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ الحَقَّ مِعْيَارًا لِكَلِمَاتِهِ وَقَرَارَاتِهِ وَمُمَارَسَتِهِ لِلمَسْؤُولِيَّةِ.

 

17. "فَقُلْ لَنَا مَا رَأْيُكَ: أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ أَمْ لَا؟"

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَقُلْ لَنَا مَا رَأْيُكَ" إِلَى مُحَاوَلَةِ إِلْزَامِ يَسُوعَ بِإِعْلَانِ مَوْقِفٍ صَرِيحٍ مِنْ قَضِيَّةٍ حَسَّاسَةٍ، لَهَا أَبْعَادٌ دِينِيَّةٌ وَسِيَاسِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ. وَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ العِبَارَةُ: εἰπὲ οὖν ἡμῖν τί σοι δοκεῖ ، أَيْ "فَقُلْ لَنَا إِذًا مَا الَّذِي تَرَاهُ؟". وَيَكْشِفُ هٰذَا السُّؤَالُ عَنْ خُطَّةٍ مُحْكَمَةٍ؛ فَإِنْ أَجَابَ يَسُوعُ بِالإِيجَابِ، أَمْكَنَ لِمُعَارِضِيهِ أَنْ يُصَوِّرُوهُ أَمَامَ الجُمُوعِ مُؤَيِّدًا لِلسَّيْطَرَةِ الرُّومَانِيَّةِ، وَإِنْ أَجَابَ بِالنَّفْيِ، أَمْكَنَ اتِّهَامُهُ بِالتَّحْرِيضِ عَلَى العِصْيَانِ وَرَفْضِ دَفْعِ الضَّرَائِبِ لِلإِمْبِرَاطُورِ. وَمِنْ ثَمَّ، لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ بَحْثًا عَنِ الحَقِّ، بَلْ فَخًّا يَسْتَهْدِفُ مَكَانَةَ يَسُوعَ أَمَامَ الشَّعْبِ أَوْ سَلَامَتَهُ أَمَامَ السُّلْطَاتِ الرُّومَانِيَّةِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذَا المَوْقِفَ بِأَنَّ مُعَارِضِي يَسُوعَ أَرَادُوا اسْتِدْرَاجَهُ إِلَى كَلِمَةٍ تُعَرِّضُهُ لِاتِّهَامٍ أَمَامَ الحَاكِمِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَسْمَحُ لَهُ بِالإِفْلَاتِ مِنَ الوَرْطَةِ (العِظَةُ 70، 1؛ PG 58).

 

تَرِدُ صِيغَةُ السُّؤَالِ "أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ أَمْ لَا؟" فِي اليُونَانِيَّةِ: ἔξεστιν δοῦναι κῆνσον Καίσαρι ἢ οὔ;، وَمَعْنَاهَا: "هَلْ يَجُوزُ أَنْ نَدْفَعَ الجِزْيَةَ لِقَيْصَرَ أَمْ لَا؟". وَتَحْمِلُ الكَلِمَةُ ἔξεστιν مَعْنَى "يَحِلُّ" أَوْ "يَجُوزُ"، وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي المُنَاقَشَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ لِلسُّؤَالِ عَمَّا هُوَ مَسْمُوحٌ بِهِ.  أَمَّا الفِعْلُ δοῦναι، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنَ الفِعْلِ δίδωμι، فَيَعْنِي "أَنْ يُعْطِيَ" أَوْ "أَنْ يَدْفَعَ". وَبِذٰلِكَ، فَإِنَّ السُّؤَالَ لَا يَسْتَفْسِرُ عَنْ إِمْكَانِيَّةِ الدَّفْعِ مَالِيًّا، بَلْ عَنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ دِينِيًّا: هَلْ يَجُوزُ لِشَعْبِ اللهِ أَنْ يُؤَدِّيَ ضَرِيبَةً لِحَاكِمٍ وَثَنِيٍّ أَجْنَبِيٍّ؟ وَتَتَّصِلُ هٰذِهِ الإِشْكَالِيَّةُ بِالتَّوَتُّرِ بَيْنَ السِّيَادَةِ الإِلٰهِيَّةِ وَالحُكْمِ الرُّومَانِيِّ. " (تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاعِ 17: 15). وَيَكْشِفُ لُوقَا الإِنْجِيلِيُّ عَنْ خُطُورَةِ السُّؤَالِ حِينَ يَذْكُرُ أَنَّ مُتَّهِمِي يَسُوعَ قَالُوا أَمَامَ بِيلاطُسَ: "وَجَدْنَا هٰذَا الرَّجُلَ يَفْتِنُ أُمَّتَنَا، وَيَنْهَى عَنْ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ" (لُوقَا 23: 2). َهِيَ تُهْمَةٌ يُورِدُهَا الإِنْجِيلُ عَلَى لِسَانِ خُصُومِ يَسُوعَ، وَلَا تُمَثِّلُ تَعْلِيمَهُ الفِعْلِيَّ؛ إِذْ إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ دَفْعَ الجِزْيَةِ، بَلْ قَالَ: أَدُّوا إِذًا إِلَى قَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَإِلَى اللهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22/ 21). وَيُوَضِّحُ القِدِّيسُ إيرونيموس أَنَّ خُصُومَ يَسُوعَ أَرَادُوا أَنْ يَحْصُلُوا مِنْهُ عَلَى جَوَابٍ يُمَكِّنُهُمْ مِنِ اتِّهَامِهِ أَمَامَ السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ إِنْ رَفَضَ الجِزْيَةَ، أَوْ مِنْ إِثَارَةِ النَّاسِ عَلَيْهِ إِنْ أَيَّدَهَا (الكِتَابُ الثَّالِثُ، عَلَى مَتَّى 22: 15–22؛ PL 26).

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "الجِزْيَةِ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ بِصِيغَةِ κῆνσον، وَهِيَ مُقْتَرَضَةٌ مِنَ اللَّاتِينِيَّةِ census، الَّتِي تَرْتَبِطُ بِالإِحْصَاءِ وَالتَّقْدِيرِ الضَّرِيبِيِّ. وَيُقْصَدُ بِهَا هُنَا الضَّرِيبَةُ المُبَاشِرَةُ الَّتِي فَرَضَتْهَا السُّلْطَةُ الرُّومَانِيَّةُ عَلَى السُّكَّانِ الخَاضِعِينَ لِإِدَارَتِهَا. وَقَدْ فَرَضَ الرُّومَانُ أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الضَّرَائِبِ، مِنْهَا الضَّرَائِبُ المُبَاشِرَةُ عَلَى الأَشْخَاصِ وَالأَرَاضِي، وَالرُّسُومُ غَيْرُ المُبَاشِرَةِ عَلَى التِّجَارَةِ وَالنَّقْلِ. أَمَّا الضَّرِيبَةُ المَقْصُودَةُ فِي مَتَّى 22: 17، فَهِيَ ضَرِيبَةُ الجِزْيَةِ المُرْتَبِطَةُ بِالخُضُوعِ لِلحُكْمِ الرُّومَانِيِّ، وَلَا يَصِحُّ مُسَاوَاتُهَا بِجَمِيعِ الرُّسُومِ وَالجَمَارِكِ. وَاكْتَسَبَتْ هٰذِهِ الضَّرِيبَةُ حَسَاسِيَّةً خَاصَّةً لَدَى قِطَاعَاتٍ مِنَ الشَّعْبِ اليَهُودِيِّ؛ إِذْ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ تَكْلِفَةٍ مَالِيَّةٍ، بَلْ عُلَامَةً عَلَى الخُضُوعِ لِسُلْطَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ. وَقَدْ زَادَ مِنْ هٰذِهِ الحَسَاسِيَّةِ أَنَّ النُّقُودَ الرُّومَانِيَّةَ كَانَتْ تَحْمِلُ صُوَرَ الأَبَاطِرَةِ وَأَلْقَابَهُمْ، وَهُوَ مَا أَثَارَ تَسَاؤُلَاتٍ دِينِيَّةً فِي بِيئَةٍ تَرْفُضُ العِبَادَةَ الوَثَنِيَّةَ وَتُؤَكِّدُ سِيَادَةَ اللهِ الوَحِيدِ. وَيُفِيدُ النَّصُّ أَنَّ دَفْعَ الجِزْيَةِ كَانَ مَسْأَلَةً تَتَجَاوَزُ الجَانِبَ الِاقْتِصَادِيَّ؛ إِذْ كَانَ يَحْمِلُ دَلَالَةً سِيَاسِيَّةً وَرَمْزِيَّةً، تَتَعَلَّقُ بِمَنْ يَمْلِكُ حَقَّ السُّلْطَةِ عَلَى الشَّعْبِ.

 

تُشِيرُ كَلِمَةُ "قَيْصَرَ" بِاليُونَانِيَّةِ Καῖσαρ، وَبِاللَّاتِينِيَّةِ Caesar إِلَى لَقَبٍ إِمْبِرَاطُورِيٍّ رُومَانِيٍّ، اشْتُقَّ مِنَ الِاسْمِ العَائِلِيِّ لِيُولِيُوسَ قَيْصَرَ (100–44 ق.م.)، ثُمَّ حَمَلَهُ أُوكْتَافِيَانُوسُ، ابْنُهُ بِالتَّبَنِّي، الَّذِي عُرِفَ لَاحِقًا بِاسْمِ الإِمْبِرَاطُورِ أُغُسْطُسَ (27 ق.م.–14م). وَمَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، أَصْبَحَ الِاسْمُ لَقَبًا يُسْتَعْمَلُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الإِمْبِرَاطُورِ الرُّومَانِيِّ. وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ عَدَدٍ مِنَ الأَبَاطِرَةِ الرُّومَانِ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ، وَمِنْهُمْ أُغُسْطُسُ قَيْصَرُ (لُوقَا 2: 1)، وَطِيبَارِيُوسُ قَيْصَرُ (لُوقَا 3: 1)، وَكْلُودِيُوسُ (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 11: 28). وَكَانَ الإِمْبِرَاطُورُ الَّذِي حَكَمَ رُومَا فِي أَثْنَاءِ خِدْمَةِ يَسُوعَ العَلَنِيَّةِ هُوَ طِيبَارِيُوسُ قَيْصَرُ(14–37م)، الَّذِي تَرِدُ الإِشَارَةُ إِلَى السَّنَةِ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ حُكْمِهِ فِي بِدَايَةِ رِسَالَةِ يُوحَنَّا المَعْمَدَانِ (لُوقَا 3: 1). غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَقْبَلْ أَنْ يُخْتَزَلَ مَوْقِفُهُ فِي الِاخْتِيَارِ بَيْنَ تَأْيِيدِ السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ وَالثَّوْرَةِ عَلَيْهَا، بَلْ وَجَّهَ أَنْظَارَ مُحَاوِرِيهِ إِلَى مَبْدَإٍ أَعْمَقَ: إِنَّ لِلسُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ حُقُوقًا وَوَاجِبَاتٍ مَشْرُوعَةً، وَلٰكِنَّهَا لَا تَمْلِكُ الحَقَّ فِي أَنْ تَحُلَّ مَحَلَّ اللهِ أَوْ أَنْ تَطْلُبَ مَا يَخُصُّهُ وَحْدَهُ. وَيَتَّضِحُ هٰذَا المَبْدَأُ فِي حِوَارِ يَسُوعَ مَعَ بِيلاطُسَ، حِينَ قَالَ: "لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هٰذَا العَالَمِ" (يُوحَنَّا 18: 36). فَهٰذَا القَوْلُ لَا يَعْنِي أَنَّ مَلَكُوتَ المَسِيحِ لَا صِلَةَ لَهُ بِحَيَاةِ الإِنْسَانِ وَالمُجْتَمَعِ، بَلْ أَنَّ مَصْدَرَهُ وَطَبِيعَتَهُ وَوَسَائِلَهُ تَخْتَلِفُ عَنْ مَمَالِكِ العَالَمِ القَائِمَةِ عَلَى القُوَّةِ وَالسَّيْطَرَةِ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ يَسُوعَ، فِي جَوَابِهِ عَنِ الجِزْيَةِ، لَمْ يَأْمُرْ بِمُعَارَضَةِ السُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ، وَلَمْ يَمْنَحْهَا سُلْطَانًا مُطْلَقًا، بَلْ بَيَّنَ أَنَّ أَدَاءَ الوَاجِبَاتِ المَدَنِيَّةِ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ التَّقْوَى، مَا دَامَ لَا يَتَضَمَّنُ مُخَالَفَةً لِإِرَادَةِ اللهِ (العِظَاتُ عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، العِظَةُ 70، 2؛ PG 58).   فَالمَسِيحِيُّ لَيْسَ مَدْعُوًّا إِلَى الِانْعِزَالِ عَنِ المُجْتَمَعِ أَوِ التَّنَصُّلِ مِنْ وَاجِبَاتِهِ المَدَنِيَّةِ، بَلْ إِلَى المُشَارَكَةِ فِي بِنَاءِ الخَيْرِ العَامِّ، وَاحْتِرَامِ القَوَانِينِ العَادِلَةِ، وَأَدَاءِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنِ الْتِزَامَاتٍ مَشْرُوعَةٍ. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَحَوَّلَ طَاعَةُ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ إِلَى طَاعَةٍ مُطْلَقَةٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الضَّمِيرِ وَشَرِيعَةِ اللهِ. وَهٰذَا مَا أَعْلَنَهُ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ أَمَامَ المَجْلِسِ: "إِنَّ اللهَ أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاسِ" (أَعْمَالُ الرُّسُلِ 5: 29). وَيَنْسَجِمُ هٰذَا التَّعْلِيمُ مَعَ مَا يُؤَكِّدُهُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي بِشَأْنِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الجَمَاعَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالكَنِيسَةِ، مَعَ تَعَاوُنِهِمَا فِي خِدْمَةِ الإِنْسَانِ وَالخَيْرِ العَامِّ (فَرَحٌ وَرَجَاءٌ، 76). تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ مِحْوَرَ المُوَاجَهَةِ بَيْنَ يَسُوعَ وَمُعَارِضِيهِ، إِذْ تَنْتَقِلُ المُحَاوَرَةُ مِنَ المَدِيحِ الظَّاهِرِيِّ إِلَى السُّؤَالِ الَّذِي أُعِدَّ لِلإِيقَاعِ بِهِ. فَلَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الاسْتِفْسَارِ عَنْ مَشْرُوعِيَّةِ ضَرِيبَةٍ مَالِيَّةٍ، بَلْ وَضْعَ يَسُوعَ أَمَامَ اخْتِيَارٍ صَعْبٍ بَيْنَ الوَلَاءِ لِلسُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ وَالأَمَانَةِ لِلْهُوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ لِشَعْبِهِ. وَهٰكَذَا تَحَوَّلَ السُّؤَالُ الضَّرِيبِيُّ إِلَى امْتِحَانٍ.

 

18"فَشَعَرَ يَسُوعُ بِخُبْثِهِمْ فَقَالَ: لِمَاذَا تُحَاوِلُونَ إِحْرَاجِي، أَيُّهَا المُرَاؤُونَ!"

 

تَرِدُ عِبَارَةُ "فَشَعَرَ يَسُوعُ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ بِصِيغَةِ γνοὺς، وَهِيَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الفِعْلِ γινώσκω ، الَّذِي يَعْنِي "عَرَفَ" أَوْ "أَدْرَكَ". وَتُفِيدُ الصِّيغَةُ فِي هٰذَا السِّيَاقِ أَنَّ يَسُوعَ أَدْرَكَ المَقْصِدَ الحَقِيقِيَّ مِنَ السُّؤَالِ، وَلَمْ يَنْخَدِعْ بِالمَدِيحِ الَّذِي سَبَقَهُ. وَتَنْسَجِمُ هٰذِهِ المَعْرِفَةُ مَعَ مَا يُؤَكِّدُهُ الإِنْجِيلِيُّ يُوحَنَّا عَنْ يَسُوعَ: "فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ مَا فِي الإِنْسَانِ" (يُوحَنَّا 2: 25). فَيَسُوعُ لَا يَقِفُ عِنْدَ ظَاهِرِ الكَلَامِ، بَلْ يَكْشِفُ مَا يَخْتَبِئُ وَرَاءَهُ مِنْ نِيَّاتٍ وَمَقَاصِدَ. وَفِي البُعْدِ اللَّاهُوتِيِّ، تُظْهِرُ هٰذِهِ الآيَةُ أَنَّ يَسُوعَ يَمْلِكُ بَصِيرَةً تَكْشِفُ حَقِيقَةَ الإِنْسَانِ، فَلَا يَخْدَعُهُ المَظْهَرُ الخَارِجِيُّ، وَلَا يَحْجُبُ عَنْهُ المَدِيحُ المُصْطَنَعُ مَا يَكْمُنُ فِي القَلْبِ.  وَيُذَكِّرُنَا هٰذَا التَّعْلِيمُ بِأَنَّ اللهَ لَا يَحْكُمُ عَلَى الإِنْسَانِ بِحَسَبِ المَظَاهِرِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى القَلْبِ: "فَإِنَّ الإِنْسَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى العَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَيَنْظُرُ إِلَى القَلْبِ" (1 صَمُوئِيل 16: 7).

 

تُقَابِلُ كَلِمَةَ "بِخُبْثِهِمْ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ πονηρίαν، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الِاسْمِ πονηρία)، الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الشَّرِّ وَالخُبْثِ وَفَسَادِ القَصْدِ وَرَاءَ السُّؤَالِ. وَلَا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ هُنَا بِمُجَرَّدِ خَطَإٍ فِي الرَّأْيِ، بَلْ بِإِرَادَةٍ مُتَعَمَّدَةٍ لِاسْتِخْدَامِ السُّؤَالِ وَسِيلَةً لِلإِيقَاعِ بِيَسُوعَ. فَلَمْ يَكُنْ دَافِعُ المُتَحَدِّثِينَ مَحَبَّةَ الحَقِّ أَوِ الرَّغْبَةَ فِي مَعْرِفَةِ إِرَادَةِ اللهِ، بَلْ السَّعْيَ إِلَى إِحْرَاجِ يَسُوعَ وَإِضْعَافِ مَكَانَتِهِ. وَقَدْ أَظْهَرُوا لَهُ الِاحْتِرَامَ وَالثِّقَةَ، بَيْنَمَا كَانُوا يُضْمِرُونَ نِيَّةً مُغَايِرَةً. وَيَتَّصِلُ هٰذَا السُّلُوكُ بِتَحْذِيرِ يَسُوعَ لِتَلَامِيذِهِ: "تَبَصَّرُوا وَاحْذَرُوا خَمِيرَ الفَرِّيسِيِّينَ وَخَمِيرَ هِيرُودُسَ!" (مَرْقُس 8: 15). وَتَرْمُزُ "الخَمِيرَةُ" هُنَا إِلَى تَأْثِيرٍ فَاسِدٍ يَتَسَرَّبُ إِلَى التَّفْكِيرِ وَالسُّلُوكِ، كَمَا تَتَسَرَّبُ الخَمِيرَةُ إِلَى العَجِينِ.

 

تَرِدُ عِبَارَةُ "لِمَاذَا تُحَاوِلُونَ إِحْرَاجِي؟" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ τί με πειράζετε?، وَمَعْنَاهَا الحَرْفِيُّ: "لِمَاذَا تُمَتَحِنُونَنِي؟» أَوْ "لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي؟". وَيُشِيرُ الفِعْلُ πειράζετε، المُشْتَقُّ مِنْ πειράζω إِلَى الِامْتِحَانِ أَوِ الِاخْتِبَارِ أَوِ التَّجْرِبَةِ، وَيَأْخُذُ فِي هٰذَا السِّيَاقِ مَعْنًى سَلْبِيًّا، لِأَنَّ الغَايَةَ مِنْهُ لَيْسَتْ مَعْرِفَةَ الحَقِّ، بَلِ الإِيقَاعَ بِيَسُوعَ. وَمِنَ اللَّافِتِ أَنَّ هٰذَا الفِعْلَ يَنْتَمِي إِلَى الجَذْرِ اليُونَانِيِّ نَفْسِهِ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِي رِوَايَةِ تَجَارِبِ يَسُوعَ فِي البَرِّيَّةِ (مَتَّى 4: 1–11). فَقَدْ وَرَدَ عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ "المُجَرِّبُ"، بِاليُونَانِيَّةِ ὁ πειράζων (مَتَّى 4: 3). وَتَكْشِفُ هٰذِهِ المُقَارَنَةُ عَنْ تَشَابُهٍ لَاهُوتِيٍّ بَيْنَ المَوْقِفَيْنِ؛ فَكَمَا حَاوَلَ المُجَرِّبُ فِي البَرِّيَّةِ أَنْ يَدْفَعَ يَسُوعَ إِلَى اسْتِعْمَالِ سُلْطَانِهِ بِمَا يُخَالِفُ إِرَادَةَ الآبِ، كَذٰلِكَ حَاوَلَ مُعَارِضُوهُ فِي أُورُشَلِيمَ أَنْ يَدْفَعُوهُ إِلَى جَوَابٍ يُوَرِّطُهُ فِي صِرَاعٍ سِيَاسِيٍّ. وَتَنْسَجِمُ هٰذِهِ المُحَاوَلَةُ أَيْضًا مَعَ مَا يَذْكُرُهُ لُوقَا عَنْ مُعَارِضِي يَسُوعَ الَّذِينَ كَانُوا "يَنْصُبُونَ لَهُ المَكَايِدَ لِيَصْطَادُوا مِنْ فَمِهِ كَلِمَةً" (لُوقَا 11: 54). وَبِسُؤَالِهِ "لِمَاذَا تُحَاوِلُونَ إِحْرَاجِي؟، يَكْشِفُ يَسُوعُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ أَنْ يُحْصَرَ فِي الِاخْتِيَارِ بَيْنَ بَدِيلَيْنِ صَاغَهُمَا خُصُومُهُ لِإِدَانَتِهِ، بَلْ سَيُقَدِّمُ جَوَابًا يَتَجَاوَزُ هٰذِهِ الثُّنَائِيَّةَ، وَيُعِيدُ القَضِيَّةَ إِلَى مَبْدَئِهَا الأَسَاسِيِّ: حُقُوقِ السُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ وَأَوْلَوِيَّةِ اللهِ.

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "المُرَاؤُونَ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ὑποκριταί، وَهِيَ جَمْعُ ὑποκριτής الَّتِي كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي اللُّغَةِ اليُونَانِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى المُمَثِّلِ الَّذِي يُؤَدِّي دَوْرًا عَلَى المَسْرَحِ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ تُسْتَعْمَلُ مَجَازًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَنْ يُظْهِرُ غَيْرَ مَا يُبْطِنُ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَصِفُ يَسُوعُ مُحَاوِرِيهِ بِالمُرَائِينَ، لِأَنَّهُمْ تَظَاهَرُوا بِاحْتِرَامِهِ وَالرَّغْبَةِ فِي الِاسْتِفَادَةِ مِنْ تَعْلِيمِهِ، بَيْنَمَا كَانَتْ غَايَتُهُمُ الحَقِيقِيَّةُ الإِيقَاعَ بِهِ. وَيَنْبَغِي التَّنَبُّهُ إِلَى أَنَّ هٰذَا التَّوْبِيخَ مُوَجَّهٌ إِلَى المُتَحَاوِرِينَ الَّذِينَ يَصِفُهُمُ النَّصُّ، وَلَيْسَ حُكْمًا عَامًّا عَلَى جَمِيعِ الفَرِّيسِيِّينَ أَوِ اليَهُودِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ وَصْفَ يَسُوعَ لَهُمْ بِالمُرَائِينَ عَلَى أَنَّهُ كَشْفٌ لِلتَّنَاقُضِ بَيْنَ كَلَامِهِمُ المُتَمَلِّقِ وَمَقَاصِدِهِمُ الخَفِيَّةِ. فَبَيْنَمَا كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَخْدَعُونَهُ بِالمَدِيحِ، أَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ يَعْرِفُ مَا يُضْمِرُونَ، وَأَنَّ حِيلَتَهُمْ لَمْ تَنْطَلِ عَلَيْهِ (العِظَةُ 70، 1؛ PG 58). وَمِنَ النَّاحِيَةِ الرُّوحِيَّةِ، يُعَلِّمُنَا هٰذَا التَّوْبِيخُ أَنَّ الرِّيَاءَ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَذِبٍ فِي الكَلَامِ، بَلْ انْقِسَامٌ دَاخِلِيٌّ بَيْنَ مَا يُعْلِنُهُ الإِنْسَانُ وَمَا يَقْصِدُهُ. فَقَدْ يَنْطِقُ الإِنْسَانُ بِكَلِمَاتٍ صَحِيحَةٍ، وَلٰكِنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا لِغَايَاتٍ غَيْرِ صَالِحَةٍ. يَكْشِفُ مَوْقِفُ يَسُوعَ فِي هٰذِهِ الآيَةِ عَنْ ثَلَاثَةِ مَبَادِئَ أَسَاسِيَّةٍ فِي الحَيَاةِ المَسِيحِيَّةِ. أَوَّلُهَا التَّمْيِيزُ الرُّوحِيُّ، أَيْ القُدْرَةُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَدِيحِ الصَّادِقِ وَالتَّمَلُّقِ الخَادِعِ، وَثَانِيهَا الاسْتِقَامَةُ الدَّاخِلِيَّةُ، أَيْ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ صَادِقًا فِي نِيَّاتِهِ كَمَا فِي كَلِمَاتِهِ، وَثَالِثُهَا الشَّجَاعَةُ فِي مُوَاجَهَةِ الخِدَاعِ، فَيَسُوعُ لَمْ يَنْخَدِعْ بِالمَدِيحِ، وَلَمْ يَسْتَسْلِمْ لِضَغْطِ السُّؤَالِ، بَلْ كَشَفَ حَقِيقَةَ المَوْقِفِ بِوُضُوحٍ وَحِكْمَةٍ. وَتَكْتَسِبُ هٰذِهِ المَبَادِئُ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً فِي مُمَارَسَةِ المَسْؤُولِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ؛ إِذْ إِنَّ القِيَادَةَ الأَصِيلَةَ لَا تَقُومُ عَلَى المَدِيحِ المُتَبَادَلِ أَوِ المُنَاوَرَاتِ، بَلْ عَلَى الصِّدْقِ وَالنَّزَاهَةِ وَاحْتِرَامِ الحَقِّ وَكَرَامَةِ الإِنْسَانِ. تَكْشِفُ هٰذِهِ الآيَةُ عَنْ حِكْمَةِ يَسُوعَ وَبَصِيرَتِهِ فِي تَمْيِيزِ النِّيَّاتِ الكَامِنَةِ وَرَاءَ الأَقْوَالِ. فَبَعْدَ أَنْ حَاوَلَ تَلَامِيذُ الفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيُّونَ اسْتِدْرَاجَهُ إِلَى مَوْقِفٍ سِيَاسِيٍّ مُحْرِجٍ، كَشَفَ يَسُوعُ خُبْثَ مَقَاصِدِهِمْ، وَرَفَضَ أَنْ يَخْضَعَ لِمَنْطِقِ المُنَاوَرَةِ وَالتَّمَلُّقِ. وَبِذٰلِكَ تَنْتَقِلُ المُوَاجَهَةُ مِنْ مُحَاوَلَةِ امْتِحَانِ يَسُوعَ إِلَى كَشْفِ حَقِيقَةِ الَّذِينَ يُمْتَحِنُونَهُ.

