موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الرِّسالة
صَلُّوا وأوفوا الربَّ إلهُنا،
اللهُ معْروفٌ في أرضِ يهوذا
فصل من رِسالةِ الْقِدِّيسِ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى العِبْرَانِيِّينَ (9: 11-14)
يا إخوَةُ، إنَّ المسيحَ إذْ قَدْ جاءَ رَئيسَ كَهَنَةٍ للخيراتِ المستقبلةِ، فبمَسْكنٍ أعظَمَ وأكمَلَ غَيْرَ مَصْنُوعٍ بأيدٍ، أيْ ليسَ من هذه الخليقةِ وليسَ بدمِ تُيُوسٍ وعجولٍ بَلْ بدمِ نفسِهِ دَخَلَ الأقْداسَ مرَّة واحدةً فوَجَدَ فِداءً أبَديّا. لأنَّهُ إنْ كانَ دَمُ ثيرانٍ وتيوسٍ ورَمادُ عِجلةٍ يُرَشُّ على المُنجَّسينَ فيُقَدِّسُهُمْ لتطهيرِ الجسدِ، فكَمْ بالأحرى دَمُ المسيح الذي بالرُّوح الأزَليِّ قَرَّبَ نفسَهُ للهِ بلا عيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائرَكُم منَ الأعْمالِ الميتة لِتعْبُدُوا اللهَ الحيَّ.
الإنجيل
فصل شريف من بشارة القديس مرقس (10: 32–45)
في ذلك الزمان، أخَذَ يسوعُ تلاميذَهُ الإثْنَي عَشَرَ وابْتَدَأ يَقولُ لَهُم ما سيَعْرُضُ لَهُ: هُوذا نَحْنُ صاعِدونَ إلى أورَشليمَ، وابنُ البَشَرِ سَيُسَلَّمُ إلى رؤساء الكَهَنَةِ والكَتَبَةِ فَيْحكُمونَ عَلَيْهِ بِالموْتِ وَيُسَلِّمونَهُ إلى الأمَم . فَيَهْزَأونَ بِهِ ويَبْصُقونَ عَلَيْهِ وَيَجْلدونَهُ وَيَقْتُلونَهُ وفي اليَوْمِ الثالثِ يَقومُ. فَدَنا إليْهِ يَعْقوبُ ويَوحَنّا ابنا زَبَدى قائلينَ: يا مُعَلِّمُ نريدُ أنْ تَصْنَعَ لَنا مَهْما طَلَبنا. فَقالَ لهُما: ماذا تُريدانِ أنْ أصْنَعَ لَكُما. قالا لَهُ: أعْطِنا أنْ يَجْلِسَ أحَدُنا عَنْ يميِنكَ والآخرُ عَنْ يساركَ في مَجدِكَ. فقالَ لَهُما يسوعُ: إنَّكُما لا تَعْلَمان ما تَطْلُبان. أتستطيعانِ أنْ تشرَبا الكأسَ التي أشرَبُها أنا وأنْ تَصْطَبِغا بالصبْغَةِ التي أصْطَبِعُ بِها أنا. فقالا لَهُ نَسْتَطيع. فقالَ لَهُما يسوعُ: أمَّا الكأسُ التي أشْرَبُها فَتَشْرَبانِها وبِالصبْغةِ التي أصْطَبِغُ بِها فَتَصْطَبِغان. أمَّا جُلوسُكما عَنْ يميني وَعَن يَساري فَلَيسَ لي أنْ أعْطِيَهُ إلاّ للذينَ أُعِدَّ لَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَ العَشرَةُ ابْتدَأوا يَغضَبونَ على يعقوبَ ويوحنا. فدَعاهُم يسوعُ وقالَ لَهُم قدْ عَلِمْتُمْ أنَّ الذينَ يُحْسَبونَ رُؤَساءَ الأمَم يَسودونَهَم وَعُظماءَهُم يَتَسلَّطون عَليْهم. وأمَّا أنْتُمْ فَلا يَكونُ فيكمْ هكذا ولكِنْ مَنْ أرادَ أن يكونَ فيكم كبيراً فليَكُنْ لَكُمْ خادِماً وَمَن أراد أن يكونَ فيكمْ أوَّلَ فَلْيَكُنْ للجميع عَبْداً. فإن ابنَ البَشَرِ لَمْ يَأتِ ليُخْدَمَ بَل ليَخْدُمَ وليبذل نفسَهُ فِداءً عَنْ كثيرين.
بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين
ها هو الأحد الخامس من الصوم الكبير، أسبوع الرثاء والآهات، أحدى أعظم القديسات أمنا مريم المصرية. قضت سبعة وأربعين عامًا في الصحراء، فأعطاها الرب ما نادراً ما يُعطيه لأحد القديسين. لسنواتٍ لم تذق طعم الخبز والماء. ولما سألها الأب زوسيماس، أجابت: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (متى 4:4). غذّاها الرب بطريقةٍ خاصة، وقادها إلى حياة الناسك، إلى جهادها الروحي. وماذا كانت النتيجة؟ حوّلت القديسة جحيمها إلى جنة.
