موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٣٠ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

الأحد الثالث المعروف بأحد المخلع 2026

بقلم :
الأب بطرس جنحو - الأردن
الأحد الثالث المعروف بأحد المخلع

الأحد الثالث المعروف بأحد المخلع

 

الرسالة:

 

رتلوا لإلهنا رتلوا

يا جميع الأمم صفقوا بالايادي

 

فصل من أعمال الرسل القديسين الأطهار (أعمال الرسل 9: 32-42)

 

في تلكَ الأيَّامِ، فيما كانَ بُطُرسُ يَطوفُ في جَميع الأماكِنِ، نَزَل أيضًا إلى القدِّيسينَ السَّاكِنينَ في لُدَّة، فوَجَدَ هناكَ إنسانًا اسمهُ أَيْنِيَاسَ مُضَطجِعًا على سريرٍ مِنذُ ثماني سِنينَ وهُوَ مُخلَّع. فقالَ لهُ بطرُسُ: يا أينِياسَ يشفِيكَ يسوعُ المسيحُ. قُمْ وافتَرِشْ لنفسِك. فقام لِلوقت. ورآه جميعُ السَّاكِنين في لُدَّة وسارُونَ فَرَجَعوا إلى الرَّبّ. وكانت في يافا تِلميذَةٌ اسمُها طابيِثا الَّذي تفسيرُهُ ظَبْيَة. وكانت هذه مُمتَلِئةً أعمالاً صَالحةً وصَدقاتٍ كانت تعمَلُها. فحدَثَ في تِلكَ الأيامِ أنَّها مَرِضَتْ وماتَتْ. فَغَسَلُوها ووضَعُوها في العِلِّيَّة. وإذ كانت لُدَّةُ بقُربِ يافا، وسَمعَ التَّلاميذُ أنَّ بطرُسَ فيها، أَرسَلُوا إليهِ رَجُلَيْن يسألانِهِ أنْ لا يُبطِئَ عن القُدُوم إليهم. فقام بطرُسُ وأتى مَعَهُمَا. فَلمَّا وَصَلَ صَعدوا بهِ إلى العِلِّيَّة. ووقَفَ لديِه جميعُ الأرامِلِ يَبْكِينَ ويُرِينَهُ أَقْمِصَةً وثِيابًا كانت تَصنَعُها ظَبيَةُ معَهَنَّ. فأخرَجَ بُطرُسُ الجميعَ خارِجًا، وجَثَا على رُكبَتَيْهِ وصَلَّى. ثمَّ التَفَتَ إلى الجَسَدِ وقالَ: يا طابيثا قُومي. فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا. ولـمَّا أَبْصَرَتْ بُطرُسَ جَلَسَتْ، فناوَلَهَا يَدَهُ وأنهضَها. ثم دعا القدِّيسيِنَ والأرامِلَ وأقامَها لَديهمِ حيَّةً. فشاعَ هذا الخبرُ في يافا كلِّها. فآمَنَ كَثيرون بالرَّبّ.

 

 

الإنجيل

 

فصل شريف من بشارة القديس يوحنا (5: 1-15)

 