 

19. "أَرُونِي نَقْدَ الجِزْيَةِ. فَأَتَوْهُ بِدِينَارٍ"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "نَقْدَ" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ νόμισμα، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى النَّقْدِ أَوِ العُمْلَةِ المُتَدَاوَلَةِ وَالمُعْتَرَفِ بِهَا. وَتَرْتَبِطُ هٰذِهِ الكَلِمَةُ لُغَوِيًّا بِالِاسْمِ νόμος، أَيْ "القَانُونِ" أَوِ "العُرْفِ"، مِمَّا يُبْرِزُ الصِّلَةَ بَيْنَ العُمْلَةِ وَالنِّظَامِ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِقِيمَتِهَا وَيَضْمَنُ تَدَاوُلَهَا. وَيَسْتَعْمِلُ مَتَّى التَّعْبِيرَ اليُونَانِيَّ τὸ νόμισμα τοῦ κήνσου ، وَمَعْنَاهُ «نَقْدَ الجِزْيَةِ» أَوْ "العُمْلَةَ المُسْتَعْمَلَةَ لِدَفْعِ الضَّرِيبَةِ". وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَطْلُبْ أَيَّ قِطْعَةٍ نَقْدِيَّةٍ، بَلْ طَلَبَ العُمْلَةَ المُرْتَبِطَةَ بِالسُّؤَالِ الَّذِي طَرَحَهُ مُعَارِضُوهُ. وَكَانَتِ العُمْلَاتُ الرُّومَانِيَّةُ تُعَبِّرُ عَنْ سُلْطَةِ الإِمْبِرَاطُورِ، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ صُورَتَهُ وَأَلْقَابَهُ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي المُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ النَّقْدَ لَمْ يَكُنْ وَسِيلَةً لِلتَّبَادُلِ التِّجَارِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ أَيْضًا رَمْزًا لِلنِّظَامِ السِّيَاسِيِّ الَّذِي أَصْدَرَهُ. وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ اسْتِعْمَالِ العُمْلَةِ وَالِاعْتِرَافِ الأَخْلَاقِيِّ بِشَرْعِيَّةِ جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِ السُّلْطَةِ الَّتِي أَصْدَرَتْهَا؛ فَالتَّعَامُلُ بِنَقْدٍ رُومَانِيٍّ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ تَأْيِيدَ الحُكْمِ الرُّومَانِيِّ أَوِ المُوَافَقَةَ عَلَى سِيَاسَاتِهِ.

 

تُشِيرُ كَلِمَةُ "الجِزْيَةِ" هُنَا إِلَى الضَّرِيبَةِ الرُّومَانِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُفْرَضُ عَلَى السُّكَّانِ الخَاضِعِينَ لِلْإِدَارَةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ، أَصْلِهَا اليُونَانِيِّ κῆνσος ، المُشْتَقِّ مِنَ اللَّاتِينِيَّةِ census. وَكَانَتْ هٰذِهِ الضَّرِيبَةُ مُخْتَلِفَةً عَنْ ضَرِيبَةِ الهَيْكَلِ اليَهُودِيِّ، الَّتِي كَانَتْ تُخَصَّصُ لِنَفَقَاتِ العِبَادَةِ وَخِدْمَةِ الهَيْكَلِ. فَضَرِيبَةُ الهَيْكَلِ كَانَتْ تَبْلُغُ نِصْفَ شَاقِلٍ سَنَوِيًّا، وَتَرْتَبِطُ بِالتَّقْلِيدِ المَوْسَوِيِّ (الخُرُوج 30: 13–16؛ مَتَّى 17: 24–27). وَفِي زَمَنِ الهَيْكَلِ الثَّانِي، كَانَتْ نُقُودُ صُورَ الفِضِّيَّةُ، وَلَا سِيَّمَا الشَّوَاقِلُ وَأَنْصَافُ الشَّوَاقِلِ، مُسْتَعْمَلَةً فِي أَدَاءِ ضَرِيبَةِ الهَيْكَلِ لِجَوْدَةِ فِضَّتِهَا. وَمِنَ المُهِمِّ تَصْحِيحُ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ هٰذِهِ النُّقُودَ كَانَتْ خَالِيَةً مِنَ الصُّوَرِ؛ فَقَدْ حَمَلَتْ بَعْضُهَا صُوَرًا وَرُمُوزًا وَثَنِيَّةً، عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اسْتِعْمَالِهَا فِي المُعَامَلَاتِ المُرْتَبِطَةِ بِالهَيْكَلِ. وَهٰكَذَا يَتَّضِحُ الفَرْقُ بَيْنَ ضَرِيبَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا مَدَنِيَّةٌ تُؤَدَّى لِلسُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ، وَالأُخْرَى دِينِيَّةٌ تُخَصَّصُ لِخِدْمَةِ الهَيْكَلِ. وَسَيَسْتَفِيدُ يَسُوعُ مِنْ هٰذَا التَّمْيِيزِ لِيُعْلِنَ أَنَّ لِلسُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ مَا يَخُصُّهَا، وَلِلَّهِ مَا يَخُصُّهُ.

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَأَتَوْهُ" إِلَى أَنَّ مُحَاوِرِي يَسُوعَ اسْتَجَابُوا لِطَلَبِهِ، وَأَحْضَرُوا لَهُ الدِّينَارَ الَّذِي طَلَبَهُ. وَتَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ العِبَارَةُ οἱ δὲ προσήνεγκαν αὐτῷ δηνάριον، أَيْ "فَقَدَّمُوا لَهُ دِينَارًا". وَيَحْمِلُ هٰذَا التَّصَرُّفُ دَلَالَةً تَفْسِيرِيَّةً مُهِمَّةً؛ إِذْ إِنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا يَسُوعَ عَنْ مَشْرُوعِيَّةِ دَفْعِ الجِزْيَةِ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى إِحْضَارِ النَّقْدِ المُسْتَعْمَلِ لِأَدَائِهَا. وَهٰذَا يُظْهِرُ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ النِّظَامَ النَّقْدِيَّ الرُّومَانِيَّ وَيَتَعَامَلُونَ مَعَ وَاقِعِهِ الِاقْتِصَادِيِّ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ طَلَبَ يَسُوعَ إِحْضَارَ الدِّينَارِ بِأَنَّهُ تَدْبِيرٌ حَكِيمٌ جَعَلَ المُحَاوِرِينَ يُقَدِّمُونَ بِأَنْفُسِهِمُ الدَّلِيلَ الَّذِي سَيَبْنِي عَلَيْهِ جَوَابَهُ. فَبَدَلًا مِنَ الدُّخُولِ فِي جِدَالٍ مُبَاشِرٍ حَوْلَ الجِزْيَةِ، وَجَّهَهُمْ يَسُوعُ إِلَى العُمْلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ، لِيَكْشِفَ أَنَّ الجَوَابَ يَكْمُنُ فِي الوَاقِعِ الَّذِي يَعِيشُونَهُ (العِظَةُ 70، 2؛ PG 58).

 

تُشِيرُ كَلِمَةُ "دِينَارٍ" إِلَى العُمْلَةِ الرُّومَانِيَّةِ الفِضِّيَّةِ المَعْرُوفَةِ بِاللَّاتِينِيَّةِ denarius، وَبِاليُونَانِيَّةِ δηνάριον وَيَرْتَبِطُ أَصْلُ الِاسْمِ بِالعَدَدِ "عَشَرَةٍ"، لِأَنَّ الدِّينَارَ كَانَ يُعَادِلُ عَشَرَةَ أَسَّاتٍ رُومَانِيَّةٍ عِنْدَ ظُهُورِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ قِيمَتُهُ الِاسْمِيَّةُ سِتَّةَ عَشَرَ أَسًّا فِي مَرَاحِلَ لَاحِقَةٍ. وَكَانَ الدِّينَارُ وَحْدَةً نَقْدِيَّةً مُهِمَّةً فِي العَالَمِ الرُّومَانِيِّ، وَيُقَدِّمُ إِنْجِيلُ مَتَّى مِثَالًا عَلَى قِيمَتِهِ حِينَ يَذْكُرُ أَنَّ صَاحِبَ الكَرْمِ اتَّفَقَ مَعَ العُمَّالِ عَلَى دِينَارٍ لِليَوْمِ الوَاحِدِ: "فَاتَّفَقَ رَبُّ البَيْتِ مَعَ العَمَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي اليَوْمِ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ" (مَتَّى 20: 2). وَلَا يَعْنِي ذٰلِكَ أَنَّ الدِّينَارَ كَانَ أُجْرَةً ثَابِتَةً لِجَمِيعِ العُمَّالِ فِي كُلِّ أَنْحَاءِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ، بَلْ إِنَّهُ يُقَدِّمُ مِثَالًا إِنْجِيلِيًّا عَلَى أُجْرَةِ عَمَلٍ يَوْمِيٍّ. وَيُرَجِّحُ كَثِيرٌ مِنَ البَاحِثِينَ أَنَّ الدِّينَارَ المَقْصُودَ فِي هٰذِهِ الحَادِثَةِ كَانَ مِنَ النُّقُودِ الفِضِّيَّةِ الَّتِي حَمَلَتْ صُورَةَ الإِمْبِرَاطُورِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ (14–37م)، وَهُوَ الإِمْبِرَاطُورُ الَّذِي حَكَمَ رُومَا فِي زَمَنِ خِدْمَةِ يَسُوعَ العَلَنِيَّةِ. وَقَدْ حَمَلَ أَحَدُ أَنْوَاعِ دَنَانِيرِ طِيبَارِيُوسَ المَعْرُوفَةِ نَقْشًا لَاتِينِيًّا عَلَى وَجْهِ العُمْلَةِ: TI CAESAR DIVI AVG F AVGVSTVS وَمَعْنَاهُ: "طِيبَارِيُوسُ قَيْصَرُ أُغُسْطُسُ، ابْنُ أُغُسْطُسَ المُؤَلَّهِ". وَيَحْمِلُ هٰذَا النَّقْشُ دَلَالَةً دِينِيَّةً وَسِيَاسِيَّةً، لِأَنَّهُ يَرْبِطُ الإِمْبِرَاطُورَ بِالتَّقْلِيدِ الرُّومَانِيِّ الَّذِي كَانَ يَمْنَحُ بَعْضَ الأَبَاطِرَةِ المُتَوَفَّيْنَ مَكَانَةً إِلٰهِيَّةً. وَلِذٰلِكَ، لَمْ تَكُنْ صُورَةُ قَيْصَرَ وَالنُّقُوشُ المُرَافِقَةُ لَهَا مُجَرَّدَ عَنَاصِرَ فَنِّيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ تَحْمِلُ رِسَالَةً تَتَعَلَّقُ بِالسُّلْطَةِ وَالمَكَانَةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ. فَإِذَا كَانَ الدِّينَارُ يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ يَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ، كَمَا يَرِدُ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ" (تَكْوِين 1: 27). وَيُطَوِّرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس هٰذَا المَعْنَى فَيَرْبِطُ بَيْنَ صُورَةِ قَيْصَرَ عَلَى الدِّينَارِ وَصُورَةِ اللهِ فِي الإِنْسَانِ. فَكَمَا أَنَّ النَّقْدَ يَحْمِلُ صُورَةَ صَاحِبِ السُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ، كَذٰلِكَ يَحْمِلُ الإِنْسَانُ صُورَةَ خَالِقِهِ، وَهُوَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَرُدَّ إِلَى اللهِ مَا يَخُصُّهُ، أَيْ قَلْبَهُ وَحَيَاتَهُ (العِظَةَ 90، 10؛ PL 38). يُعَلِّمُنَا يَسُوعُ، مِنْ خِلَالِ طَلَبِهِ إِحْضَارَ الدِّينَارِ، أَنَّ الإِيمَانَ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ وَاقِعِ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ، وَأَنَّ القَضَايَا السِّيَاسِيَّةَ وَالِاقْتِصَادِيَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى تَمْيِيزٍ أَخْلَاقِيٍّ وَرُوحِيٍّ. فَالمُؤْمِنُ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ وَاجِبَاتِهِ المَدَنِيَّةَ المَشْرُوعَةَ، وَأَنْ يُسَاهِمَ فِي الخَيْرِ العَامِّ، وَأَنْ يَتَصَرَّفَ بِنَزَاهَةٍ فِي المُعَامَلَاتِ المَالِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ. وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، عَلَيْهِ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ سُلْطَةَ الدَّوْلَةِ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً، وَأَنَّ كَرَامَةَ الإِنْسَانِ وَحُرِّيَّةَ ضَمِيرِهِ وَأَمَانَتَهُ لِلَّهِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُخْتَزَلَ فِي الِانْتِمَاءِ السِّيَاسِيِّ أَوِ الِاقْتِصَادِيِّ. تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ مَرْحَلَةً حَاسِمَةً فِي المُوَاجَهَةِ بَيْنَ يَسُوعَ وَمُعَارِضِيهِ؛ إِذْ يَنْتَقِلُ يَسُوعُ مِنَ السُّؤَالِ النَّظَرِيِّ عَنْ مَشْرُوعِيَّةِ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى وَاقِعٍ مَلْمُوسٍ، يَتَمَثَّلُ فِي النَّقْدِ المُسْتَعْمَلِ لِأَدَائِهَا. وَبِطَلَبِهِ إِحْضَارَ الدِّينَارِ، يَجْعَلُ مِنَ العُمْلَةِ نَفْسِهَا وَسِيلَةً تَعْلِيمِيَّةً لِكَشْفِ التَّنَاقُضِ فِي مَوْقِفِ مُحَاوِرِيهِ، وَلِتَوْضِيحِ العَلَاقَةِ بَيْنَ السُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ وَسِيَادَةِ اللهِ. إِنَّ النَّقْدَ يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ، أَمَّا الإِنْسَانُ فَيَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ؛ وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ أَمَانَتَهُ الأُولَى وَالنِّهَائِيَّةَ هِيَ لِخَالِقِهِ.

 

20 "فَقَالَ لَهُمْ: لِمَنِ الصُّورَةُ هٰذِهِ وَالكِتَابَةُ؟"

 

تَرِدُ العِبَارَةُ "لِمَنِ الصُّورَةُ هٰذِهِ وَالكِتَابَةُ؟"فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّτίνος ἡ εἰκὼν αὕτη καὶ ἡ ἐπιγραφή?، وَمَعْنَاهَا: "لِمَنْ هٰذِهِ الصُّورَةُ وَهٰذِهِ الكِتَابَةُ؟". تَحْمِلُ الكَلِمَتَانِ " الصُّورَةُ وَالكِتَابَةُ " دَلَالَتَيْنِ مُتَكَامِلَتَيْنِ: "الصُّورَةُ" εἰκών، تُشِيرُ إِلَى الشَّكْلِ أَوِ التَّمْثِيلِ المَرْئِيِّ لِشَخْصٍ، وَهُنَا إِلَى صُورَةِ الإِمْبِرَاطُورِ المَنْقُوشَةِ عَلَى العُمْلَةِ. "الكِتَابَةُ" ἐπιγραφή تُشِيرُ إِلَى النَّقْشِ أَوِ العِبَارَةِ المَكْتُوبَةِ، وَهُنَا إِلَى اسْمِ الإِمْبِرَاطُورِ وَأَلْقَابِهِ الرَّسْمِيَّةِ. وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ السُّؤَالِ فِي أَنَّ يَسُوعَ لَا يَسْأَلُ عَنْ قِيمَةِ الدِّينَارِ المَالِيَّةِ، بَلْ عَنِ الشَّخْصِ الَّذِي تُمَثِّلُهُ صُورَتُهُ وَكِتَابَتُهُ. فَالصُّورَةُ وَالنَّقْشُ يُعَرِّفَانِ بِالسُّلْطَةِ الَّتِي أَصْدَرَتِ العُمْلَةَ، وَيُعَبِّرَانِ عَنْ نُفُوذِهَا السِّيَاسِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ. يُرَجِّحُ كَثِيرٌ مِنَ البَاحِثِينَ أَنَّ الدِّينَارَ الَّذِي أُحْضِرَ لِيَسُوعَ كَانَ مِنَ النُّقُودِ الفِضِّيَّةِ المَسْكُوكَةِ فِي عَهْدِ طِيبَارِيُوسَ قَيْصَرَ (14–37م)، الإِمْبِرَاطُورِ الرُّومَانِيِّ الثَّانِي، بَعْدَ أُغُسْطُسَ. وَقَدْ حَمَلَ أَحَدُ أَنْوَاعِ هٰذِهِ الدَّنَانِيرِ عَلَى وَجْهِهِ الأَوَّلِ صُورَةَ طِيبَارِيُوسَ، وَحَوْلَهَا النَّقْشُ اللَّاتِينِيُّ: TI CAESAR DIVI AVG F AVGVSTVS وَمَعْنَاهُ: «طِيبَارِيُوسُ قَيْصَرُ أُغُسْطُسُ، ابْنُ أُغُسْطُسَ المُؤَلَّهِ". أَمَّا الوَجْهُ الآخَرُ مِنْ هٰذَا النَّوْعِ مِنَ العُمْلَاتِ، فَيَحْمِلُ صُورَةَ شَخْصِيَّةٍ أُنْثَوِيَّةٍ جَالِسَةٍ عَلَى عَرْشٍ، تُفَسَّرُ غَالِبًا بِأَنَّهَا تُمَثِّلُ السَّلَامَ (Pax)، أَوْ شَخْصِيَّةً رَمْزِيَّةً تَرْتَبِطُ بِالإِمْبِرَاطُورِيَّةِ، وَتَحْمِلُ غُصْنًا وَصَوْلَجَانًا. وَيَحْمِلُ هٰذَا الوَجْهُ النَّقْشَ: PONTIF MAXIM وَهُوَ اخْتِصَارٌ لِلَّقَبِ اللَّاتِينِيِّ Pontifex Maximus، أَيْ "الحَبْرُ الأَعْظَمُ" أَوْ "رَئِيسُ الكَهَنَةِ الأَعْظَمُ" فِي الدِّينِ الرُّومَانِيِّ الرَّسْمِيِّ. وَتَكْشِفُ هٰذِهِ النُّقُوشُ عَنْ تَدَاخُلِ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالرُّمُوزِ الدِّينِيَّةِ فِي النِّظَامِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ الرُّومَانِيِّ؛ فَقَيْصَرُ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حَاكِمٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ حَمَلَ أَيْضًا أَلْقَابًا وَوَظَائِفَ دِينِيَّةً. فَقَدْ نَهَتِ الشَّرِيعَةُ المُوسَوِيَّةُ عَنْ صُنْعِ الأَوْثَانِ وَعِبَادَتِهَا (الخُرُوج 20: 4–5؛ تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاعِ 5: 8–9). وَلٰكِنَّ هٰذَا النَّهْيَ لَا يَعْنِي أَنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ كَانُوا يَرْفُضُونَ اسْتِعْمَالَ كُلِّ عُمْلَةٍ تَحْمِلُ صُورَةً؛ فَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ نُقُودٌ مُصَوَّرَةٌ فِي الحَيَاةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ، بَلْ وَفِي بَعْضِ المُعَامَلَاتِ المُرْتَبِطَةِ بِالهَيْكَلِ. وَتَكْمُنُ المُشْكِلَةُ الدِّينِيَّةُ الأَعْمَقُ فِي الِادِّعَاءَاتِ الإِلٰهِيَّةِ أَوِ الأَلْقَابِ الَّتِي تَرْفَعُ الحَاكِمَ إِلَى مَكَانَةٍ تَتَعَارَضُ مَعَ الإِيمَانِ بِاللهِ الوَحِيدِ.

 

تَحْمِلُ كَلِمَةُ "الصُّورَةُ"، εἰκών أَهَمِّيَّةً لَاهُوتِيَّةً خَاصَّةً، لِأَنَّهَا تَرِدُ أَيْضًا فِي التَّرْجَمَةِ السَّبْعِينِيَّةِ لِسِفْرِ التَّكْوِينِ عِنْدَ الحَدِيثِ عَنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ اللهِ (التَّكْوِين 1: 26–27). وَمِنْ هُنَا، انْطَلَقَ بَعْضُ آبَاءِ الكَنِيسَةِ مِنْ صُورَةِ قَيْصَرَ عَلَى الدِّينَارِ إِلَى التَّأَمُّلِ فِي صُورَةِ اللهِ المَطْبُوعَةِ فِي الإِنْسَانِ. فَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ أوغسطينوس قَوْلَ يَسُوعَ عَنْ قَيْصَرَ بِالرَّبْطِ بَيْنَ الصُّورَةِ المَنْقُوشَةِ عَلَى النَّقْدِ وَصُورَةِ اللهِ فِي الإِنْسَانِ. فَكَمَا أَنَّ الدِّينَارَ يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ، كَذٰلِكَ يَحْمِلُ الإِنْسَانُ صُورَةَ خَالِقِهِ؛ وَإِذَا كَانَ النَّقْدُ يُؤَدَّى لِصَاحِبِ السُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يُقَدِّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلَى صُورَتِهِ (المَزْمُورُ 57، 11؛ PL 36). وَيَتَّفِقُ هٰذَا التَّفْسِيرُ مَعَ تَعْلِيمِ القِدِّيسِ يُوحَنَّا الذَّهَبِيِّ الفَمِ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ أَدَاءِ الوَاجِبَاتِ المَدَنِيَّةِ وَالأَمَانَةِ لِلَّهِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ طَاعَةَ السُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ تَبْقَى مَشْرُوعَةً مَا دَامَتْ لَا تَتَعَارَضُ مَعَ التَّقْوَى وَإِرَادَةِ اللهِ (العِظَةُ 70، 2؛ PG 58). فَالدَّوْلَةُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْظِّمَ المُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةَ وَتَفْرِضَ الضَّرَائِبَ المَشْرُوعَةَ، وَلٰكِنَّهَا لَا تَمْلِكُ أَنْ تَسْتَحْوِذَ عَلَى ضَمِيرِ الإِنْسَانِ أَوْ أَنْ تَطْلُبَ مِنْهُ عِبَادَةً لَا تَلِيقُ إِلَّا بِاللهِ. تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ مَرْحَلَةً حَاسِمَةً فِي حِوَارِ يَسُوعَ مَعَ الفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ؛ إِذْ يَنْقُلُ النِّقَاشَ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى دَلَالَةِ الصُّورَةِ وَالكِتَابَةِ المَنْقُوشَتَيْنِ عَلَى الدِّينَارِ الرُّومَانِيِّ. وَبِهٰذَا السُّؤَالِ، يَدْفَعُ يَسُوعُ مُحَاوِرِيهِ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ العُمْلَةَ تَحْمِلُ رَمْزَ السُّلْطَةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ، تَمْهِيدًا لِلْإِعْلَانِ عَنْ حَقِيقَةٍ أَعْمَقَ، وَهِيَ أَنَّ الإِنْسَانَ يَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ وَيَنْتَمِي إِلَيْهِ.

 

21 "قَالُوا: لِقَيْصَرَ. فَقَالَ لَهُمْ: أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّه"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "أَدُّوا" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἀπόδοτε، وَهِيَ صِيغَةُ الأَمْرِ مِنَ الفِعْلِ ἀποδίδωμι، الَّذِي يَعْنِي "أَدَّى" أَوْ "رَدَّ" أَوْ "أَوْفَى بِمَا عَلَيْهِ". وَيَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ أَنَّ الفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ اسْتَعْمَلُوا فِي سُؤَالِهِمُ الفِعْلَ اليُونَانِيَّ δοῦναι، أَيْ "أَنْ يُعْطِيَ" (مَتَّى 22: 17)، بَيْنَمَا اسْتَعْمَلَ يَسُوعُ الفِعْلَ  ἀπόδοτε، أَيْ "أَدُّوا" أَوْ "أَوْفُوا بِمَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ". وَيُوحِي هٰذَا الِاخْتِيَارُ اللُّغَوِيُّ بِأَنَّ يَسُوعَ لَا يَتَحَدَّثُ عَنْ هِبَةٍ اخْتِيَارِيَّةٍ تُقَدَّمُ إِلَى الإِمْبِرَاطُورِ، بَلْ عَنْ أَدَاءِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِنْسَانِ مِنِ الْتِزَامَاتٍ مَدَنِيَّةٍ مَشْرُوعَةٍ. وَيُؤَكِّدُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ هٰذَا المَعْنَى، مُبَيِّنًا أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْمُرْ بِمُقَاوَمَةِ السُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ، بَلْ أَجَازَ أَدَاءَ مَا يَخُصُّهَا، شَرِيطَةَ أَلَّا يَتَعَارَضَ ذٰلِكَ مَعَ التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ (العِظَةُ 70، 2؛ PG 58).

 

تُشِيرُ عِبَارَةُ "لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ" إِلَى الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ لِلسُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ مَجَالًا مَشْرُوعًا مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ، يَشْمَلُ تَنْظِيمَ الحَيَاةِ العَامَّةِ، وَحِفْظَ النِّظَامِ، وَإِدَارَةَ الشُّؤُونِ المَدَنِيَّةِ، وَجِبَايَةَ الضَّرَائِبِ اللَّازِمَةِ لِلْخَيْرِ العَامِّ. فَبِمَا أَنَّ الدِّينَارَ يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ وَكِتَابَتَهُ، فَإِنَّ يَسُوعَ يَسْتَعْمِلُ العُمْلَةَ نَفْسَهَا لِيُوَضِّحَ أَنَّ دَفْعَ الضَّرِيبَةِ لَا يُشَكِّلُ بِالضَّرُورَةِ تَنَازُلًا عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ. وَيَتَنَاغَمُ هٰذَا التَّعْلِيمُ مَعَ الحِكْمَةِ الكِتَابِيَّةِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى مَخَافَةِ اللهِ وَاحْتِرَامِ السُّلْطَةِ، كَمَا جَاءَ فِي سِفْرِ الأَمْثَالِ: "يَا بُنَيَّ، اتَّقِ الرَّبَّ وَالمَلِكَ" (أَمْثَال 24: 21)، وَفِي سِفْرِ الجَامِعَةِ: "احْفَظْ أَمْرَ المَلِكِ" (الجَامِعَة 8: 2). وَيَتَوَسَّعُ بُولُسُ الرَّسُولُ فِي هٰذَا المَبْدَإِ حِينَ يَكْتُبُ إِلَى أَهْلِ رُومَةَ: "أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّهُ: الضَّرِيبَةَ لِمَنْ لَهُ الضَّرِيبَةُ، وَالخَرَاجَ لِمَنْ لَهُ الخَرَاجُ، وَالمَهَابَةَ لِمَنْ لَهُ المَهَابَةُ، وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ" (رُومَة 13: 7). وَيَسْتَعْمِلُ بُولُسُ هُنَا كَلِمَتَيْنِ يُونَانِيَّتَيْنِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ أَنْوَاعِ الِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ: φόρος الضَّرِيبَةُ أَوِ الجِزْيَةُ المَفْرُوضَةُ مِنَ السُّلْطَةِ.  Τέλος الرُّسُومُ أَوِ المَكُوسُ، وَمِنْهَا الرُّسُومُ المُرْتَبِطَةُ بِالتِّجَارَةِ وَالمُعَامَلَاتِ. وَلَا يَحْصُرُ بُولُسُ وَاجِبَ المُؤْمِنِ فِي تَجَنُّبِ العُقُوبَةِ، بَلْ يَرْبِطُهُ بِالمَسْؤُولِيَّةِ الأَخْلَاقِيَّةِ، قَائِلًا إِنَّهُ يَجِبُ الخُضُوعُ لِلسُّلْطَةِ "لِأَجْلِ الضَّمِيرِ أَيْضًا" (رُومَة 13: 5). وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الطَّاعَةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً؛ فَشَرْعِيَّةُ السُّلْطَةِ تَرْتَبِطُ بِخِدْمَةِ العَدْلِ وَالخَيْرِ العَامِّ، وَلَا تُعْطِيهَا حَقَّ مُخَالَفَةِ شَرِيعَةِ اللهِ أَوِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى كَرَامَةِ الإِنْسَانِ. وَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ إيرونيموس جَوَابَ يَسُوعَ عَلَى أَنَّهُ تَمْيِيزٌ بَيْنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّلْطَةِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ وَمَا يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ لِلَّهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحْوِذَ قَيْصَرُ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِاللهِ (PL 26).  