هزمت الشيطان وارتقت إلى الله! كيف؟ وبماذا؟ بالصوم والصلاة. لأن الصوم مع الصلاة، قوةٌ تغلب كل شيء. تقول ترنيمة رائعة من ترانيم الصوم الكبير: "فلنتبعه بالصوم، فهو الذي أرانا النصر على الشيطان، مخلص نفوسنا". بالصوم، أرانا النصر على الشيطان. لا سلاح آخر، ولا وسيلة أخرى. الصوم! هذه هي الوسيلة لهزيمة الشيطان، كل شيطان. مثال على النصر القديسة مريم المصرية.
يا لها من قوة إلهية للصوم، الصوم ليس إلا صلب الجسد، صلب الذات. ما دام الصليب موجودًا، فالنصر حتمي. جسد مريم، الزانية السابقة من الإسكندرية، سُلِّم بالخطيئة إلى عبودية الشيطان. لكن عندما احتضنت صليب المسيح، عندما أمسكت بهذا السلاح، هزمت الشيطان. الصوم هو قيامة الروح من الموت. الصوم والصلاة يفتحان عيون الإنسان، حتى يتمكن من مواجهة نفسه وفهمها حقًا، أن يرى ذاته. عندها يرى أن كل خطيئة في روحه هي قبره، ومثواه الأخير، وموته. يدرك أن الخطيئة في روحه لا تفعل شيئًا سوى تحويل كل ما ينتمي إلى الروح إلى جثث هامدة: أفكارها، ومشاعرها، وميولها؛ سلسلة من القبور. ثم ينطلق من الروح صراخ حزين: "قبل أن أهلك، أنقذني".
هذا هو صراخنا خلال هذا الأسبوع المقدس: يا رب، قبل أن أهلك تمامًا، أنقذني. هكذا صلينا هذا الأسبوع إلى الرب، هذه الأدعية الخاشعة التي أوردها لنا أبونا القديس أندراوس الكريتي في قانونه العظيم. "يا رب، قبل أن أهلك نهائيًا، أنقذني". هذا الصراخ يخاطبنا جميعًا، كل من يحمل خطايا. من منا لا يحمل خطايا؟
من المستحيل أن تنظر إلى نفسك ولا تجد في مكان ما، في زاوية ما من روحك، خطيئة ربما تكون منسية. وكل خطيئة لم تتب عنها هي قبرك، هي موتك. ولكي تنجو وتُبعث من قبرك، اصرخ بصراخ الصوم الكبير الحزين: "يا رب، قبل أن أتنجس نهائيًا، أنقذني". دعونا لا نخدع أنفسنا، وإذا بقيت في نفسك خطيئة واحدة، ولم تتب عنها ولم تعترف بها، بل تسامحت معها، فإن هذه الخطيئة ستقودك إلى جهنم. فليس للخطيئة مكان في جنة الله، وليس لها مكان في ملكوت السماوات.
لكي تكون جديرًا بملكوت السماوات، احرص على استئصال كل خطيئة من داخلك، واقتلاعها من جذورها بالتوبة. فليس شيء يفلت من توبة الإنسان. هذه هي القوة التي منحها الرب للتوبة المقدسة. انظر إذا كانت التوبة قد أنقذت امرأة عظيمة ضالة، مثل مريم المصرية، فكيف لا تنقذ الخطاة الآخرين، كل خاطئ، وأعظمهم إثمًا ومجرمًا؟ نعم، إن الصوم الكبير المقدس هو ساحة المعركة التي نهزم فيها نحن المسيحيون، بالصوم والصلاة، الشيطان، ونتغلب على كل الخطايا، ونقهر كل الأهواء، ونضمن لأنفسنا الخلود والحياة الأبدية.
في حياة المسيحيين الأتقياء الحقيقيين أمثلة لا حصر لها تُظهر أننا نحن المسيحيين لا ننتصر على الشياطين، وكل من يُعذبنا ويريد جرّنا إلى مملكة الشر، إلى الجحيم، إلا بالصلاة والصوم. هذا الصوم المقدس. هو صوم فضائلنا المقدسة. كل فضيلة مقدسة تُحيي روحي وروحك من الموت.
الصلاة: ما هي الصلاة؟ إنها الفضيلة العظيمة التي تُحيينا. هل قمتَ للصلاة، هل صرختَ إلى الرب ليُطهر روحك من الخطايا، من كل شر، من كل شهوة؟ حينها تُفتح قبورنا، ويُبعث الموتى. كل ما هو خاطئ يهرب، كل ما يجذب إلى الشر يختفي. الصلاة المقدسة تُحيي كل واحد منا، عندما تكون صادقة، عندما تُصعد الروح كلها إلى السماء، عندما تقول للرب بخوف ورعدة: انظر، انظر إلى قبوري، قبوري لا تُحصى يا رب! في كل قبر من هذه القبور، انظر إلى روحي، انظر إليها ميتة، بعيدة عنك يا رب تكلم وأحيِ جميع موتاي فأنت يا رب، أنت من منحتنا قوى إلهية عظيمة تُحيينا بالقيامة المقدسة، تُحيينا من قبر الكسل. نعم، بالخطيئة، بشهواتنا، نموت روحياً. تموت النفس حين تنفصل عن الله. الخطيئة قوة تفصل النفس عن الله.