في ذلك الزَّمان، صَعِدَ يسوعُ إلى أورشليم. وإنَّ في أورشليم عند باب الغَنَمِ بِرْكَةً تُسَمَّى بالعبرانية بيتَ حِسْدَا لها خمسةُ أَرْوِقَة، كان مُضطجعًا فيها جمهورٌ كثيرٌ من المرضى من عُمْيَانٍ وعُرْجٍ ويابِسِي الأعضاء ينتظرون تحريكَ الماء، لأنَّ ملاكًا كان يَنْـزِلُ أَوَّلاً في البِرْكَة ويحرِّكُ الماء، والَّذي كان ينـزِلُ أوَّلاً من بعد تحريك الماء كان يَبْرَأُ من أَيِّ مرضٍ اعتَرَاه. وكان هناك إنسانٌ به مرض منذ ثمانٍ وثلاثين سنة. هذا إذ رآه يسوع ملقًى وعلم أنَّ له زمانًا كثيرًا قال له: أتريد أن تبرأ؟ فأجابه المريض: يا سيِّدُ ليس لي إنسانٌ متى حُرِّك الماء يُلقِيني في البركة، بل بينما أكون آتِيًا ينـزل قَبْلِي آخَر. فقال له يسوع: قُمِ احْمِلْ سريرَك وامْشِ. فللوقت بَرِئَ الرَجُلُ وحمل سريرَه ومشى. وكان في ذلك اليوم سبتٌ. فقال اليهودُ للَّذي شُفِيَ: إنَّه سبتٌ، فلا يحِلُّ لكَ أن تحمل السَّرير. فأجابهم: إنّ الَّذي أَبْرَأَنِي هو قال لِـيَ: احْمِلْ سريرَك وامشِ. فسـألوه: من هو الإنسان الَّذي قال لكَ احملْ سريرَك وامشِ؟ أمّا الَّذي شُفِيَ فلم يَكُنْ يَعلَمُ مَن هو، لأنَّ يسوعَ اعتزل إذ كان في الموضع جَمْعٌ. وبعد ذلك وَجَدَهُ يسوع في الهيكل فقال له: ها قد عُوفِيتَ فلا تَعُدْ تُخْطِئ لِئَلَّا يُصِيبَكَ شرٌّ أعظم. فذهب ذلك الإنسانُ وأخبرَ اليهودَ أنَّ يسوع هو الَّذي أَبْرَأَهُ.  

 

 

بسم الآب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين.

 

المسيح قام... حقأ قام

 

قرب بوابة الأغنام في قلعة القدس حيث كانت تُساق الأغنام للذبائح، كانت هناك (ولا تزال قائمة حتى اليوم) بركة تُسمى بالعبرية بيت حسدا، أي "بيت المحبة" أو "بيت الرحمة"، ولها خمسة أروقة. كان يرقد فيها كثير من المرضى، مكفوفين وعرج ومشلولين، ينتظرون تحريك الماء. فمن حين لآخر كان ملاك ينزل إلى البركة ويحرك الماء. فكان أول من يدخل بعد تحريك الماء يُشفى من أي مرض كان يعاني منه. لم يكن الأمر متعلقًا بالحمامات الحرارية، بل برحمة الله ونفعه، إذ كان أول من يدخل في كل مرة يُشفى، بل من كل داء.

 

كان هناك رجل يعاني من مرضه منذ 38 عامًا. أي أن الجميع كانوا يعرفونه، ويعرفون مرضه ومدى معاناته. لذلك لم يكن شفاءه على يد المسيح، والذي سنراه لاحقًا، إلا معجزة أخرى من مصدر النعمة، الرب الإله المتجسد. عندما رآه يسوع مضطجعًا، وعلم أنه كان هناك وقتًا طويلًا، قال له: "أتريد أن تُشفى؟" فأجابه المريض: "يا سيدي، ليس لي أحد يُنزلني في البركة حين تتحرك المياه، فبينما أنا آتي، ينزل غيري قبلي". مع أن المسيح يعلم خبايا النفوس، إلا أنه سأل المشلول ليُثير فيه حركة وجودية للعودة إلى الله ومحبته. أراد أن يُوقظ روحانية المريض الكامنة، وأن يُوجهها من جديد نحو التوبة وطلب رحمة الرب اللامتناهية. ينسى الإنسان المعاصر، على وجه الخصوص، الله ومعنى حياته، غارقًا في هموم مجتمعنا الاستهلاكي، التي غالبًا ما تكون مُختلقة، بينما "هناك حاجة إلى شيء واحد" (لوقا 10: 42)، كما أكد يسوع. أي أن هناك أمراً واحداً ضرورياً في المقام الأول: التوجه إليه بنفسه، وإقامة علاقات معه، ولقاء وجهه، لأنه هو الذي يعطي كل الخيرات.

 

قال له يسوع: «قم، احمل فراشك وامشِ». وفي الحال شُفي الرجل، وحمل فراشه ومشى. تتجلى قدرة الله المطلقة في كثرة المعجزات التي أجراها، ليس فقط وهو بين الناس، بل أيضًا من خلال معجزاته التي لا تُحصى، والتي أجراها القديسون عبر التاريخ.