 

تُشَكِّلُ عِبَارَةُ "وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" القِسْمَ الثَّانِيَ وَالأَعْمَقَ مِنْ جَوَابِ يَسُوعَ؛ إِذْ لَا يَكْتَفِي بِالِاعْتِرَافِ بِحُقُوقِ السُّلْطَةِ المَدَنِيَّةِ، بَلْ يُعْلِنُ أَنَّ لِلَّهِ حَقًّا أَسَاسِيًّا وَشَامِلًا فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ. فَإِذَا كَانَتِ العُمْلَةُ تَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ يَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ، وَفْقًا لِمَا وَرَدَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ، عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ" (التَّكْوِين 1: 27). فَيَرْبِطُ القِدِّيسُ أُوغُسْطِينُسُ بَيْنَ صُورَةِ قَيْصَرَ المَنْقُوشَةِ عَلَى النَّقْدِ وَصُورَةِ اللهِ المَطْبُوعَةِ فِي الإِنْسَانِ؛ فَكَمَا يُؤَدَّى النَّقْدُ الَّذِي يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ، يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ لِلَّهِ، لِأَنَّهُ يَحْمِلُ صُورَةَ خَالِقِهِ (أوغسطينوس، المَزْمُورُ 57، 11؛ PL 36). وَبِذٰلِكَ، لَا يَقْتَصِرُ مَا يَخُصُّ اللهَ عَلَى العِبَادَاتِ وَالصَّلَوَاتِ وَالتَّقْدِمَاتِ، بَلْ يَشْمَلُ الإِنْسَانَ بِكُلِّيَّتِهِ: قَلْبَهُ وَضَمِيرَهُ وَإِيمَانَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَسُلُوكَهُ. وَلَيْسَ المَقْصُودُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَدْفَعُ لِلَّهِ "جِزْيَةً" بِالمَعْنَى المَالِيِّ، بَلْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ لَهُ ذَاتَهُ فِي العِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَالشُّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ وَعَمَلِ المَحَبَّةِ. وَتَتَّضِحُ هٰذِهِ الحَقِيقَةُ فِي دَعْوَةِ بُولُسَ الرَّسُولِ: "أُنَاشِدُكُمْ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِمَرَاحِمِ اللهِ، أَنْ تُقَرِّبُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ" (رُومَة 12: 1). وَيَنْسَجِمُ هٰذَا المَبْدَأُ مَعَ تَعْلِيمِ المَجْمَعِ الفَاتِيكَانِيِّ الثَّانِي الَّذِي يُؤَكِّدُ أَنَّ الجَمَاعَةَ السِّيَاسِيَّةَ وَالكَنِيسَةَ مُسْتَقِلَّتَانِ فِي مَجَالَيْهِمَا، مَعَ إِمْكَانِ التَّعَاوُنِ بَيْنَهُمَا فِي خِدْمَةِ الإِنْسَانِ وَالخَيْرِ العَامِّ (الدُّسْتُورُ الرَّاعَوِيُّ فَرَحٌ وَرَجَاءٌ، 76). وَيَتَّفِقُ هٰذَا التَّعْلِيمُ مَعَ مَا يُؤَكِّدُهُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، مِنْ أَنَّ المُوَاطِنَ مُلْزَمٌ ضَمِيرِيًّا بِأَلَّا يَتَّبِعَ أَوَامِرَ السُّلْطَاتِ المَدَنِيَّةِ إِذَا خَالَفَتْ مُتَطَلَّبَاتِ النِّظَامِ الأَخْلَاقِيِّ وَالحُقُوقَ الأَسَاسِيَّةَ لِلأَشْخَاصِ وَتَعَالِيمَ الإِنْجِيلِ (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، 2242). تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ ذُرْوَةَ الحِوَارِ بَيْنَ يَسُوعَ وَمُعَارِضِيهِ حَوْلَ مَشْرُوعِيَّةِ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ. فَبَعْدَ أَنْ كَشَفَ يَسُوعُ خُبْثَ نِيَّاتِهِمْ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُرُوهُ نَقْدَ الجِزْيَةِ، سَأَلَهُمْ عَنْ صَاحِبِ الصُّورَةِ وَالكِتَابَةِ المَنْقُوشَتَيْنِ عَلَى الدِّينَارِ. وَلَمَّا أَقَرُّوا بِأَنَّهُمَا لِقَيْصَرَ، قَدَّمَ جَوَابًا يَتَجَاوَزُ المَأْزِقَ السِّيَاسِيَّ الَّذِي أَعَدُّوهُ لَهُ، وَيُرْسِي مَبْدَأً لَاهُوتِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا يَقُومُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ حُقُوقِ السُّلْطَةِ الزَّمَنِيَّةِ وَالحُقُوقِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِاللهِ وَحْدَهُ. باختصار، قول يسوع "أَدُّوا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21) لَا يُلْغِي الشَّرِيعَةَ الإِلٰهِيَّةَ، وَلَا يَجْعَلُ السُّلْطَةَ السِّيَاسِيَّةَ مُسَاوِيَةً لِسُلْطَانِ اللهِ؛ بَلْ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَجَالَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ، مَعَ بَقَاءِ الأَوْلَوِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِلَّهِ. وَهٰذَا يَنْسَجِمُ مَعَ إِعْلَانِ يَسُوعَ فِي المَوْعِظَةِ عَلَى الجَبَلِ: "لَا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأَنْقُضَ الشَّرِيعَةَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لِأَنْقُضَ، بَلْ لِأُكْمِلَ" (مَتَّى 5: 17). يَرَى القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ يَسُوعَ، بِجَوَابِهِ عَنْ الجِزْيَةِ، أَظْهَرَ حِكْمَةً أَفْشَلَتْ خُطَّةَ مُعَارِضِيهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ أَدَاءَ الوَاجِبَاتِ المَدَنِيَّةِ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ التَّقْوَى مَا دَامَ لَا يَتَضَمَّنُ مُخَالَفَةً لِإِرَادَةِ اللهِ (العِظَةُ 70؛ PG 58).

 

 22."فَلَمَّا سَمِعُوا هٰذَا الكَلَامَ تَعَجَّبُوا، وَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا"

 

تَرِدُ كَلِمَةُ "تَعَجَّبُوا" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ ἐθαύμασαν، وَهِيَ صِيغَةُ المَاضِي مِنَ الفِعْلِ θαυμάζω)، الَّذِي يَعْنِي "تَعَجَّبَ" أَوْ "دُهِشَ" أَوْ "أُخِذَ بِالإِعْجَابِ". وَتُشِيرُ هٰذِهِ الكَلِمَةُ إِلَى الدَّهْشَةِ الَّتِي أَصَابَتْ مُحَاوِرِي يَسُوعَ عِنْدَمَا سَمِعُوا جَوَابَهُ غَيْرَ المُتَوَقَّعِ. فَقَدْ ظَنُّوا أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ مَشْرُوعِيَّةِ دَفْعِ الجِزْيَةِ سَيُجْبِرُهُ عَلَى الِاخْتِيَارِ بَيْنَ مَوْقِفَيْنِ، يَتَرَتَّبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا اتِّهَامٌ مُحْتَمَلٌ. فَإِنْ أَجَازَ دَفْعَ الجِزْيَةِ، أَمْكَنَ تَصْوِيرُهُ أَمَامَ بَعْضِ الشَّعْبِ عَلَى أَنَّهُ مُؤَيِّدٌ لِلسُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ. وَإِنْ مَنَعَ دَفْعَهَا، أَمْكَنَ اتِّهَامُهُ بِالتَّحْرِيضِ عَلَى التَّمَرُّدِ عَلَى الإِمْبِرَاطُورِ. غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ تَجَاوَزَ هٰذَا الِاخْتِيَارَ المُصْطَنَعَ، وَكَشَفَ أَنَّ أَدَاءَ الوَاجِبَاتِ المَدَنِيَّةِ لَا يَتَعَارَضُ فِي ذَاتِهِ مَعَ الأَمَانَةِ لِلَّهِ، شَرِيطَةَ أَلَّا تَتَجَاوَزَ السُّلْطَةُ الزَّمَنِيَّةُ حُدُودَهَا. وَلِذٰلِكَ، لَمْ يَكُنْ تَعَجُّبُهُمْ نَاتِجًا عَنْ مَهَارَةٍ جَدَلِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ عَنْ جَوَابٍ أَفْشَلَ المَكِيدَةَ وَكَشَفَ بُعْدًا أَخْلَاقِيًّا وَلَاهُوتِيًّا لَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُمْ يَهْدِفُ إِلَى بَحْثِهِ. وَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ التَّعَجُّبَ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ الإِيمَانَ أَوِ التَّوْبَةَ؛ فَالنَّصُّ يَذْكُرُ دَهْشَتَهُمْ وَانْصِرَافَهُمْ، دُونَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى أَنَّهُمْ قَبِلُوا تَعْلِيمَ يَسُوعَ أَوْ غَيَّرُوا مَوَاقِفَهُمْ مِنْهُ. وَيُبْرِزُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ فِي تَفْسِيرِهِ هٰذَا المَشْهَدَ أَنَّ جَوَابَ يَسُوعَ أَبْطَلَ مَكْرَ السَّائِلِينَ، وَجَعَلَهُمْ يَنْصَرِفُونَ دُونَ أَنْ يَجِدُوا فِي كَلَامِهِ مَا يُسَوِّغُ اتِّهَامَهُ (العِظَةُ 70؛ PG 58).

 

تَرِدُ عِبَارَةُ "وَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا" فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ: καὶ ἀφέντες αὐτὸν ἀπῆλθαν، وَمَعْنَاهَا الحَرْفِيُّ: "وَتَارِكِينَ إِيَّاهُ، مَضَوْا". وَتَتَكَوَّنُ العِبَارَةُ مِنْ فِعْلَيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ: " تَرَكُوهُ " ἀφέντες اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الفِعْلِ ἀφίημι ، وَمَعْنَاهُ "تَرَكَ" أَوْ "صَرَفَ" أَوْ "أَطْلَقَ". "انْصَرَفُوا" ἀπῆλθανفِعْلٌ مَاضٍ مِنْ ἀπέρχομαι، وَمَعْنَاهُ "مَضَوْا" أَوِ "انْصَرَفُوا". وَتُشِيرُ هٰذِهِ العِبَارَةُ إِلَى إِخْفَاقُ المَكِيدَةِ وَانْتِصَارُ الحَقِّ. فَقَدْ جَاؤُوا لِيُوقِعُوهُ فِي فَخٍّ، وَلٰكِنَّهُمْ غَادَرُوا بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ جَوَابُهُ بُطْلَ المَأْزِقِ الَّذِي أَعَدُّوهُ.  وَيَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ أَنَّ الفِعْلَ " تَرَكَ"" ἀφίημι   يَرِدُ أَيْضًا فِي خِتَامِ تَجَارِبِ يَسُوعَ فِي البَرِّيَّةِ، حَيْثُ يَقُولُ الإِنْجِيلُ: "ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلَائِكَةٌ قَدْ دَنَوْا مِنْهُ وَأَخَذُوا يَخْدِمُونَهُ" (مَتَّى 4: 11). وَتَسْمَحُ هٰذِهِ المُقَارَنَةُ بِقِرَاءَةٍ أَدَبِيَّةٍ وَلَاهُوتِيَّةٍ لَافِتَةٍ؛ فَكَمَا أَخْفَقَ إِبْلِيسُ فِي تَجْرِبَةِ يَسُوعَ وَتَرَكَهُ (مَتَّى 4: 11)، كَذٰلِكَ أَخْفَقَ مُعَارِضُوهُ فِي الإِيقَاعِ بِهِ وَتَرَكُوهُ (مَتَّى 22: 22). وَفِي الحَالَتَيْنِ، يَظْهَرُ يَسُوعُ أَمِينًا لِرِسَالَتِهِ، غَيْرَ خَاضِعٍ لِمَنْطِقِ المُجَرِّبِينَ، وَثَابِتًا فِي الحَقِّ. تُشَكِّلُ هٰذِهِ الآيَةُ خَاتِمَةَ المُوَاجَهَةِ بَيْنَ يَسُوعَ وَالفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ بِشَأْنِ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ (مَتَّى 22: 15–22). فَبَعْدَ أَنْ حَاوَلَ مُعَارِضُوهُ إِيقَاعَهُ فِي فَخٍّ سِيَاسِيٍّ وَدِينِيٍّ، جَاءَ جَوَابُهُ: «أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ» (مَتَّى 22: 21)، لِيَكْشِفَ عَنْ حِكْمَتِهِ وَيُفْشِلَ مَكِيدَتَهُمْ. فَلَمْ يَجِدُوا فِي كَلَامِهِ مَا يَسْتَطِيعُونَ اتِّخَاذَهُ ذَرِيعَةً لِاتِّهَامِهِ، فَانْتَهَتِ المُوَاجَهَةُ بِدَهْشَتِهِمْ وَانْسِحَابِهِمْ.

 

 

ثَانِيًا: التَّطْبِيقَاتُ الكِتَابِيَّةُ وَالرَّعَوِيَّةُ لِلنَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 22: 15–22)

 

بَعْدَ دِرَاسَةِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (مَتَّى 22: 15–22) دِرَاسَةً تَفْسِيرِيَّةً، نَسْتَنْتِجُ أَنَّهُ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مَوْقِفِ يَسُوعَ مِنْ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ، فِي سِيَاقِ المُوَاجَهَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُمَثِّلِينَ عَنِ الفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ. وَقَدْ حَاوَلَ هٰؤُلَاءِ أَنْ يُوَرِّطُوهُ فِي مَأْزِقٍ سِيَاسِيٍّ وَدِينِيٍّ، غَيْرَ أَنَّ جَوَابَهُ كَشَفَ عَنْ حِكْمَةٍ تَتَجَاوَزُ السُّؤَالَ المَطْرُوحَ، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ لِلسُّلْطَةِ المَدَنِيَّةِ حُقُوقًا مَشْرُوعَةً، وَلِلَّهِ السِّيَادَةَ العُلْيَا عَلَى حَيَاةِ الإِنْسَانِ. وَمِنْ هُنَا، تَبْرُزُ ثَلَاثَةُ تَسَاؤُلَاتٍ أَسَاسِيَّةٍ: مَا مَفْهُومُ الجِزْيَةِ وَالضَّرَائِبِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ؟ وَمَا مَوْقِفُ يَسُوعَ مِنْ دَفْعِهَا؟ وَكَيْفَ نَعِيشُ تَعْلِيمَهُ فِي حَيَاتِنَا المَدَنِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ؟

 

أولا: مَا مَفْهُومُ الجِزْيَةِ وَالضَّرَائِبِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ؟

 

يُعَالِجُ إِنْجِيلُ مَتَّى، فِي سِيَاقِ المُوَاجَهَاتِ الَّتِي سَبَقَتْ آلامَ يَسُوعَ، عَدَدًا مِنَ الأَسْئِلَةِ الدِّينِيَّةِ وَاللَّاهُوتِيَّةِ، مِنْ أَبْرَزِهَا: دَفْعُ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ (مَتَّى 22: 15–22)، وَقِيَامَةُ الأَمْوَاتِ (مَتَّى 22: 23–33)، وَالوَصِيَّةُ العُظْمَى (مَتَّى 22: 34–40)، وَعَلَاقَةُ المَسِيحِ بِدَاوُدَ (مَتَّى 22: 41–46). وَتَتَّصِلُ مَسْأَلَةُ الجِزْيَةِ بِالنِّظَامِ المَالِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ الَّذِي عَاشَ فِي ظِلِّهِ الشَّعْبُ اليَهُودِيُّ، سَوَاءٌ فِي عُهُودِ المُلُوكِ الإِسْرَائِيلِيِّينَ، أَمْ فِي فَتَرَاتِ خُضُوعِهِ لِسُلْطَاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ، كَالفُرْسِ وَاليُونَانِيِّينَ وَالرُّومَانِيِّينَ. وَلِفَهْمِ مَوْقِفِ يَسُوعَ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الضَّرَائِبِ المَدَنِيَّةِ الَّتِي تُفْرَضُ لِصَالِحِ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَالِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ الدِّينِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِالهَيْكَلِ وَخِدْمَةِ العِبَادَةِ.

 

أ. الضَّرَائِبُ المَدَنِيَّةُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ

 

عَرَفَ الشَّعْبُ الإِسْرَائِيلِيُّ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً مِنَ الضَّرَائِبِ وَالأَعْبَاءِ المَالِيَّةِ مُنْذُ قِيَامِ النِّظَامِ المَلَكِيِّ.

 

فَفِي عَهْدِ المَلِكِ سُلَيْمَانَ، أُقِيمَ نِظَامٌ إِدَارِيٌّ لِتَوْفِيرِ المُؤَنِ لِلْبَلَاطِ المَلَكِيِّ (1 مُلُوك 4: 7–19)، كَمَا فُرِضَتْ أَعْمَالُ السُّخْرَةِ لِتَنْفِيذِ المَشْرُوعَاتِ العُمْرَانِيَّةِ (1 مُلُوك 5: 27–32). وَقَدْ أَدَّى ثِقَلُ الأَعْبَاءِ المَفْرُوضَةِ عَلَى الشَّعْبِ إِلَى تَوَتُّرَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ، ظَهَرَتْ بِوُضُوحٍ بَعْدَ وَفَاةِ سُلَيْمَانَ، عِنْدَمَا طَلَبَ الشَّعْبُ مِنْ رَحُبْعَامَ تَخْفِيفَ النِّيرِ الثَّقِيلِ الَّذِي فَرَضَهُ أَبُوهُ (1 مُلُوك 12: 4).

 

وَفِي العُهُودِ اللَّاحِقَةِ، خَضَعَتْ أَرْضُ إِسْرَائِيلَ لِسُلْطَاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ فَرَضَتْ عَلَيْهَا أَشْكَالًا مُتَنَوِّعَةً مِنَ الجِزْيَةِ وَالخَرَاجِ. وَيَذْكُرُ سِفْرُ عَزْرَا أَنْوَاعًا مِنَ الضَّرَائِبِ وَالرُّسُومِ فِي العَهْدِ الفَارِسِيِّ، مَعَ إِعْفَاءِ خُدَّامِ الهَيْكَلِ مِنْ بَعْضِهَا (عَزْرَا 7: 24). وَهٰكَذَا، كَانَتِ الضَّرَائِبُ وَسِيلَةً لِتَمْوِيلِ الحُكْمِ وَالإِدَارَةِ، وَلٰكِنَّهَا كَانَتْ أَيْضًا، فِي بَعْضِ الظُّرُوفِ، عَامِلًا مِنْ عَوَامِلِ الضَّغْطِ الِاقْتِصَادِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ.

 

ب. الضَّرَائِبُ المَدَنِيَّةُ فِي زَمَنِ يَسُوعَ

 

فِي زَمَنِ يَسُوعَ، كَانَ النِّظَامُ الضَّرِيبِيُّ فِي فِلَسْطِينِ مُتَعَدِّدَ الأَشْكَالِ، وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِ المِنْطَقَةِ وَالسُّلْطَةِ الحَاكِمَةِ. فَكَانَتِ اليَهُودِيَّةُ خَاضِعَةً لِلإِدَارَةِ الرُّومَانِيَّةِ المُبَاشِرَةِ، بَيْنَمَا خَضَعَتِ الجَلِيلُ لِحُكْمِ هِيرُودُسَ أنتيباس.

 

وَيُمْكِنُ التَّمْيِيزُ، بِصُورَةٍ عَامَّةٍ، بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الضَّرَائِبِ المَدَنِيَّةِ:

 

أَوَّلًا: الضَّرَائِبُ المُبَاشِرَةُ. وَمِنْهَا الضَّرَائِبُ المُرْتَبِطَةُ بِالأَرْضِ وَإِنْتَاجِهَا، وَالضَّرَائِبُ الشَّخْصِيَّةُ المُرْتَبِطَةُ بِالإِحْصَاءِ السُّكَّانِيِّ. وَيَنْدَرِجُ سُؤَالُ الفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ عَنْ "الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ" (مَتَّى 22: 17) فِي سِيَاقِ الضَّرِيبَةِ الرُّومَانِيَّةِ المُبَاشِرَةِ، الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْهَا النَّصُّ اليُونَانِيُّ بِكَلِمَةِ κῆνσος، المُشْتَقَّةِ مِنَ اللَّاتِينِيَّةِ census.

 

ثَانِيًا: الضَّرَائِبُ غَيْرُ المُبَاشِرَةِ. وَمِنْهَا الرُّسُومُ الجُمْرُكِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُفْرَضُ عَلَى البَضَائِعِ وَالنَّقْلِ وَبَعْضِ المُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةِ. وَكَانَ جَمْعُ بَعْضِ هٰذِهِ الرُّسُومِ يَتِمُّ بِوَاسِطَةِ جُبَاةٍ أَوْ مُتَعَهِّدِينَ مَالِيِّينَ، يَعْمَلُونَ وَفْقَ تَرْتِيبَاتٍ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ النِّظَامِ الإِدَارِيِّ. وَقَدْ أَتَاحَتْ بَعْضُ أَنْظِمَةِ الجِبَايَةِ مَجَالًا لِلِاسْتِغْلَالِ وَفَرْضِ مَبَالِغَ تَتَجَاوَزُ المُسْتَحَقَّاتِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ جُبَاةِ الضَّرَائِبِ فِي الأَنَاجِيلِ زَكَّا، الَّذِي كَانَ رَئِيسًا لِلْعَشَّارِينَ فِي أَرِيحَا (لُوقَا 19: 1–2)، وَمَتَّى، الَّذِي دَعَاهُ يَسُوعُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَيْتِ الجِبَايَةِ (مَتَّى 9: 9؛ مَرْقُس 2: 14 حَيْثُ يُدْعَى لَاوِي).

 

وَكَانَتْ تُتَدَاوَلُ فِي فِلَسْطِينِ عُمْلَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَالبُرُونْزِ، مِنْهَا الدِّينَارُ الرُّومَانِيُّ وَالدِّرْهَمُ اليُونَانِيُّ وَأَنْوَاعٌ مِنَ النُّقُودِ المَحَلِّيَّةِ. وَقَدْ حَمَلَتْ بَعْضُ العُمْلَاتِ صُوَرَ الحُكَّامِ وَأَلْقَابَهُمْ، فَأَصْبَحَتْ رَمْزًا لِلسُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي أَصْدَرَتْهَا.

 

ج. الضَّرِيبَةُ الدِّينِيَّةُ: نِصْفُ الشَّاقِلِ لِلهَيْكَلِ

 

إِلَى جَانِبِ الضَّرَائِبِ المَدَنِيَّةِ، عَرَفَ الشَّعْبُ اليَهُودِيُّ الْتِزَامَاتٍ مَالِيَّةً دِينِيَّةً، مِنْ أَبْرَزِهَا ضَرِيبَةُ الهَيْكَلِ. وَتَرْتَبِطُ هٰذِهِ الضَّرِيبَةُ بِمَا وَرَدَ فِي سِفْرِ الخُرُوجِ عَنْ تَقْدِمَةِ نِصْفِ الشَّاقِلِ لِخِدْمَةِ المَقْدِسِ (الخُرُوج 30: 11–16). وَقَدْ تَطَوَّرَتْ هٰذِهِ المُسَاهَمَةُ فِي زَمَنِ الهَيْكَلِ الثَّانِي إِلَى ضَرِيبَةٍ سَنَوِيَّةٍ تُخَصَّصُ لِنَفَقَاتِ العِبَادَةِ وَخِدْمَةِ الهَيْكَلِ. وَيُشِيرُ إِنْجِيلُ مَتَّى إِلَى هٰذِهِ الضَّرِيبَةِ فِي حَادِثَةِ الدِّرْهَمَيْنِ: "لَمَّا وَصَلُوا إِلَى كَفَرْنَاحُومَ، دَنَا جُبَاةُ الدِّرْهَمَيْنِ إِلَى بُطْرُسَ وَقَالُوا لَهُ: أَمَا يُؤَدِّي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرْهَمَيْنِ؟"(مَتَّى 17: 24). وَيَرِدُ فِي الأَصْلِ اليُونَانِيِّ اسْمُ هٰذِهِ الضَّرِيبَةِ δίδραχμον ، أَيْ "دِرْهَمَيْنِ"، وَهِيَ تَعَادِلُ فِي هٰذَا السِّيَاقِ نِصْفَ شَاقِلٍ.

 

وَكَانَتِ الضَّرِيبَةُ تُفْرَضُ، وَفْقَ التَّقْلِيدِ اليَهُودِيِّ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الهَيْكَلِ الثَّانِي، عَلَى الرِّجَالِ اليَهُودِ البَالِغِينَ، وَيَرْتَبِطُ السِّنُّ المُعْتَمَدُ فِي هٰذَا السِّيَاقِ بِالعِشْرِينَ سَنَةً فَمَا فَوْقُ، وَفْقًا لِمَا وَرَدَ فِي الخُرُوجِ (30: 14)، مَعَ وُجُودِ تَفَاصِيلَ فِقْهِيَّةٍ فِي التَّقْلِيدِ اليَهُودِيِّ اللَّاحِقِ. وَلِذٰلِكَ، لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ سِنِّ الثَّالِثَةِ عَشْرَةَ الحَدَّ الإِلْزَامِيَّ العَامَّ لِدَفْعِ هٰذِهِ الضَّرِيبَةِ فِي زَمَنِ يَسُوعَ. وَكَانَتْ ضَرِيبَةُ الهَيْكَلِ تَخْتَلِفُ عَنْ جِزْيَةِ قَيْصَرَ فِي الغَايَةِ وَالجِهَةِ المُسْتَفِيدَةِ؛ فَالأُولَى كَانَتْ مُرْتَبِطَةً بِالعِبَادَةِ، أَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَانَتْ تُؤَدَّى إِلَى السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ.