ونحن حين نحب الخطيئة، حين نحب ملذات الخطيئة، في الحقيقة نحب موتنا، نحب القبور، القبور النتنة، التي تتحلل فيها نفوسنا. على النقيض حين نقوم، حين تضرب قلوبنا بصاعقة التوبة، حينها يُبعث موتانا. حينها تهزم نفوسنا كل من قتلها، تهزم خالق الخطايا بامتياز، الشيطان تهزمه بقوة الرب يسوع المسيح القائم من بين الأموات.
ذلك، بالنسبة لنا نحن المسيحيين، لا توجد خطيئة أقوى منا. تأكد أنك دائمًا أقوى من كل خطيئة تُعذبك، أنت دائمًا أقوى من كل شهوة تُعذبك. كيف؟ تسأل. بالتوبة وما أسهل من ذلك؟ يمكنك دائمًا أن تُنادي في داخلك، في أعماق روحك: "يا رب، قبل أن أُهلك تمامًا، أنقذني". لن يخذلك عون الله. ستُبعث من الموت وتعيش في هذا العالم كمن أتى من ذلك العالم، قام من بين الأموات ويحيا حياة جديدة، حياة الرب القائم من بين الأموات، الذي فيه كل القوى الإلهية، بحيث لا تستطيع أي خطيئة أن تقتلك بعد الآن. قد تسقط مرة أخرى، لكنك الآن تعرف، تعرف السلاح، تعرف القوة التي تُبعث بها من الموت. إذا أخطأت خمسين مرة في اليوم، إذا شعرت بالخجل خمسين مرة، إذا حفرت خمسين قبرًا اليوم، فقط اصرخ: "يا رب، امنحني التوبة. قبل أن أُهلك نهائيًا، أنقذني". قال الربّ الرحيم، العليم بضعف النفس البشرية وعجزها، وضعف إرادتها: تعالَ يا أخي. حتى لو أخطأتَ سبعين مرة في اليوم، فعُد وقل: أنا خاطئ (متى ١٨: ٢١-٢٢).
هذا ما يأمرنا به الربّ نحن البشر، الضعفاء والمساكين. إنه يغفر للخطاة. ولذلك أعلن أن هناك فرحًا عظيمًا في السماء بخاطئ واحد يتوب على الأرض (انظر لوقا ١٥: ٧). العالم السماوي بأسره ينظر إليكم، أيها الإخوة والأخوات، كيف تعيشون على الأرض. هل تقعون في الخطيئة ولا تتوبون؟ ها هي الملائكة تبكي وتحزن في السماء لأجلكم. ما إن تبدأوا بالتوبة، ها هي الملائكة في السماء تفرح، وترقص مثل إخوتكم السماويين. انظروا إلى قديسة اليوم العظيمة، مريم المصرية. ما أشدّ خطيئتها! منها خلق الربّ وجودًا مقدسًا كالكروبيم. بالتوبة أصبحت مبشرة، وبالتوبة قضت على الجحيم الذي كانت فيه وصعدت إلى جنة المسيح.
الطروباريات
طروباريَّة القيامة باللَّحن الأوَّل
إنَّ الحجرَ لمَّا خُتِمَ من اليهود، وجسدَكَ الطَّاهِرَ حُفِظَ من الجُنْد، قُمْتَ في اليوم الثَّالِثِ أيُّهَا المُخَلِّص، مانِحًا العالمَ الحياة. لذلك، قُوَّاتُ السَّمَاوَات هَتَفُوا إليكَ يا واهِبَ الحياة: المجدُ لقيامَتِكَ أيُّها المسيح، المجدُ لمُلْكِكَ، المجدُ لِتَدْبِيرِكَ يا مُحِبَّ البشرِ وحدَك.
طروباريّة القدّيسة مريم المصريّة باللّحن الثّامن
بكِ حُفِظَتِ الصورةُ بإحتراسٍ وَثيق أيَّتها الأمُّ مريم؛ لأنَّكِ حمَلتِ الصليبَ وتبِعْتِ المسيح، وعَمِلتِ وعلَّمتِ أن يُتغاضى عن الجسَدِ لأنَّه يزول، ويُهتمَّ بأمورِ النفسِ غيرِ المائتة. لذلك تَبتهِجُ روحُكِ مع الملائكة.
القنداق باللَّحن الثاني
يا شفيعةَ المَسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تَعرْضي عَنْ أصواتِ طلباتنِا نَحْنُ الخَطأة، بَل تداركينا بالمعونةِ بما أنّكِ صالِحة، نحنُ الصارخينَ إليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعةِ وأسرَعي في الطلبةِ يا والدةَ الإلهِ المتَشفّعةَ دائماً بمكرِّميك.