 

ولكن كان ذلك اليوم يوم سبت. فقال اليهود للرجل الذي شُفي: «إنه يوم سبت، لا يجوز لك أن تحمل فراشك». هنا نرى قسوة قلوب بعض الناس، الذين لا يهتمون حقًا بمشاكل الآخرين واحتياجاتهم، بل يهتمون بحرفية الشريعة وقواعدها. مع ذلك، فإن المحبة الحقيقية لا تتوقف عند المظاهر، بل تتواصل مع الناس وتجد حلولًا، فتجذب بذلك نعمة الله. بالنسبة لنا نحن المسيحيين يوم الأحد - يوم السبت عند اليهود - هو يوم الله وعبادته، ولكن بالتوازي مع خدمة الآخرين وتقديم العون لهم، وليس بشكل منفرد. المسيح هو رب السبت. بصفته خالق العالم وقائد الكنيسة. ولذلك أجرى المعجزات يوم السبت ليدرك بنو إسرائيل أنهم أمام رب المجد نفسه، وليس مجرد إنسان عادي.

 

فأجابهم الرجل الذي كان مريضاً: «الذي شفاني قال لي: احمل فراشك وامشِ». فسألوه: «من هو الرجل الذي قال لك: احمل فراشك وامشِ؟» لكن الرجل الذي شُفي لم يكن يعرف من هو، لأن يسوع كان قد انصرف، إذ كان هناك جمع غفير في ذلك المكان. أي أن يسوع رحل سريعاً بعد أن أجرى معجزاته الكثيرة:

 

أ- لتجنب الفضول السطحي حيث لم يكن هناك بحث صادق عنه.

 

ب- حتى لا يُعلن عنه كمسيح سياسي عسكري، كما توقع اليهود خطأً أنه مختار الله.

 

ج- لأنه كان تجسيداً للتواضع، الذي أظهره ليس فقط عندما ولد في فقر وكإنسان، وليس فقط عندما طارده هيرودس وهو رضيع ووجد نفسه لاجئاً في مصر، ولكن أيضاً مع الازدراء الذي أظهره له الكثيرون، والتعذيب الشديد الذي عانى منه، والصليب الذي تحمله من أجل فداء الجميع.

 

بعد ذلك، وجد يسوع الرجل المشلول في الهيكل وقال له: «ها أنت قد شفيت. لا تعد إلى الخطيئة لئلا يصيبك ما هو أسوأ». ذهب الرجل، الذي كان طريح الفراش، إلى الهيكل ليشكر الله على الصحة التي نالها، وهذا يعلمنا ألا ننسى الله، بل أن نشكره لا أن ننكره. أخبره المسيح أن الله لا يرضى عن الخطيئة (التقصير في بلوغ الكمال في الإنسان والتشبه به)، وأنه يسحب نعمته ورحمته عن الذين لا يتوبون. ليس لأن الله لا يحبهم (فهو لا يفرق بين أحد)، بل لأنه قدوس بطبيعته، ولا يرضى بالشر والفساد وعبودية الأهواء. وهو يقدم حمايته ومحبته ونور وجهه لمن يقبلونها طواعية، ويطلبونها، ويسيرون في حرية وفقًا لإرادته، لا لمن ينكرونها، لأنه لا يخالف إرادة البشر أبدًا. غادر المشلول السابق على الفور، وأعلن لليهود (لا حسدًا، بل امتنانًا) كرم الله، معترفًا بيسوع مخلصًا وإلهًا له. ويشير فعله هذا إلى ضرورة ألا ننسى، بل وإلى الآخرين أن يتحدثوا عن محبة الله، حيثما توفرت الظروف المناسبة ودُعينا إلى ذلك.

 

من الملاحظات المهمة هنا أن الرجل الذي شُفي أدرك وجود الله، وأدرك النعمة التي أنعمها عليه، لكنه لم يكن يعرف من هو المسيح (الذي هو تجسد الله). ومع ذلك، ذهب إلى الهيكل والتقى به هناك. في اللقاء الحقيقي مع المسيح، الذي هو غاية البشرية وخلاصها، لا نسترشد بالبحث العقلاني، بل بالرجوع إلى حقائق الكنيسة، والحياة الأسرارية، وتفسير آباء الكنيسة للأناجيل، والصلاة الخاشعة.