 

د. الأَعْشَارُ: الِاعْتِرَافُ بِعَطَايَا اللهِ وَمُسَاعَدَةُ المُحْتَاجِينَ

 

عَرَفَ العَهْدُ القَدِيمُ أَيْضًا نِظَامَ الأَعْشَارِ، أَيْ تَخْصِيصَ عُشْرٍ مِنْ بَعْضِ المَحَاصِيلِ وَالإِنْتَاجِ الزِّرَاعِيِّ وَالمَوَاشِي، وَفْقًا لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ. وَكَانَتِ الأَعْشَارُ تَرْتَبِطُ بِالِاعْتِرَافِ بِأَنَّ الأَرْضَ وَخَيْرَاتِهَا عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ، وَبِدَعْمِ خِدْمَةِ اللَّاوِيِّينَ وَبِمُسَاعَدَةِ الفُقَرَاءِ وَالغُرَبَاءِ وَالأَيْتَامِ وَالأَرَامِلِ، بِحَسَبِ الأَحْكَامِ المُخْتَلِفَةِ الوَارِدَةِ فِي الشَّرِيعَةِ (الأَحْبَار 27: 30–33؛ العَدَد 18: 21–24؛ تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاعِ 14: 22–29).

 

وَقَدْ أَشَارَ يَسُوعُ إِلَى الأَعْشَارِ فِي نَقْدِهِ لِلتَّدَيُّنِ الشَّكْلِيِّ، قَائِلًا: "الوَيْلُ لَكُمْ أَيُّهَا الكَتَبَةُ وَالفَرِّيسِيُّونَ المُرَاؤُونَ، فَإِنَّكُمْ تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعْنَعِ وَالشُّمْرَةِ وَالكَمُّونِ، بَعْدَمَا أَهْمَلْتُمْ أَهَمَّ مَا فِي الشَّرِيعَةِ: العَدْلَ وَالرَّحْمَةَ وَالأَمَانَةَ. فَهٰذَا مَا كَانَ يَجِبُ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِ مِنْ دُونِ أَنْ تُهْمِلُوا ذَاكَ" (مَتَّى 23: 23).

 

وَيَكْشِفُ هٰذَا التَّعْلِيمُ أَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَرْفُضْ أَدَاءَ الأَعْشَارِ مِنْ حَيْثُ المَبْدَأُ، بَلْ رَفَضَ الِاكْتِفَاءَ بِالدِّقَّةِ فِي الِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ مَعَ إِهْمَالِ جَوْهَرِ الشَّرِيعَةِ، أَيْ العَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالأَمَانَةِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ قِيمَةَ العَطَاءِ الدِّينِيِّ لَا تُقَاسُ بِمِقْدَارِ المَالِ المُقَدَّمِ وَحْدَهُ، بَلْ بِمَا يُعَبِّرُ عَنْهُ مِنْ مَحَبَّةٍ وَعَدْلٍ وَاهْتِمَامٍ بِالمُحْتَاجِينَ.

 

هـ. الدَّلَالَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ وَالرَّعَوِيَّةُ لِلضَّرَائِبِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ

 

تُبَيِّنُ النُّصُوصُ الكِتَابِيَّةُ أَنَّ الِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةَ لَيْسَتْ مَسْأَلَةً اقْتِصَادِيَّةً مَحْضَةً، بَلْ تَرْتَبِطُ بِالعَدْلِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ وَالتَّضَامُنِ الِاجْتِمَاعِيِّ. فَالضَّرَائِبُ المَدَنِيَّةُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ وَسِيلَةً لِتَمْوِيلِ المَرَافِقِ العَامَّةِ وَخِدْمَةِ المُجْتَمَعِ، شَرِيطَةَ أَنْ تُفْرَضَ وَتُجْبَى وَتُسْتَعْمَلَ وَفْقَ مَبَادِئِ العَدْلِ وَالخَيْرِ العَامِّ.

 

أَمَّا الِالْتِزَامَاتُ المَالِيَّةُ الدِّينِيَّةُ، فَتُذَكِّرُ المُؤْمِنَ بِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ هُوَ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسَاهِمَ فِي خِدْمَةِ الجَمَاعَةِ وَمُسَاعَدَةِ الفُقَرَاءِ وَالمُحْتَاجِينَ. وَيَجْمَعُ تَعْلِيمُ يَسُوعَ بَيْنَ هٰذَيْنِ البُعْدَيْنِ، فَلَا يُلْغِي الوَاجِبَ المَدَنِيَّ بِاسْمِ الدِّينِ، وَلَا يَسْمَحُ بِأَنْ تَحُلَّ السُّلْطَةُ السِّيَاسِيَّةُ مَحَلَّ اللهِ. وَتَتَجَلَّى هٰذِهِ الحَقِيقَةُ فِي قَوْلِهِ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21).

 

الخُلَاصَةُ: يُمَيِّزُ الكِتَابُ المُقَدَّسُ بَيْنَ الِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ المَدَنِيَّةِ وَالِالْتِزَامَاتِ الدِّينِيَّةِ، وَلٰكِنَّهُ يَرْبِطُ كِلْتَيْهِمَا بِالمَسْؤُولِيَّةِ الأَخْلَاقِيَّةِ. فَالمُؤْمِنُ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَمِينًا فِي وَاجِبَاتِهِ تِجَاهَ المُجْتَمَعِ، وَسَخِيًّا فِي خِدْمَةِ اللهِ وَالقَرِيبِ، مُتَذَكِّرًا أَنَّ العَدْلَ وَالرَّحْمَةَ وَالأَمَانَةَ هِيَ المِعْيَارُ الَّذِي يُعْطِي لِكُلِّ الْتِزَامٍ مَالِيٍّ قِيمَتَهُ الأَخْلَاقِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ.

 

2. الجِزْيَةُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ: مَفْهُومُهَا وَأَنْوَاعُهَا وَدَلَالَاتُهَا الدِّينِيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ

 

تُعَدُّ الجِزْيَةُ مِنَ الظَّوَاهِرِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ الَّتِي عَرَفَهَا الشَّرْقُ الأَدْنَى القَدِيمُ، وَتَرِدُ فِي العَهْدِ القَدِيمِ بِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْهَا الضَّرِيبَةُ المَفْرُوضَةُ، وَالخَرَاجُ الَّذِي تُؤَدِّيهِ الأُمَمُ الخَاضِعَةُ، وَالهَدَايَا الَّتِي تُقَدَّمُ إِلَى المُلُوكِ، وَالتَّقْدِمَاتُ المُخَصَّصَةُ لِلْعِبَادَةِ. وَتَخْتَلِفُ دَلَالَةُ هٰذِهِ الِالْتِزَامَاتِ بِاخْتِلَافِ سِيَاقِهَا الدِّينِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ.

 

وَلِفَهْمِ الجِزْيَةِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا يُقَدَّمُ لِلَّهِ فِي إِطَارِ العِبَادَةِ، وَمَا يُؤَدَّى لِلْمَلِكِ مِنْ ضَرَائِبَ وَالْتِزَامَاتٍ مَالِيَّةٍ، وَمَا تَفْرِضُهُ الدُّوَلُ المُنْتَصِرَةُ عَلَى الشُّعُوبِ الخَاضِعَةِ لَهَا.

 

أ. المَفْهُومُ اللُّغَوِيُّ وَالكِتَابِيُّ لِلْجِزْيَةِ

 

يَسْتَعْمِلُ العَهْدُ القَدِيمُ عِدَّةَ مُصْطَلَحَاتٍ عِبْرِيَّةٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الجِزْيَةِ وَالخَرَاجِ وَالهَدَايَا وَالتَّقْدِمَاتِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا:

 

- מַס:  وَتَدُلُّ عَلَى السُّخْرَةِ أَوِ العَمَلِ الإِجْبَارِيِّ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الخَرَاجِ أَوِ الِالْتِزَامِ المَفْرُوضِ عَلَى الشُّعُوبِ الخَاضِعَةِ (القُضَاة 1: 28؛ 1 مُلُوك 9: 21).

 

- מִנְחָה: وَمَعْنَاهَا "هَدِيَّةٌ" أَوْ "تَقْدِمَةٌ" أَوْ "قُرْبَانٌ». وَتُسْتَعْمَلُ فِي السِّيَاقِ الدِّينِيِّ لِلتَّقْدِمَاتِ المُقَرَّبَةِ إِلَى اللهِ، وَفِي السِّيَاقِ السِّيَاسِيِّ لِلْهَدَايَا الَّتِي تُقَدَّمُ إِلَى المُلُوكِ، وَقَدْ تَحْمِلُ مَعْنَى الجِزْيَةِ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنِ الخُضُوعِ (2 صَمُوئِيل 8: 2، 6).

 

- מִדָּה: وَتَرِدُ فِي سِيَاقِ الضَّرَائِبِ، وَلَا سِيَّمَا فِي العَهْدِ الفَارِسِيِّ (عَزْرَا 4: 13؛ 7: 24) ، وَتُفْهَمُ بِمَعْنَى الجِزْيَةِ أَوِ الضَّرِيبَةِ.

 

وَبِذٰلِكَ، يُمْكِنُ تَعْرِيفُ الجِزْيَةِ، فِي مَعْنَاهَا السِّيَاسِيِّ، بِأَنَّهَا مَالٌ أَوْ بَضَائِعُ أَوْ خَدَمَاتٌ تُفْرَضُ عَلَى شَخْصٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ دَوْلَةٍ، وَتُؤَدَّى إِلَى سُلْطَةٍ حَاكِمَةٍ أَوْ مُنْتَصِرَةٍ، تَعْبِيرًا عَنِ الخُضُوعِ أَوْ بِمُقْتَضَى الْتِزَامٍ سِيَاسِيٍّ وَمَالِيٍّ. وَلٰكِنَّ دَفْعَ الجِزْيَةِ لَا يَعْنِي دَائِمًا الِاعْتِرَافَ الحُرَّ بِشَرْعِيَّةِ الحُكْمِ؛ فَقَدْ يَكُونُ نَتِيجَةً لِلْهَزِيمَةِ العَسْكَرِيَّةِ أَوِ الإِكْرَاهِ السِّيَاسِيِّ.

 

وَيُمْكِنُ تَمْيِيزُ ثَلَاثَةِ مُسْتَوَيَاتٍ رَئِيسِيَّةٍ لِلْجِزْيَةِ وَالِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ فِي العَهْدِ القَدِيمِ.

 

المُسْتَوَى الأَوَّلُ: مَا يُؤَدِّيهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِلَّهِ أَوْ لِمُلُوكِهِمْ.

 

يَشْمَلُ هٰذَا المُسْتَوَى الِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةَ الدِّينِيَّةَ الَّتِي تُقَدَّمُ لِخِدْمَةِ المَقْدِسِ، وَالأَعْبَاءَ الِاقْتِصَادِيَّةَ الَّتِي يَفْرِضُهَا النِّظَامُ المَلَكِيُّ عَلَى الشَّعْبِ.

 

أ. تَقْدِمَةُ نِصْفِ الشَّاقِلِ لِخِدْمَةِ المَقْدِسِ

 

نَصَّتِ الشَّرِيعَةُ المُوسَوِيَّةُ عَلَى تَقْدِيمِ نِصْفِ شَاقِلٍ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ يَبْلُغُ العِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ فَمَا فَوْقُ، وَذٰلِكَ فِي سِيَاقِ إِحْصَاءِ الشَّعْبِ وَتَخْصِيصِ التَّقْدِمَةِ لِخِدْمَةِ خَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ. وَيَقُولُ سِفْرُ الخُرُوجِ: "هٰذَا مَا يُعْطِيهِ كُلُّ مَنْ كَانَ خَاضِعًا لِلْإِحْصَاءِ: نِصْفُ مِثْقَالٍ بِحَسَبِ مِثْقَالِ القُدْسِ ... نِصْفُ المِثْقَالِ يَكُونُ تَقْدِمَةً لِلرَّبِّ" (الخُرُوج 30: 13). وَكَانَتْ هٰذِهِ التَّقْدِمَةُ تَحْمِلُ مَعْنًى دِينِيًّا، لِأَنَّهَا تَرْتَبِطُ بِالِاعْتِرَافِ بِسِيَادَةِ اللهِ عَلَى شَعْبِهِ وَبِالمُسَاهَمَةِ فِي خِدْمَةِ المَقْدِسِ.

 

وَيَنْبَغِي التَّمْيِيزُ تَارِيخِيًّا بَيْنَ تَقْدِمَةِ نِصْفِ الشَّاقِلِ فِي سِيَاقِ الإِحْصَاءِ الوَارِدِ فِي الخُرُوجِ، وَبَيْنَ ضَرِيبَةِ الهَيْكَلِ السَّنَوِيَّةِ الَّتِي عُرِفَتْ فِي عَصْرِ الهَيْكَلِ الثَّانِي. فَفِي زَمَنِ يَسُوعَ، كَانَتْ ضَرِيبَةُ الهَيْكَلِ تَعْدِلُ نِصْفَ شَاقِلٍ، أَيْ مَا يُعَادِلُ دِرْهَمَيْنِ، كَمَا يَتَّضِحُ مِنْ حَادِثَةِ جُبَاةِ الدِّرْهَمَيْنِ (مَتَّى 17: 24–27).

 

ب. الِالْتِزَامُ المَالِيُّ فِي عَهْدِ نَحَمْيَا

 

يَذْكُرُ سِفْرُ نَحَمْيَا أَنَّ الجَمَاعَةَ الَّتِي جَدَّدَتِ العَهْدَ مَعَ اللهِ الْتَزَمَتْ بِتَقْدِيمِ ثُلْثِ شَاقِلٍ سَنَوِيًّا لِخِدْمَةِ بَيْتِ اللهِ: "وَفَرَضْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا أَنْ نُؤَدِّيَ ثُلْثَ مِثْقَالٍ فِي السَّنَةِ لِخِدْمَةِ بَيْتِ إِلٰهِنَا" (نَحَمْيَا 10: 33). وَتَدُلُّ هٰذِهِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ الجَمَاعَةَ تَعَهَّدَتْ بِتَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ نَفَقَاتِ العِبَادَةِ وَخِدْمَةِ الهَيْكَلِ. وَلَا يَصِحُّ وَصْفُ هٰذَا الِالْتِزَامِ بِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ اخْتِيَارِيٌّ مَحْضٌ؛ فَهُوَ الْتِزَامٌ جَمَاعِيٌّ قَبِلَهُ الشَّعْبُ فِي إِطَارِ تَجْدِيدِ العَهْدِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ المِقْدَارُ المَذْكُورُ فِي نَحَمْيَا عَنْ نِصْفِ الشَّاقِلِ المَعْرُوفِ فِي تَقْلِيدِ ضَرِيبَةِ الهَيْكَلِ، مِمَّا يَعْكِسُ تَطَوُّرَ التَّرْتِيبَاتِ المَالِيَّةِ عَبْرَ المَرَاحِلِ التَّارِيخِيَّةِ.

 

ج. الأَعْبَاءُ المَالِيَّةُ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ

 

إِلَى جَانِبِ الِالْتِزَامَاتِ الدِّينِيَّةِ، فَرَضَ النِّظَامُ المَلَكِيُّ أَعْبَاءً مَالِيَّةً وَعَمَلِيَّةً عَلَى الشَّعْبِ. فَقَدْ أَقَامَ المَلِكُ سُلَيْمَانُ نِظَامًا لِتَوْفِيرِ المُؤَنِ لِلْبَلَاطِ المَلَكِيِّ (1 مُلُوك 4: 7–19)، وَاسْتَعْمَلَ السُّخْرَةَ فِي مَشْرُوعَاتِ البِنَاءِ (1 مُلُوك 5: 27–32). وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، طَلَبَ الشَّعْبُ مِنِ ابْنِهِ رَحُبْعَامَ تَخْفِيفَ الأَعْبَاءِ الَّتِي فَرَضَهَا أَبُوهُ، قَائِلِينَ: "إِنَّ أَبَاكَ قَسَّى نِيرَنَا، فَخَفِّفْ أَنْتَ الآنَ مِنْ عُبُودِيَّةِ أَبِيكَ القَاسِيَةِ وَمِنْ نِيرِهِ الثَّقِيلِ الَّذِي جَعَلَهُ عَلَيْنَا" (1 مُلُوك 12: 4). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ الحَادِثَةُ أَنَّ الضَّرَائِبَ وَالسُّخْرَةَ قَدْ تُصْبِحُ سَبَبًا لِلظُّلْمِ وَالتَّوَتُّرِ الِاجْتِمَاعِيِّ إِذَا تَجَاوَزَتْ حُدُودَ العَدْلِ وَالقُدْرَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ لِلشَّعْبِ.

 

المُسْتَوَى الثَّانِي: الجِزْيَةُ الَّتِي أَدَّتْهَا الأُمَمُ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا

 

يَذْكُرُ العَهْدُ القَدِيمُ أَنَّ بَعْضَ المُلُوكِ الإِسْرَائِيلِيِّينَ وَاليَهُوذِيِّينَ تَلَقَّوْا جِزْيَةً وَهَدَايَا مِنَ الشُّعُوبِ الخَاضِعَةِ لِسُلْطَانِهِمْ.

 

وَكَانَتْ هٰذِهِ الجِزْيَةُ تُعَبِّرُ عَنْ تَفَوُّقِ المَمْلَكَةِ المُنْتَصِرَةِ، وَعَنْ تَبَعِيَّةِ الشُّعُوبِ الَّتِي تُؤَدِّيهَا.

 

أ. الجِزْيَةُ فِي عَهْدِ دَاوُدَ

يُشِيرُ سِفْرُ صَمُوئِيلَ الثَّانِي إِلَى أَنَّ المَلِكَ دَاوُدَ أَخْضَعَ بَعْضَ الشُّعُوبِ المُجَاوِرَةِ، وَفَرَضَ عَلَيْهَا الجِزْيَةَ. فَقَدْ أَخْضَعَ المُوآبِيِّينَ، فَأَصْبَحُوا خَاضِعِينَ لَهُ وَيُؤَدُّونَ الجِزْيَةَ (2 صَمُوئِيل 8: 2). وَكَذٰلِكَ، أَخْضَعَ الأَرَامِيِّينَ فِي دِمَشْقَ، فَصَارُوا يُؤَدُّونَ لَهُ الجِزْيَةَ (2 صَمُوئِيل 8: 6). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ النُّصُوصُ أَنَّ الجِزْيَةَ كَانَتْ إِحْدَى وَسَائِلِ إِظْهَارِ السِّيَادَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالعَسْكَرِيَّةِ فِي العَالَمِ القَدِيمِ.

 

ب. الجِزْيَةُ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ

يَصِفُ سِفْرُ المُلُوكِ سُلْطَانَ سُلَيْمَانَ عَلَى مَمَالِكَ وَاسِعَةٍ، وَيَذْكُرُ أَنَّ المُلُوكَ الخَاضِعِينَ لَهُ كَانُوا يُقَدِّمُونَ الهَدَايَا وَالجِزْيَةَ. وَيَرِدُ فِي النَّصِّ:

"وَكَانَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى جَمِيعِ المَمَالِكِ مِنَ النَّهْرِ إِلَى أَرْضِ الفِلِسْطِينِيِّينَ وَإِلَى تُخُومِ مِصْرَ، وَكَانُوا يُقَدِّمُونَ الهَدَايَا وَيَخْضَعُونَ لِسُلَيْمَانَ طُولَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ" (1 مُلُوك 5: 1). وَيُشِيرُ النَّصُّ أَيْضًا إِلَى الهَدَايَا السَّنَوِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُقَدَّمُ إِلَى سُلَيْمَانَ (1 مُلُوك 10: 25).

 

ج. الجِزْيَةُ فِي عُهُودِ مُلُوكٍ آخَرِينَ

يَذْكُرُ العَهْدُ القَدِيمُ أَمْثِلَةً أُخْرَى عَلَى الجِزْيَةِ الَّتِي أَدَّتْهَا الأُمَمُ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا. فَقَدْ كَانَ مِيشَعُ مَلِكُ مُوآبَ يُؤَدِّي لِمَلِكِ إِسْرَائِيلَ جِزْيَةً كَبِيرَةً مِنَ الخِرَافِ وَالصُّوفِ (2 مُلُوك 3: 4)، وَفِي عَهْدِ يُوشَافَاطَ، قَدَّمَ بَعْضُ الفِلِسْطِينِيِّينَ هَدَايَا وَجِزْيَةً مِنَ الفِضَّةِ (2 أَخْبَار 17: 11). وَفِي عَهْدِ عُزِّيَّا، قَدَّمَ العَمُّونِيُّونَ الجِزْيَةَ لِلْمَلِكِ (2 أَخْبَار 26: 8). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ الشَّوَاهِدُ أَنَّ الجِزْيَةَ لَمْ تَكُنْ دَائِمًا مَالًا نَقْدِيًّا، بَلْ قَدْ تَكُونُ مَوَاشِيَ أَوْ صُوفًا أَوْ مَوَادَّ أُخْرَى ذَاتَ قِيمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ.

 

د. الجِزْيَةُ فِي المَزْمُورِ المَلَكِيِّ (المَزْمُور 72)

يَرِدُ فِي المَزْمُورِ الثَّانِي وَالسَّبْعِينَ وَصْفٌ شِعْرِيٌّ لِمَلِكٍ عَادِلٍ تَخْضَعُ لَهُ الأُمَمُ وَتُقَدِّمُ لَهُ الهَدَايَا: "مُلُوكُ تَرْشِيشَ وَالجُزُرِ الجِزْيَةَ يُؤَدُّونَ، وَمُلُوكُ شَبَأَ وَسَبَأَ الهَدَايَا يُقَدِّمُونَ. جَمِيعُ المُلُوكِ لَهُ يَسْجُدُونَ، وَكُلُّ الأُمَمِ لَهُ يَخْدُمُونَ" (المَزْمُور 72: 10–11). وَلَا يَنْبَغِي فَهْمُ هٰذَا المَزْمُورِ عَلَى أَنَّهُ تَقْرِيرٌ تَارِيخِيٌّ يُثْبِتُ أَنَّ جَمِيعَ مُلُوكِ العَالَمِ قَدْ دَفَعُوا الجِزْيَةَ لِدَاوُدَ أَوْ سُلَيْمَانَ. فَالمَزْمُورُ صَلَاةٌ مَلَكِيَّةٌ تَصِفُ المَلِكَ المِثَالِيَّ الَّذِي يَحْكُمُ بِالعَدْلِ وَيُنْصِفُ الفُقَرَاءَ، وَقَدْ قَرَأَ التَّقْلِيدُ المَسِيحِيُّ صُورَتَهُ عَلَى ضَوْءِ مَلَكُوتِ المَسِيحِ. وَبِذٰلِكَ، تَكْتَسِبُ الجِزْيَةُ فِي هٰذَا المَزْمُورِ دَلَالَةً رَمْزِيَّةً تُعَبِّرُ عَنْ اعْتِرَافِ الأُمَمِ بِمُلْكِ المَلِكِ العَادِلِ.

 

المُسْتَوَى الثَّالِثُ: الجِزْيَةُ الَّتِي أَدَّاهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لِلْمُلُوكِ الأَجَانِبِ

 

يُقَدِّمُ العَهْدُ القَدِيمُ شَوَاهِدَ عَدِيدَةً عَلَى الجِزْيَةِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا فِي فَتَرَاتِ الضَّعْفِ وَالخُضُوعِ لِلسُّلْطَاتِ الأَجْنَبِيَّةِ. وَكَانَتْ هٰذِهِ الجِزْيَةُ تُعَبِّرُ عَنِ التَّبَعِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ، وَقَدْ تُفْرَضُ بَعْدَ الهَزِيمَةِ العَسْكَرِيَّةِ أَوْ بِمُقْتَضَى اتِّفَاقٍ بَيْنَ المَمَالِكِ.

 

أ. الجِزْيَةُ لِعِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ

يَذْكُرُ سِفْرُ القُضَاةِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَضَعُوا لِعِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً (القُضَاة 3: 12–14). وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ جِزْيَةً عَنْ طَرِيقِ أَهُودَ بْنِ جِيرَا: "وَأَرْسَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِيَدِهِ جِزْيَةً إِلَى عِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ" (القُضَاة 3: 15). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ الحَادِثَةُ أَنَّ الجِزْيَةَ كَانَتْ عَلَامَةً عَلَى خُضُوعِ الشَّعْبِ لِسُلْطَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَأَنَّ التَّحَرُّرَ مِنْ هٰذَا الخُضُوعِ كَانَ يَرْتَبِطُ أَيْضًا بِالتَّحَرُّرِ مِنَ الأَعْبَاءِ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ.

 

ب. الجِزْيَةُ لِمُلُوكِ أَشُّورَ

يَذْكُرُ سِفْرُ المُلُوكِ الثَّانِي أَنَّ هُوشَعَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ أَصْبَحَ خَاضِعًا لِشَلْمَنْأَصَرَ مَلِكِ أَشُّورَ، وَكَانَ يُؤَدِّي إِلَيْهِ الجِزْيَةَ سَنَوِيًّا (2 مُلُوك 17: 3). وَلٰكِنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ دَفْعِهَا بَعْدَ أَنْ حَاوَلَ إِقَامَةَ اتِّصَالَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ بِمِصْرَ، فَاعْتَبَرَ المَلِكُ الأَشُّورِيُّ ذٰلِكَ تَمَرُّدًا عَلَيْهِ (2 مُلُوك 17: 4). وَتُبَيِّنُ هٰذِهِ الحَادِثَةُ أَنَّ دَفْعَ الجِزْيَةِ كَانَ جُزْءًا مِنْ نِظَامِ التَّبَعِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْهَا قَدْ يُفَسَّرُ عَلَى أَنَّهُ إِعْلَانُ عِصْيَانٍ. وَيَسْتَعْمِلُ النَّبِيُّ هُوشَعُ صُورَةً قَوِيَّةً لِلتَّعْبِيرِ عَنْ إِذْلَالِ الشَّعْبِ وَسُقُوطِ رُمُوزِ عِبَادَتِهِ البَاطِلَةِ، فَيَقُولُ عَنْ عِجْلِ بَيْتِ إِيلَ: "وَهُوَ أَيْضًا يُحْمَلُ إِلَى أَشُّورَ هَدِيَّةً لِلْمَلِكِ العَظِيمِ" (هُوشَع 10: 6). وَهُنَا تَكْتَسِبُ الجِزْيَةُ دَلَالَةً نَبَوِيَّةً، إِذْ تُصْبِحُ عَلَامَةً عَلَى انْهِيَارِ الثِّقَةِ بِالأَوْثَانِ وَبِالتَّحَالُفَاتِ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي حَلَّتْ مَحَلَّ الأَمَانَةِ لِلَّهِ.

 

ج. الجِزْيَةُ وَالأَعْبَاءُ المَالِيَّةُ فِي عَهْدِ مُلُوكِ يَهُوذَا

يَذْكُرُ العَهْدُ القَدِيمُ أَنَّ بَعْضَ مُلُوكِ يَهُوذَا اضْطُرُّوا إِلَى تَقْدِيمِ أَمْوَالٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ إِلَى مُلُوكٍ أَجَانِبَ لِتَجَنُّبِ الحَرْبِ أَوْ لِإِبْعَادِ الخَطَرِ عَنْ أُورُشَلِيمَ. فَقَدْ أَخَذَ حِزْقِيَّا مَلِكُ يَهُوذَا الفِضَّةَ المَوْجُودَةَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ وَفِي خَزَائِنِ بَيْتِ المَلِكِ، لِيُؤَدِّيَ المَبْلَغَ الَّذِي فَرَضَهُ عَلَيْهِ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ (2 مُلُوك 18: 14–16). وَكَذٰلِكَ، قَدَّمَ يُوآشُ مَلِكُ يَهُوذَا أَمْوَالًا مُقَدَّسَةً وَذَهَبًا مِنْ خَزَائِنِ الهَيْكَلِ وَالقَصْرِ إِلَى حَزَائِيلَ مَلِكِ أَرَامَ، فَانْصَرَفَ عَنْ أُورُشَلِيمَ (2 مُلُوك 12: 18–19، وَفْقَ بَعْضِ التَّرْقِيمَاتِ). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ الشَّوَاهِدُ أَنَّ الجِزْيَةَ قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً لِفَرْضِ الهَيْمَنَةِ، أَوْ مَبْلَغًا يُدْفَعُ لِتَجَنُّبِ عُدْوَانٍ عَسْكَرِيٍّ.

 

د. الجِزْيَةُ فِي العَهْدِ الهِلِّينِسْتِيِّ

فِي العَصْرِ الهِلِّينِسْتِيِّ، خَضَعَتِ اليَهُودِيَّةُ لِسُلْطَةِ المَمْلَكَةِ السُّلُوقِيَّةِ، وَفُرِضَتْ عَلَى السُّكَّانِ أَعْبَاءٌ مَالِيَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ. وَيَذْكُرُ سِفْرُ المَكَابِيِّينَ الأَوَّلِ أَنَّ المَلِكَ أَنْطِيُوخُسَ الرَّابِعَ أَرْسَلَ مَسْؤُولًا لِجَمْعِ الأَمْوَالِ وَفَرْضِ السُّلْطَةِ عَلَى المَدُنِ (1 مَكَابِيِّينَ 3: 29–31).

وَفِي وَثِيقَةٍ مَلَكِيَّةٍ لَاحِقَةٍ، أَعْلَنَ دِيمِتْرِيُوسُ الأَوَّلُ إِعْفَاءَ اليَهُودِ مِنْ بَعْضِ الضَّرَائِبِ وَالرُّسُومِ وَالِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ (1 مَكَابِيِّينَ 10: 29–33). وَتُظْهِرُ هٰذِهِ النُّصُوصُ أَنَّ الضَّرَائِبَ كَانَتْ أَدَاةً سِيَاسِيَّةً يُمْكِنُ لِلْمُلُوكِ اسْتِعْمَالُهَا لِفَرْضِ السُّلْطَةِ أَوْ لِكَسْبِ الوَلَاءِ. وَفِي السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ الأَوْسَعِ، فَرَضَتْ رُومَا عَلَى المَمْلَكَةِ السُّلُوقِيَّةِ تَعْوِيضَاتٍ مَالِيَّةً كَبِيرَةً بِمُوجَبِ مُعَاهَدَةِ أَفَامِيَا سَنَةَ 188 ق.م.، بَعْدَ هَزِيمَةِ أَنْطِيُوخُسَ الثَّالِثِ.

الخُلَاصَةُ

يُظْهِرُ اسْتِعْرَاضُ نُصُوصِ العَهْدِ القَدِيمِ أَنَّ الجِزْيَةَ وَالضَّرَائِبَ اتَّخَذَتْ أَشْكَالًا مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ الظُّرُوفِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ. فَقَدْ كَانَتِ التَّقْدِمَاتُ الدِّينِيَّةُ تُعَبِّرُ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ وَالمُسَاهَمَةِ فِي خِدْمَةِ المَقْدِسِ، بَيْنَمَا كَانَتِ الضَّرَائِبُ المَلَكِيَّةُ تُسْتَعْمَلُ لِتَمْوِيلِ الحُكْمِ وَالمَشْرُوعَاتِ العَامَّةِ، وَكَانَتِ الجِزْيَةُ المَفْرُوضَةُ عَلَى الشُّعُوبِ المَغْلُوبَةِ تُعَبِّرُ عَنِ التَّبَعِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالعَسْكَرِيَّةِ. وَيُبَيِّنُ العَهْدُ القَدِيمُ أَيْضًا أَنَّ الضَّرَائِبَ قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً لِتَنْظِيمِ الحَيَاةِ الجَمَاعِيَّةِ، وَلٰكِنَّهَا قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى أَدَاةٍ لِلظُّلْمِ وَالِاسْتِغْلَالِ عِنْدَمَا تَتَجَاوَزُ حُدُودَ العَدْلِ.

وَعَلَى هٰذِهِ الخَلْفِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ وَالكِتَابِيَّةِ، يُمْكِنُ فَهْمُ سُؤَالِ الفَرِّيسِيِّينَ وَالهِيرُودُسِيِّينَ لِيَسُوعَ: "أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ أَمْ لَا؟" (مَتَّى 22: 17). فَلَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ مُجَرَّدَ اسْتِفْسَارٍ مَالِيٍّ، بَلْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ السِّيَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَالهُوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فِي ظِلِّ الحُكْمِ الرُّومَانِيِّ. وَمِنْ هُنَا، يَأْتِي جَوَابُ يَسُوعَ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21)، لِيُعْلِنَ أَنَّ الوَاجِبَاتِ المَدَنِيَّةَ لَهَا مَجَالُهَا المَشْرُوعُ، وَلٰكِنَّ سِيَادَةَ اللهِ تَبْقَى المَرْجِعَ الأَعْلَى لِحَيَاةِ الإِنْسَانِ وَضَمِيرِهِ.

 

3. الجِزْيَةُ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ: بَيْنَ السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ وَالسِّيَادَةِ الإِلٰهِيَّةِ

تَحْتَلُّ مَسْأَلَةُ الجِزْيَةِ مَكَانَةً مُهِمَّةً فِي العَهْدِ الجَدِيدِ، لِأَنَّهَا تَرْتَبِطُ بِالعَلَاقَةِ بَيْنَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالخُضُوعِ لِلسُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ. وَقَدْ أَثَارَتْ هٰذِهِ المَسْأَلَةُ جَدَلًا فِي المُجْتَمَعِ اليَهُودِيِّ فِي زَمَنِ يَسُوعَ، خُصُوصًا بَعْدَ فَرْضِ السِّيَادَةِ الرُّومَانِيَّةِ المُبَاشِرَةِ عَلَى اليَهُودِيَّةِ سَنَةَ 6م. وَلَمْ تَكُنِ الجِزْيَةُ مُجَرَّدَ الْتِزَامٍ مَالِيٍّ، بَلْ كَانَتْ أَيْضًا رَمْزًا لِلسُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ، وَمَوْضُوعًا لِلْخِلَافِ بَيْنَ التَّيَّارَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَتَّضِحُ مَعْنَى جَوَابِ يَسُوعَ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21).

 

أ. المَفْهُومُ اللُّغَوِيُّ لِلْجِزْيَةِ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ

 

يَسْتَعْمِلُ العَهْدُ الجَدِيدُ عِدَّةَ مُصْطَلَحَاتٍ يُونَانِيَّةٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الضَّرَائِبِ وَالجِزْيَةِ وَالرُّسُومِ المَالِيَّةِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا:

 

κῆνσος: الجِزْيَةُ أَوِ الضَّرِيبَةُ الشَّخْصِيَّةُ. يَسْتَعْمِلُ الإِنْجِيلِيَّانِ مَتَّى وَمَرْقُسُ هٰذَا المُصْطَلَحَ فِي السُّؤَالِ المُوَجَّهِ إِلَى يَسُوعَ: «أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ أَمْ لَا؟" (مَتَّى 22: 17؛ مَرْقُس 12: 14). وَتَرْجِعُ الكَلِمَةُ اليُونَانِيَّةُ κῆνσος إِلَى الأَصْلِ اللَّاتِينِيِّ census، الَّذِي يَرْتَبِطُ بِإِحْصَاءِ السُّكَّانِ وَتَقْدِيرِ الِالْتِزَامَاتِ الضَّرِيبِيَّةِ. وَفِي سِيَاقِ المُحَاوَرَةِ الإِنْجِيلِيَّةِ، تَدُلُّ الكَلِمَةُ عَلَى الجِزْيَةِ المَفْرُوضَةِ لِصَالِحِ السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ. وَلَا يَصِحُّ التَّطَابُقُ بَيْنَ الجِزْيَةِ وَالدِّينَارِ؛ فَالجِزْيَةُ هِيَ الِالْتِزَامُ الضَّرِيبِيُّ، أَمَّا الدِّينَارُ فَهُوَ قِطْعَةٌ نَقْدِيَّةٌ اسْتَعْمَلَهَا يَسُوعُ لِتَوْضِيحِ جَوَابِهِ (مَتَّى 22: 19).

 

 φόρος الضَّرِيبَةُ أَوِ الخَرَاجُ. يَسْتَعْمِلُ لُوقَا هٰذَا المُصْطَلَحَ فِي السُّؤَالِ نَفْسِهِ: "أَيَحِلُّ لَنَا أَنْ نَدْفَعَ الجِزْيَةَ إِلَى قَيْصَرَ أَمْ لَا؟" (لُوقَا 20: 22). وَتَدُلُّ كَلِمَةُ φόρος عَلَى الضَّرِيبَةِ الَّتِي تُؤَدَّى إِلَى السُّلْطَةِ الحَاكِمَةِ، وَخُصُوصًا الضَّرَائِبِ المُبَاشِرَةِ. وَتَرِدُ الكَلِمَةُ أَيْضًا فِي الِاتِّهَامِ الَّذِي وَجَّهَهُ خُصُومُ يَسُوعَ إِلَيْهِ أَمَامَ بِيلاطُسَ: "وَجَدْنَا هٰذَا الرَّجُلَ يَفْتِنُ أُمَّتَنَا، وَيَنْهَى عَنْ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ، وَيَقُولُ إِنَّهُ المَسِيحُ المَلِكُ» (لُوقَا 23: 2). وَهٰذَا الِاتِّهَامُ لَا يُعَبِّرُ عَنْ تَعْلِيمِ يَسُوعَ الحَقِيقِيِّ، بَلْ يُمَثِّلُ تَحْرِيفًا سِيَاسِيًّا لِمَوْقِفِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْعُ إِلَى مَنْعِ دَفْعِ الجِزْيَةِ.

 

 τέλοςالرُّسُومُ. تَدُلُّ عَلَى الرُّسُومِ الجُمْرُكِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِالتِّجَارَةِ وَالنَّقْلِ. وَيُمَيِّزُ بُولُسُ الرَّسُولُ بَيْنَ المُصْطَلَحَيْنِ φόρος وَτέλος فِي قَوْلِهِ: "أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّهُ: الضَّرِيبَةَ لِمَنْ لَهُ الضَّرِيبَةُ، وَالخَرَاجَ لِمَنْ لَهُ الخَرَاجُ، وَالمَهَابَةَ لِمَنْ لَهُ المَهَابَةُ، وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ" (رُومَة 13: 7). وَهٰذَا التَّمْيِيزُ يَعْكِسُ تَنَوُّعَ الِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ فِي النِّظَامِ الرُّومَانِيِّ، مَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّ الِاسْتِعْمَالَاتِ التَّارِيخِيَّةَ لِهٰذِهِ الأَلْفَاظِ قَدْ تَتَدَاخَلُ، وَلَا تُشَكِّلُ دَائِمًا تَصْنِيفًا قَانُونِيًّا صَارِمًا.

 

 

ب. الجِزْيَةُ الرُّومَانِيَّةُ وَخَلْفِيَّتُهَا التَّارِيخِيَّةُ

 

بَعْدَ دُخُولِ القَائِدِ الرُّومَانِيِّ بُومْبِيُوسَ إِلَى أُورُشَلِيمَ سَنَةَ 63 ق.م.، أَصْبَحَتِ اليَهُودِيَّةُ دَاخِلَ مَجَالِ النُّفُوذِ الرُّومَانِيِّ، وَخَضَعَتْ لِتَرْتِيبَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَمَالِيَّةٍ جَدِيدَةٍ. وَيَذْكُرُ المُؤَرِّخُ اليَهُودِيُّ يُوسِيفُوسُ فْلَافِيُوسُ أَنَّ بُومْبِيُوسَ أَخْضَعَ المَنَاطِقَ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا لِأَعْبَاءٍ مَالِيَّةٍ، وَأَنَّ السِّيَاسَةَ الرُّومَانِيَّةَ تَضَمَّنَتْ تَرْتِيبَاتٍ مُتَغَيِّرَةً لِلْجِبَايَةِ.

 

وَفِي عَهْدِ يُولِيُوسَ قَيْصَرَ، مُنِحَتِ الجَمَاعَةُ اليَهُودِيَّةُ بَعْضَ الِامْتِيَازَاتِ وَالإِعْفَاءَاتِ المَالِيَّةِ، وَمِنْهَا تَرْتِيبَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِالسَّنَةِ السَّبْتِيَّةِ، الَّتِي تَتَوَقَّفُ فِيهَا زِرَاعَةُ الأَرْضِ وَفْقَ الشَّرِيعَةِ (يُوسِيفُوسُ، العَادِيَّاتُ اليَهُودِيَّةُ، 14. 202–203).

 

وَفِي سَنَةِ 6م.، بَعْدَ عَزْلِ أَرْخِيلَاوُسَ بْنِ هِيرُودُسَ، خَضَعَتِ اليَهُودِيَّةُ لِلْإِدَارَةِ الرُّومَانِيَّةِ المُبَاشِرَةِ، وَجَرَى إِحْصَاءٌ لِلسُّكَّانِ وَالمُمْتَلَكَاتِ فِي عَهْدِ قِيرِينِيُوسَ. وَكَانَ لِهٰذَا الإِحْصَاءِ بُعْدٌ مَالِيٌّ وَضَرِيبِيٌّ، وَأَثَارَ مُقَاوَمَةً لَدَى بَعْضِ اليَهُودِ الَّذِينَ رَأَوْا فِيهِ تَعْبِيرًا عَنِ الخُضُوعِ لِلسُّلْطَةِ الأَجْنَبِيَّةِ.

 

وَيُشِيرُ لُوقَا إِلَى إِحْصَاءٍ مُرْتَبِطٍ بِقِيرِينِيُوسَ (لُوقَا 2: 2)، غَيْرَ أَنَّ العَلَاقَةَ الزَّمَنِيَّةَ بَيْنَ هٰذَا النَّصِّ وَالإِحْصَاءِ المَوْثَّقِ تَارِيخِيًّا سَنَةَ 6م. مَوْضُوعُ نِقَاشٍ بَيْنَ البَاحِثِينَ.

 

ج. الجِزْيَةُ وَالمُقَاوَمَةُ اليَهُودِيَّةُ لِلسُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ

 

كَانَتِ الجِزْيَةُ الرُّومَانِيَّةُ مَصْدَرَ تَوَتُّرٍ لِبَعْضِ فِئَاتِ المُجْتَمَعِ اليَهُودِيِّ، لِأَنَّهَا كَانَتْ تُذَكِّرُهُمْ بِخُضُوعِهِمْ لِحُكْمٍ أَجْنَبِيٍّ.

وَقَدْ أَثَارَتْ هٰذِهِ المَسْأَلَةُ تَسَاؤُلًا دِينِيًّا أَسَاسِيًّا: كَيْفَ يُمْكِنُ لِلشَّعْبِ الَّذِي يَعْتَرِفُ بِاللَّهِ مَلِكًا أَعْلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الجِزْيَةَ إِلَى قَيْصَرَ؟

 

وَقَدْ بَرَزَ هٰذَا التَّوَتُّرُ فِي مَوْقِفِ يَهُوذَا الجَلِيلِيِّ، الَّذِي عَارَضَ الإِحْصَاءَ الرُّومَانِيَّ سَنَةَ 6م.، وَدَعَا إِلَى رَفْضِ الخُضُوعِ لِسُلْطَةِ رُومَا، انْطِلَاقًا مِنَ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ هُوَ السَّيِّدُ الحَقِيقِيُّ لِشَعْبِهِ. وَيَذْكُرُ يُوسِيفُوسُ هٰذِهِ الحَرَكَةَ فِي العَادِيَّاتِ اليَهُودِيَّةِ (18 .4–10؛ 18 .23–25)، كَمَا يُشِيرُ سِفْرُ أَعْمَالِ الرُّسُلِ إِلَى يَهُوذَا الجَلِيلِيِّ وَالثَّائِرِينَ الَّذِينَ تَبِعُوهُ (أَعْمَال 5: 37). وَمَعَ ذٰلِكَ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ حَرَكَةِ يَهُوذَا الجَلِيلِيِّ وَبَيْنَ الغَيُورِينَ بِوَصْفِهِمْ جَمَاعَةً سِيَاسِيَّةً وَعَسْكَرِيَّةً ظَهَرَتْ بِصُورَةٍ أَوْضَحَ فِي المَرَاحِلِ اللَّاحِقَةِ، وَلَا سِيَّمَا قُبَيْلَ الثَّوْرَةِ اليَهُودِيَّةِ سَنَةَ 66م. وَلَمْ يَكُنْ جَمِيعُ اليَهُودِ يَتَّخِذُونَ المَوْقِفَ نَفْسَهُ مِنَ الجِزْيَةِ؛ فَقَدْ تَنَوَّعَتْ مَوَاقِفُهُمْ بَيْنَ المُقَاوَمَةِ وَالتَّكَيُّفِ وَالتَّعَامُلِ الوَاقِعِيِّ مَعَ السُّلْطَةِ القَائِمَةِ.

 

د. الدِّينَارُ الرُّومَانِيُّ وَصُورَةُ قَيْصَرَ

 

عِنْدَمَا سَأَلَ الفَرِّيسِيُّونَ وَالهِيرُودُسِيُّونَ يَسُوعَ عَنْ شَرْعِيَّةِ دَفْعِ الجِزْيَةِ، طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُرُوهُ نَقْدَ الجِزْيَةِ: "أَرُونِي نَقْدَ الجِزْيَةِ. فَأَتَوْهُ بِدِينَارٍ" (مَتَّى 22: 19). وَكَانَ الدِّينَارُ عُمْلَةً فِضِّيَّةً رُومَانِيَّةً، وَمِنَ المُرَجَّحِ أَنَّ القِطْعَةَ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ فِي هٰذِهِ المُحَاوَرَةِ كَانَتْ تَحْمِلُ صُورَةَ الإِمْبَرَاطُورِ طِيبَارِيُوسَ (14–37م.) وَأَلْقَابَهُ الرَّسْمِيَّةَ، وَلٰكِنَّ النَّصَّ الإِنْجِيلِيَّ لَا يُحَدِّدُ نَوْعَ القِطْعَةِ تَحْدِيدًا قَاطِعًا. وَكَانَتِ الأَلْقَابُ الإِمْبَرَاطُورِيَّةُ تَحْمِلُ دَلَالَاتٍ دِينِيَّةً وَسِيَاسِيَّةً، خُصُوصًا الإِشَارَةُ إِلَى أُغُسْطُسَ المُؤَلَّهِ. وَقَدْ أَثَارَتِ الصُّوَرُ وَالأَلْقَابُ الإِمْبَرَاطُورِيَّةُ حَسَاسِيَّةً دِينِيَّةً لَدَى بَعْضِ اليَهُودِ، بِسَبَبِ رَفْضِهِمْ لِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَتَأْلِيهِ البَشَرِ. غَيْرَ أَنَّ ذٰلِكَ لَا يَعْنِي أَنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ كَانُوا يَرْفُضُونَ تَدَاوُلَ العُمْلَاتِ الَّتِي تَحْمِلُ صُوَرًا، فَقَدِ اسْتُعْمِلَتْ فِي المَعَامَلَاتِ اليَوْمِيَّةِ عُمْلَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ، مِنْهَا نُقُودٌ تَحْمِلُ رُمُوزًا وَصُوَرًا غَيْرَ يَهُودِيَّةٍ.

 

وَيَنْبَغِي أَيْضًا التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ النُّقُودِ وَبَيْنَ المُحَاوَلَاتِ الرُّومَانِيَّةِ لِإِدْخَالِ الرُّمُوزِ الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ إِلَى الأَمَاكِنِ المُقَدَّسَةِ. فَقَدْ أَثَارَ إِدْخَالُ الرَّايَاتِ الحَامِلَةِ لِصُوَرِ الإِمْبَرَاطُورِ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عَهْدِ بِيلاطُسَ احْتِجَاجَاتٍ يَهُودِيَّةً، كَمَا أَثَارَ مَشْرُوعُ الإِمْبَرَاطُورِ كَالِغُولَا لِإِقَامَةِ تِمْثَالِهِ فِي الهَيْكَلِ أَزْمَةً خَطِيرَةً فِي زَمَنٍ لَاحِقٍ. أَمَّا يَسُوعُ، فَلَمْ يَجْعَلْ مِنْ مَسْأَلَةِ الصُّورَةِ النَّقْدِيَّةِ مَوْضُوعَ مُنَاقَشَةٍ فِقْهِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، بَلِ اسْتَعْمَلَ الصُّورَةَ وَالكِتَابَةَ لِيَنْتَقِلَ مِنَ السُّؤَالِ الضَّرِيبِيِّ إِلَى مَسْأَلَةٍ أَعْمَقَ، هِيَ حُقُوقُ اللهِ عَلَى الإِنْسَانِ.

 

هـ. الجِزْيَةُ فِي مُحَاوَرَةِ يَسُوعَ وَبُطْرُسَ (مَتَّى 17: 24–27)

 

يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الجِزْيَةِ الرُّومَانِيَّةِ وَضَرِيبَةِ الهَيْكَلِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي مُحَاوَرَةِ يَسُوعَ وَبُطْرُسَ فِي كَفَرْنَاحُومَ. فَقَدْ سَأَلَ جُبَاةُ الدِّرْهَمَيْنِ بُطْرُسَ: "أَمَا يُؤَدِّي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرْهَمَيْنِ؟" (مَتَّى 17: 24). وَأَوْضَحَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ أَنَّ أَبْنَاءَ المُلُوكِ أَحْرَارٌ مِنَ الضَّرَائِبِ الَّتِي يَجْبِيهَا آبَاؤُهُمْ، وَهُوَ مَا يَحْمِلُ دَلَالَةً لَاهُوتِيَّةً عَلَى بُنُوَّتِهِ الفَرِيدَةِ لِلَّهِ. وَمَعَ ذٰلِكَ، أَمَرَ بُطْرُسَ أَنْ يَدْفَعَ الضَّرِيبَةَ، قَائِلًا: "وَلٰكِنْ لِئَلَّا نَكُونَ لَهُمْ حَجَرَ عَثْرَةٍ ... خُذْهُ وَأَعْطِهِمْ إِيَّاهُ عَنِّي وَعَنْكَ" (مَتَّى 17: 27). وَيُشِيرُ النَّصُّ إِلَى قِطْعَةٍ نَقْدِيَّةٍ تُسَمَّى στατήρ، أَيْ "إِسْتَارًا"، وَتُعَادِلُ فِي هٰذَا السِّيَاقِ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَهُوَ مَا يَكْفِي لِضَرِيبَةِ يَسُوعَ وَبُطْرُسَ. وَتَكْمُنُ الدَّلَالَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ فِي أَنَّ يَسُوعَ، مَعَ تَأْكِيدِ حُرِّيَّتِهِ بِوَصْفِهِ الِابْنَ، اخْتَارَ أَنْ يُؤَدِّيَ الضَّرِيبَةَ لِتَجَنُّبِ العَثْرَةِ. وَيُظْهِرُ هٰذَا المَوْقِفُ أَنَّ الحُرِّيَّةَ الرُّوحِيَّةَ لَا تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ التَّخَلِّيَ عَنِ الِالْتِزَامَاتِ الجَمَاعِيَّةِ، بَلْ قَدْ تَدْفَعُ الإِنْسَانَ إِلَى تَحَمُّلِهَا بِرُوحِ المَحَبَّةِ وَالحِكْمَةِ.

 

و. تَعْلِيمُ بُولُسَ الرَّسُولِ عَنْ دَفْعِ الضَّرَائِبِ

 

يُعَالِجُ بُولُسُ الرَّسُولُ العَلَاقَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالسُّلْطَةِ المَدَنِيَّةِ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ رُومَةَ، فَيَدْعُو إِلَى احْتِرَامِ النِّظَامِ العَامِّ وَأَدَاءِ الِالْتِزَامَاتِ المَشْرُوعَةِ.  وَيَقُولُ: "وَلِذٰلِكَ أَيْضًا تُؤَدُّونَ الضَّرَائِبَ، لِأَنَّ الحُكَّامَ خُدَّامُ اللهِ مُوَاظِبُونَ عَلَى هٰذَا العَمَلِ" (رُومَة 13: 6). ثُمَّ يُضِيفُ: "أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّهُ: الضَّرِيبَةَ لِمَنْ لَهُ الضَّرِيبَةُ، وَالخَرَاجَ لِمَنْ لَهُ الخَرَاجُ" (رُومَة 13: 7). وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ أَنَّ احْتِرَامَ السُّلْطَةِ لَا يَقُومُ عَلَى الخَوْفِ مِنَ العُقُوبَةِ وَحْدَهُ، بَلْ يَرْتَبِطُ أَيْضًا بِالضَّمِيرِ (رُومَة 13: 5). غَيْرَ أَنَّ هٰذَا التَّعْلِيمَ لَا يَعْنِي مَنْحَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ طَاعَةً مُطْلَقَةً، لِأَنَّ كُلَّ سُلْطَةٍ بَشَرِيَّةٍ تَبْقَى مَحْدُودَةً بِمُتَطَلَّبَاتِ العَدْلِ وَالحَقِّ وَكَرَامَةِ الإِنْسَانِ. وَعِنْدَمَا يَقَعُ تَعَارُضٌ حَقِيقِيٌّ بَيْنَ أَمْرِ السُّلْطَةِ وَوَصِيَّةِ اللهِ، تَتَقَدَّمُ الطَّاعَةُ لِلَّهِ، وَفْقًا لِقَوْلِ بُطْرُسَ وَالرُّسُلِ: "اللهُ أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاسِ" (أَعْمَال 5: 29).

 

ز. ضَرِيبَةُ اليَهُودِ بَعْدَ خَرَابِ أُورُشَلِيمَ سَنَةَ 70م.