 

كان المشلول وحيدًا تمامًا، معزولًا عن أهله وأصدقائه وأقاربه ومعارفه. تُلاحظ هذه الظاهرة بشكل خاص في المدن الكبرى، حيث رغم حيويتها، يعاني الكثيرون من الوحدة، ويفتقرون إلى العزاء، أو تضعف قدرتهم على التواصل الاجتماعي السليم. لكن عندما يكون المسيح معك، يكون كل شيء معك. هو نفسه ملء الحياة، ووفرة الروح. عندما تصلي إليه، لا يحرمك من إجابته. وهو لا يتخلى عن رعيته، تمامًا كما أن الكنيسة التي هي امتداده على الأرض تساعد الناس نفسيًا وجسديًا، دون تمييز. هذا الإنسان "الميت" عضويًا واجتماعيًا، المسيح "قامه". هو مانح الحياة والصحة النفسية والجسدية. أعاده إلى بيئته الاجتماعية والدينية السابقة. منحه إمكانية العمل، وبناء علاقات عاطفية، والفرح والترفيه.

 

لكن هذا لا يكفي لحياة مثالية. فالمطلوب هو نعمة المعزي، التي لا يمنحها إلا يسوع المسيح.

 

كان المشلول، كما يبدو، رجلاً صبوراً متفهماً. قاده مرضه الشديد إلى هذه الحالة. تقبّل بني جنسه كما هم، بمواهبهم ونقائصهم، بعيوبهم الصغيرة والكبيرة. قدّم له المرض أسمى درس في الحياة والإنسانية. رسالتنا اليوم هي ألا نيأس من موقف البعض الذي قد يكون ظالماً تجاهنا، بل أن نترك الحل لله وإرادته، بالدعاء والتواضع. حيث لا نستطيع تغيير العالم، فلنترك الخليقة بصبر بين يدي خالقها. فهو العليم بكل شيء والرحيم به. وقبل كل شيء، علينا أن ندرك أنه في كثير من حالات العلاقات السلبية والصراع مع من حولنا، قد نكون نحن المذنبين في جوهرها، لا غيرنا، إذا تعمقنا في الأمر. لكن الأنانية تحجب عنا هذه الحقيقة.

 

صحيحٌ أن الله يزور من هجرهم الناس. فهو لا يترك المتألم وحيدًا عاجزًا. لا ينبغي لأحد أن ييأس. عندما ندعو الله، يفيض علينا بمحبته، ليس متى شئنا، بل متى رأى الصواب. كمسيحيين، يجب ألا ننسى أبدًا أن أسمى من الصحة الجسدية والنفسية هي العلاقة واللقاء مع الله من خلال الإيمان والصلاة والشركة الإلهية. هذا ما يُخلّص، وليس صحتنا الجسدية فحسب. المسيح بمعجزاته الشافية، والكنيسة بسرّ الإفخارستيا ونعمة التقديس التي منحها إياها، يُبيّنان لنا أن عالم الله الجديد هو التحرر من الفساد والموت، والحياة في المحبة والأخوة. التوبة والتواضع أساسيان. هذا هو السبيل السليم لإعادة الإنسان إلى الله وإلى إخوانه في الإنسانية.

 

 

الطروباريات

 

طرروبارية القيامة على اللحن الثالث

لتفرح السماويّات، ولتبتهج الأرضيّات، لأنّ الربّ صنع عزّاً بساعده، ووطيء الموت بالموت، وصار بكر الأموات، وأنقذنا من جوف الجحيم، ومنح العالم الرحمة العظمى.

 

قنداق المخلع

لنفسي، المخلّعة جداً بأنواع الخطايا والأعمال القبيحة، أنهض يا رب بعنايتك الإلهية، كما أقمت المخلَّع قديماً. حتى إذا تخلّصت ناجياً أصرخ: أيها المسيح، المجد لعزَّتك.

 

قنداق الفصح باللّحن الثامن

ولئن كنتَ نزلتَ إلى قبر يا مَن لا يموت، إلا أنَّك درستَ قوَة الجحيم، وقمتَ غالباً أيُّها المسيحُ الاله، وللنسوةِ حاملاتِ الطيب قلتَ افرحنَ، ولِرسلِكَ وَهبتَ السلام، يا مانحَ الواقعينَ القيام.