 

بَعْدَ خَرَابِ أُورُشَلِيمَ وَالهَيْكَلِ سَنَةَ 70م.، فَرَضَ الإِمْبَرَاطُورُ فَسْبَاسِيَانُ عَلَى اليَهُودِ فِي الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ ضَرِيبَةً خَاصَّةً عُرِفَتْ بِاسْمِ  Fiscus Iudaicus، أَيْ "الخَزِينَةِ اليَهُودِيَّةِ". وَكَانَ مِقْدَارُهَا دِرْهَمَيْنِ سَنَوِيًّا، وَهُوَ المَبْلَغُ الَّذِي كَانَ يُدْفَعُ سَابِقًا لِهَيْكَلِ أُورُشَلِيمَ، لٰكِنَّهُ أَصْبَحَ يُخَصَّصُ لِمَعْبَدِ يُوبِيتِرَ الكَابِيتُولِيِّ فِي رُومَا. وَيَذْكُرُ يُوسِيفُوسُ هٰذَا الإِجْرَاءَ فِي كِتَابِهِ الحَرْبُ اليَهُودِيَّةُ (7. 218). وَكَانَ لِهٰذَا الإِجْرَاءِ بُعْدٌ سِيَاسِيٌّ وَدِينِيٌّ مُؤْلِمٌ، لِأَنَّ الضَّرِيبَةَ الَّتِي كَانَتْ تُخَصَّصُ لِعِبَادَةِ اللهِ فِي أُورُشَلِيمَ أَصْبَحَتْ تُؤَدَّى لِصَالِحِ مَعْبَدٍ وَثَنِيٍّ فِي العَاصِمَةِ الرُّومَانِيَّةِ. وَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ هٰذِهِ الضَّرِيبَةَ فُرِضَتْ بَعْدَ زَمَنِ يَسُوعَ، وَلَا يَصِحُّ الخَلْطُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الجِزْيَةِ الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا الفَرِّيسِيُّونَ وَالهِيرُودُسِيُّونَ (مَتَّى 22: 17).

 

ح. التَّمْيِيزُ بَيْنَ الجِزْيَةِ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ وَمَفْهُومِهَا فِي الفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ

 

يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَفْهُومِ الجِزْيَةِ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ وَاسْتِعْمَالِ المُصْطَلَحِ نَفْسِهِ فِي التَّرَاثِ الفِقْهِيِّ الإِسْلَامِيِّ. فَفِي العَهْدِ الجَدِيدِ، تُسْتَعْمَلُ كَلِمَةُ "الجِزْيَةِ" فِي التَّرْجَمَةِ العَرَبِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ضَرِيبَةٍ تُؤَدَّى إِلَى السُّلْطَةِ الرُّومَانِيَّةِ، وَخُصُوصًا فِي سِيَاقِ الحُكْمِ الإِمْبَرَاطُورِيِّ. أَمَّا فِي الفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ التَّقْلِيدِيِّ، فَالجِزْيَةُ مُصْطَلَحٌ قَانُونِيٌّ يَدُلُّ عَلَى مَالٍ فُرِضَ، وَفْقَ شُرُوطٍ وَأَحْكَامٍ تَارِيخِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، عَلَى فِئَاتٍ مِنْ غَيْرِ المُسْلِمِينَ الخَاضِعِينَ لِلدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ. وَبِالتَّالِي، فَالتَّشَابُهُ فِي اللَّفْظِ العَرَبِيِّ لَا يَعْنِي التَّطَابُقَ فِي المَفْهُومِ القَانُونِيِّ أَوِ السِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ. وَلَا يَصِحُّ اخْتِزَالُ أَصْلِ المُصْطَلَحِ الإِسْلَامِيِّ فِي تَفْسِيرٍ وَاحِدٍ مِنْ قَبِيلِ أَنَّهُ مَالٌ يُدْفَعُ "عِوَضًا عَنِ القَتْلِ"، لِأَنَّ تَفْسِيرَاتِ الفُقَهَاءِ وَاللُّغَوِيِّينَ لِأَصْلِ التَّسْمِيَةِ وَوَظِيفَتِهَا تَعَدَّدَتْ، وَيَنْبَغِي دِرَاسَتُهَا فِي سِيَاقِهَا الخَاصِّ.

 

ط. الدَّلَالَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ لِتَعْلِيمِ يَسُوعَ عَنِ الجِزْيَةِ

 

يَكْشِفُ تَعْلِيمُ يَسُوعَ عَنِ الجِزْيَةِ عَنْ مَبْدَأٍ لَاهُوتِيٍّ أَسَاسِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الإِنْسَانَ يَعِيشُ فِي مُجْتَمَعٍ سِيَاسِيٍّ لَهُ حُقُوقٌ وَوَاجِبَاتٌ، وَلٰكِنَّهُ يَنْتَمِي فِي أَعْمَاقِ كِيَانِهِ إِلَى اللهِ. فَالدِّينَارُ يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ وَكِتَابَتَهُ، أَمَّا الإِنْسَانُ فَيَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ، كَمَا وَرَدَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ: "فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ، عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ" (التَّكْوِين 1: 27).

 

وَقَدْ تَوَقَّفَ آبَاءُ الكَنِيسَةِ عِنْدَ هٰذِهِ المُقَابَلَةِ الرُّوحِيَّةِ بَيْنَ صُورَةِ قَيْصَرَ المَطْبُوعَةِ عَلَى النَّقْدِ وَصُورَةِ اللهِ المَطْبُوعَةِ فِي الإِنْسَانِ. فَيُفَسِّرُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ جَوَابَ يَسُوعَ عَلَى أَنَّهُ يُقِرُّ بِأَدَاءِ مَا يَخُصُّ السُّلْطَةَ المَدَنِيَّةَ، مِنْ دُونِ أَنْ يَمَسَّ بِمَا يَخُصُّ اللهَ، أَوْ أَنْ يَجْعَلَ طَاعَةَ الحُكَّامِ مُنَاقِضَةً لِلطَّاعَةِ الإِلٰهِيَّةِ (العِظَةُ 70 عَلَى إِنْجِيلِ مَتَّى، 2؛ PG 58). وَيَشْرَحُ القِدِّيسُ إِيرُونِيمُسُ أَيْضًا أَنَّ جَوَابَ المَسِيحِ يَتَجَاوَزُ مَسْأَلَةَ النُّقُودِ، لِيُؤَكِّدَ وَاجِبَ الإِنْسَانِ تِجَاهَ اللهِ (PL 26).

 

وَبِهٰذَا المَعْنَى، فَإِنَّ جَوَابَ يَسُوعَ لَا يُقَدِّمُ نَظَرِيَّةً مُفَصَّلَةً عَنْ فَصْلِ الدِّينِ وَالدَّوْلَةِ بِالمَعْنَى الدُّسْتُورِيِّ الحَدِيثِ، وَلَا يُبَرِّرُ الخُضُوعَ غَيْرَ المَشْرُوطِ لِلسُّلْطَةِ، بَلْ يَضَعُ السُّلْطَةَ السِّيَاسِيَّةَ فِي حُدُودِهَا المَشْرُوعَةِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ اللهَ هُوَ المَرْجِعُ الأَعْلَى لِضَمِيرِ الإِنْسَانِ وَكَرَامَتِهِ وَحَيَاتِهِ.

 

الخُلَاصَةُ

تُبَيِّنُ دِرَاسَةُ الجِزْيَةِ فِي العَهْدِ الجَدِيدِ أَنَّهَا كَانَتْ مَسْأَلَةً مَالِيَّةً وَسِيَاسِيَّةً وَدِينِيَّةً فِي آنٍ وَاحِدٍ. فَقَدْ مَثَّلَتْ عِنْدَ بَعْضِ اليَهُودِ رَمْزًا لِلْخُضُوعِ لِرُومَا، وَأَثَارَتْ تَسَاؤُلَاتٍ عَنْ مَدَى التَّوَافُقِ بَيْنَ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ السُّلْطَةِ المَدَنِيَّةِ. وَقَدْ رَفَضَ يَسُوعُ أَنْ يَنْحَصِرَ جَوَابُهُ فِي ثُنَائِيَّةِ القَبُولِ أَوِ الرَّفْضِ السِّيَاسِيِّ، فَأَعَادَ تَوْجِيهَ السُّؤَالِ إِلَى مَبْدَإٍ أَعْمَقَ: لِلسُّلْطَةِ المَدَنِيَّةِ حُقُوقُهَا المَشْرُوعَةُ، وَلٰكِنَّ لِلَّهِ الحَقَّ الأَعْلَى فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ المُؤْمِنَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَكُونَ مُوَاطِنًا مَسْؤُولًا، يُؤَدِّي وَاجِبَاتِهِ المَدَنِيَّةَ بِأَمَانَةٍ، وَيَحْتَرِمُ القَوَانِينَ العَادِلَةَ، وَيُسَاهِمُ فِي الخَيْرِ العَامِّ، مِنْ دُونِ أَنْ يَتَنَازَلَ عَنْ حُرِّيَّةِ ضَمِيرِهِ وَأَمَانَتِهِ لِلَّهِ. فَمَا يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدَّى لِقَيْصَرَ، أَمَّا الإِنْسَانُ الَّذِي يَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ، فَهُوَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يُقَدِّمَ ذَاتَهُ وَحَيَاتَهُ لِلَّهِ.

 

 

ثانيًا: مَا هُوَ مَوْقِفُ يَسُوعَ مِنْ دَفْعِ الجِزْيَةِ؟ (مَتَّى 22: 15–22)

 

يُعَدُّ مَوْقِفُ يَسُوعَ مِنْ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ مِنْ أَبْرَزِ المَوَاقِفِ الإِنْجِيلِيَّةِ الَّتِي تُوَضِّحُ العَلَاقَةَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ المَدَنِيَّةِ، وَبَيْنَ حُقُوقِ اللهِ وَوَاجِبَاتِ الإِنْسَانِ تِجَاهَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ. فَقَدْ جَاءَ الفَرِّيسِيُّونَ وَالهِيرُودُسِيُّونَ إِلَى يَسُوعَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الهَيْكَلِ، وَطَرَحُوا عَلَيْهِ سُؤَالًا يَحْمِلُ فِي ظَاهِرِهِ اسْتِفْسَارًا شَرْعِيًّا، وَفِي بَاطِنِهِ مَكِيدَةً سِيَاسِيَّةً: "أَيَحِلُّ دَفْعُ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ أَمْ لَا؟" (مَتَّى 22: 17).

 

وَكَانُوا يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يَقَعَ يَسُوعُ فِي فَخٍّ؛ فَإِنْ رَفَضَ دَفْعَ الجِزْيَةِ أَمْكَنَ اتِّهَامُهُ بِالتَّمَرُّدِ عَلَى رُومَا، وَإِنْ أَيَّدَهَا دُونَ تَحَفُّظٍ أَمْكَنَ اسْتِغْلَالُ جَوَابِهِ ضِدَّهُ أَمَامَ المُعَارِضِينَ لِلْحُكْمِ الرُّومَانِيِّ. غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ تَجَاوَزَ هٰذِهِ الثُّنَائِيَّةَ بِجَوَابِهِ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21). وَيُمْكِنُ دِرَاسَةُ هٰذَا المَبْدَإِ الإِنْجِيلِيِّ وَتَطْبِيقِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْعِدَةٍ مُتَكَامِلَةٍ: اللَّاهُوتِيِّ، وَالأَخْلَاقِيِّ، وَالسِّيَاسِيِّ.

 

أ. عَلَى الصَّعِيدِ اللَّاهُوتِيِّ: الإِنْسَانُ يَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ وَيَنْتَمِي إِلَيْهِ

 

يَكْشِفُ قَوْلُ يَسُوعَ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21) عَنْ حَقِيقَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ أَسَاسِيَّةٍ، هِيَ أَنَّ الإِنْسَانَ، وَإِنْ كَانَ يَعِيشُ فِي مُجْتَمَعٍ سِيَاسِيٍّ وَيَتَحَمَّلُ فِيهِ مَسْؤُولِيَّاتٍ مَدَنِيَّةً، فَإِنَّ انْتِمَاءَهُ الأَصِيلَ وَالنِّهَائِيَّ هُوَ لِلَّهِ.

 

فَالدِّينَارُ الرُّومَانِيُّ يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ وَكِتَابَتَهُ، أَمَّا الإِنْسَانُ فَيَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ، كَمَا يَقُولُ سِفْرُ التَّكْوِينِ: «فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ، عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ» (التَّكْوِين 1: 27). وَتُشَكِّلُ هٰذِهِ المُقَابَلَةُ بَيْنَ صُورَةِ قَيْصَرَ وَصُورَةِ اللهِ تَطْبِيقًا رُوحِيًّا عَمِيقًا لِلنَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ، تَوَقَّفَ عِنْدَهُ عَدَدٌ مِنْ آبَاءِ الكَنِيسَةِ. فَكَمَا يُؤَدَّى النَّقْدُ الَّذِي يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ فِي إِطَارِ الِالْتِزَامَاتِ المَدَنِيَّةِ، كَذٰلِكَ يُدْعَى الإِنْسَانُ الَّذِي يَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ إِلَى أَنْ يُقَدِّمَ لِلَّهِ قَلْبَهُ وَحَيَاتَهُ وَحُرِّيَّتَهُ.

 

وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يُعَلِّقُ البَابَا فَرَنْسِيسُ عَلَى هٰذَا النَّصِّ فِي كَلِمَتِهِ قُبَيْلَ صَلَاةِ التَّبْشِيرِ المَلَائِكِيِّ، يَوْمَ 22 تِشْرِين الأَوَّل 2017، مُؤَكِّدًا أَنَّ الإِنْسَانَ يَنْتَمِي إِلَى عَائِلَتِهِ وَمَدِينَتِهِ وَعَمَلِهِ وَوَطَنِهِ، وَلٰكِنَّهُ يَنْتَمِي قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى اللهِ، الَّذِي وَهَبَهُ وُجُودَهُ وَكُلَّ مَا يَمْلِكُهُ. وَبِذٰلِكَ، لَا يَضَعُ يَسُوعُ اللهَ وَقَيْصَرَ عَلَى مُسْتَوًى وَاحِدٍ، وَلَا يُقَسِّمُ العَالَمَ بَيْنَ سُلْطَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ وَمُتَوَازِيَتَيْنِ؛ فَالسُّلْطَةُ السِّيَاسِيَّةُ مَحْدُودَةٌ بِطَبِيعَتِهَا، أَمَّا سِيَادَةُ اللهِ فَشَامِلَةٌ لِلْإِنْسَانِ وَالتَّارِيخِ وَالخَلِيقَةِ كُلِّهَا. وَمِنْ هُنَا، يَدْعُونَا يَسُوعُ إِلَى تَرْتِيبِ أَوْلَوِيَّاتِنَا وَفْقَ قَوْلِهِ: "اُطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَهُ وَبِرَّهُ، تُزَادُوا هٰذَا كُلَّهُ" (مَتَّى 6: 33).

 

وَيَتَّفِقُ هٰذَا المَبْدَأُ مَعَ تَعْلِيمِ بُطْرُسَ الرَّسُولِ: "اتَّقُوا اللهَ، أَكْرِمُوا المَلِكَ" (1 بُطْرُس 2: 17). فَالنَّصُّ يُمَيِّزُ بَيْنَ المَهَابَةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي تَخُصُّ اللهَ، وَالإِكْرَامِ المَدَنِيِّ الَّذِي يَلِيقُ بِالسُّلْطَةِ. وَيَدْعُو بُولُسُ الرَّسُولُ أَيْضًا إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ الحُكَّامِ وَأَصْحَابِ السُّلْطَةِ، لِكَيْ يَعِيشَ المُؤْمِنُونَ حَيَاةً هَادِئَةً فِي التَّقْوَى وَالكَرَامَةِ (1 طِيمُوتَاوُس 2: 1–2). وَتَبْلُغُ هٰذِهِ الرُّؤْيَةُ ذُرْوَتَهَا فِي الإِعْلَانِ الكِتَابِيِّ: "صَارَ مُلْكُ العَالَمِ لِرَبِّنَا وَلِمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ أَبَدَ الدُّهُورِ" (الرُّؤْيَا 11: 15). وَيُؤَكِّدُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِيَسُوعَ رَبًّا يَعْنِي أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخْضِعَ حُرِّيَّتَهُ الشَّخْصِيَّةَ خُضُوعًا مُطْلَقًا لِأَيِّ سُلْطَةٍ أَرْضِيَّةٍ (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، 450). وَالتَّطْبِيقُ الرُّوحِيُّ: إِنَّ أَدَاءَ الوَاجِبَاتِ المَدَنِيَّةِ أَمْرٌ مُهِمٌّ، وَلٰكِنَّ الأَهَمَّ هُوَ أَنْ نُعْطِيَ اللهَ قُلُوبَنَا وَضَمَائِرَنَا وَحَيَاتَنَا، لِأَنَّنَا مِنْهُ وَإِلَيْهِ نَعُودُ. فَهَلْ نُعْطِي اللهَ حَقَّهُ فِي حَيَاتِنَا، أَمْ نَكْتَفِي بِإِعْطَائِهِ مَا يَفْضُلُ عَنْ مَشَاغِلِنَا وَمَصَالِحِنَا؟

 

ب. عَلَى الصَّعِيدِ الأَخْلَاقِيِّ: الطَّاعَةُ المَدَنِيَّةُ وَمَسْؤُولِيَّةُ الضَّمِيرِ

 

يَحْمِلُ تَعْلِيمُ يَسُوعَ عَنْ الجِزْيَةِ بُعْدًا أَخْلَاقِيًّا يَتَعَلَّقُ بِمَوْقِفِ المُؤْمِنِ مِنَ السُّلْطَةِ المَدَنِيَّةِ وَالقَوَانِينِ وَالمَسْؤُولِيَّاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. فَالمُؤْمِنُ لَا يَعِيشُ إِيمَانَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ المُجْتَمَعِ، بَلْ يُعَبِّرُ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ خِلَالِ الأَمَانَةِ فِي العَمَلِ، وَاحْتِرَامِ القَوَانِينِ العَادِلَةِ، وَأَدَاءِ الضَّرَائِبِ المَشْرُوعَةِ، وَالمُسَاهَمَةِ فِي الخَيْرِ العَامِّ. وَقَدْ أَوْضَحَ بُولُسُ الرَّسُولُ هٰذَا المَبْدَأَ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ رُومَةَ، حِينَ دَعَا المُؤْمِنِينَ إِلَى احْتِرَامِ السُّلْطَاتِ وَأَدَاءِ الِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ، قَائِلًا: "أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّهُ: الضَّرِيبَةَ لِمَنْ لَهُ الضَّرِيبَةُ، وَالخَرَاجَ لِمَنْ لَهُ الخَرَاجُ، وَالمَهَابَةَ لِمَنْ لَهُ المَهَابَةُ، وَالإِكْرَامَ لِمَنْ لَهُ الإِكْرَامُ" (رُومَة 13: 7). وَلَا يَقْتَصِرُ هٰذَا الِالْتِزَامُ عَلَى الخَوْفِ مِنَ العُقُوبَةِ، بَلْ يَنْبَعُ أَيْضًا مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الضَّمِيرِ (رُومَة 13: 5).

 

وَيُعَلِّمُ البَابَا فَرَنْسِيسُ، فِي كَلِمَتِهِ بِتَارِيخِ 22 تِشْرِين الأَوَّل 2017، أَنَّ المَسِيحِيَّ مَدْعُوٌّ إِلَى الِالْتِزَامِ بِالوَاقِعِ الأَرْضِيِّ وَإِنَارَتِهِ بِنُورِ اللهِ، وَأَنَّ إِعْطَاءَ اللهِ الأَوْلَوِيَّةَ لَا يَعْنِي الهُرُوبَ مِنَ العَالَمِ، بَلِ الِانْخِرَاطَ فِيهِ بِرُوحِ الإِيمَانِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ. وَمِنْ هُنَا، يَسْتَطِيعُ المَسِيحِيُّ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا أَمِينًا وَمُوَاطِنًا صَالِحًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَيُسَاهِمُ فِي تَقَدُّمِ مُجْتَمَعِهِ، وَيَحْتَرِمُ حُقُوقَ الآخَرِينَ، وَيُشَارِكُ فِي المُؤَسَّسَاتِ المَدَنِيَّةِ وَالمُبَادَرَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

 

غَيْرَ أَنَّ الطَّاعَةَ المَدَنِيَّةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً؛ فَعِنْدَمَا تَفْرِضُ السُّلْطَةُ أَوَامِرَ تُنَاقِضُ الشَّرِيعَةَ الأَخْلَاقِيَّةَ، أَوْ تَنْتَهِكُ الحُقُوقَ الأَسَاسِيَّةَ لِلْإِنْسَانِ، أَوْ تَتَعَارَضُ مَعَ الإِيمَانِ وَالضَّمِيرِ المُسْتَقِيمِ، يَجِبُ أَنْ تَتَقَدَّمَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ. وَقَدْ أَعْلَنَ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ أَمَامَ المَجْلِسِ: "اللهُ أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاسِ" (أَعْمَال 5: 29). وَيُؤَكِّدُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي حَقَّ المُوَاطِنِينَ فِي الدِّفَاعِ عَنْ حُقُوقِهِمْ وَحُقُوقِ الآخَرِينَ، وَفِي مُقَاوَمَةِ تَجَاوُزَاتِ السُّلْطَةِ، ضِمْنَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالإِنْجِيلِيَّةِ (الدُّسْتُورُ الرَّاعَوِيُّ فَرَحٌ وَرَجَاءٌ، 74). وَتُوَضِّحُ هٰذِهِ الرُّؤْيَةُ أَنَّ الطَّاعَةَ المَدَنِيَّةَ فَضِيلَةٌ عِنْدَمَا تَخْدِمُ العَدْلَ وَالخَيْرَ العَامَّ، وَلٰكِنَّهَا لَا تُصْبِحُ مُبَرِّرًا لِلظُّلْمِ أَوِ الفَسَادِ أَوِ انْتِهَاكِ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ. يَدْعُونَا الإِنْجِيلُ إِلَى الأَمَانَةِ فِي أَدَاءِ وَاجِبَاتِنَا، وَرَفْضِ الغِشِّ وَالرِّشْوَةِ وَالتَّهَرُّبِ غَيْرِ المَشْرُوعِ مِنَ الضَّرَائِبِ، وَإِلَى التَّمَسُّكِ بِالحَقِّ وَالعَدْلِ حَتَّى عِنْدَمَا يَتَطَلَّبُ ذٰلِكَ مُخَالَفَةَ أَمْرٍ ظَالِمٍ.

 

ج. عَلَى الصَّعِيدِ السِّيَاسِيِّ: خِدْمَةُ الخَيْرِ العَامِّ وَحُدُودُ السُّلْطَةِ

 

لَا يَقْصِدُ يَسُوعُ بِقَوْلِهِ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" أَنْ يَفْصِلَ حَيَاةَ الإِنْسَانِ إِلَى مَجَالَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ تَمَامًا، أَحَدُهُمَا يَخْضَعُ لِلَّهِ وَالآخَرُ يَخْرُجُ عَنْ سِيَادَتِهِ. فَالسُّلْطَةُ السِّيَاسِيَّةُ لَهَا وَظِيفَتُهَا المَشْرُوعَةُ فِي تَنْظِيمِ المُجْتَمَعِ وَحِمَايَةِ الحُقُوقِ وَتَحْقِيقِ الخَيْرِ العَامِّ، وَلٰكِنَّهَا لَا تَمْلِكُ حَقَّ السِّيَادَةِ المُطْلَقَةِ عَلَى ضَمِيرِ الإِنْسَانِ وَحُرِّيَّتِهِ. وَمِنْ هُنَا، يَدْعُو الإِنْجِيلُ المُؤْمِنَ إِلَى التَّعَاوُنِ مَعَ السُّلْطَةِ حِينَ تَخْدِمُ العَدْلَ وَكَرَامَةَ الإِنْسَانِ، وَإِلَى اتِّخَاذِ مَوْقِفٍ نَقْدِيٍّ وَمَسْؤُولٍ حِينَ تَنْحَرِفُ عَنْ رِسَالَتِهَا.

 

وَيُقَدِّمُ سِفْرُ دَانِيَالَ أَمْثِلَةً كِتَابِيَّةً عَلَى هٰذَا المَبْدَإِ؛ فَقَدْ خَدَمَ دَانِيَالُ وَرُفَقَاؤُهُ فِي الإِدَارَةِ المَلَكِيَّةِ، وَلٰكِنَّهُمْ رَفَضُوا الأَوَامِرَ الَّتِي تُنَاقِضُ أَمَانَتَهُمْ لِلَّهِ. فَشَدْرَكَ وَمِيشَكَ وَعَبْدَ نَغُو رَفَضُوا السُّجُودَ لِتِمْثَالِ نَبُوخَذْنَصَّرَ (دَانِيَال 3: 16–18)، وَدَانِيَالُ نَفْسُهُ وَاظَبَ عَلَى الصَّلَاةِ رَغْمَ المَنْعِ المَلَكِيِّ (دَانِيَال 6: 11).

 

وَيُؤَكِّدُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي أَنَّ الجَمَاعَةَ السِّيَاسِيَّةَ وَالكَنِيسَةَ مُسْتَقِلَّتَانِ وَذَاتِيَّتَا حُكْمٍ فِي مَجَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلٰكِنَّهُمَا تَخْدِمَانِ، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهَا، الدَّعْوَةَ الشَّخْصِيَّةَ وَالِاجْتِمَاعِيَّةَ لِلْإِنْسَانِ (فَرَحٌ وَرَجَاءٌ، 76). وَعَلَى هٰذَا الأَسَاسِ، فَإِنَّ رِسَالَةَ الكَنِيسَةِ لَيْسَتِ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَلَا الِانْعِزَالَ عَنْ قَضَايَا المُجْتَمَعِ، بَلْ إِضَاءَةَ الحَيَاةِ العَامَّةِ بِنُورِ الإِنْجِيلِ وَالدِّفَاعَ عَنْ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ وَالعَدْلِ وَالسَّلَامِ.

 

وَيُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ ثَلَاثَةِ مَبَادِئَ عَمَلِيَّةٍ مِنْ مَوْقِفِ يَسُوعَ:

 

أَوَّلًا: الصِّدْقُ وَالنَّزَاهَةُ فِي الحَيَاةِ العَامَّةِ. فَقَدْ أَقَرَّ خُصُومُ يَسُوعَ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُمْ بِقَصْدِ التَّمَلُّقِ، أَنَّهُ يُعَلِّمُ سَبِيلَ اللهِ بِالحَقِّ، وَلَا يُرَاعِي مَقَامَ النَّاسِ (مَتَّى 22: 16). وَهٰذِهِ الصِّفَاتُ تَظَلُّ مَعَايِيرَ أَخْلَاقِيَّةً لِمَنْ يَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّةً سِيَاسِيَّةً أَوْ إِدَارِيَّةً.

 

ثَانِيًا: الحِكْمَةُ وَالتَّمْيِيزُ قَبْلَ اتِّخَاذِ القَرَارِ. فَلَمْ يُجِبْ يَسُوعُ عَنِ السُّؤَالِ المُفَخَّخِ بِتَسَرُّعٍ، بَلْ طَلَبَ أَنْ يَرَى نَقْدَ الجِزْيَةِ، ثُمَّ سَأَلَ: "لِمَنِ الصُّورَةُ هٰذِهِ وَالكِتَابَةُ؟" (مَتَّى 22: 19–20). وَيُعَلِّمُنَا هٰذَا المَوْقِفُ أَنْ نَدْرُسَ الوَقَائِعَ، وَنُحَلِّلَ المُعْطَيَاتِ، وَنُصْغِيَ إِلَى الآخَرِينَ قَبْلَ إِصْدَارِ الأَحْكَامِ.

 

ثَالِثًا: المُشَارَكَةُ المَسْؤُولَةُ فِي الخَيْرِ العَامِّ. فَانْتِمَاءُ الإِنْسَانِ إِلَى المُجْتَمَعِ يَقْتَضِي المُسَاهَمَةَ فِي تَوْفِيرِ الخَدَمَاتِ العَامَّةِ، كَالمِيَاهِ وَالكَهْرَبَاءِ وَالطُّرُقِ وَالمَدَارِسِ وَالمُسْتَشْفَيَاتِ وَرِعَايَةِ المُسِنِّينَ وَالفُقَرَاءِ، وَفِي تَأْمِينِ الأُجُورِ العَادِلَةِ لِلْعَامِلِينَ فِي خِدْمَةِ المُجْتَمَعِ. وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُطَالِبَ المُوَاطِنُ بِجَمِيعِ الخَدَمَاتِ العَامَّةِ، ثُمَّ يَرْفُضَ المُسَاهَمَةَ العَادِلَةَ فِي تَمْوِيلِهَا. وَفِي المُقَابِلِ، تَلْتَزِمُ السُّلْطَةُ بِإِدَارَةِ المَوَارِدِ بِالنَّزَاهَةِ وَالشَّفَافِيَّةِ، وَبِتَوْزِيعِ الأَعْبَاءِ بِعَدْلٍ، وَبِحِمَايَةِ الفُقَرَاءِ وَالفِئَاتِ الضَّعِيفَةِ. وَيَشْمَلُ الِالْتِزَامُ بِالخَيْرِ العَامِّ المُشَارَكَةَ المَسْؤُولَةَ فِي المُؤَسَّسَاتِ الأَهْلِيَّةِ وَالجَمْعِيَّاتِ وَالنَّقَابَاتِ وَالأَحْزَابِ وَالمُبَادَرَاتِ التَّطَوُّعِيَّةِ، بِمَا يَنْسَجِمُ مَعَ الضَّمِيرِ وَالقَوَانِينِ العَادِلَةِ. لَيْسَ المُوَاطِنُ الصَّالِحُ مَنْ يُطِيعُ كُلَّ قَرَارٍ دُونَ تَمْيِيزٍ، وَلَا مَنْ يَرْفُضُ كُلَّ سُلْطَةٍ، بَلْ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الِالْتِزَامِ بِوَاجِبَاتِهِ، وَالدِّفَاعِ عَنِ الحَقِّ، وَالمُسَاهَمَةِ فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ يَقُومُ عَلَى العَدْلِ وَالحُرِّيَّةِ وَالتَّضَامُنِ.

 

الخُلَاصَةُ: يَكْشِفُ مَوْقِفُ يَسُوعَ مِنْ دَفْعِ الجِزْيَةِ عَنْ تَوَازُنٍ عَمِيقٍ بَيْنَ الأَمَانَةِ لِلَّهِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ تِجَاهَ المُجْتَمَعِ. فَعَلَى الصَّعِيدِ اللَّاهُوتِيِّ، يُؤَكِّدُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَنْتَمِي إِلَى اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ عَلَى صُورَتِهِ. وَعَلَى الصَّعِيدِ الأَخْلَاقِيِّ، يَدْعُوهُ إِلَى أَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ المَدَنِيَّةِ بِأَمَانَةٍ وَضَمِيرٍ مُسْتَقِيمٍ. وَعَلَى الصَّعِيدِ السِّيَاسِيِّ، يُوَجِّهُهُ إِلَى المُشَارَكَةِ فِي الخَيْرِ العَامِّ، مَعَ رَفْضِ كُلِّ سُلْطَةٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَهَا وَتَنْتَهِكُ كَرَامَةَ الإِنْسَانِ. فَالمَسِيحِيُّ الحَقِيقِيُّ لَا يَخْتَارُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِلَّهِ أَوْ مَسْؤُولًا تِجَاهَ وَطَنِهِ؛ بَلْ يَجْعَلُ مِنْ أَمَانَتِهِ لِلَّهِ أَسَاسًا لِأَمَانَتِهِ فِي خِدْمَةِ الإِنْسَانِ وَالمُجْتَمَعِ. وَهٰكَذَا، تَبْقَى كَلِمَةُ يَسُوعَ مِعْيَارًا دَائِمًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الوَاجِبَاتِ المَدَنِيَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ الرُّوحِيَّةِ، وَلِإِخْضَاعِ كُلِّ سُلْطَةٍ بَشَرِيَّةٍ لِمُتَطَلَّبَاتِ الحَقِّ وَالعَدْلِ وَكَرَامَةِ الإِنْسَانِ.

 

ثالثًا: كَيْفَ نَعِيشُ تَعْلِيمَ الانجيل فِي حَيَاتِنَا المَدَنِيَّةِ والسِّيَاسِيَّةَ وَالرُّوحِيَّةِ؟

 

يُقَدِّمُ يَسُوعُ، فِي جَوَابِهِ عَنْ مَسْأَلَةِ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ، مَبْدَأً أَسَاسِيًّا لِتَنْظِيمِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ المَدَنِيَّةِ، وَبَيْنَ وَاجِبَاتِ المُوَاطِنِ وَحُقُوقِ اللهِ. فَهُوَ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَجَالِ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَمَجَالِ الرِّسَالَةِ الدِّينِيَّةِ، دُونَ أَنْ يَفْصِلَهُمَا فَصْلًا مُطْلَقًا، أَوْ يَجْعَلَ مِنْهُمَا سُلْطَتَيْنِ مُتَنَافِسَتَيْنِ عَلَى الإِنْسَانِ. فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا دَوْرُهُ وَاخْتِصَاصُهُ، وَلٰكِنَّهُمَا يَلْتَقِيَانِ فِي خِدْمَةِ الإِنْسَانِ وَصَوْنِ كَرَامَتِهِ وَتَحْقِيقِ الخَيْرِ العَامِّ.

 

وَإِنَّ انْتِمَاءَ الإِنْسَانِ إِلَى جَمَاعَةٍ سِيَاسِيَّةٍ يُرَتِّبُ عَلَيْهِ حُقُوقًا وَوَاجِبَاتٍ مُتَبَادَلَةً؛ فَالدَّوْلَةُ مَدْعُوَّةٌ إِلَى حِمَايَةِ أَمْنِهِ وَحُرِّيَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَالمُوَاطِنُ مَدْعُوٌّ إِلَى المُسَاهَمَةِ فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعِهِ وَاحْتِرَامِ القَوَانِينِ العَادِلَةِ وَتَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّاتِهِ. وَلَا يَعْنِي الِانْتِمَاءُ إِلَى الدَّوْلَةِ التَّنَازُلَ عَنِ الحُقُوقِ الإِنْسَانِيَّةِ الأَصِيلَةِ، بَلْ تَنْظِيمَ مُمارَسَةِ السُّلْطَةِ لِخِدْمَةِ الجَمَاعَةِ وَحِمَايَةِ أَفْرَادِهَا.  وَلٰكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ الأَكْثَرُ صُعُوبَةً: هَلْ يَجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَدْفَعَ الضَّرَائِبَ إِلَى دَوْلَةٍ ظَالِمَةٍ، أَوْ سُلْطَةٍ مُحْتَلَّةٍ، أَوْ نِظَامٍ يُعَادِي الإِنْجِيلَ وَيَنْتَهِكُ حُقُوقَ الإِنْسَانِ؟

 

لِلْإِجَابَةِ عَنْ هٰذَا السُّؤَالِ، يَنْبَغِي التَّمْيِيزُ بَيْنَ الوَاجِبَاتِ المَدَنِيَّةِ المَشْرُوعَةِ وَبَيْنَ المَطَالِبِ الظَّالِمَةِ الَّتِي قَدْ تَفْرِضُهَا السُّلْطَةُ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَا تَفْرِضُهُ الدَّوْلَةُ عَادِلًا بِالضَّرُورَةِ، وَلَا كُلُّ امْتِثَالٍ لِقَانُونٍ قَائِمٍ يَعْنِي المُوَافَقَةَ الأَخْلَاقِيَّةَ عَلَى السُّلْطَةِ الَّتِي أَصْدَرَتْهُ. وَيُمْكِنُ تَرْجَمَةُ تَعْلِيمِ يَسُوعَ إِلَى مَوَاقِفَ عَمَلِيَّةٍ فِي المَجَالَاتِ الآتِيَةِ:

 

أ. احْتِرَامُ السُّلْطَةِ المَدَنِيَّةِ فِي حُدُودِ العَدْلِ وَالضَّمِيرِ

 

يُقِرُّ يَسُوعُ، بِقَوْلِهِ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ" (مَتَّى 22: 21)، بِوُجُودِ الْتِزَامَاتٍ مَدَنِيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً، حَتَّى فِي ظِلِّ سُلْطَةٍ غَيْرِ مَثَالِيَّةٍ.  وَيُؤَكِّدُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَهَمِّيَّةَ النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ وَمَسْؤُولِيَّةَ المُؤْمِنِ تِجَاهَهُ، قَائِلًا: "لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسُّلُطَاتِ العُلْيَا، فَمَا مِنْ سُلْطَةٍ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ" (رُومَة 13: 1). وَلَا يَعْنِي هٰذَا القَوْلُ أَنَّ كُلَّ حَاكِمٍ يَتَصَرَّفُ بِإِرَادَةِ اللهِ، أَوْ أَنَّ كُلَّ قَرَارٍ سِيَاسِيٍّ يَحْمِلُ شَرْعِيَّةً أَخْلَاقِيَّةً. فَالسُّلْطَةُ تُبَرِّرُ وُجُودَهَا بِخِدْمَةِ الخَيْرِ العَامِّ، وَتَبْقَى خَاضِعَةً لِمَبَادِئِ الحَقِّ وَالعَدْلِ.  وَيُكَمِّلُ بُطْرُسُ الرَّسُولُ هٰذَا التَّعْلِيمَ بِقَوْلِهِ: "اتَّقُوا اللهَ، أَكْرِمُوا المَلِكَ"

 

وَعِنْدَمَا تَأْمُرُ السُّلْطَةُ بِمَا يُنَاقِضُ الوَصِيَّةَ الإِلٰهِيَّةَ أَوْ يَنْتَهِكُ الحُقُوقَ الأَسَاسِيَّةَ لِلْإِنْسَانِ، يَصِيرُ الِامْتِنَاعُ عَنِ الِامْتِثَالِ وَاجِبًا أَخْلَاقِيًّا، وَفْقًا لِقَوْلِ الرُّسُلِ: "اللهُ أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاسِ" (أَعْمَال 5: 29). وَيُؤَكِّدُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ هٰذَا المَبْدَأَ، إِذْ يُقَرِّرُ أَنَّ المُوَاطِنَ مَلْزَمٌ ضَمِيرِيًّا بِأَلَّا يَتَّبِعَ أَوَامِرَ السُّلْطَاتِ المَدَنِيَّةِ إِذَا خَالَفَتْ مُتَطَلَّبَاتِ النِّظَامِ الأَخْلَاقِيِّ وَالحُقُوقَ الأَسَاسِيَّةَ لِلأَشْخَاصِ وَتَعَالِيمَ الإِنْجِيلِ (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ، 2242). فمن واجبنا نَحْتَرِمُ السُّلْطَةَ عِنْدَمَا تَخْدِمُ الإِنْسَانَ، وَنُطِيعُ القَوَانِينَ العَادِلَةَ، وَلٰكِنَّنَا لَا نَجْعَلُ مِنَ الطَّاعَةِ ذَرِيعَةً لِتَبْرِيرِ الظُّلْمِ أَوِ التَّخَلِّي عَنِ الضَّمِيرِ.

 

ب. الدِّفَاعُ عَنْ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ وَحُقُوقِهِ الأَسَاسِيَّةِ

 

لَا يَدْعُونَا يَسُوعُ إِلَى بِنَاءِ مَمْلَكَةٍ رُوحِيَّةٍ مَعْزُولَةٍ عَنْ وَاقِعِ الحَيَاةِ، بَلْ إِلَى الشَّهَادَةِ لِمَلَكُوتِ اللهِ وَسَطَ العَالَمِ، مِنْ خِلَالِ الدِّفَاعِ عَنِ الإِنْسَانِ وَخِدْمَتِهِ. فَالإِنْسَانُ لَا يَسْتَمِدُّ كَرَامَتَهُ مِنَ الدَّوْلَةِ أَوْ مِنَ الحَاكِمِ، بَلْ مِنَ اللهِ الَّذِي خَلَقَهُ عَلَى صُورَتِهِ وَمِثَالِهِ (التَّكْوِين 1: 26–27).

 

وَإِذَا كَانَ الدِّينَارُ يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ، فَإِنَّ الإِنْسَانَ يَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ. وَهٰذِهِ المُقَابَلَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ، الَّتِي طَوَّرَهَا التَّفْسِيرُ الآبَائِيُّ، تُذَكِّرُنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَيِّ سُلْطَةٍ أَنْ تَتَعَامَلَ مَعَ الإِنْسَانِ كَأَنَّهُ مِلْكِيَّةٌ لَهَا. وَمِنْ هُنَا، يَتَطَلَّبُ الِالْتِزَامُ السِّيَاسِيُّ المَسِيحِيُّ الدِّفَاعَ عَنِ الحَيَاةِ البَشَرِيَّةِ، وَحُرِّيَّةِ الضَّمِيرِ وَالدِّينِ، وَحُقُوقِ الأُسْرَةِ، وَحُقُوقِ العُمَّالِ، وَكَرَامَةِ الفُقَرَاءِ وَالمُسِنِّينَ وَالأَشْخَاصِ ذَوِي الإِعَاقَةِ، وَكُلِّ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِلظُّلْمِ وَالتَّهْمِيشِ. وَيُذَكِّرُنَا يَسُوعُ بِأَنَّ خِدْمَةَ الإِنْسَانِ هِيَ أَيْضًا خِدْمَةٌ لَهُ: "كُلَّمَا صَنَعْتُمْ ذٰلِكَ بِوَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِي هٰؤُلَاءِ الصِّغَارِ، فَبِي صَنَعْتُمُوهُ" (مَتَّى 25: 40). فلنَعِيش وَاجِبَاتِنَا السِّيَاسِيَّةَ عِنْدَمَا نَدْفَعُ عَنْ كَرَامَةِ الإِنْسَانِ كُلَّ أَشْكَالِ الإِذْلَالِ وَالتَّمْيِيزِ وَالِاسْتِغْلَالِ، وَنَعْمَلُ لِأَنْ تَكُونَ المُؤَسَّسَاتُ وَالقَوَانِينُ فِي خِدْمَةِ الإِنْسَانِ، لَا الإِنْسَانُ فِي خِدْمَةِ مَصَالِحِ السُّلْطَةِ.

 

ج. المُسَاهَمَةُ فِي الخَيْرِ العَامِّ وَاحْتِرَامُ المَبَادِئِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ

 

نَعِيشُ مَسْؤُولِيَّتَنَا السِّيَاسِيَّةَ بِالتَّحَلِّي بِرُوحِ المُوَاطَنَةِ الصَّالِحَةِ، وَالِالْتِزَامِ بِمَبَادِئِ الحُرِّيَّةِ وَالعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالمُسَاوَاةِ فِي الكَرَامَةِ وَالحُقُوقِ، وَبِرَفْضِ التَّعَصُّبِ وَالتَّمْيِيزِ وَالفَسَادِ. فَحُبُّ الوَطَنِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى المَشَاعِرِ وَالشِّعَارَاتِ، بَلْ يَظْهَرُ فِي خِدْمَةِ المُجْتَمَعِ وَاحْتِرَامِ التَّعَدُّدِيَّةِ وَقَبُولِ الآخَرِ وَالدِّفَاعِ عَنْ حُقُوقِهِ، وَفِي المُشَارَكَةِ المَسْؤُولَةِ فِي الحَيَاةِ العَامَّةِ.

 

وَيُؤَكِّدُ المَجْمَعُ الفَاتِيكَانِيُّ الثَّانِي أَهَمِّيَّةَ المُشَارَكَةِ الحُرَّةِ وَالمَسْؤُولَةِ لِلْمُوَاطِنِينَ فِي تَدْبِيرِ الشُّؤُونِ العَامَّةِ، وَضَرُورَةَ احْتِرَامِ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ فِي المُجْتَمَعِ السِّيَاسِيِّ (الدُّسْتُورُ الرَّاعَوِيُّ فَرَحٌ وَرَجَاءٌ، 75). وَتَتَجَلَّى المُوَاطَنَةُ المَسْؤُولَةُ فِي احْتِرَامِ القَوَانِينِ العَادِلَةِ، وَالمُشَارَكَةِ فِي الِانْتِخَابَاتِ حَيْثُمَا تَتَاحُ بِحُرِّيَّةٍ، وَمُسَاءَلَةِ المَسْؤُولِينَ بِوَسَائِلَ سِلْمِيَّةٍ وَمَشْرُوعَةٍ، وَتَقْدِيمِ المَقْتَرَحَاتِ البَنَّاءَةِ لِتَطْوِيرِ المُؤَسَّسَاتِ.  لنُعَبِّرْ أذًا عَنْ حُبِّنَا لِوَطَنِنَا بِالعَمَلِ لِخَيْرِ جَمِيعِ سُكَّانِهِ، وَبِالمُسَاهَمَةِ فِي تَحْقِيقِ العَدْلِ وَالسَّلَامِ، وَبِتَغْلِيبِ المَصْلَحَةِ العَامَّةِ عَلَى المَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ وَالفِئَوِيَّةِ.

 

د. أَدَاءُ الضَّرَائِبِ المَشْرُوعَةِ بِأَمَانَةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ

 

تُعَدُّ المُسَاهَمَةُ العَادِلَةُ فِي تَمْوِيلِ الخَدَمَاتِ العَامَّةِ وَاجِبًا مَدَنِيًّا وَأَخْلَاقِيًّا، لِأَنَّ الدَّوْلَةَ وَالمُؤَسَّسَاتِ العَامَّةَ تَحْتَاجُ إِلَى المَوَارِدِ لِتَوْفِيرِ التَّعْلِيمِ وَالرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ وَالبِنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ وَالحِمَايَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَسَائِرِ الخَدَمَاتِ الضَّرُورِيَّةِ. وَقَدْ دَعَا بُولُسُ الرَّسُولُ المُؤْمِنِينَ إِلَى أَدَاءِ الِالْتِزَامَاتِ المَالِيَّةِ المَشْرُوعَةِ، قَائِلًا: "أَدُّوا لِكُلٍّ حَقَّهُ: الضَّرِيبَةَ لِمَنْ لَهُ الضَّرِيبَةُ، وَالخَرَاجَ لِمَنْ لَهُ الخَرَاجُ" (رُومَة 13: 7).

 

وَيُعَلِّمُ التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ أَنَّ دَفْعَ الضَّرَائِبِ، وَمُمَارَسَةَ حَقِّ الِانْتِخَابِ، وَالدِّفَاعَ عَنِ الوَطَنِ، تَدْخُلُ ضِمْنَ وَاجِبَاتِ المُوَاطِنِينَ فِي خِدْمَةِ الخَيْرِ العَامِّ (التَّعْلِيمُ المَسِيحِيُّ، 2240). وَلِذٰلِكَ، فَإِنَّ التَّهَرُّبَ المُتَعَمَّدَ مِنَ الضَّرَائِبِ العَادِلَةِ وَالمُسْتَحَقَّةِ، بِوَسَائِلَ احْتِيَالِيَّةٍ، يُمْكِنُ أَنْ يُشَكِّلَ إِخْلَالًا بِالعَدَالَةِ وَالأَمَانَةِ تِجَاهَ المُجْتَمَعِ.

 

وَلٰكِنَّ هٰذَا الوَاجِبَ يُقَابِلُهُ وَاجِبٌ آخَرُ عَلَى السُّلْطَةِ، وَهُوَ فَرْضُ الضَّرَائِبِ بِعَدْلٍ وَتَنَاسُبٍ، وَإِدَارَةُ المَالِ العَامِّ بِشَفَافِيَّةٍ وَنَزَاهَةٍ، وَتَوْجِيهُهُ نَحْوَ الخَيْرِ العَامِّ، لَا نَحْوَ الإِثْرَاءِ الشَّخْصِيِّ أَوِ الفَسَادِ.

 

أَمَّا فِي حَالَةِ السُّلْطَةِ المُحْتَلَّةِ أَوِ الظَّالِمَةِ، فَإِنَّ دَفْعَ الضَّرِيبَةِ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ الِاعْتِرَافَ بِشَرْعِيَّةِ الِاحْتِلَالِ أَوْ تَبْرِيرَ مُمَارَسَاتِهِ. فَقَدْ يَكُونُ الدَّفْعُ نَاتِجًا عَنْ إِكْرَاهٍ قَانُونِيٍّ أَوْ ضَرُورَةٍ مَعِيشِيَّةٍ، كَمَا أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الضَّرِيبَةِ نَفْسِهَا وَوَاجِبَ أَدَائِهَا يَحْتَاجَانِ إِلَى تَمْيِيزٍ أَخْلَاقِيٍّ وَقَانُونِيٍّ يَرَاعِي طَبِيعَةَ السُّلْطَةِ وَالغَرَضَ مِنَ الجِبَايَةِ وَحُقُوقَ السُّكَّانِ.

 

وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ قَوْلِ يَسُوعَ لِتَبْرِيرِ كُلِّ ضَرِيبَةٍ تَفْرِضُهَا سُلْطَةٌ قَائِمَةٌ، كَمَا لَا يَصِحُّ اسْتِنْتَاجُ وُجُوبِ رَفْضِ جَمِيعِ الضَّرَائِبِ مِنْ مُجَرَّدِ كَوْنِ السُّلْطَةِ ظَالِمَةً. فَالْحُكْمُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الظُّرُوفِ المَحْدَّدَةِ، وَعَلَى مَبَادِئِ العَدْلِ وَالضَّمِيرِ وَحِمَايَةِ الأَبْرِيَاءِ.

 

هـ. حِمَايَةُ الحَيَاةِ وَالمُمْتَلَكَاتِ العَامَّةِ وَالبِيئَةِ

 

تَشْمَلُ المُوَاطَنَةُ الصَّالِحَةُ العِنَايَةَ بِالحَيَاةِ البَشَرِيَّةِ، وَاحْتِرَامَ حُقُوقِ الآخَرِينَ، وَالمُحَافَظَةَ عَلَى المُمْتَلَكَاتِ العَامَّةِ الَّتِي تَخْدِمُ جَمِيعَ المُوَاطِنِينَ.  فَالطُّرُقُ وَالمَدَارِسُ وَالمُسْتَشْفَيَاتُ وَالمَبَانِي العَامَّةُ وَوَسَائِلُ النَّقْلِ وَالمَرَافِقُ البِيئِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُمْتَلَكَاتٍ لِلدَّوْلَةِ، بَلْ هِيَ مَوَارِدُ مُشْتَرَكَةٌ تَخْدِمُ كَرَامَةَ الإِنْسَانِ وَرَفَاهِيَّةَ المُجْتَمَعِ. وَتَرْتَبِطُ المُحَافَظَةُ عَلَى الخَلِيقَةِ بِالمَسْؤُولِيَّةِ الَّتِي أَوْكَلَهَا اللهُ إِلَى الإِنْسَانِ، إِذْ وَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ "لِيَفْلَحَهَا وَيَحْرُسَهَا" (التَّكْوِين 2: 15). نَعِيش إِيمَانَنَا وَمُوَاطَنَتَنَا عِنْدَمَا نَحْتَرِمُ المُمْتَلَكَاتِ العَامَّةَ، وَنُحَافِظُ عَلَى نَظَافَةِ بَلَدَاتِنَا، وَنَرْفُضُ الإِضْرَارَ بِالبِيئَةِ، وَنَعْمَلُ عَلَى تَوْفِيرِ مَكَانٍ آمِنٍ وَصِحِّيٍّ لِلأَجْيَالِ الحَاضِرَةِ وَالقَادِمَةِ.

 

و. المُشَارَكَةُ الفَاعِلَةُ فِي تَطْوِيرِ المُجْتَمَعِ وَالوَطَنِ

 

لَا تَكْتَمِلُ المُوَاطَنَةُ بِمُجَرَّدِ الِامْتِنَاعِ عَنِ الإِسَاءَةِ أَوْ مُخَالَفَةِ القَانُونِ، بَلْ تَتَطَلَّبُ المُبَادَرَةَ وَالمُشَارَكَةَ الإِيجَابِيَّةَ فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ. فَالمُؤْمِنُ مَدْعُوٌّ إِلَى التَّخَلِّي عَنِ اللَّامُبَالَاةِ وَالمَوَاقِفِ السَّلْبِيَّةِ، وَإِلَى تَقْدِيمِ الأَفْكَارِ وَالِاقْتِرَاحَاتِ بِرُوحٍ نَقْدِيَّةٍ بَنَّاءَةٍ، وَالمُشَارَكَةِ فِي المُؤَسَّسَاتِ الأَهْلِيَّةِ وَالجَمْعِيَّاتِ التَّطَوُّعِيَّةِ وَالمُبَادَرَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَيُذَكِّرُنَا يَسُوعُ بِرِسَالَتِنَا فِي العَالَمِ، قَائِلًا: "«أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ ... أَنْتُمْ نُورُ العَالَمِ" (مَتَّى 5: 13–14). وَلَا تَتَحَقَّقُ هٰذِهِ الرِّسَالَةُ بِالْكَلَامِ وَحْدَهُ، بَلْ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي تُسَاهِمُ فِي تَغْيِيرِ المُجْتَمَعِ إِلَى الأَفْضَلِ (مَتَّى 5: 16). نَخْدِمُ وَطَنَنَا عِنْدَمَا نُسَاهِمُ فِي تَطْوِيرِ بَلْدَاتِنَا وَمَدَارِسِنَا وَمُؤَسَّسَاتِنَا، وَنُقَدِّمُ حُلُولًا لِلْمُشْكِلَاتِ بَدَلًا مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالِانْتِقَادِ وَالتَّذَمُّرِ.

 

ز. التَّطَوُّعُ وَإِتْقَانُ العَمَلِ بِوَصْفِهِمَا شَهَادَةً مَسِيحِيَّةً

 

تَتَجَلَّى المَسْؤُولِيَّةُ المَدَنِيَّةُ أَيْضًا فِي العَمَلِ اليَوْمِيِّ وَالخِدْمَةِ التَّطَوُّعِيَّةِ. فَكُلُّ عَمَلٍ شَرِيفٍ يُؤَدَّى بِأَمَانَةٍ وَكِفَايَةٍ وَمَحَبَّةٍ يُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ وَخِدْمَةِ الإِنْسَانِ. وَتَشْمَلُ هٰذِهِ الخِدْمَةُ المُسَاعَدَةَ فِي المَجَالَاتِ الصِّحِّيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَرِعَايَةَ المُحْتَاجِينَ، وَمُسَانَدَةَ الأُسَرِ المُتَأَلِّمَةِ، وَالمُشَارَكَةَ فِي المُبَادَرَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ. وَيَحُثُّ بُولُسُ الرَّسُولُ المُؤْمِنِينَ عَلَى إِتْقَانِ أَعْمَالِهِمْ، قَائِلًا: "وَمَهْمَا عَمِلْتُمْ، فَاعْمَلُوا مِنَ القَلْبِ، كَأَنَّهُ لِلرَّبِّ لَا لِلنَّاسِ" (قُولُسِّي 3: 23). وَهٰكَذَا، يَتَحَوَّلُ العَمَلُ المِهْنِيُّ وَالتَّطَوُّعِيُّ إِلَى شَهَادَةٍ لِلإِنْجِيلِ، لِأَنَّ المُؤْمِنَ يَخْدِمُ المَسِيحَ مِنْ خِلَالِ خِدْمَتِهِ لِإِخْوَتِهِ. نَعِيشُ مَسْؤُولِيَّتَنَا المَدَنِيَّةَ عِنْدَمَا نُتْقِنُ عَمَلَنَا، وَنَحْتَرِمُ وَقْتَنَا وَوَاجِبَاتِنَا، وَنَرْفُضُ الفَسَادَ وَالإِهْمَالَ، وَنُسَاهِمُ بِمَوَاهِبِنَا وَخِبْرَاتِنَا فِي خِدْمَةِ الآخَرِينَ.

 

ح. التَّوْفِيقُ بَيْنَ الأَمَانَةِ لِلَّهِ وَالأَمَانَةِ لِلْوَطَنِ

 

إِنَّ قَوْلَ يَسُوعَ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" لَا يُقِيمُ تَعَارُضًا ضَرُورِيًّا بَيْنَ الِالْتِزَامِ الدِّينِيِّ وَالوَاجِبِ المَدَنِيِّ، بَلْ يَدْعُو إِلَى تَرْتِيبِهِمَا تَرْتِيبًا صَحِيحًا. فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي يُؤَدِّي وَاجِبَاتِهِ المَدَنِيَّةَ بِأَمَانَةٍ، وَيُحَافِظُ عَلَى المَالِ العَامِّ، وَيَحْتَرِمُ حُقُوقَ مُوَاطِنِيهِ، وَيُسَاهِمُ فِي إِقَامَةِ العَدْلِ، يُعَبِّرُ بِهٰذِهِ الأَعْمَالِ عَنْ إِيمَانِهِ بِاللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ لِلْقَرِيبِ. وَلٰكِنْ عِنْدَمَا يَنْشَأُ تَعَارُضٌ حَقِيقِيٌّ بَيْنَ مَطَالِبِ السُّلْطَةِ وَوَصِيَّةِ اللهِ، تَبْقَى الأَوْلَوِيَّةُ لِلْحَقِّ وَالضَّمِيرِ المُسْتَقِيمِ. وَهُنَا يَتَّضِحُ أَنَّ الأَمَانَةَ لِلْوَطَنِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ طَاعَةٍ لِلْحُكَّامِ، بَلْ هِيَ أَوَّلًا أَمَانَةٌ لِلْإِنْسَانِ وَكَرَامَتِهِ وَحُقُوقِهِ، وَلِلْخَيْرِ العَامِّ الَّذِي وُجِدَتِ السُّلْطَةُ مِنْ أَجْلِ خِدْمَتِهِ.

 

الخُلَاصَةُ: إِنَّ تَعْلِيمَ يَسُوعَ عَنْ دَفْعِ الجِزْيَةِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَسْأَلَةٍ ضَرِيبِيَّةٍ عَرَضِيَّةٍ، بَلْ يُقَدِّمُ رُؤْيَةً شَامِلَةً لِحَيَاةِ المُؤْمِنِ فِي المُجْتَمَعِ. فَالْمَسِيحِيُّ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِلَّهِ وَمَسْؤُولًا تِجَاهَ وَطَنِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مِنْ إِيمَانِهِ دَافِعًا لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ وَبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ أَكْثَرَ عَدْلًا وَسَلَامًا. وَلَيْسَ بَيْنَ إِعْطَاءِ قَيْصَرَ حَقَّهُ وَإِعْطَاءِ اللهِ حَقَّهُ تَنَاقُضٌ، مَا دَامَتِ السُّلْطَةُ تَلْتَزِمُ حُدُودَهَا المَشْرُوعَةَ، وَمَا دَامَ المُؤْمِنُ يَجْعَلُ اللهَ المَرْجِعَ الأَعْلَى لِحَيَاتِهِ وَضَمِيرِهِ. فَكِلَا الِالْتِزَامَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَنْبَعَ مِنْ قَلْبٍ وَاحِدٍ يُؤْمِنُ بِأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ تَتَجَسَّدُ فِي مَحَبَّةِ القَرِيبِ وَخِدْمَةِ المُجْتَمَعِ.

 

وَهٰكَذَا، لَا يَطْلُبُ مِنَّا يَسُوعُ أَنْ نَخْتَارَ بَيْنَ اللهِ وَالوَطَنِ، بَلْ أَنْ نَخْدِمَ وَطَنَنَا بِضَمِيرٍ يَسْتَنِيرُ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَأَنْ نُؤَدِّيَ وَاجِبَاتِنَا المَدَنِيَّةَ دُونَ أَنْ نَتَخَلَّى عَنْ أَمَانَتِنَا لِلْحَقِّ وَالعَدْلِ. فَإِعْطَاءُ قَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ هُوَ وَاجِبٌ مَدَنِيٌّ، أَمَّا إِعْطَاءُ اللهِ مَا لِلَّهِ فَهُوَ تَكْرِيسُ الإِنْسَانِ بِكُلِّيَّتِهِ لِلَّهِ، وَجَعْلُ حَيَاتِهِ شَهَادَةً لِلْمَحَبَّةِ وَالحَقِّ وَالسَّلَامِ.

 

 

الخُلَاصَةُ:

 

فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاةِ يَسُوعَ الأَرْضِيَّةِ، وَبَعْدَ دُخُولِهِ الِانْتِصَارِيِّ إِلَى أُورُشَلِيمَ (مَتَّى 21: 1–11)، دَخَلَ الهَيْكَلَ وَأَخَذَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ، فَوَاجَهَ مُعَارَضَةً مُتَزَايِدَةً مِنَ السُّلُطَاتِ الدِّينِيَّةِ. وَيَعْرِضُ مَتَّى الإِنْجِيلِيُّ، فِي هٰذَا السِّيَاقِ، سِلْسِلَةً مِنْ خَمْسِ مُجَادَلَاتٍ رَئِيسِيَّةٍ تَكْشِفُ عَنْ هُوِيَّةِ يَسُوعَ وَسُلْطَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ.

 

تَنَاوَلَتِ المُجَادَلَةُ الأُولَى مَصْدَرَ سُلْطَةِ يَسُوعَ: أَمِنَ السَّمَاءِ هِيَ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟ (مَتَّى 21: 23–27). وَلَمْ يُجِبْ يَسُوعُ عَنْ سُؤَالِ رُؤَسَاءِ الكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ جَوَابًا مُبَاشِرًا، بَلْ كَشَفَ عَنْ عَدَمِ اسْتِعْدَادِهِمْ لِلِاعْتِرَافِ بِالحَقِّ. ثُمَّ قَدَّمَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مُتَتَالِيَةٍ: مَثَلَ الِابْنَيْنِ (مَتَّى 21: 28–32)، وَمَثَلَ الكَرَّامِينَ القَتَلَةِ (مَتَّى 21: 33–46)، وَمَثَلَ وَلِيمَةِ العُرْسِ (مَتَّى 22: 1–14). وَتُبَيِّنُ هٰذِهِ الأَمْثَالُ مَسْؤُولِيَّةَ الإِنْسَانِ عَنْ الِاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَةِ اللهِ، وَتَكْشِفُ عَنْ رَفْضِ بَعْضِ القَادَةِ الدِّينِيِّينَ لِرِسَالَةِ يَسُوعَ وَسُلْطَتِهِ الإِلٰهِيَّةِ.

 

أَمَّا المُجَادَلَةُ الثَّانِيَةُ، فَتَنَاوَلَتْ مَشْرُوعِيَّةَ دَفْعِ الجِزْيَةِ إِلَى قَيْصَرَ (مَتَّى 22: 15–22)، وَقَدْ أَثَارَهَا تَلَامِيذُ الفَرِّيسِيِّينَ بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ الهِيرُودُسِيِّينَ. وَتَنَاوَلَتْ المُجَادَلَةُ الثَّالِثَةُ قِيَامَةَ الأَمْوَاتِ فِي حِوَارِ يَسُوعَ مَعَ الصَّدُّوقِيِّينَ (مَتَّى 22: 23–33)، فِي حِينِ تَنَاوَلَتْ المُجَادَلَةُ الرَّابِعَةُ الوَصِيَّةَ العُظْمَى فِي الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ مَحَبَّةُ اللهِ وَمَحَبَّةُ القَرِيبِ (مَتَّى 22: 34–40). وَأَخِيرًا، فِي المُجَادَلَةِ الخَامِسَةِ، وَجَّهَ يَسُوعُ إِلَى الفَرِّيسِيِّينَ سُؤَالًا عَنْ هُوِيَّةِ المَسِيحِ: كَيْفَ يَكُونُ المَسِيحُ ابْنَ دَاوُدَ وَرَبَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ؟ (مَتَّى 22: 41–46)، مُظْهِرًا أَنَّ هُوِيَّتَهُ تَتَجَاوَزُ المَفْهُومَ السِّيَاسِيَّ المَحْدُودَ لِلْمَسِيحِ المَنْتَظَرِ.

 

وَفِي المُجَادَلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالجِزْيَةِ، يُوَضِّحُ مَتَّى غَايَةَ تَشَاوُرِ الفَرِّيسِيِّينَ، إِذْ يَقُولُ: "فَذَهَبَ الفَرِّيسِيُّونَ وَتَشَاوَرُوا لِيَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ" (مَتَّى 22: 15). فَلَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُمْ بَحْثًا صَادِقًا عَنِ الحَقِّ، بَلْ مُحَاوَلَةً لِلْإِيقَاعِ بِيَسُوعَ فِي مَأْزِقٍ دِينِيٍّ وَسِيَاسِيٍّ. غَيْرَ أَنَّ يَسُوعَ حَوَّلَ مَكِيدَتَهُمْ إِلَى فُرْصَةٍ لِإِعْلَانِ مَبْدَإٍ لَاهُوتِيٍّ وَأَخْلَاقِيٍّ خَالِدٍ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21).

 

يُقِرُّ هٰذَا المَبْدَأُ بِوُجُودِ وَاجِبَاتٍ مَدَنِيَّةٍ مَشْرُوعَةٍ تِجَاهَ السُّلْطَةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَلٰكِنَّهُ يُؤَكِّدُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ أَنَّ هٰذِهِ السُّلْطَةَ مَحْدُودَةٌ وَزَائِلَةٌ، وَلَا تَمْلِكُ حَقًّا مُطْلَقًا عَلَى الإِنْسَانِ وَضَمِيرِهِ. فَالْمُؤْمِنُ مَدْعُوٌّ إِلَى احْتِرَامِ القَوَانِينِ العَادِلَةِ وَأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ المَدَنِيَّةِ، مَا دَامَتْ لَا تَتَعَارَضُ مَعَ شَرِيعَةِ اللهِ وَالمَبَادِئِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَكَرَامَةِ الإِنْسَانِ. أَمَّا إِذَا وَقَعَ تَعَارُضٌ حَقِيقِيٌّ بَيْنَ أَمْرِ السُّلْطَةِ وَوَصِيَّةِ اللهِ، فَإِنَّ الأَوْلَوِيَّةَ تَبْقَى لِلَّهِ، لِأَنَّ "اللهَ أَحَقُّ بِالطَّاعَةِ مِنَ النَّاسِ" (أَعْمَال 5: 29).

 

وَيَكْشِفُ جَوَابُ يَسُوعَ عَنْ تَمْيِيزٍ أَسَاسِيٍّ بَيْنَ السُّلْطَةِ الأَرْضِيَّةِ وَالسِّيَادَةِ الإِلٰهِيَّةِ، دُونَ أَنْ يَجْعَلَهُمَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ أَوْ مُتَنَاقِضَتَيْنِ بِالضَّرُورَةِ. فَلِقَيْصَرَ حُقُوقٌ مَدَنِيَّةٌ مَحْدُودَةٌ، أَمَّا اللهُ فَلَهُ الحَقُّ الأَعْلَى فِي حَيَاةِ الإِنْسَانِ كُلِّهَا. وَتَتَّضِحُ هٰذِهِ الحَقِيقَةُ مِنْ خِلَالِ السُّؤَالِ الَّذِي وَجَّهَهُ يَسُوعُ إِلَى مُحَاوِرِيهِ: "لِمَنِ الصُّورَةُ هٰذِهِ وَالكِتَابَةُ؟" (مَتَّى 22: 20). فَالدِّينَارُ يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ وَكِتَابَتَهُ، أَمَّا الإِنْسَانُ فَيَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ وَمِثَالَهُ، كَمَا يَقُولُ سِفْرُ التَّكْوِينِ: "لِنَصْنَعِ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَمِثَالِنَا" (التَّكْوِين 1: 26).

 

هٰذِهِ المُقَابَلَةُ بَيْنَ صُورَةِ قَيْصَرَ عَلَى النَّقْدِ وَصُورَةِ اللهِ فِي الإِنْسَانِ هِيَ قِرَاءَةٌ لَاهُوتِيَّةٌ رُوحِيَّةٌ عَمَّقَهَا آبَاءُ الكَنِيسَةِ. وَيَجِدُ هٰذَا المَعْنَى صَدَاهُ فِي صَلَاةِ صَاحِبِ المَزَامِيرِ: "أَشْرِقْ عَلَيْنَا نُورَ وَجْهِكَ، يَا رَبُّ" (المَزْمُور 4: 7). فَالإِنْسَانُ الَّذِي خُلِقَ عَلَى صُورَةِ اللهِ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يَعْكِسَ فِي حَيَاتِهِ نُورَ وَجْهِهِ وَقَدَاسَتَهُ.

 

وَلِكَيْ نُؤَدِّيَ لِلَّهِ مَا لِلَّهِ، لَا يَكْفِي أَنْ نَعْتَرِفَ بِأَنَّنَا خُلِقْنَا عَلَى صُورَتِهِ، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَسْعَى إِلَى التَّشَبُّهِ بِالمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ "بَهَاءُ مَجْدِهِ وَصُورَةُ جَوْهَرِهِ" (العِبْرَانِيِّينَ 1: 3). فَالْمَسِيحُ هُوَ الصُّورَةُ الكَامِلَةُ الَّتِي نُدْعَى إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهَا، وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُهُ بُولُسُ الرَّسُولُ بِقَوْلِهِ إِنَّ اللهَ "سَبَقَ فَقَضَى بِأَنْ يَكُونُوا عَلَى مِثَالِ صُورَةِ ابْنِهِ" (رُومَة 8: 29). وَبِهٰذَا المَعْنَى، فَإِنَّ إِعْطَاءَ اللهِ مَا لِلَّهِ يَعْنِي تَكْرِيسَ الذَّاتِ لَهُ، وَالْتِزَامَ وَصَايَاهُ، وَمُمَارَسَةَ المَحَبَّةِ وَالعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَاحْتِرَامَ كَرَامَةِ كُلِّ إِنْسَانٍ يَحْمِلُ صُورَتَهُ.

 

وَهٰكَذَا، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ الأَسَاسِيَّةَ لِلنَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى دَفْعِ الضَّرَائِبِ، بَلْ تَتَجَاوَزُهَا إِلَى السُّؤَالِ الأَعْمَقِ: لِمَنْ نَنْتَمِي، وَلِمَنْ نُكَرِّسُ حَيَاتَنَا؟ فَمَا يَحْمِلُ صُورَةَ قَيْصَرَ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدَّى لِقَيْصَرَ، أَمَّا الإِنْسَانُ الَّذِي يَحْمِلُ صُورَةَ اللهِ، فَهُوَ مَدْعُوٌّ إِلَى أَنْ يُقَدِّمَ لِلَّهِ قَلْبَهُ وَعَقْلَهُ وَإِرَادَتَهُ وَحَيَاتَهُ كُلَّهَا.

 

وَمِنْ هُنَا، يَبْقَى السُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُهُ الإِنْجِيلُ عَلَى ضَمِيرِ كُلِّ مُؤْمِنٍ: إِذَا كُنَّا نَحْرِصُ عَلَى أَنْ نُؤَدِّيَ لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، فَلِمَاذَا لَا نَحْرِصُ بِالأَوْلَى عَلَى أَنْ نُؤَدِّيَ لِلَّهِ مَا لِلَّهِ، وَنَحْنُ الَّذِينَ خُلِقْنَا عَلَى صُورَتِهِ، وَدُعِينَا إِلَى أَنْ نَتَشَبَّهَ بِابْنِهِ يَسُوعَ المَسِيحِ؟

 

 

دُعَاءٌ: الأَمَانَةُ لِلَّهِ وَخِدْمَةُ الوَطَنِ

أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، يَا مَنْ خَلَقْتَنَا عَلَى صُورَتِكَ وَمِثَالِكَ، نَسْأَلُكَ أَنْ تَمْنَحَنَا نِعْمَةَ فَهْمِ كَلِمَةِ ابْنِكَ يَسُوعَ المَسِيحِ وَالعَمَلِ بِهَا: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21).

أَنِرْ عُقُولَنَا وَضَمَائِرَنَا، لِنُؤَدِّيَ وَاجِبَاتِنَا الدِّينِيَّةَ وَالمَدَنِيَّةَ بِأَمَانَةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ، وَنَقُومَ بِرِسَالَتِنَا فِي خِدْمَةِ اللهِ وَالوَطَنِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، مُتَحَلِّينَ بِرُوحِ الحَقِّ وَالعَدْلِ وَالمَحَبَّةِ وَالسَّلَامِ.

وَسِّعْ قُلُوبَنَا لِنُحِبَّ الجَمِيعَ دُونَ تَمْيِيزٍ، وَلَا نَحْصُرَ اهْتِمَامَنَا فِي جَمَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ، بَلْ نَنْفَتِحَ عَلَى وَطَنِنَا بِأَسْرِهِ، وَنَمْتَدَّ بِمَحَبَّتِنَا وَتَضَامُنِنَا إِلَى البَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ.

عَلِّمْنَا أَنْ نَحْتَرِمَ كَرَامَةَ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَنَدَافِعَ عَنِ الحَقِّ، وَنَخْدِمَ الخَيْرَ العَامَّ، وَنُعْطِيَ لِلسُّلْطَةِ المَدَنِيَّةِ مَا يَحِقُّ لَهَا، دُونَ أَنْ نَنْسَى أَنَّكَ أَنْتَ وَحْدَكَ سَيِّدُ حَيَاتِنَا وَمَرْجِعُ ضَمَائِرِنَا.

وَاجْعَلْنَا، يَا رَبُّ، مُوَاطِنِينَ صَالِحِينَ عَلَى الأَرْضِ، وَأَعْضَاءَ أُمَنَاءَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، نَشْهَدُ لِمَحَبَّتِكَ بِأَقْوَالِنَا وَأَعْمَالِنَا، وَنَسْعَى إِلَى بِنَاءِ عَالَمٍ تَسُودُهُ العَدَالَةُ وَالأُخُوَّةُ وَالسَّلَامُ. بِالمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. آمِين.

 

 

قِصَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ: القِدِّيسُ تُومَا مُور: حِينَ تَعَارَضَ أَمْرُ المَلِكِ مَعَ صَوْتِ الضَّمِيرِ

فِي القَرْنِ السَّادِسِ عَشَرَ، عَاشَ فِي إِنْجِلْتَرَا رَجُلٌ اسْمُهُ القِدِّيسُ تُومَا مُور 1478) - 1535 كَانَ مُحَامِيًا وَمُفَكِّرًا وَرَجُلَ دَوْلَةٍ، وَتَوَلَّى مَنْصِبَ المُسْتَشَارِ الأَعْظَمِ لِلْمَمْلَكَةِ فِي عَهْدِ المَلِكِ هِنْرِي الثَّامِنِ.

كَانَ تُومَا مُور مُؤْمِنًا كَاثُولِيكِيًّا عَمِيقَ الإِيمَانِ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ مُوَاطِنًا مُخْلِصًا لِوَطَنِهِ، يَحْتَرِمُ المَلِكَ وَيُؤَدِّي وَاجِبَاتِهِ فِي خِدْمَةِ الدَّوْلَةِ بِأَمَانَةٍ وَنَزَاهَةٍ. وَلٰكِنَّ حَيَاتَهُ تَغَيَّرَتْ عِنْدَمَا نَشَأَ خِلَافٌ بَيْنَ المَلِكِ هِنْرِي الثَّامِنِ وَالسُّلْطَةِ الكَنَسِيَّةِ بِشَأْنِ زَوَاجِ المَلِكِ وَرِئَاسَةِ الكَنِيسَةِ فِي إِنْجِلْتَرَا.

فَفِي سَنَةِ 1534، أَقَرَّ البَرْلَمَانُ الإِنْجِلِيزِيُّ قَانُونًا يَعْتَرِفُ بِالمَلِكِ رَأْسًا أَعْلَى لِلْكَنِيسَةِ فِي إِنْجِلْتَرَا، وَطُلِبَ مِنَ المَسْؤُولِينَ أَنْ يُؤَدُّوا قَسَمًا يَرْتَبِطُ بِالتَّرْتِيبَاتِ الجَدِيدَةِ لِلْخِلَافَةِ المَلَكِيَّةِ وَبِمَوْقِفِ الدَّوْلَةِ مِنَ السُّلْطَةِ البَابَوِيَّةِ.

وَجَدَ تُومَا مُور نَفْسَهُ أَمَامَ امْتِحَانٍ صَعْبٍ: هَلْ يُوَافِقُ عَلَى مَا يُخَالِفُ ضَمِيرَهُ الدِّينِيَّ لِيَحْتَفِظَ بِمَنْصِبِهِ وَحُرِّيَّتِهِ، أَمْ يَبْقَى أَمِينًا لِإِيمَانِهِ مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ؟ كَانَ يُدْرِكُ أَنَّ المَلِكَ يَمْلِكُ سُلْطَةً سِيَاسِيَّةً مَشْرُوعَةً فِي تَدْبِيرِ شُؤُونِ المَمْلَكَةِ، وَلٰكِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ هٰذِهِ السُّلْطَةَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُلْزِمَهُ بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُخَالِفُ إِيمَانَهُ وَضَمِيرَهُ. لِذٰلِكَ اسْتَقَالَ مِنْ مَنْصِبِهِ سَنَةَ 1532، ثُمَّ رَفَضَ أَدَاءَ القَسَمِ بِالصِّيغَةِ الَّتِي فُرِضَتْ عَلَيْهِ. وَفِي سَنَةِ 1534، أُلْقِيَ القَبْضُ عَلَيْهِ وَسُجِنَ فِي بُرْجِ لَنْدَنَ.

وَبَعْدَ مُحَاكَمَتِهِ، صَدَرَ الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالإِعْدَامِ، وَنُفِّذَ الحُكْمُ فِي 6 تَمُّوزَ 1535. وَتَنْسِبُ إِلَيْهِ الرِّوَايَةُ التَّارِيخِيَّةُ، فِي لَحَظَاتِهِ الأَخِيرَةِ، عِبَارَةً أَصْبَحَتْ شَهِيرَةً: "أَمُوتُ خَادِمًا صَالِحًا لِلْمَلِكِ، وَلٰكِنْ لِلَّهِ أَوَّلًا".

 I die the King's good servant, and God's first.  وَهٰذِهِ العِبَارَةُ تُلَخِّصُ المَوْقِفَ الَّذِي عَاشَهُ تُومَا مُور: فَقَدْ أَحَبَّ وَطَنَهُ، وَخَدَمَ مَلِكَهُ، وَاحْتَرَمَ وَاجِبَاتِهِ المَدَنِيَّةَ، وَلٰكِنَّهُ رَفَضَ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الطَّاعَةِ لِلْحَاكِمِ طَاعَةً مُطْلَقَةً تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الضَّمِيرِ وَالإِيمَانِ. وَقَدْ أَعْلَنَتِ الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ قَدَاسَتَهُ سَنَةَ 1935، ثُمَّ أَعْلَنَهُ البَابَا يُوحَنَّا بُولُسُ الثَّانِي شَفِيعًا لِرِجَالِ السِّيَاسَةِ وَالحُكَّامِ سَنَةَ 2000.

 

العِبْرَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ

تُجَسِّدُ حَيَاةُ القِدِّيسِ تُومَا مُور تَعْلِيمَ يَسُوعَ: "أَدُّوا إِذًا لِقَيْصَرَ مَا لِقَيْصَرَ، وَلِلَّهِ مَا لِلَّهِ" (مَتَّى 22: 21).  فَقَيْصَرُ يَسْتَحِقُّ مِنَ المُوَاطِنِ احْتِرَامَ القَوَانِينِ العَادِلَةِ وَأَدَاءَ الوَاجِبَاتِ المَدَنِيَّةِ، وَلٰكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ حَقَّ السِّيَادَةِ المُطْلَقَةِ عَلَى ضَمِيرِ الإِنْسَانِ.

وَتُعَلِّمُنَا هٰذِهِ القِصَّةُ أَنَّ المَسِيحِيَّ الحَقِيقِيَّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ مُوَاطِنًا أَمِينًا وَمُؤْمِنًا شُجَاعًا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ؛ فَيَخْدِمُ وَطَنَهُ بِإِخْلَاصٍ، وَيَحْتَرِمُ السُّلْطَةَ فِي حُدُودِهَا المَشْرُوعَةِ، وَيَرْفُضُ أَنْ يُضَحِّيَ بِالحَقِّ وَالضَّمِيرِ مِنْ أَجْلِ المَنْصِبِ أَوِ المَصْلَحَةِ أَوِ الخَوْفِ. وَالسُّؤَالُ الَّذِي تَطْرَحُهُ عَلَيْنَا هٰذِهِ القِصَّةُ هُوَ: هَلْ نَمْلِكُ شَجَاعَةَ الأَمَانَةِ لِلَّهِ وَالضَّمِيرِ، حَتَّى عِنْدَمَا تَتَعَارَضُ هٰذِهِ الأَمَانَةُ مَعَ مَصَالِحِنَا الشَّخْصِيَّةِ أَوْ مَطَالِبِ السُّلْطَةِ؟